بقيت أم نعمان خائفة وهي تنظر يمينا وشمالا. في الأخير، غمست يديها في الطعام وأكلت حتى شبعت. ثم صب لها ابنها ماء الورد فشربت. ولم تنس أن تخرج صرة من الدنانير وضعتها على الطاولة وقالت: "الآن أريد أن أنام". وفتحت أول غرفة وجدتها وارتمت على السرير. بينما بقي نعمان يتجول في القصر، كان كل شيء مرتبا ونظيفا. لكن لا وجود لمخلوق وزاد ذلك في استغرابه. ثم أغلق أبواب القصر وجلس يفكر إلى أن غلبه النوم.
بقي نعمان ابن السلطان وأمه يومين في القصر. في الصباح يجدون الفطور: الخبز والجبن والحليب. وفي المساء العشاء من أصناف الطيور المشوية وأنواع الأسماك والفواكه والأشربة. قالت الأم: "لا بد أن صاحب القصر شخص كريم لا يريد أن يظهر لنا، وهو لم يأخذ حتى المال الذي تركناه على الطاولة". أجاب الفتى: "هذا يعني أننا لا يمكن أن نبقى هنا طويلا، وعلينا أن نغادر قبل أن يرسل لنا أحد خدمه يأمرنا بالرحيل".
قالت الأم: "عندئذ سأترجاه ليتركنا مقابل أن أشتغل عنده، فأين تريدنا أن نذهب يا نعمان؟ فليس لنا كثير من النقود وأنت لا صنعة عندك". قال: "صنعتي هي الحرب". فأمسكت بيديه وردت: "يا لها من فكرة سيئة! فإذا مت، فمن أجد قربي وقت الشدائد؟ لا يا ابني، لا أرى حلا الآن سوى البقاء، ومن أكرمنا بطعامه سيكرمنا بجواره". مضت الأيام ولم يظهر أحد. لكن خيّل لنعمان أن هناك من يسترق النظر إليه.
وفي أحد الليالي، استيقظ فرأى بنتا تهرب بسرعة وتختفي في الظلام. فرك عينيه من شدة الدهشة. ثم نهض من فراشه وهمس: "هل هناك أحد؟ وخرج من الغرفة وأطل في الرواق الطويل فشعر برعدة في جسده. عاد إلى مكانه وحاول أن ينام فلم يستطع. وخيل إليه أن عيونا كثيرة تراقبه. وفي الصباح سأل أمه: "هل تؤمنين بالجن؟ قالت له: "نعم، لكننا لا نراهم، ويقال أن لهم في أرجلهم حوافر ماعز. لكن لماذا تسأل يا نعمان؟
أجابها بشرود: "لقد خطر لي ذلك البارحة يا أمي". وفي الليل، وضع أمام الباب غصنا صغيرا جافا. ثم انتظر طويلا حتى غلبه النوم. وفجأة انتبه لصوت تكسر الغصن فأفاق من نومه. وعلى ضوء القمر شاهد بنتا صغيرة زرقاء العينين ينزل شعرها الطويل حتى قدميها. ولما أدارت رأسها فوجئت بنعمان أمامها. فحاولت الهرب لكنه صاح: "انتظري، عليك أمان الله". فقالت: "اعذرني إن أخفتك، فأنا ابنة صاحب القصر واسمي ظريفة". رد الولد: "وأنا نعمان".
قالت له: "سأذهب الآن وإلا سيغضب أبي إذا سمع أني أخرج بالليل دون علمه". أراد أن يسألها عن أهلها لكنها اختفت بسرعة. في الصباح لما جلس للأكل رآها تطل عليه وتبتسم. فقال لأمه: "سأعرفك على أحد". ثم ناداها فجاءت. ولما شاهدتها أمه صرخت: "هل أنت إنس أم جن؟ قال نعمان: "وهل ذلك مهم؟ الأول يجب أن نشكرها على ضيافتها".
قالت الأم: "أعذريني يا ابنتي، فلقد فاجأني قدومك، وأنا ممتنة كثيرا لك ولأهلك على كرم ضيافتهم، وأرجو أن نبقى عندكم قليلا، وأنا مستعدة لكل ما تأمرون به". أجابت ظريفة: "لك ما تريدين يا خالة، فهذا يسعدنا كثيرا". وبعد الطعام تجولت مع الولد في القصر.
وقالت له: "إن أباها ملك الجن وإنه لم يرزق سواها. وهذا القصر كان لفلاح غني، وذات يوم أصاب هذه الأرض وباء فمات جميع الناس. وجئنا منذ زمن طويل وأصبحت كلها لنا، ونحن نطرد كل من يقترب من القصر. ولما جئت وطرقت الباب، نظرت إليك من النافذة، وأعجبني جمالك وقوّتك، فجريت إلى أبي الملك وألححت عليه ليدخلكما. وكان الجن يراقبونكم خفية. ولما رأى أبي أنكما لا تلمسان شيئا من التحف والجواهر التي يمتلئ بها القصر، وافق على بقائكما".
فرح نعمان بصديقته فقد كانت تحبه كثيرا. وكانا يسهران كل يوم، ويحكي لها أخبار الإنس وقص عليها حكايته مع أبيه. فتألمت لذلك. وفي الصباح جاء الولد لأمه وقال لها: "ما قام به السلطان في حق إخوتي هو ظلم، وعليه أن يسامحك ويفتخر بي أمام الناس". لكن
الأم قطبت جبينها وقالت: "يبدو أنك لم تستوعب الدرس المرة الأولى، فأبوك همه الوحيد هو العرش، ولو علم أننا هنا سيبعث ورائنا جيشه، وحينئذ ستخسر هذه الحياة الرائعة وصديقتك الجنية. فكر جيد". لكن نعمان أصر على رأيه وقال: "لا خير في ولد لا يعترف به أبوه، وسيفعل ذلك رغم أنفه، وأنا أعرف كيف أنزع تلك الوساوس التي زرعها العرافون في عقله".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!