مقاومتي بدأت تنهار، وروحي بدأت تتسحب مني، وفاجأة ممنعهوش عني غير صوت الدوشة اللي جت من الڤيلا تحت، فـ كانت طوق النجاة الوحيد ليا من بين إيديه، فـ اتعدل بسُرعة وقام نزل يشوف ايه اللي بيحصل، وفضلت أنا لوحدي قاعدة مصدومة مش قادرة انطق ولا حتىٰ قادرة أتحرك من مكاني ، كأني لسه محبوسة في اللحظة اللي فاتت، قلبي كان بيتنفض جوايا من خوفه، وإيدي لسة رجفتها مش بتهدىٰ.
لحظات وكأني كُنت فيها مُغيبة عن اللي بيحصل من حواليا، مرجعنيش للواقع غير الدوشة اللي بيزيد صوتها أكتر وأكتر تحت، وقتها وقفت بصعوبة، كأن رجلي لحظتها اضعف من إنها تشيلني، وجهت نظراتي للمكان من حواليا بتأكد فيها إنه فعلًا بعد عني، من بعدها اتحركت بخطوات تقيلة، وخرجت بره الأوضة أخيرًا، وما إن وصلت لبرا، لقيت الدنيا مقلوبة تحت، والصوت بيعلىٰ أكتر، فـ نزلت اشوف اللي بيحصل وكانت المُفاجأة لما لقيته!!
لقيت ياسين واقف لابس جلابية فلاحي واسعة أكمامها غريبة عنه، ومداري شعره تحت طاقية بنفس لون الجلابية، وفي رجليه شبشب جلد بسيط مترب كأنه جاي من سكة مشي طويلة، وشه كان متغير، ملامحه مشدودة، ودقنه سايباها بشكل عشوائي مُهمل، بس رغم كل ما فيه من إختلاف، فضل فيه شيء واحد متغيرش، وهي عيونه، عيونه اللي فضحته ليا وعرفتني بيه.
لحظتها كان بيزعق بصوت عالي، وبيقول_ مراتي هربانة مني وجاية عنديكم وأنا مش همشي غير بيها.
كان عيوني باين فيها الصدمة، وهو واقف ممسوك من أمن الڤيلا، وعلاء وقتها وجه عيونه ليا، وقال_ تعرفيه ده يا بت؟!
اتجمدت لحظة، لحظة قصيرة بس عدّت عليا كأنها عُمر، وجهت عيوني لأجل تتلاقىٰ بعيونه بنظرة سريعة محسوبة، ومن بعدها نزلت عيوني للأرض من تاني بسُرعة، ومكانش قدامي حل غير إني اهز راسي بالإيجاب واوافق علىٰ كلامه، لأجل ميمسوش سوء بسبي، فـ كمل علاء، وقال_ ومقُلتيش ليه إنك متجوزة؟!
رديت وأنا بحاول استجمع قواي، واستعيد شخصية سماح وطريقتها، وقُلت_ راجل ضلالي يا بيه، ميهموش إلا نفسه وكيفه، وأنا وابنه اللي في بطني أخر من يفكر فيه، عشان كده هربت منه، وجيت ادور علىٰ لقمة عيشي يا بيه.
علاء رفع حاجبه ورماني بنظرة من فوق لتحت، وكأنه بيقيس صدق كلامي، وبعدها قال_ وكمان حامل؟!
هزّيت راسي بإيجاب، وأنا لسه عيوني في الأرض، وقُلت _ أيوه يا بيه.
سكت لحظة، وبعدين ضحك بسُخرية، وقال _ يعني هربانة من جوزك، وجاية تشتغلي عندي، وحامل كمان؟!
مرديتش ولا حتىٰ رفعت عيوني من الأرض، فـ وجه نظراته لياسين وقال _ وأنت بقىٰ فاكرني هسلمهالك بالسهولة دي؟!
رد ياسين بثبات _ أنا مش عايز مشاكل يا بيه أنا عايز حجي.
قرب علاء منه خطوة، وقال بسُخرية_ وهو أيه هو حقك إن شاء الله؟!
بنفس ثباته، قال _ تفضل جصاد عيني، وأنا أشتغل معاها إهنه.
ضِحكت علاء الساخرة زادت، وقال مابينها_ يعجبني ثقتك، وإنك داخل فاتح صدرك أوي.
سكت لحظة، وبعدين لفّ عينيه ما بينهم الاتنين، كأنه بيحسبها في دماغه.
قرب أكتر من ياسين، وقال بنبرة أوطىٰ _ بس خلي بالك الثقة الزيادة دي ساعات بتودي في داهية.
ياسين ما اتحركش ولا حتىٰ اتهزله رمش، وكأن تهديده معداش عليه من الأساس، فابتسم علاء، ورجع وقف في مكانه وقال_ بس عارف أنا بحب النوع ده.
وجه عيونه للأمن، وقال_ سيبوه.
الأمن سابه، وقتها ياسين عدل جلابيته بهدوء، ووقف ثابت قدامه، من غير ما يهابه للحظة، قعد علاء علىٰ الكرسي اللي قصاده، وسند ضهره براحة، وبص له بنظرة فيها لعب، وقال _ تصدق أنا موافق اشغلك هنا بس علىٰ مزاجي أنا.
سكت ثانية، وبعدين وجه عيونه ليا، وابتسامة خفيفة بانت على ملامحه، ابتسامة رغم وجودها إلا إنها متعرفش للطمأنينة عنوان بل ابتسامة مُقبضة ليا، وقال_ وهي…
رجع عيونه لياسين، وكمل: _ هتبقى معاك.
وقبل ما حد يستوعب، كمل بنفس الهدوء المُقبض، قال_ وفي أوضة واحدة.
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة سُخرية واضح فيها شكه _ مش مراتك برضه ولا كنت بتهزر؟!
هزّ ياسين راسه بالإيجاب، وعيونه متعلقة بيا لحظة، قبل ما يرجعها لعلاء، ويقول بثبات وثقة واضحة_ طبعًا مرتي يا بيه، وأنا راچل صعيدي ما أجولش كلمة وأرچع فيها واصل.
علاء ضيق عيونه، وزاد من نظراته لي باهتمام أكتر، كأنه بدأ يقتنع، أو علىٰ الأقل بيتسلىٰ باللعبة لغاية أما يشوف أخرها، وقال: _ طيب هنشوف بقىٰ، لكن افتكر هي معاك أه بس مش ملكك، فاهم يا…
سكت لحظات وقال بتسأول_ إلا صحيح اسمك أيه؟!
رد بنفس نبرته الواثقة، وثباته الإنفعالي_ اسمي عامر يا بيه، عامر.
قام من مكانه، وعدّل هدومه، ووجه نظراته للأمن، وقال _ تمام يا عامر، خدوهم الاتنين علىٰ أوضة الجنينة.
ورجع ليا بنظرات أخيرة، وقال_ وأنتِ خليكِ فاكرة إنك تحت عيني، والكلام بينا مخلصش.
ختم جُملته بضِحكة سخيفة، ضِحكة زادت من قبضة قلبي، ورجفة جسمي، قبل ما يسيب المكان ويطلع من تاني علىٰ أوضته، وياخدني الأمن وياه علىٰ الأوضة اللي بره.
___
_أنت إزاي تتصرف من غير ما ترجعلي.
جُملة قُلتها بعصبية واضحة، بمُجرد ما خرج الأمن وسابونا سوا، واتأكدت إن مفيش مراقبة علينا، فـ بادلني العصبية هو كمان، وهو بيقول_ أكتر من ساعتين موبايل سيادتك مبترديش عليه، قُلت أكيد حصل حاجة، مقدرتش أقعد مكاني واسيبك.
بنفس الإنفعال قُلت_ ادينا إحنا الإتنين اتحبسنا هنا، شوف مين هيلحقنا يأبو قلب رهيف.
عض علىٰ شفايفه بغيظ، وبنفس العصبية قال_ اتصدقي خسارة فيكِ إن حد يهمه حالك ويخاف عليكِ، ما كُنت سبتك اتفلقتي.
شاورتله بإيدي، وأنا بقول_ يا شبخة اتلهي بقىٰ بالورطة اللي حطتنا فيها دي.
قرب مني، قرب مني خطوة، وصوته على رغم عصبيته كان فيه حاجة تانية متدارية فيه، وقال_ وبعدين تعالي هنا أنتِ كُنتِ في أوضة الباشا بتهببي أيه؟!
حسّيت كأن سؤاله داس علىٰ جرح جوايا مش عايزة وجعه يمر ببالي لو ثانية من تاني، بلعت الغصة اللي في حلقي بصعوبة، وبعدت عيوني بسُرعة عنه قبل ما يلاحظ في ملامحي خوفها، ولحظة صمت عدت بيا راود بالي فيها المشهد من تاني، المشهد اللي لوهلة خلىٰ جسمي يتنفض بمُجرد ما تخيلت قربه ولمسته وإحساس إني محاصرة في قفصه، ومرحمنيش من إيده إلا صوت الدوشة اللي كانت هي طوق النجاة الوحيد ليا منه، دموعي كانت علىٰ وشك تنزل قدامه، ولكن بسُرعة ادتله ضهري ولحقتها قبل ما يلمحها في عيني، وقُلت بنبرة مهزوزة_ مفيش كُنت بدور علىٰ أي حاحة تفيد.
لحظتها طالت نظراته ليا، و كأنه بيحاول يقرأ اللي مستخبي ورا نبرة صوتي المهزوز، وقال بهدوء وهو بيكرر كلمتي_ مفيش، مفيش إزاي؟!!
قرب خطوة، وبصوت واطي، قال _مَريم ما تكدبيش عليا. سكت لحظة، وعيونه
مفارقتش ملامحي، وقال_وشك مش طبيعي، قوليلي، الحيوان ده عملك حاجة؟!
رغم إن وقتها روحي كانت بتصرخ جوايا من وجعها، ونفسها اللي يحس بيها مرة، ولكني منعت حروفي تخرج وتفضح فعله، مش خوفًا عليه، ولا حتىٰ ضعف مني، ولكن عشان انفعال واحد من ياسين قادر ينتهي معاه حياتي وحياته، وتخلص السكة اللي ما صدقت امسك بإيدي أول خيط فيها، وبيتردد في بالي جملة واحدة قالها عز، وهي ” الغلطة بفورة، ومن هنا اكتفيت بإني ارد، وأقول بنبرة بحاول اتماسك فيها حتىٰ لو ظاهر غير كده_ مفيش حاجة يا ياسين أنا كويسة.
رجع لسؤاله من تاني، وقال بنفس نبرته الأولىٰ_ طب كُنتِ عنده ليه يا مَريم؟!
حاولت أفوق، وارجع لمُشاكستي لي، ولفيت لي، وأنا برسم ضِحكة علىٰ ملامحي حتىٰ لو زايفة، وبقول_ هي دي غيرة ولا أنا مش واخدة بالي؟!
لف ضهره بسُرعة، وكأنه بيهرب من عيوني، وهو بيقول بإنكار_ غيرة، غيرة أيه، لا طبعًا، أنا بس بطمن إذا كُنتِ بتشتغلي فعلًا ولا بتضيعي وقتك في كلام فارغ.
رفعت حاجبي بسُخرية من إنكاره، وقُلت وأنا بحاول اداري ضحكتي عنه_ لا يا راجل؟!
قال وهو مازال مش راضي يلف أو عيونه تتلاقىٰ بعيوني_ ده مُجرد فضول إنساني طبيعي يا ماما، وخوف علىٰ المصلحة العامة اللي بينا وهي الشغلانة دي، تخلص وملمحكيش في طريق تاني.
ضِحكت وأنا بقعد علىٰ السرير، وبقول بنفس المُشاكسة_ وأيه تاني؟!
سكت ثواني، وبعدها كمل بنفس المُكابرة، ورجع عيونه ليا اللي كانت بتكدب كل حرف بينطق بيه، وقال_ متفكريش نفسك مهمة أوي علشان أغير أصلًا.
حاولت اداري ابتسامتي، وأنا ببصتنع اللامبالاة، وبقول_ تمام.
عض علىٰ شفايفه بغيظ معرفش يداريه، وقال_ بس تلاتة بالله العظيم لو لمحتك في اوضته تاني لاخلي مفيش دكتور يعرف يصلح وشك بعدي، أمين؟!
ضِحكتي زادت وبانلها صوت لحظتها غصب عني، فـ حدفني بمخدة كانت في إيده، اتخضّيت لحظة، وبعدين بادلته ورميتها عليه، وأنا بقول_ اتهد ياض واقعد عشانفي كللم مُهم لازم تعرفه، وعشان كمان نفكر هنهبب أيه وإحنا الاتنين بقينا جوه اللعبة ومفيش اللي يلحقنا من إيديه.
قعد علىٰ طرف السرير جمبي، وقال بنبرة لسه فيها بقايا مشاكسة_سامعك، اتفضلي اتكلمي يا أخرة صبري، خير؟!
وقتها مديتله إيدي بالفون، وهو مفتوح علىٰ صور المستندات اللي خدتها، وأنا بقول_ ركز كويس في اللي بتشوفه.
مد إيده وخده مني، وبدأ يقلب مابين الصور، وملامحه بدأت تتبدل مع كل صورة عيونه بتقع عليها، وبان في نظراته ونبرة صوته الصدمة_ أنتِ جبتِ الحاجات دي منين؟!
وجهت نظراتي للمكان حواليا بتأكد إن مفيش حد مراقبنا، من بعدها رديت، وقُلت بصوت واطي ميسمعهوش غيره_ ليلىٰ.
وجه نظراته بعدم فعم ليا، فـ كمات بنفس درجة الصوت_
ليلىٰ ظهرتلي هنا تاني، وخدتني لأوضة علاء، وهناك لقيت خزنة فيها كل البلاوي دي.
سكت لحظة، وعيونه فضلت عليا لحظات كأنه بيستوعب، أو يمكن بيحاول يلاقي تفسير، ومن غير ما يرد، رجع عيونه للموبايل، وبدأ يقلب مابين الصور تاني، بتركيز أكبر، لوقت ما قطع الصمت وقال بصوت واطي باين فيه صدمته _أنتِ شايفة الأرقام دي؟!
قرب الموبايل من عيوني، وقال _تحويلات بالمبالغ دي مش طبيعي.
قلب صورة تانية، وكمل _وأراضي بتتباع بالأسعار دي، مفيش حد بيبيع كده إلا لو بيغسل فلوس وبيداري علىٰ أصلها.
سكت ثواني، وقال بإنفعال بيحاول ميعلاش فيه صوته _ده غسيل أموال وعلىٰ عينك يا تاجر.
وقف عند صورة، وقال بتركيز_استني.
قرب الموبايل من عيونه أكتر، وكأنه بيتأكد أكتر من اللي شايفاه عيونه، وهو بيقول بصدمة لسة مازالتش عن ملامحه_ شهادات وفاة لناس كبار في السن، وتواريخهم!!
هزيت راسي بالإيجاب، وأنا بقول بنفس الصوت الواطي_ كُل تاريخ وفاة بيتبعه عملية تحويل بنكي لصالح عز.
قال بتفكير وهو بيحاول يوصل للفهم_يعني كل ما حد فيهم يموت، الفلوس تتحرك، يعني موتهم تجارة لعز، بس إزاي؟!
قلت بسرعة، وكأني بحاول أمسك أي خيط_ هنعرف، أكيد هنعرف، بس المُهم دلوقتي هنعمل أيه في الورق ده.
سكت ثانية، وبعدين كملت، وقُلت_ أنا كُنت ناوية ابعتهولك، بس دلوقتي بقيت معايا محبوس زيك زيي.
رد بهدوء، وقال_ متقلقيش، أنا اتكلمت مع بابا واتفقت معاه علىٰ كُل حاجة.
رفعت حاجبي باستغراب، وقُلت _باباك؟
هز راسه بالإيجاب، وقال_أنتِ ناسية إنه محامي قديم، وعنده كمان خبرة ومعارف كتير، هياخد مننا الأدلة ويوصلها لحد من رجال القانون اللي يثق فيهم، وهو هيتصرف.
مردتش، فـ كمل، وقال_ اطمني إحنا سوا، ومش لوحدنا.
___
أيام فاتت بنحاول ندور فيها علىٰ تكملة للحكاية، وختام يليق بيها، أيام خوفي فيها زال بوجود ياسين، فـ بقىٰ الأمان الوحيد ليا في وسط عالمهم المُخيف، والكام ضِحكة اللي بنخطفهم سوا هما اللي أصبحوا بيصبروا قلبي علىٰ اللي أنا فيه، من غير ما أخد بالي بقيت بستنىٰ وجوده، وبتسند عليه، لحد ما بقىٰ هو رفيق الرحلة، وونيس أيامها.
وفي يوم، وأنا ماشية في ممرات الڤيلا بنضفها، عيوني وقعت على باب، باب دايمًا مقفول، باب محدش بيقرب منه، ولا حتىٰ عيون حد بتروح ناحيته، باب فضل يناديني لحد ما مبقاش عندي رفاهية إني أتجاهله، ولكن المرة دي متسرعتش كـ عادتي من غير حساب للعواقب، بل اتصرفت بكُل عقل، وطلبت من أم أحمد وبناءً علىٰ الاتفاق القديم بينا إنها تأمنلي المكان بره لغاية أما ادخل الأوضة واطلع منها من غير ما حد يحس بيا، وهي رغم ترددها وخوفها وافقت وهي مغلوبة علىٰ أمرها مني.
وقفنا قدام الباب لحظات، وقالت أم أحمد بهمس ليا، وهي بتراقب المكان من حوالينا_ هتدخلي إزاي دلوقتي ومعكيش مفتاح؟!
سكتّ بتفكير لثواني، وبعدين قُلت بتسأول_ هي الأوضة دي ليها بلكونة صح؟!
هزت راسها بالإيجاب، وكملت بنفس التسأول، وقُلت_ والأوضة اللي جمبها دي أوضة بنت عز، ومحدش فيها صح كده؟!
ردت، وقالت_ أيوه صحيح.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وكأني لقيت الحل لحظتها، وقُلت_ يبقىٰ محلولة.
قالت بإستغراب_ هتعملي أيه؟!
ضِحكت بخفة، وقُلت_ هتشوفي.
دخلت أوضة هيام بنت عز، مستغلة إنها مش موجودة فيها من يوم جوازها، وطلعت لبلكونتها، وجهت نظراتي للمسافة اللي بين البلكونتين، والمسافة كمان اللي بين البلكونة والأرض اللي ممكن اقع عليها لو خاطرت ونفذت اللي في دماغي، جايز لحظة خوف عدت على قلبي، ولكن فضولي وقتها كان أكبر من خوفي ومستسلمتش لي، فـ طلعت برجلي علىٰ حافة السور، وجهت عيوني لتحت بنظرة سريعة ضاق نفسي أثرها، فـ رفعت عيوني بسُرعة، وأنا بقول بنبرة مهزوزة من خوفي_ يارب استرها، يارب.، وفي جزء من الثانية الزمن وقف فيها وأنا برمي جسمي لقدام تجاه البلكونة التانية، لحظة رجلي سابت الأرض فيها، وقلبي كان هيشق صدري ويخرج منه من قوة دقاته، لوقت ما أخيرًا رجلي لمست أرض البلكونة التانية اترميت فيها، لحظتها أنفاسي خرجت كُلها دفعة واحدة كأني كنت حابساها من زمن، قعدت ثواني مكاني، بحاول أستوعب
إني عديت وعايشة.
مفضلتش كتير مكاني، وقُمت وانا بدخل الأوضة بهدوء، وأول ما قابلني فيها كان ريحتها، فكانت مزيج ما بين عطور باهتة ورطوبة وسكون تقيل، كأن الهوا مدخلهاش من سنين، وفي نص الأوضة كان فيه سرير كبير قديم، خشبه غامق وباين عليه أثر الزمن، مفرشُه باهت ومفروش بإهمال، كأن حد كان عايش عليه يوم واختفىٰ من غير ما يلم أثره، حتىٰ مخداته ولحافه كانوا مرمين عليه بـعشوائية، كأن النوم اتقطع عن صاحبه فاجأة في لحظة خوف، وفي الحيطة المُقابلة للسرير كان في دولاب كبير بنفس لونه، بابه لسة موارب من أخر مرة اتفتح فيها، وفي الجهة التانية تسريحة متختلفش عنهم كتير، لكن أكتر حاجة خطفت عيوني وراحتلها كانت الجدران، فـ كل شبر منها عليه صورة لست واحدة، ست تشبه للقمر في جمالها، لا ده حتىٰ وصفها بالقمر ظالم ليها، ورغم كُل الجمال ده باين في عيونها حزنها، حزن طفىٰ ملامحها في صورة ورا التانية لما دبلت في أخرهم.
فضولي زاد أعرف هويتها، واعرف أيه اللي متداري وراها، بدأت ادور في أدراج الكومود علىٰ أي شيء يعرفني بيها وبحكايتها، ولكني لقيت الإدراج فاضية، وكأن المكان اتفرغ من كل أثر ليها عن عمد، مش مُجرد إهمال، ولكني ميأستش وكملت تدوير مابين رفوف الدولاب، وأدراج التسريحة، وإيدي مش طايلة أي دليل علىٰ وجودها تمسكه، لوقت ما وقفت لحظة وعيوني بتلف في الأوضة من تاني، ولوهلة حسيت كأن في حاجة بتقولي إن اللي بدور عليه مستحيل يكون في العلن، وهنا بس وقعت عيوني عليها!!!
بلاطة مدارية تحت التسريحة تبان من أول نظرة عادية مفيش غريب فيها، لكن اللي يزود تركيزه عليها يشوف في طرفها فراغ بسيط، يخليها تتشال بسهولة للي يحاول يرفعها.
قربت بسرعة، وإيدي بدأت تتحرك من غير تفكير، وحاولت أرفعها بحذر وبطء، والحقيقة إن البلاطة فعلًا طلعت من مكانها بسهولة أكتر مما توقعت، كأنها متتحطتش من الأساس، وباين تحت ترابها أثار لشيء مدفون جواها، فضولي زاد، ومستنتش كتير، وحفرت بإيدي، لأجل تبان
تحتها مُذكرة، وشوية جوابات مربوطين ببعض بشريط باهت لونُه اتغير من الزمن، سحبتهم بسُرعة، وقلبي لحظتها كان بيدق بطريقة مش طبيعية، كأني مش بس لقيت ورق، لا كأني لقيت بداية حكاية كاملة كانت مدفونة تحت التراب من زمن فات.
رجعت كل شيء لأصله، وخدت الورق بحرص شديد عليه، وكان حظي الحلو إني كُنت لقيت نسخة تانية لمُفتاح الباب جوا واحد من أدراج التسريحة وأنا بدور، فـ اترحمت من المخاطرة بعمري تاني، وخرجت وأنا بتسحب بهدوء من الأوضة، وبقفلها زي ما كانت وكأن شيئًا لم يكن.
خرجت من الفيلا، وروحت لأوضتي أنا وياسين اللي في الجنينة، وقفلت فيها علىٰ نفسي بابها كويس، وأول ما قعدت مكاني، مسكت المُذكرة بإيدي اللي لسه بتترعش،
الورق كان فيها قديم، والحبر كان باهت في بعض سطورها، وكأنه مكتوب وفات عليه سنين، وأول صفحة من ورقها وقعت عليها عيني كان تعريف بصاحبتها، واللي كانت اسمها فريدة، فريدة السيوفي حرمه المصون، وكان كل حرف كاتباه عبارة عن صرخة مكتومة مش قادرة تنطق بيها للعلن، صرخة واحدة داقت مُر الخيانة، فـ بكلام وجعها مكانتش نزوة عابرة مرة وخلصت، وإنما هي واقع تعايشت معاه كتير، ففي واحدة من كتاباتها قالت_ “مش قادرة أتنفس هنا، كُل حاجة في البيت بتخنقني، حتىٰ وجوده.”
سكت لحظة، وإيدي شدت على الورق من غير ما أحس، وعيوني راحت لـ صفحة تانية قالت فيها_ “بيقول إنه بيحبني، بس هو في حبيب يهون عليه وجع حبيبه وكسرة قلبه وهو عارف إنه سببها؟!”
قلبي كان ببوجعني علىٰ كل حرف منها بتنزف روحها فيه، بقيت بقلب بين الصفحات، وعيوني علىٰ كلماتها، لوقت ما وقعت علىٰ جملة بتقول فيها_ “أنا تعبت، مش قادرة أعيش بين الخوف والشك، كل يوم بقتنع إن النهاية أقرب ليا من أي حل”
وزاد تركيزي علىٰ صفحة تانية بتقول فيها_ ” يبان ملاك رحيم، وهو الشيطان في صورته البشرية.”
زاد انتباهي، وقلبت أسرع وأنا مُتأكدة إنها عرفت عنه شيء أكبر من خيانته كـ زوج، وزاد يقيني لما لقيتها قالت مابين سطورها_ ” كل روح بتفارق، بيضيع معاها حتة من تراث بلد، وحق من حقوق شعبها، بس للظلم نهاية، ونهاية الظالم قربت، بس لو كانت نهايتي جت قبله فـ أكيد مش هتكون صدفة، وما خفي هيكون أعظم.
وبسُرعة روحت للجوابات وفي واحد منهم لقيت صور لقطع أثرية مُهمة، ومعاها ورقة مكتوبة بخط ايد عز بيخاطب فيها عميل أجنبي، وبيحددله فيها معاد تمام العملية، وكأن كل حاجة ماشية بخطة محسوبة، بدون أدنىٰ ذرة ارتباك منه، وكأنهم بيتكلموا عن شغل روتيني مش جريمة بيتشاركوا فيها.
بلعت ريقي بصعوبة، واستوعبت من هنا إن فريدة ماكنتش بتجمع ورق وخلاص، دي كانت بتبني قضية كاملة ضده، فـ من الواضح إنها قدرت تغفله وتاخد عليه دليل، دليل قادر يهد كُل اللي بناه سنين، بس اللحظة اللي حاولت فيها أفهم هي عملت أيه بعد كده سكتّ، لأن الإجابة كانت واضحة من غير ما تتقال، فـ هي ملحقتش تستخدمه، مش لأن الورق مكانش كفاية، لكن لأن صاحبه كان دايمًا سابق بخطوة.
قطع شرودي في الأوراق اللي أنا قاعدة ما بينها صوت خبطات الباب، فـ قُمت بسُرعة وأنا بداريها عن الأنظار، ومن بعدها فتحت، ولقيته ياسين، اللي دخل بهدوء غريب عليه، وقعد على طرف السنين من غير ما ينطق بحرف، فـ اتكلمت أنا وقُلت_أنا وصلت لخيط جديد قربني من الحقيقة أكتر.
ثبت نظراته عليا لحظات، من بعدها قال بهدوء مُخيف_ وأنا وصلت للحقيقة كُلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!