الفصل 9 | من 10 فصل

الفصل التاسع

المشاهدات
3
كلمة
2,964
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

ثبت نظراته عليا لحظات، من بعدها قال بهدوء مُخيف_ وأنا وصلت للحقيقة كُلها.
بلعت ريقي بخوف، وقُلت_ أيه، عرفت أيه؟!
قف وقف وادأني ضهره، وقال_الحكاية بتبدأ يوم ما البضاعة بتطلع من الأرض، وينقلها علىٰ مكان ميخطرش علىٰ بال حد تكون فيه.
قُلت بتسأول_ فين؟!
التفت ليا، وقال_ دار المسنين اللي عاملها للمُشردين وفاقدي الأهلية.
قُلت بصدمة_ أيه دار المسنين؟!
هز راسه بالإيجاب، وكمل، وهو بيقول_ بتتخزن في سرداب موجود تحت أرضها، وتفضل فيها فترة لغاية أما الأنظار تغيب عنها، ووقت ما يجي معاد طلوعها بتكون أكتر طريقة أمان لي هي خروجها مع متوفي في نعش واحد.
كان انتباهي كله مع كلامه، وعيوني مفارقهاش الصدمة، وكمل هو وقال_ والمتوفي ده مش بيكون صدفة ولا قدريًا لا موته بيكون مترتب ومتحدد معاده بالتفصيل.
قُلت بإستغراب_ وده إزاي؟!
رد، وقال بتوضيح أكتر_ من خلال شيء بسيط جدًا وهو تلاعب في الأدوية اللازمة للشخص ده، ومن هنا بيحصل خلل بيؤدي لوفاته، ويجي هنا دور الدكاترة التابعين لعز اللي يبينوا إن الوفاة طبيعية ومفيهاش أي ذرة شك.
قُلت بتركيز أكتر_ وبعدين؟!
لف ضهره مرة تانية، واتحرك خطوتين، وهو بيكمل شرحه، وبيقول_ وبمُجرد وصول الجثمان المقابر بتتسلم معاه البضاعة لجلقة الوصل بين عز والمشتري وهو المُهرب، واللي بالمُناسبة تابع كمان لعز، لأجل يكون هو المسيطر علىٰ كل جنيه داخل، وصاحب الحق الوحيد فيه من أول الحفر لغاية التسليم لإيد المُشتري.
قُلت وأنا بدأت افهم كويس الترابط بين الوفيات والفلوس الداخلة لحساب عز، وقُلت وعيوني رايحة لنقطة فراغ_ ومن هنا بتتوافق تاريخ الوفيات مع التحويلا البنكية لحسابه.
رد بتأكيد علىٰ كلامي، وقال_ مظبوط.
قُلت، وأنا مازالت الصدمة باينة علىٰ ملامحي_ ده مش بس تجارة بالأثار، بل كمان تجارة بأرواح الناس ولعب بأعمارهم، صدقت مراته لما قالت عنه شيطان في صورة بشر.
رد ياسين بإستغراب، وقال_ مراته؟!
هزيت راسي بالإيجاب، وقربت من مرتبة السرير، وأنا بطلع من تحتها المذكرة والأوراق، وبمد إيدي لي بيهم.
مد إيده وأخد الورق، في البداية بدأ يقلب بين الصفحات بسُرعة، ولكن وصل لصفحات اصبح تركيزه فيها أعلىٰ، وتقليبه ابطأ، صفحات بدلت ملامحه، وعند واحدة منها عيونه اتعلقت بيها عليها لحظات أطول، بعدها قال من غير ما يرفع حتىٰ عيونه_ دي مش شكاوى ست عادية، ده كلام ست كانت ماشية في سكة لو كملت فيها كانت هتوقعه.
بلعت ريقي، وقلت بصوت واطي_ وأنا كملت بدلها.
رفع عيونه ليا، بنظرة مش بس صدمة، لكنها كمان إدراك، وقال_ وبكده إحنا مش بنبدأ من أول الخيط، إحنا بنمسك أخره.
__
صحيت الصبح وأنا بالي مفارقهوش لحظة كلام ياسين، روحت للڤيلا لأجل ابدأ شُغلي الطبيعي فيها، ولكن الغريب إني لقيت فيها شيء متغير ووشوش معرفهاش، وروح، روح طالعة من لعب أطفال وشقاوتهم، وأما سألت عن هويتهم، ردت بأن هيام بنت عز موجودة، واللي فضولي دفعني إني اشوفها من بعيد، وقتها لمحتها قاعدة في الجنينة وإيدها فيها مجلة عيونها متشالتش من عليها، ولحظات ولقيت عز بيقرب منها، وقعد في الكرسي المُقابل ليها، وهو بيقول بهدوءه المُعتاد_ هتفضلي شايلة من أبوكِ كتير يا هيام؟!
من غير ما ترفع عيونها من المجلة، قالت بنبرة باردة خالية من أي مشاعر_ بابا من فضلك أنا جاية أقعد يومين اروق دماغي فيهم، ومش عايزة اتناقش في حاجة.
رد بإصرار، وقال_ بس أنا عايز اتكلم معاكِ، العُمر بيجري يا بنتي وأنتِ مشيلاني ذنب شيء مليش دخل بيه، دي مهما كان أقدار ومكتوبة وملناش عليها سلطان.
سابت المجلة من إيديها علىٰ الترتبيزة اللي قُصادها، ورفعت عيونها لي بنظرة كانت كفيلة تنطق باللي متداري جواها من غير ما تتكلم، وقالت_طب لو القدر إنها تنتحر، أيه اللي وصلها معاك لكده؟!
في اللحظة دي عدت من جمبي أم أحمد بالقهوة اللي كانت داخلة بيها ليهم، فـ وقفتها، وخدتها منها، لأجل ادخلها أنا واسمع أكتر اللي بيتقال.
بعد سؤالها الأخير، اتعدل في قعدته شوية، وكأن كلامها لمس حاجة فيه، لكنه حاول يحتفظ بهدوئه الواضح، وقال_ أعرف إزاي أنا أيه اللي خلاها تعمل كده، يعلم ربنا إني مزعلتهاش يوم، وحتىٰ لوحصل وقامت بينا خناقة عادية مكُنتش بسيبها ليلة تنام إلا وأنا مراضيها، انا حبيت أمك يا بنتي وشيلتها في عيوني وهي عايشة، وحتىٰ كمان بعد موتها، وأكبر دليل علىٰ كلامي إني بقالي فوق العشرين سنة عايش علىٰ ذكراها ولا فكرت ايوم أكون مع غيرها.
ردت بسُخرية، وقالت_ يعني هي الست قامت من النوم مرة واحدة وقالت مزاجي النهاردة انتحر؟!
سكت لحظة، وكأن السؤال جه علىٰ نقطة مش حابب يقف عندها، وبعدها قال بنبرة حاول يخليها هادية_ مقُلتش كده بس الله أعلم باللي كان في دماغها وقتها.
وجهت عيونها لي بنظرة طويلة كأنها بتقيس كُل كلمة قالها، وبعدها قالت بنبرة رغم هدوئها باين فيها شكها_ الله أعلم فعلًا، ولا أنت اللي عارف وبتتجاهل؟!
بدأ يبان نفاد صبره عليه، وقال بحدة بدأت تظهر_ كلامك ده مش مقبول يا هيام.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وردت_ اللي مش مقبول بجد هو إننا ندفن الحقيقة ونكمل عادي ولا كأننا شايفينها.
سكتت لحظة، وبعدها كملت وهي عيونها مازالت ثابتة عليه مفارقتهوش، وقالت _ أنا أه كُنت صغيرة، بس كُنت واعية وشوفتها قبل ما يحصل ده بيوم، مكانتش واحدة زهقانة من الدنيا وخلاص، كانت واحدة خايفة.
رفع عيونه ليها بسُرعة، لكن منطقش، فـ كملت هي بنبرة مهزوزة اثر بُكاها المكتوم_ واحدة خايفة علىٰ عيالها قبل ما يكون علىٰ نفسها، تفتكر اللي بتخاف علىٰ عيالها هتسيبهم بإختيارها، ولا باختيار حد تاني قرر إنها متبقاش موجودة؟!
اتشدّ في قاعدته بكلامها، وكأن بيه هزت حصون أمانه، وقال بنبرة عالية خرجت منه لأول مرة، وهجوم واضح فيها_ أنتِ بتاخديني بذنب واحدة أنانية قررت تنهي حياتها؟!
صوته لحظتها كان أعلىٰ من اللازم، وكمل بيه وقال، كأنه بيحاول يثبت حاجة لنفسه قبل منها_ واحدة مفكرتش لحظة في عيالها، ولا في بيتها، ولا في حد.
رغم صدمتها من انفعاله لحظتها، إلا إنها كانت ثابتة متهزتش ولا هابت صوته، واللي قرب منها خطوة، ونبرته زادت حدتها، وهو بيقول _ وعايزة كمان تتهميني إني السبب، أنا؟!
سكت ثانية، ثانية عدّت تقيلة، وكأن اللي جاي أهم من كل اللي اتقال، وبعدها قال بنبرة أوطى وأتقل_ بس أنا السبب فعلًا.
لحظتها عيونها اتعلقت بي بصدمة، وكمل هو وعيونه عليها بثبات، وقال_ بس مش في موتها، لا في إنك واقفة قصادي دلوقتي وبتقوليلي الكلام ده، دلعي فيكِ الزايد، وتهاوني معاكِ هو اللي خلاكِ تنسي نفسك.
سكت لحظة، وبعدين كمل، وقال_ خلاكِ تنسي واقفة قدام مين.
وبعدين ختم كلامه، بيستعيد هدوئه المُقبض،

وبيقول _ بس ملحوقة يا هيام، ملحوقة.
عيونها ثبتت عليه لحظات طويلة، كانت كفيلة تخليه يضايق من سكونها، ورغم إن ولا حرف خرج منها، إلا إن
نظراتها كانت قادرة تتكلم، نظرة فيها كُره مكبوت، وخذلان سنين، وحقيقة اتقالت من غير حروف.
___
ليلة رغم هدوئها إلا إنها كانت تقيلة، تقيلة بشكل مش مفهوم، كأنها مش مُجرد وقت عادي بيمر، لكن مساحة متعلقة ما بين اللي حصل وبين جاي، ليلة كل واحد فينا فيها كان نايم في مكانه، أنا علىٰ السرير وهو تحت علىٰ الأرض، بس كأن المسافة اللي بينا اتشالت، لأن عيوننا كانت متعلقة بنقطة واحدة وهي السقف، ومتقاسمين في سكوننا وشرود البال، وجايز كمان نفس التفكير، لوقت ما قررت اقطع الصمت، وأنا بتنهد، وبقول بهدوء_ هتفضل صاحي؟!
بادلني التنهيدة، وقال_ ومين يجيله نوم.
قُمت قعدت علىٰ السرير، وجهت نظراتي لي، وقُلت_ ياسين هو إحنا هنموت؟!
ضِحك لحظتها بخفة، وقال_ دلوقتي بقيتِ خايفة؟!
هزيت راسي بالنفي، وأنا بقول بنبرة باين فيها وجعي المتداري_معنديش اللي اخاف عليه، لا اب ولا أم ولا زوج ولا حتىٰ عيال، فـ مش فارقة هي موتة ولا أكتر.
سكت لحظات من بعدها قال بهدوء_ مشكلتك يا مَريم إنك دافنة نفسك في اللي راح، ومغمضة عيونك عن اللي مستنيكِ وجاي، مش يمكن اما تشوفيه كويس تلاقي في تعويض عن اللي فات.
قُلت بسُخرية مقاسمها الوجع_ تعويض، وأنت شايف إن اللي فات بيتعوض، هو من أمتىٰ اللي بيتكسر بيتصلح يا متر؟!
اتعدل في قعدته شوية، وقال بنفس هدوئه_ جايز مش كل حاجة بتتصلح زي ما كانت، بس علىٰ الأقل في حاجات في العمر بتيجي لأجل تعلمنا نصالح اللي فات فيه من وجع.
رديت بنفس ضِحكة السُخرية، وقُلت_ زي أيه الحاجات دي بقىٰ يا عم الفيلسوف؟!
ابتسم، وبنبرة دافية باين فيها حنيته، قال_ زيك.
لحظتها قلبي زاد دقاته، والكسوف زار ملامحي ولونها، ومعرفتش غير إني أتوه، وأغير الموضوع بسُرعة، وأقول_ إلا قولي بقىٰ أنت خايف؟!
فهم إني بهرب من تلميحه، ولكنه رد علىٰ سؤالي، وقال_ خوفي مش علىٰ نفسي خوفي علىٰ أبويا من بعدي، ده انا في الكام يوم دول بعيد عنه موصي عليه خلق الله صحابي وقرايبي وحتىٰ عم إسماعيل البواب وبرضه قلقان، ما بالك بقىٰ لو سيبته خالص، بس أنا عارف إنك جدعة ولو حصلي حاجة مش هتسبيه.
للحظة قلبي انقرض وخوفت، وقُلت بسُرعة_ أنت مش هيحصلك حاجة، متقولش كده يا ياسين.
ضِحك، وقال بمُشاكسة_ خايفة عليا؟
ابتسمت، وقُلت بإنكار_ لا علىٰ نفسي، أصل أنا مش ناقصة اشيل ذنبك.
بنفس ضِحكته، قال_ لا اطمني هكتب في وصيتي إنك غير مسؤلة تمامًا عن اللي حصلي.
رديت بمُشاكسة، وقُلت_ يا عم اتهد بقىٰ أنت مستعجل علىٰ قضاك ليه؟!
ضِحك، وقال_ خلاص يا ستي لو طلعنا من هنا عايشين، تفتكري هنعمل أيه.
ضِحكت، وقُلت_ بلوك، هنعمل لبعض بلوك.
قال بتمثيل_ أه قلبي، مش قادر استحمل الصدمة فيكِ، تاخديني لحم وترميني عضم، يا خسارة العشرة.
ضحكت وأنا بهز راسي، وقلت بسخرية خفيفة_ عشرة أيه يا عم، إحنا لسه ملحقناش نبدأ أصلًا.
ضِحك، وهو بيغمزلي وبيقول_ طب حلو تعالي نبدأ.
ضحكتي زادت وأنا بقول_ نبدأ أيه يا جدع أنت؟!
رفع صوباعه وهو بيقول_ اوعدك لو ربنا ستر وطلعنا من هنام سلام هقولك نبدأ أيه.
قُلت بندب وأنا بخبط بإيدي علىٰ راسي_ يا خوفي، يا خوفي لتكون النهاية مش البداية.
قال وهو بيصطنع الاشمئزاز، وهو بيرجع لنومته_ شوفوا الولية النكدية بقولها أيه وبتقولي أيه، تصدقي بالله القاعدة في وشك تقصر العُمر، نامي أحسن يا مَريم.
ضِحكتي زادت علىٰ انفعاله كده وأنا قافلة عليه كل سكة لأي كلمة لطيفة تتقال، فـ قال_ والله ما مصبرني عليكِ غيرها.
قُلت بإستغراب_ أيه دي؟!
قال وهو مديني ضهره ونايم_ ضِحكتك.
وقتها ابتسمت وأنا بعض علىٰ شفايفي بكسوف، بحاول ميبانش في صوتي وأنا بقول_ نام يا ياسين، نام.
سكت بعدها، لكن الصمت مكانش زي اللي قبله، كان أهدى، ألين، كأن الضحك ساب وراه حاجة دافية مخلية المكان أخف شوية.
رجعت ضهري للسرير، وعيوني للسقف، بس المرة دي مكانش في قلبي نفس التقل، كأن كلمة واحدة بس غيرت الإحساس كله، كلمة مفارقتش بالي الليل بطوله، ألا وهي “ضِحكتك.” وابتسامة صغيرة فضلت مرسومة علىٰ شفايفي كتير.
أما هو فكان تحت ساكن، حركته قلت، ونَفَسه بدأ ينتظم، كأنه أخيرًا سلم نفسه للنوم، أو علىٰ الأقل حاول.
___
النهار شق نوره السما من حوالينا، وقُمنا وكل واحد شايل في قلبه خوفه، كل واحد فينا جهز نفسه لأجل يبدأ يومه، لكن قبل ما نخطي خطوة بره الأوضة، وجه ياسين نظراته ليا، وقال_ علىٰ فين؟!
قُلت بإستغراب_ معاك.
رد بحزم منه، وقال_ مش هتروحي، أنا هروح لوحدي، وأنتِ خليكِ هنا، ولو عرفتِ تطفشي من هنا من غير ما حد يحس بيكِ اطفشي.
وقتها انفعلت، وقُلت_ أنت بتقول أيه، أنا مش هسيبك، أنا رجلي علىٰ رجلك.
بنفس نبرته الجادة، قال_ مَريم بلاش عِند منك وتسرع، الغلطة هنا هتكون برقبتنا، خليكِ هنا وأنا هروح، ومتقلقيش الحكومة اتبلغت بكُل حاجة وهتحضر في الوقت المناسب، أنا بس هكون عين ليهم.
هزيت راسي برفض، وقُلت بإصرار_ وأنا مكُنش ليه عين معاك، ياسين أنا مش هسيبك تدخل لوحدك كده.
اتنهد بنفاد صبر، وقرب خطوة مني، ونبرته وطيت شوية بس احتفظت بحذمها_ وجودك معايا مش قوة يا مَريم، وجودك خطر عليا وعليكِ.
قُلت بعند_ وأنا مش هسيبك تروح لوحدك وسطهم.
سكت لحظة، ووجهلي بنظرة طويلة، كأنه بيحاول يهدي قبل ما يرد، وبعدها قال بمسايسة_ طيب اسمعيني لو دخلتِ معايا واتكشفتِ أنا مش هعرف أتحرك ولا أعمل حاجة، ساعتها إحنا الاتنين هنضيع.
قُلت بخوف واضح عليه_ وأنا لو فضلت هنا وحصلك حاجة، هعيش باقي عمري بسؤال واحد هو إني كنت أقدر أكون معاك ليه مكُنتش؟!
وجه عيونه لأجل تتلاقىٰ بعيوني ويبان فيها حنيته، وقال_ هرجعلك، صدقيني هرجعلك، بس عشان خاطري اسمعي كلامي يا مَريم، لو فعلًا خايفة عليا خليكِ هنا، عشان خاطري.
سكتّ، وهو ابتسم، وقال بوداع_ خلي بالك من نفسك.
مش عارفة ليه عيوني لحظتها الدموع سكنتها، والخوف زار قلبي، مش عادتي اتعلق بحد، ولا القلق يدق بابي، بس قدام إصراره ما كان باليد حيلة غير التسليم لأوامره.
وقبل ما يخرج من الباب قُلت بصوت واطي، مهزوز شوية_ متتأخرش عليا.
ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها طمأنة أكتر ما فيها يقين، وقال_ مش هتأخر.
خرج وسابني، وفضلت واقفة مكاني شوية، وعيوني متعلقة بالباب، كأني مستنية يرجع يفتحه تاني ويقول إنه مش ماشي ولا هيسبني بس مرجعش، فـ اتنهدت بقلة حيلة، وقعدت علىٰ السرير ببطء، وإيدي لسه فيها رعشة خوف خفيفة، والأوضة عليا بقت أوسع وأفضىٰ، والبرد بان فيها.
في الوقت ده كان ياسين اتجه للدار، والحقيقة

إنه كان سابق لوصول عز ورجالته ليها، فضل شوية مستني ومتداري عن الأنظار، لوقت ما لمح وصول عربياتهم جاية في صف مُنتظم، وكأنه موكب ملكي مش مُجرد جنازة لجثمان متوفي.
نزلوا رجالته واحد ورا التاني، رجالة بملامح جامدة، خطواتهم محسوبة، مفيش ولا كلمة بتتقال من غير سبب، وكل واحد فيهم عارف هو فين وليه، ومن بينهم عز اللي نزل، ووقف لحظة قدام العربية، وجه نظرة سريعة لساعة إيده، ورمىٰ المكان حواليه بنظرة كفيلة تقول إنه شايف كل حاجة حتىٰ اللي متخبي منها، لحظتها شد ياسين نفسه لجوه أكتر، وقلل حركته لأقصىٰ درجة، كأن أي نفس زيادة ممكن يتسمع، من بعدها اتحرك عز ناحية باب الدار، والباقي وراه، ماعدا سواق عربية نقل المتوفي، فضل بره، ونزل من عربيته بمُجرد دخولهم، ووقف علىٰ جمب، وطلع سيجارته يدخنها، وهنا كانت الفرصة لياسين، فـ بسُرعة من ضهره كتم نفسه بإيده، وسحبه لمخزن أشبه بمهجور ورا مدخل الدار، وقتها حاول يقاوم ويفلت من إيده ويلكمه في وشه، ولكن ياسين كان أسرع منه، وشاله من علىٰ الارض وحدفه لأجل يتخبط بصناديق خشب، يسيل دمه اثرها، ولكن محاولاته للفلات منتهتش بل حاول يقوم من تاني، لكن ياسين سبقه بخبطة خشبة علىٰ راسه، غاب أثرها عن وعيه.
ومن هنا بسُرعة بدل ياسين لبسه بلبس السواق، وكان من حُسن حظه إنه كان لابس كاب مداري بيه شعره، ونضارة مخبية عيونه، واللي سهل علىٰ ياسين مهمة يكون مكانه، ويطلعلهم من تاني علىٰ هيئته، وفضل دقايق طويلة مستني، لوقت ما جاله الإشارة، لأجل يتحرك بالمتوفي، والأمانة اللي مقاسماه نعشه.
والحقيقة اللي غابت عنه، إني كُنت معاهم ومقاسماهم الطريق بإختلاف العربيات، فـ كالعادة فضولي لكشف الحق وخوفي علىٰ إنه يمسه شر مسمحليش إني اسمع لأوامره وأفضل في مكاني، وبمُجرد ما خرج خرجت بعده، وفي شنطة عربية عز اتداريت عن العيون، وقفلت علىٰ نفسي، واعتمدت في ده علىٰ صغر حجمي، اللي ساعدني مبانش ولا يتشك في أمري.
لوقت ما وصلنا المقابر، وهنا نزلوا لأجل يوصلوا الجثة لتربتها، والبضاعة لمُهربها، ومن هنا لذة النهايات اللي بدأت تتكتب سطورها دقة باب قلبي، وكُنت بعد الدقايق لوصول الحكومة وقبضها عليهم، ولكن محسبتش حساب للحظة قال فيها المُهرب لعز_ حقي يوصلني قبل ما استلم منك.
وقتها وجه عز نظراته لعلاء، وقال_ جيب الفلوس من شنطة العربية.
لحظتها قلبي اتنفض والخوف زاره، للدرجة اللي بقيت سامعة صوته فيها والعرق سكن ملامحي واللون اتخطف منها، وكل خطوة كان بيقربها علاء من العربية، كان رجفة جسمي بتزيد معاها، ورعشة شفايفي وأنا بردد كلمة واحدة، وهي_ يارب، يارب.
لأجل يفتح عليا العربية، ويتفاجأ بوجودي فيها، ويقول بسُخرية، وصوت عالي_ يا أهلًا، يا أهلًا بالحبايب.
عز وجه نظراته لي، وهو بيقول_ في أيه يا علاء؟!
شدني علاء من حجابي، ونزلني من العربية بعنف، وهو بيرميني تحت رجل عز، وبيقول بنفس السُخرية_ لقيت دي في شنطة العربية.
عز رغم صدمته، احتفظ بهدوئه المُقبض، وهو بينزل عيونه ليا، وبيقول_ كُنت حاسس إن وراكِ حكاية، وإن دخولك بيتي وراه سر، بس بيقولوا يا خبر بفلوس، واهو جه بكره وبقىٰ ببلاش.
لحظتها ياسين كان واقف متسمر في مكانه مصدوم، مش عارف يتصرف ولا يلحقني من إيديهم إزاي، في الوقت اللي كُنت رغم خوف قلبي، إلا إن نظراتي لعز كلها استحقار واشمئزاز منه، اللي مال عليا، وهو بيمسك وشي بإيده، وكمل كلامه بهمس مُخيف رغم هدوئه، وقال_ دخلتي عندي بمزاجك، وهتخرجي بمزاجي أنا يا حلوة.
سكت ثانية ضِحك فيها بسُخرية، وقال_ بس للأسف خروجك هيكون علىٰ الجنة يا روحي.
صرخ ياسين بصوته فيهم، وهو بيقول_ مَريم.
علاء وقتها رد بسُخريته المُعتادة، وقال_ الله ده الشاطر حسن كمان أهو يا ولاد.
وقتها رجالة عز اتكاتروا عليه ومسكوه، وعيوني راحتله بخوف، فـ وجه عز عيونه لي، وقال بنفس السُخرية_ وأنت بقىٰ جاي تنقذ ست الحُسن، لا عجبتني راجل.
سكت ثواني، ورجع كمل، وقال_ ومكافأة لرجولتك دي مش هفرق بينكم، اصل ميهونش عليا افرق بين قلبين بيحبوا بعض، وجدعنة مني هرميكم مع بعض في تربة واحدة.
حاول ياسين يقاوم مسكتهم لي ويفلت، وهو بيقول بانفعال وعصبية_ اوعوا كده، مش هسيبك يا عز، أخرتك جاية، جاية قبل حتىٰ ما تمس شعرة مننا.
ضِحكة سُخريته زادت وعليت أكتر وأكتر، لوقت ما اختفت فاجأة وهو بيشاور لرجالته، وبيقول بنبرة حادة_ يترموا في نفس التربة اللي هتنزل فيها الجثة، بس عايشين، عايزهم يندفنوا عايشين، ويتقفل عليهم كويس، سامعين.
لحظتها صرخ ياسين وهو بيعافر لأجل يفك نفسه من قبضتهم، وهو بيقول_ أنتم مجانين، ابعدوا إيديكم، ابعدوا.
صرخت أنا كمان، وأنا بقول بعصبية مخالطها الرعب_ حد يلحقنـــا، ابعدوا، ابعدوا عننا، يا يـــاسين.
ولكن لحظتها صريخي وعصبية ياسين ومقاومته مكانش ليهم أي فايدة، فـ فقيدوا حركتنا بحبال، وكتموا أصواتنا ببلاستر، وجت اللحظة اللي بكُل جحود رمونا فيها في القبر، لحظتها جسمي اتخبط بأرضه بقوة، والنور قل حواليا، حاولت أصرخ، أتنفس، أعمل أي حاجة، بس البلاستر كان خانق صوتي ومانعه، وأنفاسي مع كل ذرة ترب بيردموها عليا بتضيق أكتر وأكتر، وقلبي بيصرخ من خوفه، لوقت ما اتلاقت نظراتي بياسين، اللي كان مرمي جمبي، وعيونه متعلقة بيا، وكأن ده وداعنا الأخير، النظرة اللي عيوني زاد دموعها فيها، وصوت التراب وهو بيغطي علينا بدأ يعلى أسرع وأتقل، ونفسي بيهرب مني أكتر، وفي اللحظة اللي فيها استسلمت لمصيري، وغمضت عيني، فاجأة…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...