بعد أن عادت السعادة مؤقتاً إلى عائلة حب مهار بفقدان والدها، حتى وصلت نار غيرة زوجات الأخ إلى أوجها، فأصبحت قلوبهن مليئة بالغل تجاه هذه الشابة الرقيقة، وذنبها الوحيد هو حب أخوتها لها وامتثالهم لوصية والدهم. بدأت النساء في حياكة خيوط المؤامرة، فإحداهن تقول لزوجها: "أختك تقضي كل النهار تتجمل وتتزين، لمن هذا يا ترى؟ " فيخرسها.
والأخرى تقول: "انكسر ظهري بأعمال المنزل وأختك لا تعمل إلا القليل." فيسكتها. ورحن يرمين الفتاة بسهام غيرتهن. مع أنها كانت بريئة من كل ذلك، حتى خطرت في بال كبراهن خطة شيطانية ستقلب المنزل فوق رأس أهله. سوف يطعن الفتاة بأغلى ما تملك، شرفها. وبدأت النساء في حياكة خيوط المؤامرة. وجاء اليوم المشؤوم، فطلبت من زوجها أن يصطحبن حب مهار في نزهة إلى نهر مجاور في القرية، بحجة إسعادها والترويح عنها.
فرح الأخ بذلك فرحاً عظيماً، وسألها عن طلباتهن. فقالت: "لا نريد إلا حبات حمص مملحة ومحمصة بطريقة خاصة لنتسلى بها على الطريق." وفعلاً خرجت النساء الثمانية ومعهن حب مهار، وظلت النساء كل الطريق يطعمنها القضامة حتى جف حلقها من العطش لشدة ملوحتها، فطلبت منهن الماء. وهنا جاء وقت تنفيذ مخطط التخلص منها.
فقد وضعت زوجة الأخ الكبرى فرخ أفعى في قارورة الماء، ولشدة عطش حب مهار لم ترى أو تحس بذلك الفرخ. ورفعت قارورة المياه وشربتها كلها حتى آخر قطرة. فدخل الثعبان الصغير لبطنها لحسن التطواني. ومرت الأيام والثعبان يكبر في بطن الشابة، وراحت نساء البيت يتهامسن مع أزواجهن عن بطن أختهن التي تكبر يوماً بعد يوم، مشيرات بذلك إلى أنها حملت حراماً.
جن جنون أخوة حب مهار، التي كانت تتألم بصمت دون أن تعلم ما خطبها. ولشدة خوفهم من الفضيحة، قرروا قتلها. ووافقتهن نساؤهم على ذلك القرار بحجة غسل العار. فأوكلوا المهمة لأخيهم الصغير، الذي كان أشدهم حباً لحب مهار، فقرر أخذها للغابة وقتلها. وفي نهار اليوم التالي، أخبر الأخ أخته أنه يرغب بزيارة خالتهم التي تسكن في إحدى القرى البعيدة، وعرض عليها الذهاب معه.
فرحت حب مهار كثيراً، ووضبت أغراضها، وساروا في دربهم. راح الأخ يسير في الغابات والجبال الموحشة لساعات وساعات وهو يتهيأ لقتلها، ولكنه في كل مرة يتذكر وصية أبيه وحبه لأخته، فيقول في قرارة نفسه: "لنمش قليلاً." بعد وحل الليل، والأخ لم يقم بواجبه بعد، فخطرت في باله فكرة بأن يترك أخته في البرية لتأكلها الوحوش، فيغسل عاره ويقوم بما أوكل إليه، ولا يلوث يديه بدم غاليته ووصية والده له. وفعلاً
قال لها: "أختي، أنا تعبت وانهكت من السفر، ما رأيك أن نبيت هنا الليلة وغداً نكمل lehcen Tetouani." فوافقت حب مهار، وقالت له وهي خائفة من ظلام الغابة: "بشرط أن أنام على عباءتك." وفعلاً نام الأخ وفرش عباءته تحت رأسها، وانتظرها لتنام. وما إن أحس بغفوتها، حتى قام بسكينه بقطع جزء العباءة الذي افترشه رأس أخته، بعد ما وضعت أمان العالم كله بأخيها.
وسار في الظلام تاركاً أخته في تلك الغابة الموحشة المظلمة، التي لا يقطع عتمتها إلا ضوء بدر في السماء، ولا يسمع فيها إلا عواء ذئب ونحيب بومة جائعة. وجدت نفسها وحيدة، فراحت تبكي. حل الصباح واستيقظت حب مهار، ويا للهول، لم تجد أخاها. أحست بهم وحزن شديد، وراحت تبكي وتنوح. وما زاد همها آلام بطنها الشديدة، فكانت تحس بسكاكين تقطع أمعائها. ولشدة حزنها، رفعت يديها
إلى السماء ودعت قائلة: "يا رب، إن كان أخوتي فعلوا هذا بي عمداً، فيبس زرعهم وجفف مائهم وعقر دوابهم ونسائهم، وليصيبك الله يا أخي الصغير بمرض لا يشفيك منه غيري." حملت قطعة العباءة تلك، ووضعتها في كيس قماشي كانت تضع فيه حليها. وفجأة سمعت أصوات حوافر خيول قادمة نحوها وصياح رجال، وكأنهم صيادون أو قطاع طرق. فلم تر أمامها إلا أن تتسلق تلك الشجرة التي نامت تحتها هي وأخوها. تسلقت الشجرة واستقرت فوقها بخوف وترقب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!