تحميل رواية «حي البنفسج» PDF
بقلم نور بشير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ حي البنفسج بقلم نور بشير.
رواية حي البنفسج الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل الواحد والعشرون
وبعد مرور أسبوع..
فى اليوم السادس عشر حيث يجتمع جميع أهل منزل " آل عمران " على مائدة السفرة فى جو أسرى ودفء عائلى لايزال يوجد فى مثل هذه العائلات المترابطة التى يسودها الود والمحبة والتعاون، فكانوا يجلسون مستعدون لتناول الفطور عندما يؤذن له فى المسجد، وفى الخلفية يستمعون إلى صوت تواشيح النقشبندى وهو يبتهل بخشوع.
كلمات الإبتهال 👇
وكم من ذلة لي في الخطايا..
وأنت علي ذو فضل ومن..
إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملى وقرعت سني..
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني..
ومن ثم قام المؤذن بالآذان للصلاة فبدأ الجميع فى شق ريقهم مرددين بخشوع وصدق.
- اللهم لك صومت وعلى رزقك أفطرت ذهب الظمأ وأبتلت العروق وثبت الأجر إن شاء اللّٰه..
" عمران " وهو يبدأ فى تناول فطوره بتروى.
- بسم اللّٰه الرحمن الرحيم..
سموا اللّٰه يا ولاد وكلوا بيأمينكم عشان ربنا يبارك لكم فى لقمتكم...! قالها وهو يوجه حديثه إلى الأطفال الصغار الذى فعلوا على الفور ما أمرهم به جدهم ومن ثم تابع بتساؤل واستغراب عندما لاحظ غياب " بدر " عن مائدة الطعام لأكثر من يومان.
- أومال الواد " بدر " فين...؟
بقاله كام يوم مش ظاهر ليه يا ولاد، أخوكوا ماله...؟!
وما أن همت " زينب " بالحديث حتى أتاها صوت " بدر " من الخلف مردداً بإبتسامة وهو يدلف من باب الشقة فى حماس.
- أنا جيت يا جدى أهوو أبدأوا فى الفطار أنتم صايمين وأنا هغسل أيدى وهاجى أفطر معاكم على طول..
وبالفعل بدأ الجميع فى تناول الفطور فى أجواء دافئة مليئة بالمرح تارة وتناول الطعام تارة أخرى وتلك النظرات الخاطفة التى يرسلها " سليم " إلى " صبا " دون أن يلاحظه أحد ولكن " عمران " كان يلاحظ ذلك جيداً فهو قد بلغ الكبر منه مبلغه وأبيضت خصلاته من كثرة ما رأى بالحياة ويفهم جيداً ما يدور بداخل حفيده أن لم يكن يشعر بحجم المتاهة الذى أوحل نفسه بها، فهو يعلم صراعاته ونزعاته الداخلية التى لا يعلم عنها أى أحد من الحاضرين شيئاً ولكنه سيصبر إلى حين يرى ما الذى ستئلوا إليه حالته تلك..
وبعد الإنتهاء من تناول الفطور جلس الجميع فى غرفة الإستقبال يتابعون فوازير " نيللى و شريهان " و " سمير غانم " رحمة اللّٰه عليه فى دور " فطوطه "..
" صبا " وهى تعطى إلى جدها صحن القطايف بتهذب.
- أتفضل يا جدو..
" عمران " بمحبة وغزل محمود فى حفيدته.
- يزيد فضلك يا ست العرايس..
تسلم الأيادى الملبن اللى بتلف أحلى قطايف فى الحى كله..
" صبا " بحب وحياء.
- تسلملى يا جدو يارب..
بألف هنا على قلبك يا حبيبى..
" عمران " بمحبة.
- اللّٰه يهنيكى ويهنى أيامك يا حبيبة جدك أنتى..
" زينب " بمرح.
- يا بخت من كان " الحاج عمران " سيده ههههه والعة معاكى يا " سمسم "..
" صبا " بمرح.
- ربنا يولعهالك زى ما هى والعة معايا كده ههههههه..
" زينب " بمرح.
- وأهون عليكى برضو يا " سومه "..
" صبا " بمرح.
- مش أنتى اللى بصالى فى الكلمة الحلوة اللى حيلتى ههههه..
" عمران " بضحك على حديثهم هذا.
- خلاص يا ولاد ما أنتم الأتنين أحفادى وبعدين زى ما بيقولوا كده أعز الولد ولد الولد وأنتى غالية عليا أوى يا بت يا " زينب " ويمكن غلاوتك عندى أغلى من البغل جوزك بس أنتى مش عارفة..
فشعرت " فريدة " بالغضب والنيران تسيطر عليها من مدح " عمران " فى حفيدته وزوجة حفيده التى لم تسمح يوماً أبداً بجعل أى منهم خادمة إليها بمنزل والدها وهم هنا يمدحون بهم ويمطروهم طوال الوقت بقصائد من الشعر والمدح المبالغ فيه من وجهة نظرها.
" بدر " بمرح.
- وليه الغلط طاااااب ما أنت كنت ماشى كويس..
" عمران " بسخرية.
- ما أنت..
أسمها أنت..
فى بغل زيك يقول لراجل كبير زيّ كده، ما أنت..
آاااه يا حيوان..
" بدر " بتصنع الحزن.
- حضرتك..
حضرتك يا جدى كده حلو..
" عمران " بمرح وهو يصتنع الإستياء.
- مش لايق عليك الأدب يا أبن بنتى..
" بدر " بإستياء.
- يووووووه أعمل إيه طيب بقيت مؤدب مش عاجب..
بقيت قليل الأدب بتشتم أعمل إيه بس..
" عمران " وهو يرتشف من كوب الشاى خاصته.
- ماتعملش حاجة، نقطنا بس بسكاتك وهى هتعمر..
ثم تابع بهدوء وكأنه تذكر شيئاً للتو.
- إلا صحيح بقالك كام يوم غطسان فين ومش بتفطر معانا..؟
" بدر " بإبتسامة عريضة.
- أصل الحمدللّٰه نزلت الشغل يا جدى..
" عزيزة " بفخر وسعادة من أجل حفيدها.
- اللّٰه أكبر..
مش تقول يا واد عشان تفرحنا..
" عمران " بإبتسامة عريضة.
- المهم سيبك من ستك وقولى نزلت فين...؟
تبع شركة ولا بتلقط رزقك فى أى حتة..
" بدر " بإبتسامة سعيدة كشفت عن أسنانه بإتساع.
- لا يا جدى المرة دى تبعى أنا..
" ثريا " وهى تزغرط بفخر بصغيرها.
- لولولولولولولى..
أبنى بقا عنده مصلحته الخاصة يا خالق يا هوووو..
" عمران " بحزم.
- بس يا بنتى خلينا نسمع..
إيه الغاغه اللى أنتى عملاها دى، عايزين نعرف الواد بيشتغل فين..
ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى " بدر " من جديد.
- إيه يا أبنى قولنا بتشتغل فين...؟!
فنظر " بدر " إلى " صبا " و " زينب " نظرات يملؤها القلق والإرتباك فلاحظ " عمران " ربكته تلك فهتف بحزم.
- فى إيه يا أبنى أوعى تكون خجلان من شغلانتك..
الشغل مش عيب يا حبيبى، المهم تجيب اللقمة بعرق جبينك وتنزل جوفك بالحلال..
أوعى تستعر من أى شغلانة بتأكل منها من حلال ربنا أنا بقولك أهووو..
" بدر " بنبرة مهزوزه.
- عندك حق يا جدى بس أصل..، أصل..
" عمران " بحدة.
- فى إيه يا أبنى أنت بتقطع فى الكلام كده ليه...؟ قولتلك ماتتكسفش أكل العيش صعب وكلنا خدامينه..
" بدر " بنبرة مهزوزه ولكنها حاسمه.
- أنا أشتغلت فى المسرح يا جدى وحالياً جمعت كاست كويس جداً وبنعمل بروڤات عشان فى العيد بأذن اللّٰه نطلع بأول عرض..
" عمران " بتساؤل.
- طب وده بمرتب يا أبنى ولا إيه نورنى..
" بدر " بقلق وهو يضع يديه على أذنه بتوتر.
- لا يا جدو ما مش من أولها كده مرتب..
أن شاء اللّٰه النص والتمثيل يعجب المخرج ويصعدنا للمسابقة زى ما قولت لحضرتك ووقتها بأذن اللّٰه أتشهر بقا وألعب بالفلوس لعب..
" توفيق " بنبرة ذات مغزى وهو يضيق عيناه بتساؤل.
- وجبت منين الفلوس اللى كنت عايزها، ولا المخرج أتكفل بالعرض، ولا أنت مفكرنا عيال صغيرة معاك ومش فاهمه حاجة...؟!
" بدر " بقلق.
- محدش هيتكفل بحاجة يا بابا..
أنا أستلفت الفلوس دى وأن شاء اللّٰه أول ما العرض ينجح هردها وفوقيها بوسة..
" عمران " بحزم.
- ومين الغشيم اللى آمن على ماله لبغل زيك يضيعه فى الهيافة دى..
" توفيق " وهو ينظر إلى " سليم " بغضب.
- أنت اللى سلفته الفلوس يا " سليم " مش كده...؟!
" سليم " بدهشة واستغراب.
- لا يا خالى أنا ماسلفتش حد حاجة وأول مرة أسمع بالكلام ده دلوقتى..
بس أنا شايف أنه حلمه ومدام حلمه وعنده أصرار أنه يحققه فده دليل على أنه هينجح بس محتاج شوية ثقة منكم..
" عمران " بغضب.
- الراجل مننا بيحلم بشغلانة عدله تجيب قوطه وقوط عياله وتفتح بيته بلقمة حلال مش تقولى تمثيل ومياعه..
يا جدع بلا كلام فاضى ده أنت فورت دمى عالمسا..
" توفيق " بإصرار.
- أنا لازم أعرف مين الكاحول اللى سلفك المبلغ ده..
أنت عارف يعنى إيه واحد يسلفك ٦٠٠٠ج تضيعهم فى الجو..
ده مش كاحول ده مغفل..
" زينب " وهى تقترب من أذن " صبا " بضحك.
- أول مرة أشوفك بتتهزقى فى البيت ده..
" صبا " بغيظ.
- ما أهو من قرك عليا، منك للّٰه يا شيخة..
" عمران " بحزم.
- ما تقول يا أبنى مين اللى سلفك الفلوس دى أحنا هنتحايل عليك ولا إيه...؟!
" بدر " وهو ينظر إلى " صبا " ناقلاً أنظاره بينهم فى توتر مردداً بنبرة مهزوزه.
- صباااااا..
" عمران " بصدمة.
- " صباااا "..
فشعر الجميع وكأن على رؤسهم الطير كل منهم يتساءل متى، وكيف...؟ قامت بمساعدته دون أن يلاحظ أحداً منهم أو حتى يعرف بالأمر، وذلك " السليم " يجلس يتابع كل ذلك بصمت وتلك الإبتسامة البلهاء تزين ثغره بسعادة وهو ينظر إليها نظرات خاطفة فلاحظتها " فريدة " جيداً مما أشعل نيرانها أكثر وأكثر حتى كادت أن تحترق بلهيبها المشتعل هذا..
" عزيزة " بتساؤل.
- وأنتى أزاى تسلفيه مبلغ كبير زى ده يا بنتى عشان يضيعه عالهيافة بتاعته دى...؟
هى ناس تتعب وتشقى وتطفح القوطه وناس تانية تأكل عالجاهز، ده تعبك وشقاكى يا بنتى وأنتى أولى تجبيلك بيهم هدمه ولا حاجة تشليها لجهازك..
" صبا " بهدوء وتهذب.
- يا تيتة الفلوس دى أحنا اللى بنعملها مش هى اللى بتعملنا ولو كل واحد فينا فكر فى نفسه بس، يبقا محدش مننا هيعيش للتانى وكل واحد هيقول يلا نفسى..
وبعدين بيقولوا المليان بيكب عالفاضى والمبلغ ده فعلاً أنا كنت شيلاه على جمب لوقت عوزه و " بدر " ده أخويا ولما أنا أساعده عشان يحقق حلمه أكنى أنا اللى حققته بالظبط..
" توفيق " بغضب مكتوم.
- حلم إيه يا بنتى ده اللى هيحققه..
هو أحنا بتوع تمثيل والكلام الفارغ ده، بلا قلة حيا..
" صبا " بهدوء.
- يا خالو ممكن تهدى بس وتسمعنى..
" بدر " كبير مش صغير ومحدش فينا واصى عليه ولا على تصرفاته وهو عارف كويس الصح من الغلط وحضرتك وجدو وبابا وعمى نصحتوه أكتر من مرة وقدمته له النصيحة بأكتر من شكل وهو مازال مُصر على حلمه..
فتابعت بهدوء وعدم تصديق من ردة فعلهم العنيفة تلك والغير مبرره عليه.
- ليه...؟
ليه نقف قصاد طريقة ونحطمه ونحطم حلمه بالشكل ده...؟!
يا عمى كل واحد فينا بيتخلق وبيتخلق معاه حلمه اللى ربنا كتبهوله ومع الوقت بيكبر وطاقته بتكبر جواه عشان يحققه بس لو فى حد وقف قصاد الطاقة دى وماطلعتش بالشكل اللى يرضيه، صدقنى هتطلع فى الشر بشكل غير مرضى لينا كلنا..
" عمران " بهدوء وتفكير فيما تتفوه به حفيدته.
- شر إيه يا بنتى بس كفنا الشر..
ربنا يحفظنا يارب من شر أنفوسنا..
" صبا " بحب وهى تجلس إلى جوار جدها.
- يا جدو ماينفعش نحكم على إنسان بالفشل لمجرد أن أهوائه مش مناسبه لينا..
صدقنى " بدر " جواه فنان هايل أنا بنفسى كنت بحضر عروضه أيام الكلية وكانت أيدينا بتوجعنا من كتر ما بنسقف له وأنا مؤمنة جداً بيه وبموهبته..
" عمران " وهو يستند على عصاه بعد تفكير دام للحظات.
- وأنا راجل مؤمن باللّٰه ومؤمن كمان بأنه مش بيخلق فى حد حلم إلا وهو خالق فيه القدره على تحقيقه..
ثم تابع وهو ينظر إلى " بدر " بخجل من فعلته معه.
- ربنا يوفقك يا أبنى بس أوعى تنسى ربك بيقول " أسعى يا عبد وأنا أسعى معاك "..
أسعى وعافر لأجل نفسك ولأجل مراتك وحلمك وربك هيراضيك بس خلى عندك إيمان بيه وعلى قد إيمانك بيه على قد ما هتشوف كرمه ومراضيته ليك عاملة أزاى..
" بدر " وهو يقبل يد جده بتهذب.
- ربنا يبارك لنا فيك يا جدى ويخليك لنا يارب أنا كنت محتاج فعلاً الكلمتين دول عشان يحسسونى أنى بعمل حاجة فعلاً..
ثم رفع بصره ناظراً إلى " صبا " نظرة إمتنان فبادلته بنظره محبه ومن ثم هتف الجد بحب خالص وهو يربت على كتف حفيده بحنان.
- ربنا معاك يا حبيبى ويجعلك فى كل خطوة نجاح وتوفيق..
فأضاف وهو ينظر إلى " صبا " بتساؤل ونبرة ذات مغزى.
- هاااا يا ست العرايس ماقولتيش رائيك موافقة عالدكتور " صبرى " ولا لأ، الراجل مستنى كلمتك بقاله يجى أسبوع وعوقنا أوى يا بتى فى الرد عليه..
" صبا " بإرتباك وتوتر فهى تشعر بعدم الراحة ولا تستطيع تخيل نفسها بعد مع رجل آخر سوى " سليم " خصوصاً بأن جرحها لا يزال ينزف وبغزارة ولم يشفى بعد.
- لسه يا جدو..
لسه بصلى إستخارة واللى ربنا رايده هيكون..
" عزيزة " بإلحاح.
- يا بنتى الراجل زينة الرجال وقيمة وسيما وهيهننك..
وبعدين الإستخارة ٣ أيام مش أسبوع..
" عمران " بتفهم لحالتها.
- سبيها على راحتها يا " عزيزة " ده جواز مش لعبة يا حاجة..
ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى " صبا " من جديد.
- على أقل من مهلك يا حبيبتى، أحنا مش مستعجلين بس برضو أعملى إعتبار لكلمتى وكلمة أبوكى وعمامك، أحنا قولنا للراجل مش هنتأخر فى الرد عليك وأديكى شايفة الراجل مستعجل عالجواز وعايز يستقر..
" صبا " بتوتر وهى تشعر بإنقباض قلبها على أثر سيرة الإستقرار والزواج من آخر.
- حاضر يا جدو..
اللى فى الخير ربنا يقدمه..
فشعر " سليم " بإنقباضة فى قلبه هو الآخر على أثر تلك السيرة مما أدى إلى تقلص عضلات وجهة وبروز عروقه بدقة غافلاً عن عيون " فريدة " المتابعة إياه بغيظ وغيرة واضحة إلى جانب عيون " عمران " الثاقبة وبشدة تتابع كل تصرفاته وحركاته التى يستشعرها جيداً ولكنه ليس باليد حيلة فهذا ما جناه على نفسه وجنته الأيام عليه وليس هناك مفر من مواجهة عواقب فعلته.
*******************************
رواية حي البنفسج الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل الثاني والعشرون
وبعد مرور ٤ أيام فى منزل " عزيزة " حيث يجتمع الجميع حول الجدة فى تمام الساعة الثانية عشر ظهراً وهى تقوم بتمليه " يونس " متطلبات كعك العيد حتى تقوم بإعداده ففى ذلك إدخال للسعادة والفرحة على قلب الكبار قبل الصغار وهى تردد بتفكير.
- عايزين صفيح سمن كبير و ٣٠ كيلو دقيق..
وماتنسوش يا عيال عايزين ريحة الورد والموز ومحلب وينسون وسمسم..
" عمران " بحكمة ورزانة.
- يا ولية أتقى اللّٰه أنتى عاملة وليمة..
٣٠ كيلو دقيق ليه حرااااام ده تبزير..
" عزيزة " بإبتسامة ذات مغزى.
- يا أخويا خلى العيال تفرح وتنبسط..
يووووه يا حاج هو العيد كل يوم يا أخويااا وبعدين أحنا بنوزع وبنعمل لينا ولحبايبنا، ما أحنا حبايبنا يااماااا ربنا يديمنا..
" عمران " بغضب.
- يا " عزيزة " أتقى اللّٰه، دي كميات كبيرة أوى ولا أكنك هتفتحى فرن، وبعدين ما أطباق الكحك رايحة جاية من الشقة دى للشقة دى ومن الجارة دى للجارة دى واللى بتبعتيه بيترد واللى بيبعتوه بيترد وهلوما جرا..
" عزيزة " بتهكم.
- يووووه يا حاج مش عادة يا أخويا ربنا ما يقطعها أبداً..
" عمران " بحكمة.
- يا حاجة أن المبذرين كانوا إخوان الشياطين..
" عزيزة " بغضب مكتوم.
- طب بااااس باااس ماتفسرش فى وشى..
هو أحنا اللى هنبات فيه هنصبح فيه يا حاج..
ما أحنا كل سنة بنعمل الكميات دى وبتتوزع عالحبايب..
" عمران " بسخرية.
- وكل سنة برضو بقول الكلمتين دول وبقول أن ده حرام وإفترى ومحدش بيسمعلى..
يا ولية حرام المعيشة بقت صعبة والأسعار بقت نار، أنتى عارفة شوال الدقيق واقف علينا أحنا التجار بكام..
واللّٰه ده حرام وربك هيحاسبنا..
" عزيزة " بلامبالاه.
- يا أخويا ده رمضان بيجى كل سنة مرة خلينا نفرح ونفرح العيال..
" عمران " بسخرية.
- هتفرحوا العيال بالكحك ولا بهدوم العيد يا ولية..
ده أنتم النسوان تموتوا فى البعزقه..
" عزيزة " بمرح.
- مسم يا أخويا ده ثلث للمرق، وثلث للحلق، وثلث للخرق..
وهو خسارة فينا يعنى يا حاج..
" سليم " بتلطيف للأجواء.
- مفيش أى حاجة فى الدنيا خسارة فيكى يا تيتة بس جدى مش قصده اللى فى دماغك، هو كل اللى قصده أن المعيشة بقت غالية والأسعار أترفعت جامد و ١٠ كيلو زى الـ ٣٠ كيلو كله هيكفى بالغرض وهتعم الفرحة برضو..
" عزيزة " بقلة حيلة.
- يا حبيبى أحنا كتير ربنا يزيد ويبارك وحبايبنا أكتر ولازم طبق الكحك والبسكويت يلف على كل شقة فى الشارع، دى عادة اللّٰه لا يقطعها..
" عمران " بغضب مكتوم.
- نقول تور يقولوا أحلبوه..
أعملى اللى يريحك يا حاجة..
وهنا جاء " عمر " من الخارج صائحاً بهلع وخوف شديد.
- ألحق يا جدى..
ألحق بسرعة..
" عمران " بهلع وهو يهب فى جلسته بخوف شديد.
- فى إيه يا واد سايبت مفصلى أنطق..
" عمر " وهو يلهث بشدة.
- ألحق يا جدو " جدى عسران " تعبان أوى وخالتى " صفية " شغالة عياط وصويت والحى كله عندهم فى الشقة..
" عمران " بهلع وهو يسحب عصاه راكضاً بتمهل على قدر حركته وسنه وهو يركض بإتجاه منزل " فتوح " والخوف والقلق يتسلسل إلى قلبه حتى كاد أن يسلبه أنفاسه.
- يا ستااااار يا ستاااار..
أسترها يااارب، وهات العواقب سليمة..
أجرى هات الدكتور من عالناصية يا واد وحصلنى على بيت عمك " فتوح " أوام..
وبمنزل " فتوح " حيث يجلس " عسران " على فراشه يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة و " فتوح " يجلس خلف ظهره فاركاً بيديه قفصه الصدرى بلطف والقلق يتملكه من حالة والده التى هو عليها الآن.
- أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وأشهد أن محمداً رسول اللّٰه..
مالك يا أباااا ماتوجعش قلبى عليك اللّٰه يسترك..
" صفية " وهى تبكى وتقبل يديه بألم.
- والنبى يا أباااا ما تعمل فيا كده..
كفاية أبوس إيدك ماتخلعش قلبى عليك..
وهنا دلف " عمران " بين الحشود من الناس وهو ينطق بهلع ولايزال يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة.
- إيه يا " عسران "...؟
إيه يا أخويا فيك إيه إسم اللّٰه عليك...؟ قالها وهو يزيح " فتوح " جالساً فى مكانه أخذاً موضعه وهو يفرك فى قفصه الصدرى بحنان وتلهف شديد.
" عسران " بلهاث ونبرة متقطعه.
- خلى بالك..، خلى بالك من " فتوح " يا حاج..
وخلى بالك من " صفية " دى بت غلبانة ومالهاش حد، أعتبرها بنتك يا أخويا زى " ثريا " وحاجى عليها، وأبقى أحكى لعيال " فتوح " لو أراد المولى عنى وعن صداقتنا وقولهم جدكم كان نفسه يشوفكم أوى بس أمر اللّٰه نفد..
" عمران " محاولاً تمالك أعصابه وهو يفرك بيديه صدره بلطف.
- ماتقولش كده يا " عسران " يا أخويا أنت هتعيش وهتفرح بيهم وبعيال عيالهم كمان..
ماتتكلمش، الدكتور هيجى دلوقتى وهيطمنا عليك بس سايق عليك النبى لتسكت وما تتعب نفسك..
" عسران " وهو ينظر إلى الأعلى مسبلاً بعيناه وكأنه ينظر إلى شيئاً ما أعلى سقف الغرفة وهو يمد يديه للأعلى وكأنه يعطيها لأحدهم.
- خلاص يا " عمران " الحبايب كلهم مستنينى أهووو وبيمدوا ليا أيدهم..
" عمران " وعيناه مرغرغه بالدموع.
- أبعدوا..
أبعدووا مالكوش دعوة بيه، ده هو اللى فاضلى..
أبعدوا وسيبوه فى حاله عشان خاطر ربنا..
" عسران " بتقطع وتلك الرغوة البيضاء تخرج من فمه وكأن هناك شيئاً عالقاً بحنجرته مصدراً لتلك الأصوات الغريبة التى تشبه لمفارقه الروح للجسد.
- أوعدنى يا " عمران "..
" عمران " بدموع تأبى الهطول.
- أوعدك يا أخويا بس ماتتكلمش سايق عليك النبى..
وهنا دلف " عمر " بصحبه " الطبيب " ولحقت به " الحاجة عزيزة " برفقه " سليم " و " يونس " منصدمين وبشدة مما رأوا عليه إثنانهم " عمران " و " عسران " الذى ينازع حتى يترك الحياة وما عليها.
" عسران " وهو ينظر إلى الأعلى مشيراً بيديه إلى الأعلى مردداً لإسم زوجته رحمة اللّٰه عليها و" الطبيب " يقول بعمله الذى لم يشعر بوجوده قط.
- تعالى يا " عطيات "..
قربى كمان يا أختى..
ثم رفع سبابته اليمنى إلى الأعلى وردد بنبرة متحشرجة وعيناه أصبحت متغربه تماماً.
- أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وأشهد أن محمداً رسول اللّٰه...! وما أن أنهى جملته حتى سقطت يداه إلى جواره وأنقطعت أنفاسه وعيناه لاتزال منفتحه ناظرة إلى الأعلى فى وضع التغريب.
" الطبيب " بعملية ونبرة بها بعض الأسف.
- البقاء للّٰه يا جماعة..
شدوا حيلكم..
فوقع الخبر على الجميع كوقوع الصاعقة تماماً وهوى " فتوح " على أقرب مقعد يبكى بكاء لم يبكيه بحياته قط إلا حين فقد والدته و" سليم" يقترب منه واضعاً يديه أعلى كتفه فى محاولة منه لبثه الدعم فى ذلك الموقف العصيب.
- شد حيلك يا " فتوح "..
كلنا أموات ولاد أموات وما دايم إلا وجه اللّٰه..
" فتوح " ببكاء محاولاً التماسك بصعوبة بالغة.
- ونعم باللّٰه..
" عمران " ببكاء وهو يردد بتألم رافعاً يديه مغمضاً بأنامله أعينه بكسره.
- لا حول ولاقوة إلا باللّٰه.
للّٰه ما أعطى وللّٰه ما أخذ ولا نقول إلا ما يرضى اللّٰه..
إنا للّٰه وإنا إليه راجعون..
ثم أضاف وهو يحتضنه معتصراً عيناه بألم.
- يا أمير..
يا أميررررر يا طيب يا جدع..
يا عشرتك الطيبة يا أخوياااا..
يا عشرتك الهنية يا حااااااج، هتفوتنى لمين من بعدك يا غالى..
ماتتأخرش عليا يا أخويا..، ماتتأخرش عليا..
هستناك تجيلى قريب زى ما جتلك الحاجة عطيات يا حاج، هستناك يا غالى..
" يونس " وهو يقترب من جده بحزن.
- اللّٰه يرحمه يا جدى..
ماتعملش كده فى نفسك عشان خاطرى..
سيبه يا جدو، سيبه حرام الميت له حرمه...!
" صفية " بصريخ وعويل.
- يا لهووووووووووتى..
يا خراااااااب بيتك يا " صفية "..
يا خراااابك يا " صفية "..
يا واد عمود البيت مين هده..
حمال الهموم عننا وحده..
يابيتنا العالى وقع كله..
لما طلعوا سبع الرجال منه..
ويا بيتنا العالى وقع وإنداس..
لما طلعوا الغالى وأعز الناس..
خلّى الكبير على دكته نايم..
داحنا الفرع وهو الأساس..
" عزيزة " وهى تجذبها إلى أحضانها تبكوُ وبشدة على بكائها.
- يا بنتى حرام عليكى اللى بتعمليه ده، أدعيله بالرحمة مش كده..
أدعيله يا حبيبتى ده ميت فى أيام مفترجه ربنا يجعلها من نصيبه يارب..
" صفية " ببكاء.
- ضهرى أنكسر يا خالتى، ضهرى أنكسر ومش هتقوملى قومه من بعده..
ده أبويا..
أبوياااا اللى وعيت عالدنيا لقيته يا خلق..
أبويا اللى شوفت الحنية منه وذقهانى بإيديه الأتنين..
هلاقى مين من بعدك يوأنسنى يا غالى..
هلاقى مين من بعدك يأنسنى يا حبيبى..
آااااااله يا خااالتى آاااه..
*******
وفى المساء بعد إنقضاء العزاء فى منزل " الحاج عمران " تدلف " عزيزة " إلى حيث غرفتهم الذى منذ إنتهاء مراسم العزاء وهو حبيسها ولم يتذوق للطعام مذاق منذ أن تسحر أمس، فدلفت إليه بصحون الطعام وهى تردد بحزن على حالته التى هو عليها منذ ذلك الخبر المشئوم.
- وبعدهالك يا حاج كلنا رايحين يا أخويا، ويابخته شاف عمله قصاد منه ولقا اللى يوصلوا يعالم بينا..
ده كفاية أنه مشى فى أيام مفترجه زى دى، ربنا يجعلها من نصيبه يارب..
" عمران " لا رد ولكنه يجلس والعتمة تحيط به فيما عدا ذلك الضوء المنبعث من تلك الأباجورة التى تقبع على الكومود بجانبه.
" عزيزة " بنبرة يملؤها الحنان.
- يا أخويا حرام عليك نفسك، ده أنت مادوقتش الذاد من أمبارح وهتقع من طولك يا راجل..
" عمران " بدموع.
- كان بيودعنا يا " عزيزة "..
كان بيودعنا وبيودع أهل الحارة كلهم وأحنا مش عارفين..
ثم أضاف بمرارة.
- أخدنى من أيدى وأخدنا الواد عمر وفوتنا على كل دكانة فى الحارة حتة حتة يسلم على اللى فيها وعلى أهلها وكأنه كان بيودعهم وأحنا مش داريانين بحاجة..
كان هو الكتف والضهر والصديق يا " عزيزة "، كان هو ونسى وسرى وصحبتى الحلوة فى الدنيا..
" عزيزة " ببكاء على حالته.
- يا أخويا ماتعملش كده فى نفسك، ما يعزش على اللى خلقه، أنت راجل مؤمن باللّٰه وبقضاءه وقدره..
" عمران " بحزن.
- ونعم باللّٰه..
ونعم باللّٰه يا " عزيزة "..
" عزيزة " بلطف.
- خد يا أخويا، خد حلفتك برحمة الغالى لتدوق الذاد..
كُل يا أخويا وماتوجعش قلبى عليك أنت كمان..
" عمران " بحزن وهو يبعد يديها بلطف.
- مش دلوقتى يا " عزيزة " ماليش نفس واللّٰه..
" عزيزة " وهى تعاود بالطعام إلى فمه من جديد.
- يوووه يا حاج ماتكسفش أيدى يا أخويا ده أنا حلفتك برحمة الغالى...! فأطاعها " عمران " على مضض وتناول القليل فقط الذى سيعيشه ويعطيه الطاقة ليواصل صيامه من جديد.
******
وبالأعلى حيث الطابق الخاص بـِ " سليم " يدلف إلى شقته بعدما أنتهى العزاء ومن ثم أستمع إلى ضحكات زوجته الرنانة الأتية من غرفة النوم فأقترب منها مستمعاً إليها وهى تتحدث عبر الهاتف مع صديقتها مردداً من بين ضحكاتها التى تحاول إمتلاكها بصعوبة.
- مش قادره يا " ماهى " هموت من كتر الضحك..
واللّٰه وحشنى كلامك وضحكك جداً...! ثم لمحت " سليم " يدلف إلى داخل الغرفة فتابعت لصديقتها بنبرة لطيفة.
- معلش يا " ميمى " هكلمك تانى يا روحى قريب ولازم نتقابل أكيد بما أنى رجعت مصر..
" ماهى " بود: تمام يا حبيبتى See You Soon وماتنسيش تسلميلى على " سليم "..
" فريدة " بود.
- يوصل يا روحى See You Soon...! وما أن أغلقت الخط حتى هتفت بحب.
- إيه يا روحى خلصت الـ Condolences اللى كنت فيه..
" سليم " بإقتضاب.
- ايوه لسه مخلص دلوقتى..
ثم تابع بتساؤل.
- أنتى ليه مانزلتيش مع أمى وخالتى تعزوا زى باقى البنات ما عملوا..
" فريدة " بغرور.
- إيه يا حبيبى أنت هتقارنى بولاد خالتك فى جملة واحدة ولا إيه...؟!
أنا " فريدة نصار " يا " سليم "..
أنا " ديدا " حبيبتك يا بيبى...! قالتها وهى تضع يديها أعلى عنقه محيطه إياها بحب وإشتياق حقيقى.
" سليم " وهو يزيل يديها من على عنقه وهو لايزال على موقفه.
- ومالهم بنات خالتى يا " فريدة " مش عجبينك فى إيه ولا مش قد المقام...؟!
" فريدة " بعدما أحست بأنها ستقع بمأذق جديد فى علاقتها بـِ " سليم " وهذا هى لا تريده فى تلك اللحظة.
- أكيد طبعاً مش ده قصدى يا حبيبى..
أنا قصدى أن أنا مراتك حبيبتك وطنط تبقا مامتك والبنات ولاد خالتك فأنا أكيد عمرى ما هكون فى مقارنة معاهم ولا أنت إيه رائيك يا حبيبى..
" سليم " مضيقاً عيناه بنبرة ذات مغزى.
- وده سؤال ولا إجابة يا " فريدة "...؟!
" فريدة " بغنج.
- فى إيه يا بيبى مالك كده النهارده مش فى المود وبتنشن على أى حاجة..
" سليم " وهو ينظر لها من الأعلى للأسفل بثقوب.
- وهو أنتى شايفة أنى فى حالة نفسية تسمح لكلامك واللى أنتى بتعمليه ده..
" فريدة " بعدم إكتراث.
- وهو أنت إيه اللى مأثر على حالتك النفسية يا " سيمو " حبيبى اللى مات مات خلاص أنسى ده مش من باقى عيلتك عشان تزعل للدرجة دى..
" سليم " بنبرة ذات مغزى وهو يردد بحدة.
- مش من باقى عيلتى..
ثوانى يا " فريدة " عشان فى كارثة بتحصل هنا..
هى فعلاً كارثة تخيلى لما حد عزيز يموت ليا ومراتى تقولى مش من باقى عيلتك أنك تزعل للدرجة دى والكارثة الأكبر أنها عايزه تساوى حزنى على حد من عيلتى بحد غريب..
ثم أضاف بإشمئزاز.
- أنا بقول إيه بس ولا بتكلم مع مين، أنسى أنتى يا " فريدة " تصبحى على خير..
" فريدة " بغضب.
- هو فى إيه يا " سليم " أنت عايز تعمل مشكلة وخلاص..
وبعدين هو كل ما أتكلم معاك تسيبنى وتروح تنام..
أنا عايزه أتكلم يا " سليم " ودلوقتى..
" سليم " بغضب وحدة.
- عايزه تتكلمى يا " فريدة " صح..
ثم تابع وهو ينظر إليها بثقوب وصدره يعلو ويهبط من فرط غضبه.
- طب أسمعى بقا..
أنتى بنى آدمه أنانية معدومة المشاعر والإحساس..
بنى آدمه نمبر وان فى حياتها هو نفسها وبس ومش مهم أى حد تانى بيفكر فى إيه ولا حتى حاسس بإيه..
أنتى بنى آدمه أنانية يا " فريدة " ماعندكيش لا قلب ولا رحمة، عايزه تسمعى أكتر من كده ولا كفاية عليكى كده النهارده..
" فريدة " بتهكم وسخرية.
- للدرجة دى يا " سليم " أنا وحشة فى نظرك كده..
للدرجة دى مابقتش تحبنى لدرجة أنك شايفنى بالسواد ده كله اللى أنت بتتكلم بيه..
" سليم " بغضب وهو يهز رأسه بعدم تصديق.
- مفيش فايدة.
واللّٰه ما فى فايدة..
تصبحى على خير يا " فريدة "...! قالها ومن ثم رحل إلى حيث غرفة الأطفال ليمكث بداخلها تاركاً " فريدة " تستشيط من شدة غيظها.
" فريدة " بغضب ونيران حارقة.
- بقا كده يا " سليم " ماشى أنا مش قعدالك فيها...! وما أن همت بجمع أغراضها حتى تذكرت أمر والدها وأنه لن يقبل بأمر عودتها إليه وهى على خطأ فضلاً عن تنفيذ خطتها التى أملتها عليها والدتها وأعتزمت على تنفيذها حتى تشفى نيرانها من تلك " الصبا " التى هى بمثابة حائط السد الذى يقف عائق أمامها وأمام أعين زوجها على الخصوص منذ عودتهم من الخارج.
ثم تابعت بإصرار.
- أنا هقعد يا " سليم " على قلبك وهفرجك وهفرج زفته الطين دى مين هى " فريدة نصار "..
لازم أديها درس وأكسر مناخيرها اللى زى هرم خوفو وأوريها أزاى تبص على حاجة فى أيد ستها وتاج رأسها..
فأضافت بنبرة مستحلفه ذات مغزى.
- يا أنا يا أنتى يا " صبا "..
*************************
رواية حي البنفسج الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل الثالث والعشرون
اليوم الثلاثة وعشرون:
وبعد مرور ثلاثة أيام فى منزل " فتوح " حيث يجتمع الجميع، فاليوم هو ثالث أيام الحداد كما يقال.
تجلس " صفية " مرتديه لجلبابها الأسود ووشاحها من نفس اللون واضعه رأسها بين راحتها وعبراتها تسقط من عيونها دون إرادة منها فهتفت " عزيزة " بتألم على حالتها تلك.
- يا بتى حرام عليكى نفسك يا حبيبتى، بزياداكى اللى أنتى بتعمليه ده..
أستغفرك ربى وأتوب إليك..
يا بتى ده أنتى حالتك بقت تصعب عالكافر، أدعيله بالرحمة يا حبيبتى ده مكانته كبيرة أوى عند ربك واللّٰه..
" صفية " ببكاء.
- مش قادره يا خالتى..
مش عارفة أمنع نفسى من البكا عليه، ده كان أبويا وحمايا وونسى، ما أنتى عارفة أنا لا حيلتى عيل ولا تيل وهو الوحيد اللى كان واخد بحسى ورادد بنفسه عليا..
" عزيزة " وهى تجذبها إلى أحضانها بحنان.
- ربك كريم واللّٰه وهيكرمك من فضله وهيطعمك، صدقينى محدش معاه ربنا وينضام أبداً..
بكرا هتجيبى بدل العيل عشرة وهتنجبرى بحق خدمتك للراجل العجوز اللى كان عامل زى حتة العيل ومتشعلق فى رقبتك..
ربك لا يضيع أجر من أحسن عملاً وأنتى أحسنتى إليه يا بنتى وأحسنتى فى حق عمك الحاج اللّٰه يرحمه عشان كده بقولهالك وأنا واثقة أنك هتنجبرى..
" صفية " بمرارة وهى تضرب بيديها ساقها فى قهره وحزن مندبه على فقيدها التى هو بمثابة أبيها الروحى أن لم يكن أبيها حقاً فهى دوماً ما أعتبرته كذلك وليس مجرد حما لها كما يقال.
- آاااه يا أبويااا آااااه يا غالى..
هروح فين من بعدك يا حبيبى..
عدمك خسارة يا جسر بين بلدين..
أحترت من بعدك أنا أروح فين..
ما لقيت حيلة بكيت بدمع العين آاااااه..
" عزيزة " بحكمة.
- يا بنتى حرام اللى أنتى بتقوليه وبتعمليه ده، أدعيله..
أدعيله هو محتاج الدعا دلوقتى لكن نواحك وبكاكى ده مش هيفيده يا حبة عينى..
وهنا دلفت " صبا " برفقه " زينب " و " زينه " محملون بأوانى الطعام وهى تردد بمحبة وود والحزن يكسو ملامحها.
- يلا يا جماعة تعالوا الفطار جهز والمغرب هيأذن أهو..
" صفية " بحزن ونبرة ممتنة.
- تسلمولى يا بنات محدش يجيلكم فى حاجة وحشة أبداً، أنا واللّٰه ما عارفة هرد جميلكم ده أزاى، جمايلكم بقت كتيره أوى يا خالتى ربنا يقدرنى وأردها..
" عزيزة " بتوبيخ.
- أخس عليكى يا بنتى وهو أحنا فى بينا الكلام ده..
ده أنتى بنت من بناتى زيك زى " ثريا " و " دنانير " و " مجيدة "..
أحنا أهل يا بنتى ومفيش بينا جمايل..
" صفية " بإمتنان.
- ونعم الأهل واللّٰه يا خالتى..
ده أنتم اللى باقيين ليا فى الدنيا من بعد الغالى اللّٰه يرحمه..
" عزيزة " بحب بعدما أستمعت إلى صوت المؤذن وهو يُأذن لأذان المغرب عبر مكبر الصوت.
- أهو أنتى قولتى بنفسك أحنا أهل أهو يعنى بلاش الكلام الفاضى ده ويلا عشان نشق ريقنا يا حبيبتى..
" صفية " بحزن.
- ماليش نفس يا خالتى واللّٰه كلوا أنتم، أنتم صايمين..
" عزيزة " وهى تجذبها من يديها مجلسه إياها أعلى مقعد السفرة.
- كلنا صايمين يا حبيبتى، أقعدى بس كده وشقى ريقك ده أنتى مادقتيش الذاد من أمبارح..
كلى يا أمه..، كلى اللّٰه يراضيكى...! فأطاعتها " صفية " وبالفعل بدأت فى تناول القليل من الطعام بعدما أرغمتها " عزيزة " بمحبة على تناول الطعام برفقتهم.
*******
وفى صباح اليوم التالى فى منزل الحاج عمران حيث يجتمع الجميع فى غرفة الإستقبال، يقوم كل منهم بالتحضير لطعام الإفطار وجزءاً منهم يقوم بتجهيز أنفسهم للذهاب للتسوق وجزءاً آخر يقوم بإعداد الطعام من أجل إرساله لمنزل " صفية " و " فتوح " فتلك هى عادتهم يحملون مسؤلية بعضهم البعض فى الأحزان قبل الأفراح وتلك الموقف عصيب للغاية يحتاج أن يشد عضدهم بعضهم ببعض..
" كريم " بهدوء وجدية.
- هنعمل إيه يا حاج فى موضوع البت " صبا "..
أنا قابلت " صبرى " أمبارح وأنا بحاسب الراجل بتاع الصوان ولقيته بيكلمنى فى الموضوع، فعرفته أن عندنا حالة وفاة وكده فعزانى وإعتذر بس من الواضح أنه مستعجل وأنا مش عارف أحير ولا أدير، ده عمى " عسران " مابقالهوش أسبوع لسه وهتبقا عيبه أوى لو عملنا أى حاجة دلوقتى..
" عمران " وهو ينقل أبصاره بينهم جميعاً وبين " سليم " المتصلب الوجه الذى يبدو على معالم وجهه العبوس والغضب الشديد الذى يحاول كظمه.
- يا أبنى الراجل لسه ماربعنش حتى وهتبقا عيبة كبيرة أوى فى حقنا لو فرحنا والراجل لسه دمه دافىء ده حتى يحشم فينا..
ملحوظة: ( يحشم فينا ) يعنى يزعل مننا أو لقدر اللّٰه نفقد حد عزيز بسبب زعله ده واللّٰه أعلى وأعلم..
" كريم " وهو يهز رأسه بتفهم.
- عندك حق يا أبا..
أنا هقوله نأجل كلام فى الموضوع لبعد الأربعين عالأقل، وأهو البت تكون فكرت برضو وأخدت وأدت مع نفسها لأحسن مش عجبانى وحاسس أن الموضوع مش لادد عليها..
" عمران " بتفكير.
- أوعى يكون فى حد تانى يا أبنى عشان كده مش موافقه..
" كريم " بتهذب.
- ولا تانى ولا تالت يا حاج..
الموضوع كله أنها بتحب تفكر بتأنى وبتحب تاخد وقتها وأنت عارف يا أبا " صبا " محدش فينا بيقدر يأكلها لقمة مش على هواها..
" عمران " وهو يهز رأسه بإيجاب مستنداً على عصاه بهيبة.
- بتك مستقلة يا أبنى..
والبت اللى بتشقى وتكافح من صغرها بتبقا عمليه وبتبص للراجل من منظور مختلف مش زى غيرها بيقول ضل راجل ولا ضل حيطة وتتستر وخلاص..
بتك عقلة ورأسيه وعارفة هى عايزه إيه كويس..
غيرها رجالة بشنبات مش عارفين غايتهم ولا حتى هما عايزين إيه...! قالها وهو يقصد بها " سليم " فشعر الأخير بالحرج ومن ثم هب واقفاً وهو يردد بنبرة مهزوزة.
- طيب أنا هطلع أشوف " فريدة " وهنزل تانى..
" عمران " بنبرة حازمة.
- أستنى يا " سليم " أنا عايزك..
" سليم " بغرابه.
- خير يا جدى فى حاجة...؟!
" عمران " بهدوء ونبرة حاسمة.
- عايزك فى كلمتين يا أبنى، حصلنى على الأوضة جوه...! قالها وهو يهم بالوقوف ذاهباً إلى غرفته وسرعان ما لحق به " سليم" والقلق ينهش قلبه نهشاً.
" سليم " وهو يجلس إلى جوار جده بتهذب.
- أتفضل يا جدى سامع حضرتك..
" عمران " بنبرة ذات مغزى.
- فيك إيه يا أبن أبنى...؟
شكلك مش عاجبنى وكأنك متغرب عن نفسك من سنين..
" سليم " بتنهيده حارة موضعاً من خلالها كل ما يرهقه ويُآرقه.
- أنا فعلاً متغرب من سنين يا جدى مش جديدة عليا الغربة..
" عمران " بحكمة.
- أنك تتغرب عن أهلك ده كوم وأنك تتغرب عن نفسك وماتعودش تعرف أنت مين ولا عايز إيه ده كوم تانى..
ثم تابع وهو يعطيه قطعة صغيرة من الزجاج ( المرآه ) ليرى نفسه من خلالها.
- أمسك..
أمسك شوف نفسك فى المرايا دى..
شوف هتعرف نفسك ولا لا يا " سليم "..
فمد يديه وهو يمسك المرآه من بين يديه ناظراً بها بشرود وتسهيم ومن ثم تابع الجد حديثه بهيبة.
- شايف إيه يا أبنى...؟
عرفت نفسك ولا متغربه عنك زى ما جدك الراجل العجوز قالك من شوية..
" سليم " بتوهان وتشويش وأعينه حبيسة الدمع وهو لايزال ينظر إلى هيئته بالمرآه.
- أنا ضايع يا جدى..
أنا مش عارف أنا فين ولا بعمل إيه ولا أنا صح ولا غلط ولا إيه حكايتى..
كل اللى أنا حاسة أنى موجوع وموجووووع أوى كمان بس مش عارف ليه وعلى مين...؟
" عمران " برزانه وحكمة وهو يتكأ على كل حرف يتفوه به.
- والوجع ده سببه " مراتك " ولا " صبا "..
" سليم " بفزع وهو ينظر إلى جده بإرتباك.
- " صبا "..
وإيه علاقة " صبا " بالموضوع يا جدى..
" عمران " بحكمة ورزانة.
- يا أبنى أنا مش صغير ولا بريالة وشوفت كتير لحد ما شعرى شاب وضهرى أنحنى..
أنت بتحب " صبا " يا " سليم "..
أنت بتحبها يا حبيبى والحب مدهولك..
" سليم " بإرتباك ونبرة مهزوزة.
- أنا...! فقاطعه الجد دون الإستماع له وهو يردد بحزم وإبتسامة ذات مغزى تداعب ثغرة بحنان.
- مهما تنكر وتقول لأ..، عيونك فضحاك وقايله اللى أنت رافض تصدقه..
عيونك مليانة حب ودفىء يا " سليم " والغريب أنه مش لمراتك وده اللى أنا واثق منه..
" سليم " بخجل من حديث جده.
- يا جدى أنا مش عارف ده حصل أزاى وأمتى بس حصل..
صدقنى أنا مش خاين ولا قليل الأصل..
أنا عارف كويس أنى وجعت " صبا " وأذيتها من غير قصد بس أنا ماكنتش أعرفها..
أنا مشيت وأنا سايبها عيلة بضفاير عمرها ١٤ سنة، يعنى كانت طفلة ولما أتجوزت كنت شايف فى " فريدة " كل حاجة ممكن الراجل مننا يتمنى أنه يلاقيها فى أى بنت وكنت منبهر بيها بشكل صعب حضرتك تصدقه..
عارف لما تشترى علبة شوكولاتة غالية أوى على أنها بالمكسرات وأول ما تروح وتيجى تفتحها عشان تأكل منها تلاقيها مخززه وطعمها وحش حتى المكسرات فيها قليلة أوى..
أهو ده بالظبط اللى حصل معايا لما شوفت " فريدة "..
أنبهرت بشكلها ومع الأيام أكتشفت أن اللى جوه مش زى اللى بره خالص وده للأسف شوفته منها لما رجعت هنا وشوفت أسلوبها وتعاملها معايا ومع عيشتى اللى هى ناقمة عليها وشايفة أنها مش منسباها..
لقيت نفسى غصب عنى بوقع فى حب " صبا " من غير ما أحس..
لقيت نفسى فجأة بتشد ليها ومش عارف أعمل إيه...؟!
" عمران " بنبرة فى الصميم.
- وليه ماتقولش أنه إنبهار بيها زيها زى " فريدة "...؟!
" سليم " بتهذب.
- ده مش إنبهار يا جدى صدقنى ده حب وحب قوى جداً أنا مش قادر عليه..
أنا اللى حسيته ناحيتها عمرى ما حسيته مع " فريدة " ولا حتى أى واحدة خلقها ربنا غيرها، وبعدين حضرتك بنفسك لسه قايل أنك شايف الحب فى عيونى لـِـ " صبا " يبقا أزاى ده إنبهار..
" عمران " بحكمته المعهوده.
- أنت عارف يا " سليم " أنت بتفكرنى بإيه...؟
ثم تابع وهو يستند على عصاه برزانة.
- أنت عامل زى اللى قعد عمره كله يجمع فى خيول لحد ما ضيع منه الأصيلة..
أنا مش عايز أقولك أنها كانت فى إيدك وأنت اللى أتبطرت بس هقولك أن ده نصيب ومقدر ومكتوب وأنا عذرك برضك عشان البت كانت صغيره عليك أيامها أوى وزى ما قولت كانت غريبة عنك..
" سليم " بتنهيده يملؤها الألم والوجع.
- أنا مش عارف أنا بعمل إيه يا جدى ولا هكمل حياتى أزاى خصوصاً أن " فريدة " كل يوم مشاكلها بتزيد وكل يوم بتخلق حوارات جديدة والغريب أنها حاطه " صبا " فى دماغها بشكل مش معقول..
" عمران " بحكمة.
- حقها يا أبنى..
حقها يا " سليم "..
واحدة شايفة فى عيون جوزها الحب بس مش ليها، عايزه تعمل إيه...؟!
أوعى تظلمها يا أبنى ولا تيجى عليها، دى ولية وأحنا عندنا ولايا مش عايزينه يترد فيهم..
" سليم " وهو يضغط على عيناه بألم وحيرة من أمره.
- صدقنى يا جدى أنا عمرى ما هظلمها أبداً ولا حتى هظلم " صبا "..
أنا كل اللى عايزه أن أفصل شوية من مشاكلى مع " فريدة " لأن حرفياً علاقتى أنا وهى متوترة بقالها فترة ومش مستقرة، محتاج أخد هدنة من كل الضغوط دى يمكن أقدر أسيطر على علاقتى بيها وترجع تقوى من تانى..
بس مش عارف هعمل كده أزاى و " صبا " حبى ليها كل يوم بيزيد وبيطاردنى أكتر من اليوم اللى قبله..
" عمران " بعقلانية.
- أفتكر دايماً يا " سليم " أن اللى بيطارد أرنبين فى نفس الوقت مش بيمسك ولا واحد فيهم يا حبيبى..
أفتكر الكلمتين دول وحطهم حلقة فى ودانك عشان خاطر لا تظلم مراتك ولا بت عمك ولا حتى تيجى على نفسك..
عيش يا أبنى وراضى مراتك وسيب بت عمك تعيش زى ما أنت إخترت طريقك وعشت على كيفك..
وأصبر شوية على مراتك يا أبنى وأعذرها، عيشتنا غريبة عليها ومغتعودتش عليها وخد بالك أن العلاقات أخد وعطا تحب وتتحب تسند وتتسند تعدي ويتعدالك، هي دي العلاقة اللى بجد، اللى كل واحد فيها فاهم إيه الحقوق اللي له وإيه برضو الواجبات اللي عليه وزي ما بيطالبوا بحقوقهم ما بيقصروش كمان في واجباتهم يعني ما ينفعش ترمي حمل العلاقة على طرف واحد وتقول له يلا نجحها ساعتها مُستحيل العِلاقة دى هتنجح، العِلاقات بتحب المجهود، والمرونة، والمودة، والرحمة..
القسوة والجفا بيقصروا عمر العلاقة مهما كانت قوتها..
" سليم " وهو يحتجز عبراته بصعوبة بالغة.
- عندك حق يا جدى..
عندك حق، عشان كده أنا بفكر أبعد فترة أنا و " فريدة " يمكن أقدر أسترد حبى ليها من جديد وأدى فرصة لعلاقتنا عشان نقدر نكمل، وعشان كمان ما كونش حاجز قصاد " صبا " فى أى قرار ممكن تاخده بخصوص جوازها..
" عمران " وهو يربت على كتفه بحنان ولكن من داخله يتألم من أجل ألمه هذا.
- عين العقل يا حبيبى..
ربنا يكملك بعقلك يارب ويراضيك زى ما هتراضى مراتك كده..
بس ماتغبش علينا..
************************
رواية حي البنفسج الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل الرابع والعشرون
"
اليوم الأربعة وعشرون:
فى منزل " آل عمران " حيث يجلس الجد فى غرفة الإستقبال يستمع إلى حديث " الشيخ محمد متولى الشعراوى " وهو يتحدث فى خطبته عن الرضا بالقضاء والقدر كلماتٍ لامست جدران قلبه وراقت لحالته التى هو عليها منذ رحيل رفيق دربه، وعلى الجانب الآخر يجلس كل من " عامر " و " توفيق " يتصفحان كل منهم هاتفه المحمول وباقى النساء يعملون على قدم وساق حتى يستطيعون إنجاز عملهم قبل آذان المغرب و " عمران " يجلس مستمعاً إلى " الشيخ الشعراوى " وهو يردد بطريقته اليسرى القريبة من القلب.
- يجب أن نتربى جميعاً فى أن القضاء إذا نزل نسلم به أول مرحلة فيه لا يرفع قضاء حتى يرضى به.
محدش هيلوى إيد ربنا..
مش هترضى هيفضل البلاء، لذلك الذين يعيشون فى البلاء طويلاً هم السبب لأنهم لم يرضوا..
ولو رضوا لرفع اللّٰه البلاء.
وضرب الشيخ محمد متولى الشعراوى مثلاً قائلاً: " لو دخلت على إبنك ووجدته يلعب كوتشينة فضربته (قلم) لو إستسلم ورضى تطبطب عليه ولو تنح تضربه تانى، إذاً اللّٰه يقول من رضى بقدرى أعطيته على قدره ".
فتمتم " عمران " بحسره وهو يستند على عصاه الأبانوس فى وضع الإنحناء.
- ما شاء اللّٰه كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا باللّٰه العلي العظيم..
ربنا يرحمك يا " عسران " يا أخويا ماتعظمش على اللى خلقك..
ربنا يرحمك وينور قبرك يا حبيبى ويجمعنا على خير بأذن المولى..
وهنا جاء كل من " عمر " بصحبه " دهب " جالسين إلى جوار " الحاج عمران " ولكن شعر الجد بالغرابة من جمعتهم سوياً فنطق بنبرة ذات مغزى وهو يوجه حديثه إليهم.
- خير يارب..
إيه اللى لم تنتون على تنتن..
" دهب " بإبتسامة محبة وهى تحاول إستماله فؤاد جدها نحوهم.
- كل خير يا حجوج أنت يا قمر..
" عمر " بنبرة مرحه.
- حضرتك عمرك شوفت من ورانا إلا كل خير...؟!
" عمران " بسخرية من حديثهم.
- يا لطيف يارب، أسترها يا كريم..
ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى " عمر " بنبرة ذات مغزى.
- شهل وقول عايز إيه، وماتعمليش ديك على اللى فقساك عشان أنا فاهم الحركات دى كويس..
" عمر " بإبتسامة مرحه.
- تعيش وتفقسنى يا حاج..
" عمران " بتهكم.
- طب شهل يا أخويا وأطرش اللى عندك..
" عمر " بنبرة مهزوزة.
- بصراحة يا جدى أنا كنت عايز أطلب من حضرتك طلب..
" دهب " وهى توكزه بخفة وفقدان صبر من مقدمته تلك.
- ما تشهل يا عم وخلصنا، ما جدى فقسك خلاص..
" عمر " بغضب.
- بس بقاااا ماتوترنيش أكتر ما أنا متوتر..
أقولك قومى من جمبى وسبينى أتكلم مع جدى على رواقة...! قالها وهو يميطها من جانبه بلطف وأداء به حس فكاهى.
" عمران " بغضب.
- أحنا هنقضيها لعب عيال ولا إيه؟ أنا دماغى مش فايقه ليكم..
" عمر " بتهذب.
- خلاص يا جدى هتكلم واللّٰه أهو..
" عمران " بتهكم.
- أشجينى يا أخويا..
" عمر " بنبرة مهزوزة، متوتره.
- أنا كنت بقول يعنى إيه رأى حضرتك لو نغير نشاطنا..
" عمران " بعدم فهم.
- نغير إيه عدم اللامؤاخذة..
" دهب " بهدوء مميت.
نشااااطناااا يا جدى، نشاااطناااا..
" عمران " بسخرية وإستهزاء.
- نغير نشاطنا يعنى نعمل إيه؟ نلبس شورت أنا وعمك وكاسكيته ونطلع نجرى عالكورنيش ولا نقلب الفرن لحلبة مصارعة..
" عمر " بإبتسامة مرحه.
- اللّٰه ينور عليك يا جدو واللّٰه، حضرتك قربت أهو للفكرة..
" عزيزة " بغضب وهى تقوم بتقطيع الفاصولياء الخضراء إلى قطع صغيرة.
- يا نهار أبوك مقندل..
أنت أتهبلت يا واد ولا إيه ولا بتتمقلت على سيدك..
أخس عليكم عيال قليلة رباية..
" دهب " بلهفة.
- واللّٰه يا ستى أنا ما أتكلمت ده هو اللى أتكلم..
" توفيق " بغضب.
- بس يا واد منك ليها بلاش قلة أدب مع سيدكم..
" عامر " بحدة.
- نشاط إيه ده اللى أنت عايز تغيره يا " عمر " ده المثل بيقول أدى العيش لخبازه ولو كل نصه، وجدك دى صنعته ولقمة عيشة هو وعمك لما هيقفلها هيعيشوا منين يا أبن " مجيدة "...؟
" عمران " بحدة.
- أستنانى أنت يا " عامر " شوية..
وعايزنا نغير نشاطنا نفتح إيه يا فلحوس على أخر الزمن..
" عمر " بنبرة متحمسه.
- نفتح بلاى ستشن يا جدى..
نقفل الفرن ونفتح مكانه بلاى ستشن وأنا عندى واحد صاحبى يقدر يجيب لينا كام حتة جهاز ونشغله بيه وكل المطلوب من حضرتك حق توضيبه بس وأنا هقول لأبويا يشترى الأجهزة..
" عمران " بغضب وهو يشعر بأن الدماء تكاد تغلوُ بداخل أوردته.
- أستغفرك ربى وأتوب إليك، اللهم أنى صايم..
ورحمة أبويا فى تربته لو ما غورت من قدامى دلوقتى لهنزل بعصايتى دى على دماغك وعلى دماغ اللى خلفوك عشان أرجعك لصوابك تانى..
ثم تابع بعدم تصديق.
- إيه ياربى المصايب اللى عماله تور على نفوخى دى..
ده أنتم لو عايزنى أتجلط مش هتعملوا فيا كده يا عيال عيالى..
" دهب " بنبرة بريئة، صادقة.
- واللّٰه يا جدى أنا قولتله بلاش جدو هيتعصب ومش هيوافك قالى مالكيش فيه أنتى..
" عمر " بغضب من حديثها.
- أنتى بتسلمينى يا " دهب " طب وحياة أمى لهوريكى..
" عمران " بغضب.
- ما تقوم تاخدها قلمين يا ولااا ما أنا طربوش قاعد ومش مالى عنيكم..
" عمر " بتهذب وهو يضع وجهه بالأرض.
- قطع لسان اللى يقول عليك كده يا جدى، حضرتك الخير والبركة..
" عمران " بسخرية.
- بركة..
وهى فين البركة دى يا سى " عمر " ما أنتم خلاص عايزين تقضوا على اللى فاضل منها..
" عامر " بغضب.
- أنت يا أبنى مابتفهمش..
ده أنتم مخلينى عالحديدة، دى حتى الحديدة بعتها عشان خاطركم وخاطر علامكم..
وسيدك وعمك اللّٰه يعينهم، وعمك بالذات شيلته تقيله، بلاش قلة حيا وكلام مالهوش لازمه..
" عمر " بتهذب.
- يا بابا صدقنى حوار البلاى ستشن ده مربح وهيكسبنا..
أنت عارف الساعة بكام، عارف لما يكون عندنا على الأقل ٣ أجهزة هيبقا مكسبهم كام فى اليوم..
" عمران " بغضب وحدة.
- اللّٰه الغنى عن ده مكسب..
من خرج من كاره أتقل مقداره، والكار ده مش كارنا ولا عمرى أبداً هنزل من قيمتى لحاجة أنا مفهمش فيها..
وبعدين يا أخويا ما تروح تقول لأبوك الكلام ده ماهو عنده دكانته وأنتم حرين فيها وكلكم عارفين أن الفرن بعد ما أتكل أنا هيكون من نصيب عمك وبناته ولا أنت عايز تجور على حقهم على حياة عينى..
" عامر " بلهفة.
- بعد الشر عنك يا حاج، ربنا يديك الصحة ويطول فى عمرك يارب..
" عمران " بحدة ونفاذ صبر.
- لكل أجلاً كتاب يا " عامر " ربى أبنك وقوله بلاش لعب عيال، ولا وقفته على طرابيزه البينج مع شوية الصيع بتوعه لحستله دماغه خلاص ونسته مذاكرته والهم اللى وراه..
" عمر " بتهذب.
- يا جدى طب نجيب حتة واحدة وجرب بنفسك وشوف المكسب بعينك..
" عمران " بغضب.
- باااااس بلاش حديت ماسخ بلا قلة قيمة، الكلام خُلص خلاص..
قال بيشتيشن قال..
ثم عاود الحديث إليه مجدداً.
- قوم..
قوم وأنت عامل زى البغل كده روح جيب حطب لعمك وخد معاك واحد ولا أتنين من الصيع صحابك عشان يشيلوا معاك وأعمل حاجة مفيدة فى عيشتك بدل القعدة عالطرابيزة اللى سيحت مخك أكتر ماهو سايح..
كأتك الهم فورت دمى...! قالها وهو يزيله من أمامه بطرف عصاه هابطاً إلى الأسفل حيث المخبز ليدير أشغاله بصحبه ولده " كريم" الذى يعمل بالمخبز منذ الصباح.
" عامر " بغضب وهو يوكز ولده فى كتفه بخفة.
- بقا فى حد يقول اللى أنت قولته ده يا بجم..
بلاى ستشن إيه وزفت إيه على عينك وعين اللى خلفك اللى أنت عايز تفتحه..
روح أنتبه لمذاكرتك يا أخويا بدل أولى كلية اللى أنت لابد فيها بقالك سنتين كاتك الهم..
بس هقول إيه أنا ربنا خايب أملى فى عيالى..
" عزيزة " بلطف محاولة السيطرة على الموقف.
- ما خلاص بقا يا " عامر " مكانوش كلمتين الواد قالهم عشان تنصبه له النصبة دى..
أنزل يا أبنى أنزل روح هات الحطب زى ما سيدك قالك وماتتأخرش عليه عشان يرضى عنك يا حبيبى...! قالتها وهى تقترب منه رابته على كتفه بحنان، فأطاعها " عمر " على الفور وهبط ليفعل ما أمرته به جدته للتو.
******
وفى المساء يجلس " الحاج عمران " على المقهى إلى جوار " فتوح " مردداً بحزن على حاله أبن صديقه المرحوم.
- وبعدهالك يا " فتوح " يا أبنى هتفضل عالحالة دى لأمتى، أبوك داخل عالعشر تيام أهو يا حبيبى، ده الإنسان جاى من النسيان، أنسى وهيف على روحك..
أنا عارف أنه أبوك وروحك وضى عنيك ومايتنساش أبداً ولو كان هيتنسى كنت أنا نسيت أبويا وأمى اللّٰه يرحمهم بس الموت ده هو الحاجة الوحيدة اللى بتتولد كبيرة ومع الأيام بتصغر..
" فتوح " بحسره.
- مش قادر يا حاج صدقنى..
كل ما أدخل من باب الشقة وأشوف كرسيه فاضى بحس بسكينة بتتغرز فى قلبى..
أنا من يوم ما وعيت عالدنيا دى وأنا أيدى فى أيده وضهرى فى ضهره، عمرنا ما أتفرقنا عن بعض أبداً، حتى لما رقد وجا أقعد معايا ومع " صفية " قولت فى عقل بالى الولية لسه عروسة جديدة أزاى هتستحمل رقده أبويا وقعدته معانا حتى لو كان هو اللى مربيها الواحد مننا أصله مهما كان تقيل..
بس لقيتها مرحبه بأبويا جداً وشيلاه من عالأرض شيل ومعوضها حرمنها من الخلفة..
عديت الأيام والسنين تمر وأبويا ده عامله حوايا وشايله فوق رأسى شيل سوا أنا ولا مراتى..
واللّٰه يا حاج وماليك عليا حلفان أنا لو كنت أطول أشيله وأقف بيه زنهار طول العمر بس يفضل كنت هعمل كده..
وبعد كل ده عايزنى أنسى..
أنسى أزاى بس يا حاج...؟ أزاى...؟
" عمران " وهو يربت على كتفه بحنان محاولاً بثه الدعم.
- يا أبنى أنت راجل مؤمن بقضاء اللّٰه وقدره وماينفعش كلامك ده..
أستغفر ربك يا حبيبى وأحتسبه عند اللّٰه وأدعيله بالرحمة والثبات..
أوعى تفكر أنك هتنساه حتماً ولابد يا أبنى لااااا أنا ماقولتش كده..
النسيان عمره ما هيلغى ذكرياتك مع أبوك الحاج اللّٰه يرحمه ولا هينسيك وجعك بس أهووو هيخليك تستمر فى الدنيا دى تلطش فيها شوية وتلطش فيك شويتين بس هتعيش..
هتعيش وجواك شوية ألم بيزورك من اليوم للتانى بس الإسم أنك عايش..
ومراتك ربك هيجبرها وهيطعمها وهيطعمك وهتقول عمك " الحاج عمران " قال..
ثم أضاف وهو يرتشف من كوب الشاى خاصته.
- أنا النهارده كنت قاعد فى البيت وسمعت مولانا " الشيخ الشعراوى " بيقول فى خطبته.
- إن البلاء والقضاء لا يرفع ولا يرد إلا إذا رضيت به فأرضى بالمكتوب يا حبيبى و أستودعه عند وضائع الرحمن..
ده جانى فى المنام يا حبيبى أمبارح وكأنه جاى يطمنى عليه ووشه منور زى البدر فى ليلة تمامه ولأبس أبيض فى أبيض وواقف على سطح البيت عندكم وعاملين ننادى عليه وهو يا حبيبى مش راضى ينزل ومبسوط أوى..
أدعيله يا ابنى ده فى خير واللّٰه وخير كبير أوى كمان..
ربنا يرزقنا حسن الخاتمة يارب..
" فتوح " بحزن.
- ربنا يرحمه ويغفرله وينور قبره يارب..
طمنتنى يا حاج اللهى يطمن قلبك يارب وتعيش..
" عمران " وهو يربت على ساقه بحنان.
- تسلم يا أبن الغالى..
تسلم وتعيش..
******
وبالأعلى بعد مرور عدة ساعات قبل آذان الفجر لما يقرب النصف ساعة تجلس " صبا " فى غرفة الأرائك حيث " الكنب العربى " كما يقال باللغة الدارجة، تقوم بنحت التمثال الخاص بـ " نصار " بحب شديد وهى تدندن بنبرتها العذبة الجميلة تلك الأغنية المفضلة لديها للشحرورة " صباح " والجميع يجلس حيث غرفة الإستقبال يتناولون الغلة أو ما يُـسـمـى بــِــ " البليلة "، فكان " سليم " يذهب باتجاه غرفة المطبخ ليجلب بعض من الماء أو تلك هى الحجة التى يبرر بها بحثه عن " صبا " التى لم يلاحظ وجودها منذ الفطور فهى لم تجلس لتتناول السحور معهم ومنذ أن تناولت فطورها وهى مختفيه عن الأنظار تماماً مما أثار فى نفسه القلق واللهفة والإشتياق إليها فإنبعث يبحث عنها فى كل أنش بالمنزل دون أن يلاحظه أحد وما كاد أن يدلف إلى المطبخ ليراها متعللٍ بجلب الماء حتى تسلل إلى أذانه صوت يشبه الكروان تلك الطائر ذو الصوت العذب وهو يدندن بمحبه تلك الكلمات..
كلمات الأغنية 👇
لو تشرق أو تغرب.
مهما تبعد راح تقرب راح تجرب نارى بيا.
يا جميل تصعب عليا.
لو تخلي التلج يغلى.
راح تصرخ منها قبلى واللى هينجّيك عينيا.
يا جميل تصعب عليا.
أنت خايف من رموشى يجرحوك.
مابيجرحوشى دول حبايبك يا حبيبى.
و لا خايف حبي ياخذك بحر تغرق فيه لوحدك.
لا دنا معاك يا حبيبى.
فوقف يستمع إلى ذلك الصوت الذى لمس قلبه لمساً وما كاد أن يدلف إلى حيث غرفة المعيشة حتى قابلته " زينب " وهى تخرج من غرفة المطبخ حامله بيديها كوباً من الغلة " البليلة " فأبتسمت بود وهى تردد بتهذب.
- خير يا بشمهندس عاوز حاجة أجبهالك من المطبخ..
" سليم " بتشويش.
- هااااا..
آااااه، لاااا، لاااااا ده أنا كنت داخل البلكونة..
" زينب " بعدما لاحظت تشويشه.
- أنت كويس يا بشمهندس..
" سليم " متمالكاً لحالته.
- آاااه، آااااه أنا تمام الحمدللّٰه.
ثم تابع بتساؤل ونبرة مستفهمه.
- هو مين اللى صوته حلو أوى كده وبيغنى عندنا ما شاء اللّٰه..
" زينب " بإبتسامة ذات مغزى.
- دى " صبا "..
هى بتحب تدخل الأوضة هنا ساعة الفجرية وتفضل تغنى مع نفسها كده وهى بتنحت لحد ما تخلص، دى عادتها من سنين..
" سليم " ونظرات الحب تقطر من أعينه بشكلاً ملحوظ وهو يتمتم دون وعى.
- أممممم..
ما شاء اللّٰه، تجنن..
" زينب " بإبتسامة ذات مغزى مما جعل " سليم " يشعر بالحرج مما تفوه به دون وعى منه بوجودها.
- أمسك يا بشمهندس أدى الكوباية دى لـِـ " صبا " بالمرة بما أنك داخل البلكونة..
" سليم " وهو يأخذ منها الكوب بحرج شديد ولكنه متحمساً وبشدة ليراها بتلك اللحظة.
- أوكية، مفيش مشكلة هاتيها..
وبمجرد ما أن أخذ الكوب منها ودلف إلى الداخل حتى وقف متسمراً من روعة ما رأى..
فها هى تقف بخصلاته التى قامت بربطها بشكلاً عشوائياً وخصلاتها متناثره بكل عفوية على وجهها فى شكلاً جاذباً خاطفاً للأنظار وهى تقوم بنحت كل أنش بأناملاها المليئة بالنعومة والرقة ويداها ملطخة بذلك الصلصال المستخدم خصيصاً فى نحت هذا النوع من التماثيل وهى لاتزال تدندن بكل حب ودلال.
ولا أقولك طب بحبك.
غصب عنك راح تحب.
ذنبك أيه ؟ ذنبك بحبك.
هو بعد الحب ذنب.
وعلشانه أموت أنا.
فاقت من إندماجها وإنسجامها الشديد هذا على صوت نبرته الدافئة المليئة بالحب وهو يردد وعيونه مصوبه عليها بشكل لا يمكنه معه أن يزيل أعينه عنها.
- قولتلك أنتى مختلفة..
مختلفة بشكل ما شفتهوش ولا شوفته قبل كده..
*************************
رواية حي البنفسج الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل الخامس والعشرون
" رمضان ".
اليوم الخامس والعشرون:
فشعرت " صبا " بالصدمة من وجوده فتسمرت فى مكانها لبضع لحظات ومن ثم أستدارت له وهى تخشى أن تنظر إلى عيناه حتى لا ترتبك ويحدث لها ما لا تحمد عقباه ويقع قلبها صريعاً لقلبه من جديد وهتفت بنبرة مهزوزة من شدة ربكتها.
- س سليم أنت هنا بتعمل إيه..؟
" سليم " بنبرة مسكره وهو ينظر إليها نظرات عاشقة غير قادر على التحكم بها.
- بسمع الكروان وهو بيغنى..
" صبا " بخجل وهى تتهرب من النظر إلى عيناه.
- أنا أسفة لو كان صوتى عالى وأزعجتك..
أنا هلم حاجتى وهطلع شقتنا حالاً...! وما كادت أن تستدير لتلملم أشيائها حتى قام " سليم " بالإمساك بذراعها بلطفاً شديداً وتابع بنبرة مسكره.
- ومين قالك أنك أزعجتينى..
صوتك دافئ أوى يا " صبا "..
دافئ زى قلبك..
" صبا " بتوتر وهى تفرك فى يديها من شدة خجلها.
- تسلم يا بشمهندس ده بس من ذوقك..
" سليم " وهو يعطى لها كوب الغلة " البليلة " فى حب شديد.
- أتفضلى كوباية البليلة بتاعتك، " زينب " بعتهالك..
فنظرت " صبا " إلى ذلك الكوب وإلى يديها الملطخة بعجينة الصلصال الخاص بنحت التمثال، فلاحظ " سليم " يداها الملطخة وعدم مقدرتها على أخذ الكوب منه وتناول ما به فأمسك بالملعقة مقلباً محتوى الكوب ومن ثم أقترب بيديه الممسكه بتلك الملعقة إلى فمها وهو ينطق بحباً شديداً.
- أفتحى بقك..
" صبا " بخجل وهى تبتعد إلى الخلف بحرج شديد.
- ماتتعبش نفسك يا بشمهندس، أنا هغسل أيدى وهاجى أكل..
" سليم " بلطف ونبرة متقطره بالعشق.
- مفيش وقت على آذان الفجر كلها دقايق وهيكون إمساك..
ثم تابع بحب ونبرة يملؤها اللطف حتى يزيل عنها حرجها.
أفتحى بقك يا " صبا " يلا مش هأكلك ماتخافيش ه
هه..
ففتحت " صبا " فمها وأخذت منه الملعقة بحرج شديد ومن ثم هتفت بتبرير.
- خلاص يا بشمهندس كفاية..
أصلها مسكره أوى وأنا مش بأكل حاجة فيها سكر كتير خصوصاً فى الصيام..
" سليم " بإصرار ونبرة محببه وهو يقترب بالملعقة إلى فمها من جديد.
- معلش خدى معلقة كمان، دى تيتة بتقول أن " البليلة " بتمنع العطش فى الصيام..
فأخذت منه الملعقة بخجل وتوتر شديد ومن ثم هتفت بحرج.
- ميرسى يا بشمهندس شكراً جداً..
" سليم " بحب وهو ينظر إلى داخل عيناها نظرات عاشقة.
- ماكنتش أعرف أن صوتك حلو أوى كده..
حقيقى يا " صبا " أنتى عاملة زى البصمة، مختلفة لدرجة أنى مش لاقى زيك ولا هلاقى..
" صبا " بثبات وهى تُشيح بوجهها بعيداً عنه ولكنها تشعر بغصه فى حلقها على أثر ملاحظتها لبريق عيناه الذى يضىء لها تحديداً دوناً عن غيرها.
- أنا ولا مختلفة ولا حاجة يا بشمهندس، أنا زىَّ زى بنات كتير أوى عايشة هنا، بس للأسف قيمتى أنا واللى زىَّ مايحسش بيها غير اللى جرب مرارة غيرنا..
" سليم " بحزن على ما أقترفه فى حقها.
- أنت قيمتك كبيرة أوى يا " صبا " وغالية زيك بالظبط..
ويابخت اللى أنتى هتكونى من قسمته وبخته...! قالها بمرارة شديدة وهو يشعر بوخزه فى قلبه على أثر تلك الفكرة التى داعبت عقله للتو بأنها من الممكن أن تُصبح لغيره.
" صبا " بثقة.
- أنا فعلاً غالية يا بشمهندس وغالية أوى عشان كده مش هيفوز بيا فى الآخر غير الغالى اللى زىَّ، اللى يقدرنى ويشترى الدنيا كلها لأجل خاطرى..
" سليم " بحسرة رغم الحب المشبعه عيونه به.
- عندك حق يا " صبا "، كنوز الدنيا دى كلها مش هتوفيكى حقك..
" صبا " بحسره ونبرة يملؤها الألم ولكنها ذات مغزى.
- وأنا مش عايزه من كنوز الدنيا دى غيره هو..
هو بالدنيا كلها واللى فيها يا " سليم "..
فشعر " سليم " وكأن قلبه يتراقص بداخله من فرط سعادته فها هى وكأنها تقصده هو بذلك الحديث وعلى ما يبدو أنه لايزال يحتل جزءاً بداخلها حتى تلك اللحظة، فتابع بنبرة مبهمة ولكنها ذات مغزى وأعينه تبتسم دون إرادة منه.
- وهو أكيد مش بيتمنى من الدنيا دى غيرك يا " صبا "..
" صبا " بنبرة ثابته رغم عيناها المليئة بالدمع.
- لو كان بيتمنانى فعلاً كان زمانه معايا لكن هو كان بإيده يختارنى وماعملش كده..
" سليم " بوجع والندم يتأكله.
- يمكن مكانش قصاده إختيار تانى وقتها أو مكانش شايف الدنيا زى ما شايفها دلوقتى، ما الدنيا يا أما بتعلم..
" صبا " بتحسر.
- عندك حق وهو علمنى درس بعمرى كله..
" سليم " بوجع.
مكانش يقصد يوجعك..
" صبا " بأعين يملؤها الدمع الذى يمنعه كبريائها من الهطول.
- بس أنا أتوجعت..
أنا للحظة سمعت صوت قلبى وهو بيتكسر بسببه وهو ولا كان همه ولا حتى فرق معاه قلبى اللى موته بإيديه..
" سليم " وعيناه يملؤها الدمع هو الآخر والتآلم من أجلها.
- وهو مستعد يعمل أى حاجة عشان يرجع لقلبك الحياة من تانى يا " صبا "..
كل اللى محتاجه فرصة واحدة، فرصة واحدة بس وهى كفيلة أنها تنسيكى أى وجع أو كسرة كان هو سبب فيها بدون قصد..
" صبا " بإنكسار.
- ماعدش ينفع خلاص، بقا فى حاجز واقف بينى وبينه وهيفضل عامل زى الحجر السد قصاد أى فرصة عمرنا كله..
" سليم " بوجع.
- بس مهما حصل هيفضل يحبك..
" صبا " بتألم.
- هيفيدنى بإيه حبه وهو لغيرى..
ومدام بيحبنى ليه سابنى وإختار غيرى...؟
" سليم " بندم.
- كان عبيط ومكانش مقدر حجم النعمة اللى كان ربنا قسمله بيها..
كان ماشى وسايبك طفلة مايعرفش عنك حاجة ولا حت
ى كان شايفك بعيونه زى ما هو شايفك دلوقتى..
كنتى بالنسبة له طفلة ومع الغربة حس لوهلة أن كلام جده كان مجرد كلام وراح لحاله بس لما رجع أكتشف عكس كده والغريب أنه أول ما شافك وقع فى حبك من غير ما يتردد لجزء من الثانية..
كانت حركة غباء منه وهيعيش عمره كله يدفع تمنها غالى أوى من حرقة قلب ووجع وهو شايفك من نصيب غيره..
" صبا " بلوم.
- مش من حقه أنه يتوجع ولا يندم، لأن الدنيا دى مش ماشية على مزاجه هو ولا بناءاً على مشاعره..
الدنيا دى ليها رب كلنا عارفينه بالعدل وربك عمره ما غفل عن رمشه عين واحدة..
" سليم " بحسره.
- مش من حقه يتوجع ولا يندم بس من حقه يحبك يا " صبا "..
أنتى تستاهلى الحب ده وتستاهلى كل الوجع اللى هو موجوعه عليكى دلوقتى..
أنتى الفرصة اللى هيعيش ندمان عليها العمر كله صدقينى، وأنتى الست الوحيدة اللى هيفضل قلبه متعلق بيها لحد ما يموت..
" صبا " بثبات.
- الفرص الضايعة ساعات بتكون زى القلم اللى بينزل على الوش عشان يفوقنا ويخلينا نستقيم العمر كله ونقدر قيمة الفرص فى حياتنا..
جايز ده حظه من الدنيا عشان يتعلم الدرس كويس ويتعلم يحافظ على الفرص اللى ممكن تيجى فى العمر مرة واحدة..
وده حظى أنا كمان من الدنيا عشان لما ألاقى اللى يستاهلنى ويحارب عشانى الدنيا كلها أقدر معنى لذة الوصول والأمان، اللى عشت طول عمرى إستناه هدر..
" سليم " بقهرة وهو يمسك عبراته بصعوبة بالغة.
- عندك حق..
بس ده درس قاسى أوى وأنا مش قده يا " صبا "..
ثم تابع وهو ينظر إلى الأعلى محاولاً منع عبراته من الهطول مستجمعاً لشتات نفسه.
- أنا يمكن مش هعرف أقول الكلام ده فى عمرى تانى ولا هتجيلى الفرصة عشان أبوح بيه بس أنا هقوله دلوقتى يا " صبا " وعايزك تسمعينى..
فأضاف وهو ينظر إلى عيناها المغيمة من كثرة العبرات المحتجزة بها.
- برغم البعد والمسافات، وبرغم الوجع والألم اللى أحنا الأتنين عايشين فيه، والغدر من وجهة نظرك اللى أنا عمرى ما قصدته أبداً..
واللّٰه، وده يمين أنا هتحاسب عليه قدام ربنا وربنا شاهد عليا أنا ماحبتش ولا هحب غيرك يا " صبا "..
أنتى الفرصة اللى هعيش عمرى كله مدبوح أنى ضيعتها..
أنتى حب عمرى اللى ماحستش بيه غير متأخر أوى، والوجع اللى هيلازم قلبى طول حياتى لحد ما أموت..
أنا هفضل أحبك وهحبك على طول يا " صبا " وده وعد منى ووعد الحر دين عليه..
فسقطت عبرة " صبا " بقهره وهى تردد بوجع وبنبرة منخفضة حتى لا يسمع حديثهم أحد وتلك " الفريدة " على وجه الخصوص وتكون سبباً فى هدم منزلها، فهى ولا يوماً كانت هادمه للمنازل والعلاقات وهذا ليس بطبعها.
- ليه..؟
ليه..؟ حرام عليك..
أنا ماكنتش عايزه أسمع الكلام ده..
ماكنتش عايز أسمع منك الكلمة اللى بشوفها فى عيونك وبكدب نفسى بيها..
أنا كنت بحاول أنساك وبصبر نفسى وأقول أنك عمرك ما حبتنى ولا بتحبنى ودلوقتى أزاى هنساك وأنا عارفة أنك بتحبنى زى ما بحبك، أزااااى...؟
رد عليا، أزاااى...؟ قالتها وهى تلكمه فى صدره بعنف من شدة ألمها ووجاعها الذى قد حيا من جديد بفعل كلماته تلك ثم تابعت بوجع أكبر وهى تذرف العبرات بغزارة.
- أزاى عايزنى أكتم حبى ليك بعد كده وأدارى مشاعرى اللى بقالى سنين كتماها...؟
أزاى عايزنى أشوفك كل يوم والتانى وأنت قاعد وجمبك مراتك اللى كان زمانى مكانها فى يوم من الأيام...؟
أنت عارف أنا بحس بإيه وأنا بشوفك قاعد جمبها وماسك بإيدها إيديك...؟
أنا بموت فى كل لحظة أنت قريب فيها منها ودلوقتى هيكون بدل الوجع أتنين؛ وجع حبى ليك، ووجعى وعذابى وأنا عارفة أنك بتبادلنى الحب ده وفى إنسانة مالهاش ذنب بتتوجع بسببنا...؟
أنت ماظلمتش نفسك بس أنت ظلمت أتنين مالهمش أى ذنب غير أنهم حبوك...؟
أنت قلبك لعنة يا " سليم " على كل قلب حبه..
" سليم " بعدما سقطت عبراته هو الآخر من أجلها وأجل حبه لها من جهة ومن جهة أخرى من أجل ألمه ووجعه على حالتها وتأنيب ضميره له.
- عشان خاطرى ماتعمليش فى نفسك كده..
أنا مستاهلش يا " صبا " أنك تتوجعى عليا الوجع ده كله..
أنا مستاهلش كل الحب ده صدقينى..
" صبا " بنبرة عالية بعض الشئ.
- مش أنت اللى هتحكم على قلبى يا " سليم "..
مش أنت اللى هتقولى إيه اللى يستاهل وإيه لأ..
أنا بحبك أوى وأوى كمان وهفضل أحبك بس الحب ده عمره هيكون مؤذى لحد غيرى..
عمرى ما هسمح أن حبى ليك يأذى مراتك أو يأذيك، لكن أنت حبك بيأذى..
حبك بيأذينى وبيأذى " فريدة " مراتك البنى آدمه اللى بتحبك وشافت فيك أحلامها كلها..
حبك زى النار بينهش فيا وفيها يا " سليم "، أنما أنا حبى برىء من كل الوجع ده..
ثم أضافت وهى تمسح عبراتها بطرف ملابسها بحذر حتى لا تتلامس أصابعها الملطخة بالصلصال مع بشرتها وهى تستعيد قوتها وثباتها من جديد.
- أنا مش هلومك ولا هعاتبك على كل اللى حصل، كفاية لحد كده..
أنا بس عايزاك تساعدنى وتساعد نفسك عشان نعرف ننسى ونطلع من الحب ده بأقل خساير ممكنه، كفاية قلب واحد بس يتظلم عشان أنا مش هسمح بوجع " فريدة " يا " سليم "..
أنسى كل حاجة حتى اللحظة دى أنساها وأنسانى وأفتكر " فريدة " مراتك بس وحاول تحسسها بالأمان أكتر وقرب منها يمكن ده يقلل من إحساس ضميرك بالذنب..
أنسى يا " سليم " زى ما أنا هنسى وهبدأ من جديد، أنسى...! قالتها ومن ثم رحلت وتركت الغرفة بأكملها تاركه إياه بعدما خارت قدماه عن حمله وهوى على أقرب مقعد محاولاً السيطرة على حالته التى هو عليها الآن وبسبب مشاعره الجارفة المنقاده إلى تلك التى سلبت أنفاسه منذ أن عاد وتقابل بها من جديد وبعد تلك المحادثة التى أحيت وأنعشت الحب فى قلوبهم من جديد.
" سليم " وعبراته تهطل بغزارة.
- يارب واللّٰه ما كان قصدى أوجعها الوجع ده كله..
مكانش قصدى أغدر بيها زى ما هى فاهمة بس هى كانت بالنسبة ليا طفلة وعمرى ما حسيت بمشاعر ناحيتها زى دلوقتى..
يارب أنا أستاهل الوجع لكن هى لا..
يارب خد وجع قلبها كله وحطه فى قلبى أنا وراضى حتى لو كان التمن أنها تنسانى وتعيش بس بلاش أشوفها موجوعه بالشكل ده..
يارب أنا مش عايز أظلمها أكتر من كده ومش عايز أظلم " فريدة " ولا أكون سبب فى وجعها..
أنت الوحيد اللى قادر تريح قلوبنا كلنا وتراضينا باللى أنت شايفة خير لينا يارب..
********
وفى مساء اليوم التالى..
تجلس " عزيزة " وإلى جوارها " أم علا " تلك السيدة التى تبيع الخضروات فى الحارة والتى هى صديقة مقربه لـِـ " عزيزة " من الصغر، فالفارق العمرى بينهم صغير للغاية وقد تعرفوا حينما جاءت إلى ذلك الحى عقب وفاة زوجها مباشرةٍ وأقامت وسط أهل الحى طيلة أيام صباها وشقائها وسعيها وكانوا دوماً معاً فى المصاعب قبل الأفراح، ويجلس فى مجلسهم أيضاً كل من " صفية " و " أشجان " ونساء المنزل وهم " دنانير " و " مجيدة " و " ثريا " يحتسون القهوة سوياً والفتيات بصحبه " علا " فى الداخل يقومون بإعداد الحلوى وما يُسمى بـِـ " البسبوسة " من أجل تلك الأمسية والصحبة السعيدة.
" عزيزة " وهى تقوم بنزع قدره القهوة من أعلى " السبرتاه " ومن ثم أعطت فنجان القهوة إلى " رتيبة " هى نفسها تلك التى تُدعى بـِـ " أم علا " تلك المرأة ذو الأصول الصعيدية التى لاتزال محتفظه حتى الآن بلهجتها الصعيدية البحتة.
- أتفضلى يا " رتيبة " يا أختى قهوتك...! قالتها " عزيزة " وهى تعطى لها فنجان القهوة الخاص بها بحب وود شديدان.
" رتيبة " بمحبة.
- تسلم يدك يا خيتى..
ثم تابعت وهى توجه حديثها إلى " أشجان " بحزن.
- ماتعرفيش يا بتى الويد " حماصه " كيفه مع چوزك عالتكتك اللى عيشتغل عليه..
الويد يا بتى مغلوبنى معاه ورامى كل حمل البيت على چتتى لحد ما هبرك منيهُم فى الأرض..
" أشجان " بحسره.
- ما أهو متكل على حيطة مايله يا خالتى..
يعنى هو مايلاقيش غير " سبعاوى " ويشتغل معاه، ده أحنا بنصرف على التوكتوك من يومية التوناية يا خالتى وحياتك..
لو خايفة على إبنك فأنا أهو بقولك خليه يبعد عن " موسى " ويشوف رزقه بعيد لأحسن " موسى " هيوكسهولك أكتر ما أهو موكوس..
" رتيبة " بسخرية.
- وهو الويد ناجص يا بتى..
ده فاضله هبابه ويضيع منى صوح..
" صفية " بنبرة جادة.
- ما تبس يا " أشجان " وهو أنتى بطمنيها ولا بتوجعى قلبها أكتر يا أختى..
" رتيبة " بحزن.
- بزيادة وچع يا بتى كفاية عاد..
كفاية الحزِن اللى فى جلوبنا ومسنكرين عليه..
" عزيزة " بتساؤل وحزن لحالة صديقتها.
- يوووه يا ولية فيكى إيه...؟
شكلك مش عاجبنى يا أختى..
فضفضى وقولى ده أحنا أهل فى بعضينا..
" رتيبة " بحزن.
- " علا " يا خيتى الويد اللى عيتچوزها كان أهنيه عاشيه وعمل إشكال إكبير عشان جولناله نأچل الچوازة شوى بدل ما يتچوزوا فى العيد نأچلها كام شُهر كومان..
" عزيزة " بتساؤل.
- وتأجلوا الجوازة ليه يا ولية ما تسترى البت دى السترة حلوة للبنات والبت بقالها ٧ سنين مخطوبة..
يا أختى جوزيها وأفرحى بيها وشيلى همها من على كتافك بزياداكى هموم..
" رتيبة " بحزن.
- كيف يا خيتى و " الحاچ عسران " لساته ماربعنشى...؟!
وبعدين يا " عزيزة " هچيب أمنين إفلوس عشان أچيب لها لوازم العرس..
البنته ناجصها حاچات أكتيره واليد جصيره والعين بصيره..
دى ناجصها المطبخ كلاته مچابتش فيه جشايه والچمعية لساتها على شُهر سبعة أن عيشنا، يعنى لسه ناجص يچى ٣ أشهور عليها..
" صفية " بحب.
- ماتشليش هم " الحاج عسران " اللّٰه يرحمه، الحى أبقا من الميت يا خالتى والواحد متوحش الفرح أوى، خلينا نفرح باللّٰه عليكى..
ولو على حاجات المطبخ كل واحد فينا هيساعد بحاجة، دى " علا " بنتنا وفى ديك الساعة لما نفرح بيها..
غير كده الجمعية الشهر ده دورى فإيه رائيك لو نبدل أنا كده كده كنت هاخدها عشان أجيب لوازم الكحك والبسكويت بس الحاج تعيشى أنتى ومش هعمل السنة دى فأنتى أولى وأهو نفك ضيقه ونستر " علا " ونفرح كلنا و " فتوح " مش هيتأخر..
" رتيبة " وهى ترتشف من فنجان القهوة خاصتها.
- كلامك زين يا بتى بس برضك شورى چوزك ومن أهنيه لوجتها يحلها المولى..
" عزيزة " بإصرار.
- خلاص يا أختى، " صفية " هتشور جوزها وأن شاء اللّٰه هيوافق، خلينا نفرح بقا بالبت ونسترها وأهو تخلصى من همها ويبقا كفاية عليكى هم الواد وشوية وأبقى جوزيه معاكى هو راخر وخلصى نفسك..
" رتيبة " بحب.
- اللّٰه يراضيكم ويراضى جلوبكم زى ما رضيتم جلبى يارب..
فشعرت " صفية " بالإعياء الشديد وأنها على وشك أن تتقيأ فوضعت فنجان القهوة من يديها ومن ثم وضعت كفها أعلى فمها فى محاولة منها للسيطرة على حالتها التى أصابتها غبته، فلاحظتها " عزيزة " فأردفت بقلق.
- مالك يا بنتى فيكى إيه إسم اللّٰه...؟!
" رتيبة " بقلق.
- مالك يا بتى ما كنتى منيحه دلوك...؟
" صفية " وهى تحاول ألا يغشى عليها.
- مش عارفة يا خالتى..
دايخة..، دايخة أوى...! وما كادت أن تكمل جملتها حتى أرجعت جسدها إلى الخلف وسقطت مغشى عليها فاقدة للوعى تماماً..
**************************
رواية حي البنفسج الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل السادس والعشرون
"
تابع اليوم الخامس والعشرون:
" رتيبة " بهلع وهى تقترب منها بصراخ.
- يا نضرى البت سرجت يا " عزيزة "..
ثم تابعت وهى تلطم وجنتاها بلطف.
- فوجى يا نضرى..
فوجى يا بتى ماتخلعيش جلبى عليكى أوماااال..
" عزيزة " وهى تقترب منها صارخه فى إبنتها بهلع.
- أفتحى الشباك يا بت، دخلى الهوا ووسعوا كده عشان تعرف تتنفس..
ثم تابعت وهى تصرخ فى تلك الصغيرة " دهب " بحدة.
- روحى يا بت هاتى الدكتور بسرعة وشيعى لعمك " فتوح " يجى يقف معانا..
وأنتى يا " ليلى " هاتى كلونيه سيدك من جوه...! فذهب كلاهما يفعل ما أمرتهم به جدتهم وبعد مرور دقائق قليلة دلف " فتوح " برفقه " الحاج عمران " مهرولين فى فزع وحالة من الهلع الشديدة فتلك الصغيرة قد أفزعتهم بحديثها حقاً.
" فتوح " وهو يقترب منها مسنداً إياها عوضاً عن " الحاجة رتيبة " بهلع وخوف شديد.
- إيه اللى حصل..؟
" صفية " مالها يا حاجة طمنى قلبى...؟
" عزيزة " وهى تضع العطر أمام أنفها فى محاولة منها لإفاقتها.
- كانت قاعده بتتكلم ويانا وفجأة داخت ووقعت من طولها..
فإستجابت لها " صفية " بعدما حاولت معها " عزيزة " مراراً وتكراراً وبالفعل إستجابت لها وهى لاتزال بين الوعى واللاوعى مغمغمه بإنهاك شديد.
- آااااه..، آااه..
" رتيبة " بحب وهى تربت عليها بحنان.
- جومى يا بتى..
جومى يا بت الغالية ماتخلعيش جلبى، جومى يا أمااااى..
" فتوح " بقلق وخوف حقيقى.
- مالك يا أمااا فيكى إيه بس..، ألف بعد الشر عنك..
" صفية " بإنهاك ونبرة مهزوزة.
- مش عارفة يا " فتوح "، حاسة أنى مهبطة وروحى رايحة منى يا أخويا، آاااه..
فهتفت " رتيبة " بقلق.
- تلاقى ضغطك جطش يا بتى من الطرشي اللى بتأكليه على ريج الفطار..
وهنا دلفت " دهب " بصحبه الطبيب وما أن أقترب منهم حتى أخبرته " عزيزة " بما حدث لها وكيف حدث وقام الطبيب بعد ذلك بفحص " صفية " جيداً لما يقرب النصف ساعة فحصاً دقيقاً شاملاً وما أن أنهى حتى هتف " فتوح " بلهفة والقلق يتأكله أكلاً.
- خير يا دكتور طمنى اللّٰه لا يسيئك..
" الطبيب " بإبتسامة بشوشة.
- ماتخافش يا معلم " فتوح " الست زى الفل مفيهاش حاجة..
" رتيبة " بقلق.
- كيف يعنى يا دكتور والبنته سُرجت من إشوى..
طمن جلوبنا ياخى وجول الحج اللّٰه لا يسيجك..
" الطبيب " بإبتسامته البشوشة متحلياً ببعض من اللطف فهو أعتقد بأنها إبنتها من فرط خوفها وذعرها الشديد عليها.
- طمنى قلبك يا حاجة واللّٰه بتك زى الفل..
" فتوح " بعدما زفر براحة بعض الشئ.
- طيب واللى حصلها ده يا دكتور حصل ليه...؟!
" الطبيب " بعملية.
- اللى حصلها ده بسبب أنها تحاملت على نفسها الفترة اللى فاتت أكتر من اللازم مع الصيام وفرهدة الجو خصوصاً أن الصيام مش مستحب للى زيها فى الفترة دى تحديداً..
" فتوح " بقلق شديد.
- مش مستحب ليه يا دكتور كفانا الشر ده طاعة لوجه اللّٰه تعالى...؟
ما تقولى يا دكتور اللّٰه يرضى عنك مالها الفترة دى بالتحديد خلينى أطمن وأطمنها..
" الطبيب " بإبتسامة كشفت عن أسنانه بود.
- من الواضح أن حضرتك والست ماتعرفوش حاجة فعلاً وعشان كده يسعدنى أنى أقول إن الست حامل فى حوالى شهرين أو شهرين ونص ده هيبان مع السونار والتحليل الرقمى..
فشعر الجميع بالصدمة إلا أن إبتسامتهم تزين صغرهم بسعادة عارمة و " فتوح " يقف مشدوهاً من هول ما سمع ناظراً إلى " صفية " وهى تنظر إليه بدورها دون أى رد فعل يذكر سوى الصمت والتسهيم..
" الطبيب " بحيرة من رده فعلهم تلك.
- فى إيه يا جماعة، ألف مبروك..
" صفية " ببكاء وعدم تصديق وهى تقترب من الطبيب وعبراتها تتساقط بغزارة على وجنتيها.
- و.. وحياة النبى صح..
وحياة النبى أنا حامل..، صح يا أخويا..
رد عليا وقولى صح اللّٰه يسترها عليك..
ثم أقتربت من " فتوح " وأمسكت بمعصمه بعدم تصديق وهى تردد وعبراتها تغرق وجهها بغزارة.
- أنت سمعت اللى أنا سمعته يا أخويا صح..
أنا حامل..، حامل صح..
" فتوح " وهو يمسكها من معصمها بسعادة بعدما فاق من صدمته وأخيراً مردداً بحب ونبرة يملؤها اللطف.
- أنا سمعت..
سمعت يا " صفية " بس مش هصدق غير لما أشوف الواد بيوقوق قصاد عينى..
ثم أضاف وهو يوجه حديثه لـِـ " الطبيب " وهو لا يزال غير مصدقاً لما أستمعوا إليه للتو.
- هى حامل يا دكتور صح..
يعنى أنا هبقا أب..، هبقا أب وهيكون لى واد صغير أشيله على كتافى وأقعده على رجلى وأنا قاعد عالقهوة وسط رجالة الحى، ولما يكبر شوية همسكه فى أيدى وأروح أصلى العيد أنا وهو وبعد الصلاة هروح أجبله مسدس خرز يلعب بيه مع العيال فى الشارع مش كده..
أنا هبقا أب وهيكون لى واد يا " حاج عمران "..
هبقااااا أب..
" الطبيب " بإبتسامة واسعة.
- هتكون أب يا معلم وهيكونلك ولد أو بت كمان ٧ شهور بالتمام والكمال..
" فتوح " بعدما أستفاق وأخيراً من صدمته.
- لامؤاخذه يا دكتور..
لامؤاخذه يا أخويااا أعذرنا أحنا بقالنا فوق الـ ١٥ سنة مستنين اللحظة دى..
" ثريا " بسعادة وهى تزغرط بفرح.
- لولولولولولولولولى يا ألف نهار أبيض يا " صفية " ألف مبروك يا حبيبتشى...! فنظرت لها " عزيزة " شرزاً على فعلتها تلك فـ " الحاج عسران " لم يفُت على وفاته سوى أقل من عشرة أيام وتلك قد تناست تماماً وقامت بتلك الفعلة المخجلة أمامهم للتو.
" ثريا " بخجل وإرتباك وهى توجه حديثها إلى " فتوح " بأسف.
- يوووه يقطعنى يا أخويا واللّٰه الفرحه نستنى..
" فتوح " بسعادة جالية على معالم وشه.
- زغرطى يا ست " ثريا " زغرطوا كلكم وأملوا الدنيا زراغيط وأنا ندراً عليا لأدبح عجل..
لااااا عجلين وخلى الغلابة تأكل..
زغرطوا، زغرطوا كلكم عايز الدنيا كلها تفرح لفرحى..
الجميع فى نفس واحد: لولولولولولولولولى..
ثم تابع وهو يقترب من " صفية " بحب.
- يلاااا، يلااااا غالية يا أم الغالى..
أنا عايزك تريحى خالص وماتشليش النسمة من عالأرض، عايز الواد يجى بالسلامة وأنتى كمان تقوميلى بالسلامة..
يلاااا بينا ومن النجمة هجبلك واحدة تقضيلك مصالح البيت كلها..
*******
وبعد مرور ساعة حيث ذهبت " صفية " بصحبه زوجها الذى كاد أن يجن جنونه من فرط سعادته تاركين " رتيبة " وأبنتها يجلسون برفقه " الحاجة عزيزة " يتسامرون ويدردشون بسعادة حول ما حدث منذ ساعة مضت وبالداخل تجلس الفتيات سوياً يمزحون ويلهون بحباً شديداً ومودة.
" عزيزة " بسعادة.
- مسم، شوفى يا أختى بقالهم قد إيه متجوزين ومايحصلش الحمل غير الأيام دى..
ربك لطيف بعبادة يا " رتيبة "..
ويشاء القدر أن الخبر يتعرف فى بيتى، ربنا يكمل فرحتهم على خير يارب ويقومهم بالسلامة لأحسن البت " صفية " قاست كتير فى حياتها يا حبة عينى..
" رتيبة " بسعادة ورضا.
- ربك كريم وعنديه يا أماااا يا " عزيزة " يا خيتى..
و " صفية " زينة الناس وتستاهل كل خير..
واللّٰه يا حاچة غلاوتها كيف غلاوة البت " علا " بتى..
" عزيزة " بحنان.
- ربنا يسعد الولايا كلهم ويطعم كل محروم يارب..
ثم أضافت بجدية.
- وأنتى كمان يا حاجة وافقى وخلينا نستر البت ونفرح وتبقا الفرحة فرحتين..
" رتيبة " بهدوء.
- كله عاللّٰه يا حاچة ربك ييسرها ونجدر نلملموا حاچة البت اللى فُضلة..
" عزيزة " بحب.
- يا أختى ليكى عليا هجبلها طقم الألمونيا كامل و" صفية " هتجيب الصينى هيتبقا الرفايع ودى أمرها سهل يا حاجة وهتتدبر..
" رتيبة " بخجل.
- يا خيتى أكده إكتير عليكم والحج يتجال الأسعار بجت ولعة نار..
" عزيزة " بحب.
- يا أختى وهو أحنا عندنا كام " علا " ولا كل يوم بنفرح..
خلينا نفرح يا " رتيبة " بقا بكفاية حزن..
" رتيبة " برضا.
- على بركة اللّٰه يا " عزيزة "..
وعجبال البنته كلتها..
*******
وبالداخل حيث غرفة الأرائك الجالس بداخلها كل من " صبا " برفقه " زينب " و " علا " فهم كانوا ثلاثتهم رفقه منذ صغرهم وكانوا يلقبون دوماً بـِـ " ثلاثى الزاوية "، يجلسون سوياً يتسامرون حول قصة " صبا " وذلك " السليم " التى وقعت صريعه عشقه منذ الصغر.
" علا " بهدوء ورزانة.
- يا بنتى ماينفعش اللى أنتى عملاه فى نفسك ده عشانه..
حرام عليكى نفسك وعيونك اللى بقت شبه حبه الطماطم من كتر البكا..
" صبا " بحزن ووجع شديد.
- كل اللى أنا فيه دلوقتى مايساويش واحد فى المية من الوجع اللى أنا حاسة بيه جوايا..
ثم أضافت بسخرية.
- تخيلوا بعد كل الوجع ده وبعد محاربتى لنفسى عشان أنساه وأكمل، أكتشف أنه بيحبنى..
أنتم عارفين يعنى إيه يقولى أنه بيحبنى فى التوقيت ده بالذات وأنا كنت بحاول أنسى..
" زينب " ببلاهه.
- طب وفيها إيه يا بنتى، ما أنتى طول عمرك بتتمنى أنه يحبك ويحس بيكى ودلوقتى لما حصل ليه عاملة فى نفسك كده...؟
" صبا " بانفعال.
- أنتى يا بنتى واعية أنتى بتقولى إيه...؟
" سليم " دلوقتى راجل متجوز ولو كنت زمان بتمنه حبه فده عشان كان هو ليا أو كنت مفكره كده، لكن دلوقتى هو بقا لغيرى ومش من حقى أنه يحبنى..
" زينب " ببلاهه.
- يا بنتى ما أنتى بتحبيه وهو بيحبك إيه المانع فى أنكم تبقوا مع بعض...؟
" صبا " بغضب.
- لو أنتى فى يوم من الأيام أكتشفتى أن " بدر " كان فى واحدة بتحبه قبل ما يتجوزك وعرفتى أن جوزك بدأ يحبها هو كمان هيكون رد فعلك إيه أو هتحسى بإيه وقتها...؟
" زينب " بغضب أعمى وأعين تطلق شرراً.
- ده أنا أشرب من دمه ودمها..
" صبا " بغضب هى الأخرى.
- عارفة ليه لأنك بتحبيه، وفكرة أنه يفكر فى حد غيرك دى هتكون إهانة ليكى قبل ما هتكون إهانة لمشاعرك..
وبعدين ليه أذى بنى آدمه مالهاش أى ذنب ولا عمرها أذتنى لمجرد أنى بحب..
" زينب " بخجل من فكرتها.
- عندك حق فعلاً، أنا أسفة..
" علا " محاولة تغير الموضوع وخفض حدة الموقف.
- طب ودلوقتى أنتى هتعملى إيه يا " صبا " هتوافقى على العريس ولا هترفضى...؟!
" صبا " بوجع.
- هعمل الصح يا " علا " واللى المفروض يتعمل..
أنا عمرى ما هتجوز واحد وأظلمه وأنا عارفة أن قلبى مع واحد تانى..
أنا مش هكرر نفس اللى عمله " سليم " وأفتح سلسلة من الوجع وأذى ناس مالهاش أى ذنب..
" علا " بحزن على حالتها.
- طب تفرضى جدى " الحاج عمران " رفض وقلب عليكى هتعملى إيه وقتها...؟!
" صبا " بهدوء وهى تمسح عبراتها بكف يديها.
- جدى عمره ما هيغصبنى على الجواز..
جدى راجل حكيم ورغم قله علامه إلا أنه بحكمته عنده إلا مش عند حد يا " علا " وبيفهمها وهى طايره وعمره ما هيرضى بالظلم هو كمان..
" علا " بحزن.
- عندك حق يا " صبا " ربنا يريح قلبك يا حبيبتى ويجعل ليكى نصيب فى كل حلو عشان أنتى تستاهليه..
" صبا " بحب.
- أنا وأنتى يا حبيبتى يارب..
ثم تابعت بعدما لاحظت علامات الحزن على وجهها.
- وأنتى بقا مالك وشك عامل زى ما تكونى واخده شبشبين كده ليه...؟!
أوعى تكونى أتخانقتى مع " هشام " ده أنتى دخلتك كمان كام يوم..
" علا " بحزن.
- دخله هه..
ما خلاص بقا يا " صبا " شكلى أنا و " هشام " مش هنكمل..
أمى عايزه تأجل الفرح كام شهر كمان عشان المطبخ ناقصنا فيه حاجات كتير..
" صبا " بتساؤل.
- وهو ده ينفع يا بنتى ده أنتم أتفقتوا على كل حاجة والفرح رابع يوم العيد والعفش كان بعد بكرا..
" علا " بحزن.
- خلاص بقا يا " صبا " اللى ربنا رايده هيكون..
ما أمى برضو معذورة هتروح تسرق يعنى عشان تجوزنى..
" زينب " بتساؤل.
- طب ما تبيعوا حتة الأرض اللى ليكم فى البلد أهى برضو تفك زنقة..
" علا " بتحسر.
- يا أختى أتوكسي ما عمى لهفها من سنين ومحدش عارف ياخد منه لا حق ولا باطل، منه للّٰه بقا..
" صبا " بحب ونبرة يملؤها اللطف.
- يا بنتى هتدبر واللّٰه..
تيتة دايماً تقول تبات نار تصبح رماد وليها رب يدبرها..
" زينب " و " علا " بصدق.
- ونعم باللّٰه..
*******
وفى منزل " فتوح " و " صفية " يدلف " فتوح " إلى غرفة نومه ممسكاً بيديه صنية الطعام واضعاً إياها أعلى الفراش وهو يردد بحب وسعادة عارمة.
- السحور جهز يا ست الناس..
" صفية " بحب.
- يوووه يا أخويا..
يعنى ينفع أنا أقعد كده وأنت تحضرلى الأكل وتجيبه لحد السرير..
" فتوح " بحب وهو يقبل يديها.
- ومن هنا ورايح هتفطرى وتتعشى عالسرير وهترتاحى عالأخر يا ست الستات..
أحنا عايزين ربنا يكملها لينا على خير ده جاى بعد شوقه..
" صفية " بحب.
- ما أهو يا " فتوح " ماينفعش برضو أنا أقعد وأنت تخدم عليا يا أخويا دى مش أصول وبعدين تتعب يا حبيبى..
" فتوح " بحب.
- الأصول هى أنى أشيلك بين رموش عيونى زى ما أنتى شايلة أبنى ولا بنتى جواكى بكل حب الدنيا..
أنتى فى عنيا يا أختى لحد ما تقومى بالسلامة وبلاها البت اللى هتيحى تخدمك أنا هنا هعملك كل حاجة..
" صفية " بحب.
- وهو أنت بتحبنى للدرجة دى يا " فتوح "..
للدرجة دى فرحان يا حبيبى..
" فتوح " بحب.
.
- أنا فرحتى أن العيل ده منك أنتى هى اللى ماتتوصفش، خلينا نخلص من حوار أتجوز يا " فتوح " بتاع كل شوية ده..
أنتى مراتى وبنتى وأول فرحتى وأختى وأمى وكل حاجة يا " صفية " ولو كنت بحبك مرة فأنا دلوقتى بحبك مرة وأتنين وتلاتة وإحتمال أربعة وخمسة هههه..
" صفية " بحب وأبتسامة واسعة.
- يوووه يا " فتوح " للدرجة دى بتحبنى يا أخويا..
" فتوح " بعشق.
- وهو أنتى عندك شك برضو يا " صفصف "..
ده أنتى اللى وعيت عالدنيا على حبها ومش عارف الحب يبقا طعمه عامل أزاى لو مش ليكى..
أنت رزقى فى الدنيا ونصيبى الحلو اللى ربنا شالهولى وقسملى بيه..
" صفية " بحب خالص.
- وأنت أبويا، وجوزى، والراجل الوحيد اللى أتمنيته من الدنيا دى..
ربنا يكمل فرحتنا على خير يا أخويا ويفرح قلوبنا بيه ولا بيها لما يجى بالسلامة أن شاء اللّٰه..
********************************
رواية حي البنفسج الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل السابع والعشرون
"
اليوم السابع والعشرون:
فى المساء تقف " صبا " فى الشرفة ( البلكونة ) واضعه يديها فى جوارب سترتها ناظره للأعلى تتابع السماء بثقوب شديد هائمة فى أفكارها وكأنها فى عالم أخر غير عالمنا هذا، وإذا بها تستمع إلى صوت جدها الواقف يتابعها منذ فترة دون أن تلاحظ وقوفه إلى جوارها مردداً بنبرة هادئة تبعث الطمأنينة والأمان من خلالها.
- وبعدهالك يا " صبا العمر "..
هتفضلى لأمته مطفيه كده يا بنتى..
" صبا " وهى تمسح عبراتها سريعاً حتى لا يلاحظ عليها جدها البكاء.
- الليل لازم يجى وراه النهار يا جدو والشمس لازم تشرق من جديد بس كله بميعاده ومقدر ومكتوب...! قالتها بتنهيده وهى تشعر وكأن قلبها يعتصر من الداخل من فرط ألمها.
" عمران " وهو يجلس على الكرسى قبالها.
- ونعم باللّٰه العلى العظيم..
بس برضك يا بتى اللى أنتى مسوياه فى نفسك ده مايرضنيش ولا يرضى حد..
" صبا " بوجع.
- أنا حاسة أن كل حتة فى روحى بتتوجع يا جدو..
ثم سحبت نفساً عميقاً ومن ثم تابعت بوجع أكبر.
- أنا تعبت يا جدو..، حقيقى تعبت..
كنت مفكره أنى هقدر أنسى وهقدر أكمل، وأن طالما إحساسى ده جوايا أنا بس يبقا هنسا..
بس أكتشفت أن فى حاجات عمرها ما هتتنسى وأن اللى جوه القلب طول ما هو جواه هيفضل زى النار اللى بتأكل فى صحابها لحد ما تقضى عليه أو يجيلها يوم وتنطفى..
" عمران " بحزن على حالتها.
- وبعدهالك يا بنت الغالى..
هتفضلى تكتمى جواكى لأمته..
" سليم " خلاص يا بتى أتجوز وشاف حياته، شوفى حياتك أنتى كمان وعيشى..
لازم تقوى على نفسك يا حبيبتى عشان النار دى تنطفى..
" صبا " بسخرية.
- النار هتنطفى أزاى يا جدى والبنزين جمبها..
" عمران " بحكمة ورزانة.
- وإيه أقولك لو حولنا البنزين ده له طاقة تقوينا وتطلعنا لقدام..
أوعى تفكرى أنى راجل عجوز ومافهمش فى المشاعر يا بتى لأااا..
أنا عيشت وشوفت كتير لحد ما شعرى أبيض، ومع كل شعرة بيضا شوفت وسمعت قصص تشيب...! قالها وهو يخلع طاقيته كاشفاً عن خصلاته البيضاء كحركة تمثيلية لما يتفوه به ثم تابع بحكمته المعهوده.
- يا " صبا " يا حبيبة جدك لازم تعرفى أن الحياة صعبة وصعبة أوى كمان والشاطر اللى يفهمها صح من أول قلم..
أنا مش هزوقلك فى الكلام ولا هقولك الحياة سهلة وأنها مكسب..
لاااا يا " صبا " الحياة مكسب مع اللى يفهمها صح يا حبيبتى..
ومع الوقت وأنتى بتكبرى كده والحياة بتلطش فيكى يمين وشمال هتتعلمى كتير جداً..
هتتعلمى أن مش كل حاجة حلوة لازم تدوم، وأن في ناس هتكون مراحل في حياتك هتيجى لغرض يعلمه ربك وحده بس وهتمشي..
هتتعلمى مين اللي تبكى على كتفه وهتتعلمى أن ساعات لازم تمسحى دموعك بإيديك أنتى وبس..
هتتعلمى تحبى وهتتعلمى تفارقى وتسيبى جزء من روحك و ترجعى تكملى من تانى..
هتتعلمى من الناس اللي جرحتك وخذلتك وهتتعلمى من اللى أنتى جرحتيهم، أصل دى سنة الحياة أخد وعطا وكله لازم يترد، وهتشوفى الدنيا وهي بتدور وتعلمك إن الشئ الوحيد الأكيد إن مفيش حال بيدوم..
هتتعلمى يعني إيه ثقة ويعني إيه جدعنة وأصول والدروس دي هتتعلميها من الخاين والندل وقليل الأصل قبل الجدع إبن الاصول..
أما الحب فده عايز صبر ومعافرة وأتنين يكونوا فاهمين أن الحب مش كلمتين حلوين يتقالوا ولا حضن وخلافه..
الحب أطهر من كده يا " صبا "..
أنتى لما بتيجى تختارى بتختارى شريك حياة يعيش معاكى ضعف ما عشتي مع أهلك، وبتختارى مش ليكي لوحدك؛ بتختارى لولادك كمان، علشان تضمني إنهم يطلعوا معاكى نسل محترم يفيد نفسه والناس..
ودي حاجة محتاجة تأنى وهدوء فـى الإختيار، يعني ماتحبيش لـ مُجرد إن كله بيعمل كده، ومتتجوزيش أي حد تقابليه ؛ لازم تقيسى علاقتك بيه بكل ده عشان عمر طويل جاى هتعشوه سوا..
تصورى أن أنا عمرى ما أعجبت بأى أتنين بيتخطبوا أو بيتجوزوا ولا حتى بيحبوا بعض قد ما بيعجبنى أنى أشوف راجل راجع من شغله ميت من التعب وهلكان بس معاه حاجات تفرح مراته وولاده..
أعجابى بيكون بست حامل وعلى أخرها ومش قادره تقف من التعب ومع ذلك واقفه تطبخ أكله صعبة لجوزها عشان نفسه فيها..
بيعجبنى أتنين فات على جوازهم أكتر من خمسين سنة ولسه بيخافوا على بعض وكل واحد فيهم فاكر التانى أكتر من نفسه، بتلاقى الست عندها أمراض الدنيا كلها ومع ذلك فاكرة مواعيد علاج جوزها بالثانية..
بيعجبنى أوى يا " صبا " أن الأتنين كل واحد فيهم رجله مش شايلاه بس لسه قادر يسند اللى معاه ويتسند بيه..
الحياة ممكن تنتهى بين لحظة والتانية بس الحب ما بينتهيش يا حبيبة جدك..
الحب مابيخلصش حتى لو الدنيا كلها عطتك ضهرها وأديتك ميت قلم على وشك، هتفضلى تقاوحى عشان لسه ليكى فى الدنيا دى أمل..
" صبا " بنبرة يشوبها الحزن.
- يعنى قلبى هيفضل مكتوب عليه حبه لحد ما أموت يا جدى مش كده..
" عمران " بحكمة.
- الحب اللى بجد عمره ما يموت يا حبيبه جدك حتى لو الروح فرقت الجسد..
الحب اللى بجد بيفضل عايش سوا عشنا ولا موتنا، ومع ذلك ممكن الحب ده ينطفى فى يوم وليلة ولكن برضو هيفضل أثره باقى وسايب علامة جوانا..
" سليم " بيحبك يا " صبا " وأنتى بتحبيه بس هو مكمل فى حياته يا بتى رغم حبه ليكى عشان فى غيرك متعلق فى توبه..
عيشى أنتى كمان يا حبيبتى وأقوى على وجعك عشان تعرفى تعيشى والأيام بكرا هتبرد نارك وهتشفى جرحك وهيصبح الوجع محتمل يا نن عين سيدك..
" صبا " بتنهيده حارة.
- أنا مش عايزه أبطل أحبه أنا عايزه وجعى يقف ويبطل يوجعنى بالشكل ده يا جدو..
أنا نفسي أتنفس من غير وجع..، وحشنى أوى " صبا " بتاعة زمان..
" صبا " الطفلة اللى كانت بتطير من الفرحة لكلمة حلوة بتتقال لها، اللى قعدت ليلة كاملة مداقتش طعم النوم بسبب فرحتها أن جدها خطبها لـِـ " سليم " حب عمرها رغم صغر سنها..
" عمران " بحزن على حالتها وحيرة من هذا الموقف الموضوع به، فهو غير قادر على إيجاد كلامات مناسبة لتكون عزائها فى جرح فؤادها الغائر وبشدة.
- ربك كريم وهيكرمك يا حبيبة سيدك..
ربك إسمه العدل وعلى قد وجعك وصبرك على قد ما هتنجبرى وهتسعدى وهتقولى سيدك الراجل العجوز قالها ولو كنت عايش هفكرك ولو كنت أتكلت على اللّٰه وقابلت وجه رب كريم فأفتكرينى وأدعيلى بالرحمة..
" صبا " وهى تقبل يد جدها بلهفة.
- بعد الشر عليك يا حبيبى، ربنا يديك الصحة ويطول فى عمرك يارب..
" عمران " وهو يربت على خصلاتها بحنان.
- تعيشى يا حبيبتى..
تعيشى يا حبيبة جدك..
*******
وفى اليوم التالى وهو اليوم الثامن والعشرون..
وقبل آذان المغرب لما يقرب الساعة تقريباً حيث يجتمع الجميع فى شقة " عزيزة " وتلك " الفريدة " حاضرة تجلس تعبث فى هاتفها بحماس فى إنتظار اللحظة المناسبة لتنفذ مخطتها كما أتفقت مع والدتها من قبل وفى تلك الأثناء جاءت " صبا " من عملها ومن ثم أقتلعت حذائها ووضعت حقيبتها على الأريكة سريعاً بعدما قامت بتحية الجميع وذهبت إلى حيث المطبخ لتنجز مع والدتها وخالتها وباقى الفتيات أعمال المنزل فتلك الساعة تحديداً كما يقولون عنها ساعة ضائقة والجميع يعمل خلالها على قدم وساق لينجز أعماله سريعاً والطعام على وجه الخصوص قبل آذان المغرب، فذهب الجميع إلى غرفة المطبخ تاركين " فريدة " تجلس تتابع المشهد بترقب شديد وما أن أتاحت لها الفرصة لتنفيذ مخطتها حتى أقتربت من حقيبة " صبا " وقامت بإقتلاع قلادتها التى هى من الذهب الأبيض باهظة الثمن وقامت بتخبئتها بداخل حقيبة " صبا " بشكلاً عشوائياً حتى يسهل ظهورها على من يفتحها دون أن يلاحظها أحد، وما أن نفذت مخططها حتى عادت تعبث على هاتفها فى حماس شديد لما سيحدث بعض لحظات من الآن.
وبعد مرور ما يقرب من النصف ساعة حضر الجميع وبدأوا النساء جميعاً فى تحضير مائدة الطعام و " صبا " تتحاشى تماماً النظر إلى " سليم " الذى يشعر بأنه يتمزق إلى إشلاء من أجلها وأجل عشقها الذى هو بمثابة السطو الذى قد غزى قلبه دون أدنى مقدمات تذكر.
وما كاد الجميع أن يجلس على المائدة إلى أن يُأذن بالمسجد لآذان المغرب حتى أستمعوا إلى صوت " فريدة " الصارخة بفزع.
- ألحقنى يا " سليم " سلسلتى مش لقياها..
فشعر الجميع بالغرابة مما يحدث، فنطق " سليم " بهدوء.
- أكيد نسيتى تلبيسيها يا " فريدة " أو وقعت منك عالسلم وأنتى مش أخده بالك..
" فريدة " بحدة.
- وقعت منى أزاى يعنى وهو أنا هبلة هوقع سلسلتى ومش هحس..
السلسلة أنا كنت لبساها دلوقتى وفى ثانية أختفت، هتكون راحت فين يعنى..
" عزيزة " بهدوء.
- أستهدى باللّٰه يا بنتى وهتلاقيها أن شاء اللّٰه، ومادام أنتى واثقة أنك كنتى لبساها يبقا أكيد هتلاقيها واقعة مكان ما كنتى قعدة..
فتابعت " دنانير " وهى توجه حديثها إلى الفتيات بلطف.
- قوموا يا بنات دوروا مع أختكم على سلسلتها اللّٰه يسعدكم..
مش مستاهلة يا بتى مضايقة ودلوقتى هنلاقيها هتروح فين يعنى..
" فريدة " بحدة وهى توجه حديثها إلى " دنانير " بغضب.
- أنتى عارفة السلسلة دى تمنها كام..
أكيد حد أخدها..
" سليم " بغضب ونبرة عالية.
- " فريدة " ألزمى حدودك..
حد مين اللى هياخد حاجة مش حاجته فى بيت " الحاج عمران "..
" عمران " بنبرة ذات مغزى.
- اللى يدخل بيتنا يزيد يا بتى مش بينقص..
وأهل بيت " الحاج عمران " أهل كرم ومايمدوش إيديهم على حاجة مش بتاعتهم أبداً..
" فريدة " بغضب.
- وحضرتك ممكن تقولى السلسلة راحت فين..
أنا كنت لسه لبساها حالاً..، فى ثانية كده أختفت..
" سليم " بغضب.
- " فريدة " ماتخرجنيش عن طورى..
حتى لو السلسلة ضاعت مش مهم أجبلك غيرها بس الهبل اللى أنتى بتقوليه ده ماينفعش..
" فريدة " بغضب ونبرة عالية.
- السلسلة دى كانت هدية من بابى وسعرها غالى أوى معتقدش أن حد من الموجودين هنا يقدر يجيب زيها..
وما أن هم " سليم " بالأقتراب منها بغضب شديد حتى وقفت " عزيزة " تمثل حائلاً بينهم وهى تردد بلطف.
- خلاص يا بنتى دى ساعة ضيقة..
أغزى الشيطان يا " سليم " يا أبنى وهنلاقيها واللّٰه..
" سليم " بغضب.
- يلا أنا هدور عليها بنفسى وأنتى كمان دورى معايا عشان لما تلاقيها تعرفى أننا أنضف من أن حد فينا يمد أيده على حاجة مش بتاعته..
فأضاف بغضب أكبر.
- يلا دورى معايا..
فأطاعته " فريدة " وقامت بالبحث معه عن قلادتها وأستمر البحث لما يقرب الخمس دقائق دون جدوى يبحثون هنا وهناك وأعلى درجات السلم ولكن لم يجدوا شيئاً فأقتربت " فريدة " من حقيبة " صبا " حاملة إياها وكأنها تبحث عن قلادتها أسفلها أعلى الأريكة ولكنها بمجرد ما أن سحبت الحقيبة حتى وقع محتواها على الأرضية بقصد وسقطت منها قلادة " فريدة " تحت صدمة وذهول جميع أهل المنزل بأكمله، فجثت " فريدة " على ركبتيها جاذبة إياها بغضب مصطنع وهى ترفعها بوجه جميع أهل المنزل مردده بشر.
- أتفضلوا..
ست " صبا " ، صاحبة الصون والعفاف بتسرقنى عينى عينك وقدام الكل..
ثم أقتربت من " عمران " وهى تردد بحدة.
- مش دى برضو تربيتك يا جدو ولا أنا غلطانة..
" سليم " بغضب.
- أنتى بتقولى إيه، " صبا " إستحالة تعمل كده، أكيد فى حاجة غلط..
ممكن تكون وقعت منك وحد من الولاد لقاها وحطها فى شنطة " صبا " على أساس أنها بتاعتها لكن " صبا " ماتعملش كده أبداً..
" عمران " بحدة وأعينه تطلق شرراً فهو يعلم براءة حفيدته وليس بحاجة إلى سماع براءتها من أحد.
- " صبا " ماتعملش كده ولا حتى حد من ولادى يعمل كده يا بنتى..
أنا عيالى كلهم متربين..
" صبا " ببكاء.
- أنا فعلاً ماعملتش كده..
واللّٰه يا جدو ما عملت حاجة من دى خالص..
مش أنا يا " سليم " اللى تمد أيدها على حاجة مش بتاعتها أبداً..
" سليم " بإصرار.
- أنا عارف ده كويس وواثق فيكى يا " صبا " مش محتاجة تحلفى.
.
" فريدة " بغضب.
- ما أنت لازم تدافع عن حبيبة القلب..
ما دى الحب القديم يا سى " سليم "...! وما كادت أن تكمل حديثها حتى هوى " سليم " بيديه فى صفعة قوية كادت أن تفقدها ذاكرتها إلا أنها تماسكت بإعجوبة شديدة والجميع يقف مشدوهاً من هول ما حدث أمامهم للتو.
" سليم " بغضب.
- كلمة كمان وهمسح بكرامتك الأرض قدام الكل..
" عمران " وهو يبعده عن " فريدة " بغضب.
- أخس عليك يا " سليم " وأحنا من أمته بنمد أيدنا على حريمنا..
" عزيزة " وهى تقترب من " فريدة " بلطف.
- إسم اللّٰه عليكى يا حبيبتى...! وما كادت أن تلمسها حتى أبتعدت " فريدة " بغضب وهى تصيح به بغل وغيظ واضح.
- بقا كده يا " سليم "..
بقا بتضربنى أنا عشانها ، وحياة ربنا ما أنا قعدالك فيها...! وما أن همت بالرحيل حتى أوقفها الصغير " عمران " الذى يقف يحتضن " صبا " ببكاء على بكائها وهو يردد بكراهية وعدائية شديدة.
- أنتى وحشة وربنا زعلان منك عشان بتكدبى..
وكمان سرقتى وكدبتى فى رمضان..
أنا شوفتك وأنتى بتقلعى السلسلة وبتحطيها فى شنطة خالتو بعد ما جت ودخلت المطبخ..
أنتى وحشة وأنا بكرهك..
الأطفال فى صوتٍ واحد وهو يقتربون من " صبا " محتضنين لها بحب: وأحنا كمان بنكرهك..
أمشى بقا..
أمشى..، أمشى..، أمشى..
" سليم " بحزم وأعين تطلق شرراً.
- الكلام اللى بيقولوا " عمران " الصغير ده بجد..
" فريدة " بإرتباك تحاول مدارته.
- أنت هتصدق الولد الكداب ده وهتكدب مراتك يا " سليم "..
وأنا ليه أعمل الدراما دى كلها أساساً ولا إيه اللى بينى وبينها عشان أرمى بلايا عليها بالشكل ده..
" عمران الصغير " بصدق.
- أنتى كدابة أنا شوفتك بعيونى وانتى بتقلعبها وبتخبيها فى شنطة خالتو..
" فريدة " بغضب.
- وأنت قليل الأدب وماتربتش..
ثم أضافت بسخرية.
- بس أنا مش مستغربة إذا كان الكبار وحرامية أومال الصغيرين هيبكونوا إيه..
" سليم " وهو يهم بالإقتراب منها بغضب من جديد.
- " فريدة " كلمة زيادة وهدفنك مكانك خدى بالك..
" فريدة " بغضب.
- وأنا مش قعدالك فيها يا " سليم " وبكرا تعرف أنها حرامية فعلاً ووقتها هتيجى تعتذرلى وأنا اللى هرفض أسامحك..
ثم أضافت بهدوء مميت.
- أنا همشى لبيت بابى ومش هبلغ وده مش عشان سواد عيونها، لكن عشان أنت جوزى ودول أهلك وأنا بحبك وباقية عليك لسه..
لما تفوق وتعرف أنك كنت غلطان هتلاقينى عند بابى..
****************************
رواية حي البنفسج الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل الثامن والعشرون
قالت جملتها تلك وفرت هاربه من أمامهم جميعاً.
ومن ثم هتفت " صبا " بثقة وهى توجه حديثها إلى جدها بعدما مسحت عبراتها عندما أستمعت إلى حديث أبن شقيقتها وأيقنت أن تلك خدعة من " فريدة " لإبعادها عن زوجها وكسر أنفها الشامخة والعالية حد السماء.
- صدقنى يا جدو أنا عمرى ما أعمل كده..
وبعدين لو كنت عملت حاجة زى دى كنت هسيب شنطتى قدامكم كده عادى وأنا شايفاهم بيدوروا على السلسلة..
" عمران " بحنان وهو يربت على يديها الممسكه به بحب.
- عارف يا بنتى..
أنا ثقتى فيكى كبيرة يا " صبا " وبثق فيكى زى ما بثق فى نفسى وأكتر..
" سليم " بحرج شديد من فعله زوجته.
- أحنا كلنا واثقين فيكى يا " صبا " وعارفين أنك بريئة من الإتهام ده، وصدقينى هردلك إعتبارك..
وقدام الكل زى ما تم إهانتك قصادهم...! ثم تابع وهو يوجه حديثه للصغير " عمران " الباكى وبشدة على أثر بكاء خالته وذلك الإتهام البشع الموجه لها.
- " عمران " حبيبى أنت فعلاً شوفت طنط " فريدة " وهى بتحط السلسلة فى شنطة خالتو زى ما قولت من شوية..
" عمران " ببكاء وهو يعاود إحتضان " صبا " من جديد.
- صدقنى يا عمو أنا شوفتها وهى بتقلع السلسلة وبتحطها جوه شنطة خالتو أول ما كلهم دخلوا المطبخ وبعدين فضلت تبص حواليها كتير أوى وقعدت تلعب على تليفونها وكل شوية كانت تبص على باب الشقة وعلى شنطة خالتو وهى بتضحك..
" الحاج عمران " بحكمة موجهاً حديثه إلى الصغير.
- " عمران " أنت عارف اللى بيكدب أو بيقول كلام ماحصلش ربنا بيزعل منه أزاى..
وأحنا فى رمضان يا حبيبى يعنى العقاب بيكون الضعف..
" عمران " ببكاء.
- صدقنى يا جدو أنا بقول الحق..
أنا شوفت طنط " فريدة " وهى بتحط السلسلة فعلاً..
" الحاج عمران " بحزن.
- لا حول ولا قوة إلا باللّٰه العلى العظيم..
" كريم " بغضب.
- بس أنا مش هعديها بالساهل يا أبااا..
أنت عارف يعنى إيه بنتى تتهم بإتهام زى ده..
وغلاوتك عندى يا حاج ما هتعدى بالساهل ولا إيه قولك يا " سليم "..
ثم تابع بغضب أكبر.
- إيه يا أبن أخويا هتسيب مراتك طايحة كده لحد أمته ومحدش هاممها..
أنا بناتى خط أحمر يا " سليم " وخصوصاً " صبا "..
" سليم " بحرج شديد.
- صدقنى يا عمى أنا مش عارف هى ليه عملت كده...؟!
بس وحياتك ووحياة كل دمعة نزلت من " صبا " وإهانتها قدامنا كلنا لهرجع حقها وهتشوف..
" الحاج عمران " بحكمة.
- بالعقل يا أبنى وبالهداوة..
كلمها بالعقل يا حبيبى وأفهم منها ليه عملت كده..؟ وليه عايزه تأذى بنت عمك بالشكل ده..؟
" سليم " وعيناه تغيم من شدة غضبه وهو يقبض يديه بقوة.
- حاضر يا جدى..
حااااضر...! قالها ومن ثم ذهب مسرعاً إلى الأعلى حيث شقته فأقترب " عمران " من " صبا " رابتاً عليها بحنان مردداً بتعقل.
- معلش يا بتى حقك عليا أنا..
أمسحيها فيا يا بت الغالى..
" كريم " بتهذب.
- وهو أنت اللى غلط فيها يا حاج..
أنا بنتى إتهانت وإتهانت جامد قصاد الكل ورد إعتبارها من اللى إهانها مش أنت يا أبااا..
أنا أسف يا حاج بس كله إلا بناتى..
" دنانير " بغضب.
- هى حصلت يا عمى..
بقا بنتى أنا، اللى مربياها أحسن تربية تتهم إتهام زى ده..؟ ومن مين..؟
من أبن خالتها ومراته..
" مجيدة " بحرج.
- وهو الواد بس ماله يا أختى ما كله من العقربة مراته..
" دنانير " بغضب.
- عقربة ولا حرباية يا أختى، ما أبنك اللى مش عارف يحكمها..
على رأى المثل يا " مجيدة " اللى عنده معزه يلمها وأبنك يا أختى سايب لها الحبل عالغارب..
" مجيدة " بغضب.
- لا يا " دنانير " أنتى قصدك أن أبنى مش راجل ومش عارف يحكم مراته ولا إيه...؟!
" عمران " بغضب.
- واللّٰه عال يا بنات " عمران " هتمسكوا فى بعض وأنا واقف قصادكم ولا ليا أى إعتبار..
" دنانير " بتهذب.
- ماتقولش كده يا عمى بس والنعمة غصب عنى، حط نفسك مكانى يا حاج..
" عمران " بنبرة مقتضبه.
- وأمااال أنا فين يا " دنانير "..
هى مش البت دى برضو بتى، لحمى ودمى..
" عزيزة " بتلطيف.
- يا أخويا هى مش قصدها كده أستهدى باللّٰه يا حااااج، أحنا هنسيب اللى البت الصفرا دى عملته وهنقعد نتخانق مع بعض..
" عمران " بجدية.
- قوموا..
قومواااا أفطروا يلا المغرب أذن من بدرى والعيال الصغيرة دى ملهاش ذنب تصوم صيام فوق صيامها..
قوموا يلا وأستهدوا باللّٰه وحق البت هيرجع وقصاد الكل أنا عارف أنا بقول إيه..
" سليم " راجل من ضهر راجل وهيعرف يتصرف..
" عزيزة " وهى تحاول تلطيف الأجواء.
- قوموا..
يلاااا يا ولااااد يلاااا الأكل برد..
*******
وبالأعلى وبمجرد دلوف " فريدة " إلى شقتها حتى ركضت إلى حيث غرفة نومها تزرع الغرفة ذهاباً وإياباً فى توتر وقلق شديد مردده بهلع.
- أعمل إيه بس...؟
أعمل إيه ياربى الولد الزفت ده شافنى وزمانه حكى على كل حاجة...؟
ثم أقتربت من الهاتف لتحادث والدتها، وفى ذلك التوقيت دلف " سليم " من باب الشقة دون أن تشعر به " فريدة " وأستمع إليها وهى تتحدث بنبرة مهزوزة يملؤها القلق.
- ألو..
ألو يا مامى ألحقينى..
مصيبة..مصيبة يا مامى ووقعت فيها..
" سهير " بقلق.
- مصيبة إيه دى يا بنتى فى إيه...؟
إيه اللى حصل...؟
" فريدة " بقلق وخوف شديد.
- عملت زى ما قولتيلى وقلعت السلسلة وحطتها فى شنطة " صبا " أول ما رجعت من برة وسابت شنطتها بس للأسف الحيوان اللى أسمه " عمران " أبن أختها شافنى وأنا بقلع السلسلة وبخبيها فى شنطتها وحكى قدام الكل اللى حصل وأتقلب السحر على الساحر..
ثم تابعت بذعر يتملكها.
- أنا مش عارفة أعمل إيه يا مامى، " سليم " أكيد هيطلع دلوقتى ويستجوبنى وزمانهم تحت شحنوه عليا عالآخر..
أعمل إيه...؟!
" سهير " بغضب.
- عشان أنتى غبية..
مش تخلى بالك..
قبل ما تعملى حاجة زى دى كان لازم تاخدى إحتياطاتك كويس أوى وتحذرى من الصغير قبل الكبير..
أهو شوفى دلوقتى هتخرجى نفسك أزاى من الوقعة السودا اللى وقعتى نفسك فيها...؟
" فريدة " بغضب.
- أنتى بتبعينى يا مامى بعد كل ده...؟!
مش أنتى اللى قولتيلى أعمل كده عشان أبعد زفته الطين دى عن " سليم "...؟
" سهير " بتبرير.
- أنا ماضربتكيش على أيدك عشان تعملى حاجة مش على هواكى..
وبعدين أنا قولتلك تعملى إيه عشان تزحلقيها من قصادك وتكسرى مناخيرها، مش تروحى تتغابى وتركبى نفسك مصيبة..
" فريدة " بخوف شديد.
- طب أعمل إيه دلوقتى، " سليم " زمانه طالع وأكيد هتبقا مشكلة ومشكلة كبيرة...؟
ده ممكن يطلقنى فيها..
" سهير " بهدوء مميت ولامبالاه.
- طب وأنتى عملتى إيه لما الولد ده قال اللى حصل...؟
" فريدة " بقلق.
- كدبته طبعاً..
وفضلت أزعق له وقلبت عليهم الطرابيزة وقولتله أنه مترباش، بس أنا واثقة أن " سليم " صدقهم أنتى ماتعرفيش هو كان بيدافع عنها أزاى كأنها هى اللى مراته مش أنا..
فأضافت بترجى والخوف يتملك كل أنش بها.
- بليز يا مامى قوليلى أعمل إيه أرجوكى...؟
" سهير " بشر.
- يبقا تعملى اللى هقولك عليه...
أخذت تملى عليها مخططها الجديد و " فريدة " تستمع إليها بإنصات شديد غافلة عن " سليم " الذى يستمع إلى كل كلمة تتفوه بها وعيناه تغيم من شدة غضبه وغيظه الشديد منها.
" فريدة " بقلق شديد رغم وثوقها من نجاح مخطط والدتها.
- هعمل كده يا مامى حاضر بس يارب " سليم " يصدق..
" سليم " بنبرة مميته وهو يقف واضعاً يديه فى جوارب سرواله بثبات وهدوء أثار الرعب فى جميع أوصالها.
- وليكى عليا أنى أصدقك يا " فريدة "..
" فريدة " بعدما أوقعت الهاتف من يديها بصدمة وساقيها كادت أن تخونها من شدة أصكاكهم ببعض.
- س.. " سليم ".. " سليم" أنا.. أنا..
" سليم " بإبتسامة عريضة كشفت عن أنيابه ولكنها تخفى وراها غيظاً وغلٍ شديداً.
- أنتى إيه يا روح قلب " سليم " من جوه..
" فريدة " بخوف شديد ويديها ترتعش بعنف.
- أنااا..
أنا معملتش حاجة من اللى الولد ده قالها خالص يا " سليم " صدقنى، أنا " فريدة " حبيبتك وإستحالة أعمل كده أو أنزل بمستوايا للمستوى القذر ده، دى هى..
هى أكيد اللى عملت كده وهى اللى صلتت أبن أختها عشان يغطى على عملتها السودا دى..
" سليم " وهو يقترب منها بهدوء وبطء مميتان.
- أوماااال..
أنا عارف..عارف يا حبيبتى أنك عمرك ماتنزلى للمستوى القذر ده..
بس عارفة ليه...؟ قالها بغضب أعمى وهو يجذبها من خصلاتها بعنفاً شديداً مما جعلها تصدر صرخه مدوية دوت بالمنزل بأكمله وتابع بغضب أكبر متجاهلاً لتوهاتها العالية التى تخرج منها على أثر عنفه الشديد معها.
- عشان أنتى القذارة بعينها يا " فريدة "..
أنتى إيه السواد اللى أنتى فيه ده...؟!
عملتلك إيه " صبا "...؟
إيه ذنبها عشان تعملى فيها كده أنطقى...؟
" فريدة " ببكاء وهى تحاول تخليص خصلاتها من بين يديه المطبقه عليها بشدة وغل واضح.
- أنا ماعملتش حاجة صدقنى..
يا " سليم " أنا بريئة..
هى اللى بتعمل كده عايزه تنتقم منى عشان خدتك منها..
صدقنى يا حبيبى واللّٰه..
" سليم " وهو يهوى بيديه على وجنتها بغضب.
- ماتذكريش إسم ربنا على لسانك ده تانى..
أنتى ربنا برىء منك ومن أفعالك..
أنتى شيطانة يا " فريدة " شيطانة..
من يوم ما رجعنا وأنا فى مشاكل ومرار من ورا أنانيتك وسوادك..
أنتى إيه يا شيخه، ده الشياطين بيجى عليهم وقت ويتحبسوا، إنما أنتى إيه الفجر ده..
" فريدة " بغضب وهى تضع يديها أعلى وجنتها صارخه به بغل واضح وشر.
- ايوووووه يا " سليم " أنا اللى عملت كده..
عايزه أكسر مناخيرها..
عايزه أذلها وأفرجها أزاى ماتبصش على حاجة مش بتاعتها وخصوصاً لو كانت فى أيد أسيادها..
و بعدين أنتم اللى ناس زبالة وبيئة وأنا تعبت من العيشة وسطكم..
إيه مالك أتحمقت عليها كده ليه ولا عشان حبيبه القلب وصحت الحب اللى كان فى قلبك ليها من زمان..
" سليم " وهو يتوالى بيديه على وجهها بالصفعات دون وعى منه فهى قد جعلته كالمغيب بحديثها الذى يصعب على أى رجل أن يتحمله من زوجته وإهانتها له ولأهله بتلك الطريقة المشينة.
- بقا أحنا ناس زبالة يا زبالة يا ....
أنتى عارفة بتغيرى منها ليه...؟ قالها وهو يجذبها من خصلاتها جاذباً إياها من جديد إليه بعنف شديد ومن ثم تابع بنبرة مميته.
- عشان هى ستك يا ...
وآاااااه بحبها..
بحبها وماحبتش ولا هحب غيرها...! أنهى جملته وهو يجذبها من خصلاتها هابطاً بها للأسفل ماسحاً بخصلاتها الدرجات بأكملها وهو يشبع ضرباً ولكماً وسباباً بأبشع الألفاظ وما أن دلف بها إلى شقة جده حتى هب الجميع واقفاً من على طاولة الطعام فى صدمة من هول الموقف فها هو يقف جاذباً إياها بعنف من خصلاتها جاراً بها الأرض وهى تحاول التملص منه دون جدوى.
" عمران " وهو يقترب منه بغضب.
- إيه اللى أنت بتعمله ده يا أبنى..
أوعى كده سيبها، أحنا من أمته وأحنا بنضرب حريمنا..
سيبها يا " سليم " بقولك...! قالها بغضب وحدة وهو يحاول تخليص خصلاتها من بين يديه دون جدوى.
" سليم " بغضب وكأنه كالمغيب لا يستمع لحديثه جده ولا لأحد من الحضور.
- الواطية هى اللى دبرت اللى حصل ده و " صبا " بريئة يا جدى..
أنا اللى مراتى زبالة ومش عارف أحكمها عشان كده طاحت فى الكل وماعرفتش ألجمها..
ثم هتف وهو يصفعها بغضب.
- لا وكمان أحنا ناس زبالة شوفت..
شوفت يا جدى الزبالة بتقول على أسيادها إيه...؟!
" عمران " بغضب.
- يا أبنى فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان..
اللى أنت بتعمله ده مش هيحل للمشكلة يا حبيبى..
" سليم " متجاهلاً حديث جده وهو يقبض على خصلاتها بغضب ولايزال يصرخ بها.
- أعتذرى لستك وتاج رأسك يا زبالة..
" فريدة " بغضب وكبرياء.
- وحياة بابى لهتدفع التمن غالى يا " سليم " وهتشوف " فريدة نصار " هتعمل فيك إيه أنت والحشرة اللى بتحبها دى..
" سليم " بغضب وهو يسدد لها الصفعات واحدة تلو الأخرى والجميع يحاول تخليصها من يديه ولكن ما من أحد أستطاع تخليصها فمن الواضح أن الغضب والغل يتملكون منه على أعلى درجاتهم وما قد أقترفته بحقه وحق الجميع منذ عودتهم من الواضح أنه يحاسبها عليه بالجملة الآن.
- الحشرة دى تبقا أنتى يا زبالة يا واطية..
الحشرة اللى بتقولى عليها دى ستك وتاج رأسك والضوفر اللى بتطيره برقبتك أنتى وأمك يا غلاوية يا سودا..
الحشرة دى الشعرة الواحدة منها أغلى منك ومن عيلتك كلها يا غشاشة..
وحياتها عندى ووحياة إهانتها اللى أنتى هنتيهالها لهمسح بيكى بلاط الحى كله بلاطه بلاطه وما حد هيخلصك منى ومش بس كده، هقدم فيكى بلاغ بعد ما هرميكى من هنا وهقول أنك سرقتيها وهرفع عليكى بدل القضية أتنين واحدة بالسرقة والتانية بالسب والقذف ليها وورينى هتعملى إيه لما هتعفنى فى السجون يا زبالة..
" صبا " وهى تحاول تخليصها من بين يديه.
- أرجوك يا " سليم " مالوش داعى كل اللى أنت بتعمله ده..
أنا مسامحه واللّٰه..
" سليم " بغضب.
- لو أنتى سامحتى فى حقك فأنا مش مسامح فيه وهجيب مناخيرها الأرض زى ما كانت عايزه تكسر مناخيرك..
" صبا " بهدوء وحكمة.
- عشان خاطرى عندك يا " سليم " كفاية هتودى نفسك فى داهية عشان بنى آدمه ماتتساهلش..
" سليم " بغضب متجاهلاً لحديثها وهو يشدد من قبضته على خصلاتها هاتفاً بها بصراخ ونبرة أرعبتها وجعلت أوصالها تصطك بعضها ببعض.
- أعتذرى..
أعتذرى منها ومن كل العيلة اللى أهانتيهم كلهم..
أعتذرى قولت...! قالها بصراخ وهو يصفعها بقوة.
" فريدة " ببكاء ونبرة منكسره بعدما دعست بكرامتها وكبريائها الأرض.
- سورى..
" سليم " وهو يصفعها مرة أخرى مصححاً لها ما تتفوه به.
- النبى عربى يا ماما..
أعتذرى يا بت..
قوليها أنا اسفة يا " صبا " سامحينى وأعتذرى ليهم كلهم يلاااااا..
" فريدة " بإنكسار ورأسها منكسه وهى تشعر بالخجل من الموقف الموضوعه به ولست على فعلتها الشنيعة التى أرتكبتها فى حق إنسانة بريئة.
- أنا..أنا أسفة يا.. يا " صبااا "..
وأسفة ليكم كلكم..
فجذبها " سليم " من خصلاتها سابحاً إياها إلى باب المنزل ومن ثم قذف بها بعنف وهو يردد بغضب وحقد واضح.
- أنتى طاااالق..
طاااااالق..
طاااااالق يا غلطة عمرى السودا..
طاااااالق وورقتك هتكون عندك الصبح أتفووووه...! قالها ومن ثم دلف إلى الداخل غالقاً الباب خلفه ناظراً إلى الجميع بغضب وهو يشعر بأن بداخله نيران غير قادر على إخمادها حتى بعدما فعل كل ذلك بها..
أخذ ينظر إليهم نظرات عجز الجميع أن يفسرها ومن ثم هتف بنبرة صادقة.
- أنا أسف..
أسف مرة عشان الموقف اللى حصل وأسف مرة عشان إهانتكم اللى سببتها ليكم من بنى أدمه زى دى..
وأسف على إختيارى الغلط اللى بحاول أصلحه دلوقتى..
ثم تابع بمرارة وهو ينظر إلى " صبا " ولكنها نظرات يملؤها الأمل.
- وأسف لــِـ " صبا " اللى أتحطت فى موقف صعب وصعب أوى كمان بسببى وبسبب سوء إختيارى..
ثم أقترب من صبا واضعاً قبلة حانية أعلى جبهتها وهو يردد بحب ونبرة صادقة.
- أنا أسف..
أسف يا فرصة عمرى اللى ضيعتها بأيدى وهفضل ندمان عليها العمر كله..
أنا بعتذرلك قصاد الكل وبطلب منك تسامحينى وتدينى فرصة جديدة عشان أصلح فيها غلطى، وبقول قدام الكل أنى ماحبتش ولا هحب غيرك..
يمكن عرفت وحسيت بده متأخر بس أنا أهو بعترف قدام الكل بده من غير خوف ولا كسوف ولا ضغط ولا أى مشاعر تانية غير الصدق والحب اللى ماحستهمش غير معاكى دوناً عن باقى بنات حوا..
فشعرت " صبا " بالتوتر الشديد وكأن ليس بالكون متسع ليساع تنفسها وضربات قلبها السريعة التى تشبه بقطار سكة حديد، تحاول التهرب وعدم النظر إلى عيناه أو إلى أى أحد من الموجودين الذين يشعرون بالسعادة البالغة لما يحدث أمام أعينهم، فتلك اللحظة قد أنتظروها جميعاً منذ سنوات وسنوات..
فتابع " سليم " وهو يوجه حديثه إلى " عمران " الجد " وعمه " كريم " ووالده.
- جدى، عمى، بابااا أنا بطلب أيد " صبا " منكم وأوعدكم أنى هشيلها بين رموشى وعمرى ما هكون سبب فى جرحها أو وجعها من تانى..
فشعر الجميع بالصدمة من سرعة الأحداث التى تتوالى عقب بعضها البعض دون هدنة أو إستراحة فهو للتو قد أطلق سراح زوجته وكأنه كان يريد لتلك الفرصة أن تحدث حتى يكفر بها عن أخطاءه جميعاً دفعة واحدة وتلك الـ " صبا " تقف مشدوه تشعر وكأن قلبها يعزف ألحاناً من فرط سعادته ولكنها تشعر بأن سعادتها تلك ينقصها شيئاً ما، لا تستطيع تصديق كل ما حدث فى غمضة عين واحدة فمنذ قليل كانت متهمه بأبشع تهمة يمكن للمرء أن يتهم بها والآن حلم حياتها بأكمله على وشك أن يتحقق أمام أعينها، حتى أن ضربات قلبها وصلت إلى عنان السماء من شدتها وسرعتها وتنفسها أصبح يسارع الريح فى الوصول إلى رئتيها..
" كريم " بصدمة.
- يا ابنى ده أنت لسه مطلق مراتك ماكملتش دقيقتين..
وبعدين اصبر يمكن ربنا يروق الحال بينك وبين مراتك وترجعوا تانى، وساعتها هعمل إيه فى قلب بنتى اللى هيتكسر لتانى مرة بسببك وقتها..
" سليم " بثقة ونبرة صادقة.
- مفيش أى حاجة من دى يا عمى..
" فريدة " خلاص من اللحظة دى بقت ماضى و " صبا " هى الحاضر والمضارع والمستقبل..
أنا بحبها يا عمى ومش ناوى أضيع الفرصة لأى سبب مهما كان، أنا ماصدقت الفرصة جاتلى من تانى..
وأنا أوعدك أنى هشيلها جوه عيونى زى ما هى جوه قلبى بس جوزهالى..
" كريم " بقلة حيلة وحيرة فهو يعلم محبة أبنته له ويرى الآن الحب بداخل أعينه لها ولكنه يخشى عليها كثيراً من الخذلان والألم من جديد خصوصاً أن جرحها الماضى لا يزال حياً.
- أنا مش عارف أقولك إيه يا أبنى، بس المرة دى أنا مش هسمح بوجعها أو سيبانها تانى..
ثم وجه حديثه إلى والده مردداً بحيرة.
- إيه رائيك يا أباااا شور عليا يا حااااج...؟!
" عمران " بإبتسامة يملؤها الأمان والفخر.
- لا رائى ولا رائيك يا أبنى هو اللى هيمشى، صاحبة الشأن عندك وهى الوحيدة اللى ليها حق القرار يا تعفو وتصافح وتاخذ بالها أن كلنا خطائين، يا هترفض وكل واحد يكمل حياته ويبدأ من جديد..
القرار فى الأول والأخر ليها هى..
" كريم " موجهاً حديثه إلى " صبا " بتساؤل ونبرة هادئة مطمئنه لها.
- إيه رائيك يا حبيبتى...؟ قولتى إيه يا " صبا " موافقة على جوازك من أبن عمك بعد ما ردلك إعتبارك ولا هترفضى وليكى رأى تانى...؟!
******
رواية حي البنفسج الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل التاسع والعشرون
"
تابع اليوم الثامن والعشرون:
" صبا " بثبات على عكس قلبها الذى يكاد يقفز من موضعه من شدة سعادته ولكنها عزمت على إظهار عكس ذلك تعنتاً لكرامتها وكبريائها وكينونتها فحاولت إظهار بعض من الصلابة الزائفة فى نبرتها وهى تنظر إلى أبيها بتهذب.
- أنا محتاجه وقت أفكر يا بابا من فضلك..
أدينى وقتى أفكر واللى ربنا رايده هيكون..
" كريم " بغرابة وحيرة من أمرها.
- ايوووه يعنى وقت قد إيه يا " صبااا "...؟!
" عمران " وهو يفهم المغزى من نواياها وما تقصده، فهى قد دُعس بكرامتها الأرض على يديه والآن بعدما فعله من أجلها كان بمثابة رد الإعتبار لها ولكنها تريد أن تظهر له بأنها ليست بالقمة سهلة الإستساغه أو بمعنى آخر تريد أن ترد له الصفعة الماضية التى صفعها لها سهواً وهى تنتظره لسنوات وسنوات فتابع وهو يوجه حديثه إلى ولده " كريم" بحكمته المعتاده.
- بتك عندها حق يا أبنى، ده جواز مش لعب عيال..
أديها وقتها يا حبيبى عشان ماتندمش بعدين..
وماتنساش أنك عاطى كلمة للدكتور " صبرى " ومستنى رأيها بعد أربعين عمك " عسران " اللّٰه يرحمه.
" سليم " بغضب.
- " صبرى " مين ده أن شاء اللّٰه..
محدش هيتجوز " صبا " يا جدى غيرى وأنا أهو بقول وعلى جثتى يحصل غير كده..
" صباااا " ليا يا جدى مش لحد تانى..
" عمران " بتروى ونبرة ذات مغزى.
- ولو رفضت تتجوزك هتاخدها غصبانيه إياااك..
" سليم " بنبرة مسرعه متلهفة.
- هاخدها بالحب يا جدى..
سواء قبلت ولا رفضت أحنا الأتنين قلوبنا مربوطة ببعض والحب غلاب..
ثم أقترب من " صبا " ووقف قبالها وهو ينظر إلى عيناها التى تحاول أن لا تلتقى بعيناه من شدة خجلها الباطن وصلابتها ولامبالاتها الظاهره وتابع بحب شديد ونبرة صادقة.
- محدش فينا هيضغط عليكى يا " صبا " وأنا مستعد أستناكى العمر كله مش يومين ولا ثلاثة، المهم أنى أفوز بيكى..
أنا عايزك تنسى أى حاجة حصلت زمان..
عايزك تنسى " سليم " القديم وتشوفى " سليم " بتاع دلوقتى بيحبك قد إيه ومستعد يعمل إيه عشانك..
فأضاف بهدوء ونبرة صادقة.
- هستنا ردك يا " صبا " خدى كل وقتك وفكرى على مهلك وإذا كان قرارك بالموافقة، فصدقينى هكون أسعد إنسان فى الدنيا عشان هتقبلى تشاركينى حياتى وتكونى نصى الحلو وأحقق بيكى كل أحلامى..
وإذا كان قرارك لا، فأنا برضو هتجوزك لأنى بحبك وهفضل أحبك لحد ما أموت ومفيش أى ست تانية تقدر تاخذ مكانك ولا حتى تنفع تكون أم لولادى غيرك اللهم بلغت اللهم فشهد..
" مجيدة " بهمس لشقيقتها " دنانير ".
- بتك لحست مخ الواد عليه العوض ومنه العوض..
" دنانير " بسعادة.
- وليه ماتقوليش أن إبنك متدهول على شوشته فى البت..
" مجيدة " بحب وسعادة.
- يا أختى فى الحالتين الأتنين ولادى وعلى قلبى أحلى من العسل..
" حمزة " بمرح إلى شقيقة " يونس ".
- أخوك دماغه ساحت عالأخر يا " يونس "..
اللّٰه يرحم هيبتك يا عم " سليم " هههه..
" يونس " بسعادة لسعادة شقيقه.
- أنا كده أخويا رجع بالسلامة من غربته يا " حمزة "..
أخوك اللى رجع من كام يوم ده كان شبحه لكن اللى واقف قدامى ده دلوقتى هو " سليم " أخويا ورجع لمكانه الصح، ربنا بس يهدى قلب " صبا " ويحننها عليه لأحسن شكلها شايله منه عالأخر وصراحة حقها..
" حمزة " بسعادة وفرحة.
- عندك حق " سليم " فعلاً رجع و " صبا " شكلها عايزه تجيب حقها تالت ومتلت بس هو خلاص رد إعتبارها من تانى وصان كرامتها قصاد الكل..
" يونس " بحب.
- ربنا يهديها وتوافق ويسعدهم يارب..
" حمزة " داعياً المولى بصدق.
- يااااارب..
" صبا " بخجل شديد وإرتباك.
- ط...طب أنا.. هطلع عندى شغل فوق هخلصه وهنزل تانى..
عن إذنكم...! قالتها ومن ثم فرت هاربة إلى الأعلى تاركه الجميع يضحك وبشدة من كثرة سعادتهم وفرحتهم بما يحدث أمام أعينهم للتو..
" كريم " بمرح.
- ما كفاية يا عم " سليم " واقف عمال تسبل للبت ولا كأن أبوها وجدها واقفين..
ثم أضاف بمزاح.
- أتقل يا واد شوية ماتبقاش خرع أومااااال..
" سليم " بإبتسامة ذات مغزى.
- وهو أنا مفضوح أوى كده..
" مجيدة " بمزاح.
- أوى أووووى يا أخويا..
ده ولا أكنك كنت صابر غلب..
" سليم " بجدية.
- أنا ماعملتش حاجة عيب ولا حرام يا ماما وربنا شاهد أني ماظلمتش " فريدة " وهى اللى ظلمت نفسها..
وبما أنى بحب وماحبتش غير " صبا " فيبقا لازم كل حاجة ترجع لوضعها الطبيعى..
" عزيزة " بسعادة لا توصف وهى تربت على كتفه بحنان.
- ربنا يكملك بعقلك يا حبيبى ويفرح قلبك ويحنن قلب البت " صبا " عليك..
" سليم " وهو يقبل يديها بحب.
- ربنا يخليكى يا تيتة يارب بس والنبى إتاكى عالدعوة الأخيرة دى لأحسن شكل بنت إبنك هتغلبنى معاها..
" عمران " بثقة.
- إذا كان عجبك يا أبن " عامر "..
البت تعمل اللى فى نفسها يا أخوياااا وتقعد وتتشرط عليك كمان، وهو أحنا عندنا كام " صبا "..
" سليم " بحب.
- تعمل كل اللى فى نفسها يا جدى بس واحدة واحدة عليا ده أنا برضو أبن إبنك وأنت جدى..
" عزيزة " بحب.
- أطمن يا واد، البت بتحبك وهتوافق بس أستنى عالرز يستوى ويبقا عاااال..
المهم تحضروا نفسكم عشان بعد بكرا الوقفة وكتب كتاب البت " علا " وكلنا لازم نحضر عقبال عندنا يارب..
" عمران " بود.
- البت " علا " دى قاست كتير هى راخره ربنا يسعدها ويرزقها الذرية الصالحة ويجبرها بحق صبرها..
الصراحة الست " أم علا " ماقصرتش فى ربايتها أبداً..
عقبال البنات كلهم يارب...! ثم أضاف وهو يوجه حديثه إلى " بدر " مردداً بمحبة.
- ها يا " بدر "..؟ طمنى يا أبنى عامل إيه فى شغلك والعرض أمته يا أخويا..؟
" بدر " بمحبة وسعادة بإهتمام جده به.
- بكرا أن شاء اللّٰه يا حاااااج أول عرض الساعة ٧، دعواتك ليا بالتوفيق وأن العرض يعجب المخرج والناس اللى معاه..
" عمران " بمحبة خالصة.
- ربنا يفتحها فى وشك يا أبنى ويرزقك ويوفقك يارب..
أعمل اللى عليك وسيب الباقى على ربك ومادام ماقصرتش وأتقيت ربنا فى عملك يبقا هتجبر بأذن واحد أحد..
" بدر " بتهذب.
- ونعم باللّٰه يا جدى..
*******
وبعد مرور يومان حيث يوم " وقفة عيد الفطر المبارك "..
فى منزل " آل عمران " يتجهز الجميع فى حالة من السعادة والبهجة، فاليوم هو يوم " وقفة عيد الفطر المبارك " والصغار يهللون بسعادة وفرحة قبل الكبار وتلك الغنوة تتردد فى الآذان من كل جهة وصوت الست متجللٍ فى الأرجاء وهى تدندن بسعادة وبهجة تثار فى النفوس.
كلمات الأغنية 👇
يا ليلة العيد آنستينا وجددتى الأمل فينا يا ليلة العيد..
يا ليلة العيد آنستينا وجددتى الأمل فينا يا ليلة العيد..
هلالك هل لعينينا فرحنا له وغنينا..
هلالك هل لعينينا فرحنا له وغنينا..
وقلنا السعد حيجينا على قدومك يا ليلة العيد..
حيث قد قام مفتى الجمهورية أمس بالظهور عبر القناة الفضائية معلناً بأن الليلة هى الليلة المتممة لشهر رمضان الفضيل وغداً أول أيام " عيد الفطر المبارك " وأثناء فطور اليوم الأخير قامت الجدة بضرب المعالق بعضها ببعض ضربات متعددة بلغت الثلاثون ضربة وتلك هى عادتها قد وارثتها منذ الصغر عن والدتها وجدتها، ومنذ ذلك الحين وهى أتخذتها عادة لها تفعلها فى أخر أيام الشهر الفضيل فإذا كان الشهر الفضيل ثلاثون يوماً تقوم بضرب ظهور المعالق ثلاثون ضربة متتالية وإذا كان تسعة وعشرون تقوم بضرب المعالق تسعة وعشرون ضربة، وعندما سألها أحد الصغار عن عادتها تلك أجابتهم بكل حب وسعادة، بأن تلك هى عادة توارثتها من نساء عائلتها الأكبر سناً ومنذ ذلك الحين وهى تفتعلها بحرس شديد خوفاً من تلك البدعة المفتعلة التى مؤدها بأن إذا تناست لمرة فعلها سيصاب أحد أفراد عائلتها بمكروه وفى العام القادم سيأتى الشهر وهناك فقيد لهم لم يحضر معهم ذلك الشهر ثانياً وتلك هى البدعة أو العادة التى فسرت بها الجدة فعلتها تلك للصغار المتسائلة عن المغزى من تلك العادة.
وها هم قد تجهز الجميع لحضور عقد قرآن" علا " على ذلك المدعو " هشام " التى تمت خطبتها له منذ أكثر من سبعة سنوات..
فالجميع يشعر بالفرحة والسعادة منهم من يشعر بها فرحةٍ بإرتدائه لملابس العيد وفرحة تلك الليلة التى لن يغفوُ بها أحد وخصيصاً الصغار الذين سيقضون ليلتهم لعباً ولهواً فى الشارع برفقه أطفال الحى الآخرون حتى صلاة العيد..
ومنهم من يسعد لفرحة العيد وفرحة تلك " العلا " التى ستجبر اليوم بعد سنوات وسنوات من الصبر..
ومنهم من فاقت سعادته عنان السماء فرحة بنجاح عرضه وتصعيده لمسابقة " آفاق " التى تمنى دوماً الإشتراك بها..
فـ " بدر " وأخيراً قد تحقق حلمه وقد نال العرض إعجاب المخرج وتم تصعيده إلى تلك المسابقة التى تمنى دوماً الوصول إليها بعد نجاح عرضه الساحق..
وها هو سيقف وأخيراً على خشبة المسرح أمام عمالقة من عمالقة الفن وهم سيدة المسرح العربى " الفنانة سميحة آيوب " و أستاذ المسرح الأول " الفنان محمد صبحى " وغيرهم من عمالقة الفن والمسرح..
ومنهم من يسعد بقرب محبوبه له وأخيراً بعد سنوات وسنوات من الحرمان والفراق..
فـ " سليم " قد أتم طلاقه من " فريدة " بشكلاً رسمياً فى صباح اليوم التالى مباشرةٍ..
وكان " نصار " والد " فريدة " قد قام بزيارتهم أمس معتذراً عما بدر من أبنته فى حق " صبا " مراضياً لها ولعائلتها بأكملها معرباً عن فشلة الذريع فى تربيته لأبنته وتقويمها، فقابله الجميع بود وحب فذلك الرجل مختلف تماماً عن إبنته وعلى ما يبدو أنها لم تحمل لچيناته قط، وأنتهى الأمر على ذلك..
وها هو " سليم " ينتظر قرار محبوبته على أحر من الجمر فهو يعشقها حد الفتنة وينتظر قرارها وكأنه يجلس على أشواك حتى يستمع لردها وموافقتها..
وفى منزل " رتيبة " حيث يقام عقد قرآن إبنتها..
يدلف الجميع نساء ورجال عائلة " آل عمران " من باب المنزل صاعدون الدرجات حتى يصلون إلى شقة " رتيبة " وكانت " صبا " آخر من صعد الدرجات و " سليم " خلفها وبمجرد ما أن همت بالصعود خلف الجميع حتى شعرت بمن يسحبها من الخلف، فتملكها الفزع الشديد وما كادت أن تصرخ حتى وضع " سليم " يديه أعلى فمها كاتماً لصرختها وهو يسند ظهرها على الحائط مقترباً من أنفاسها هامساً بحب.
- متخافيش أنا " سليم "..
" صبا " بغضب وهى تزيح يديه عنها.
- إيه اللى أنت بتعمله ده...؟
أفرض حد شافنا هيقول علينا إيه ولا بنعمل إيه...؟
" سليم " بحب وهو يبعد خصلاتها عن وجهها ولايزال ينظر لها نظرات عاشقة.
- اللى يشوفنا، يشوفناااا..
أنا مش بعمل حاجة غلط، كلها دقايق وهتبقى مراتى..
فجحظت عين " صبا " بشدة وهى تنطق بغضب وعدم تصديق.
- أنت بتهزر صح..
وهو أنا وافقت عليك أساساً عشان أتجوزك..
" سليم " بحب.
- موافقتيش بس هتوافقى، لأنك بتحبينى قد ما بحبك وأكتر كماااان..
" صبا " بغضب.
- مسكين أوى أنت..
ومين قالك الكلام ده بقاااا أن شاء اللّٰه..
" سليم " بنبرة عاشقة.
- عيونك..
عيونك قالتلى كل حاجة..
" صبا " ببرود.
- وهو حضرتك أخصائى عيون عشان تعرف عيونى بتقول إيه..
" سليم " بنبرة مسكره.
- أنا مش أخصائى عيون..
أنا عاشق لعيونك يا " صبا "..
فأبتسمت " صبا " أبتسامة حاولت مدارتها إلا أن " سليم " لاحظها فهتف بحب ونيرة يملؤها المرح.
- أضحكى يا " صبا "..
أضحكى وماتنكريش أنك بتحبينى..
" صبا " بإبتسامة لعوب.
- ومين قالك أنى بحبك، هو الحب بالعافية...؟
" سليم " بحب.
- طب عينى في عينك كده...؟!
فحاولت " صبا " التهرب من عيونه إلا أنه رفع رأسها بيديه بلطف وهو يردد بنبرة مسكره.
- ماتهربيش منى يا " صبا "..
الحب باين فى عيونك على فكرة..
ثم أضاف بحب ولاتزال نبرته مسكره من فرط حبه وجنونه بها.
- تتجوزينى...؟!
فجحظت عين " صبا " ثانياً بصدمة شديدة هذه المرة ومن ثم تابع " سليم " بحب شديد مكرراً كلماته السابقة مرة ثانية ببطءٍ شديداً وهو يلوح بيديه أمام وجهها فى محاولة منه لإخراجها من صدمتها التى هى عليها.
- تتجوزينى يا " صبااا "...؟!
" صبا " بسعادة بالغة وهى تنظر إليه بحب شديد وأخذت تهز رأسها بإيجاب سريعاً دلالة على موافقتها على مطلبه وهى تهتف بحب شديد.
- آااااه..
" سليم " بعدم تصديق وفرحه عارمة.
- تتجوزينى يا " صبااااا "...؟!
" صبا " بصياح ونبرة عالية بعض الشئ.
- ايوووه أنا موافقة أتجوزك يا " سليم "..
فهم " سليم " بإحتضانها إلا أنها أبعدته عنها وهى تهتف بحزم وإبتسامتها تلوح على شفتيها بحب.
- آاااه يا بشمهندس عندك..
لما أبقى مراتك أبقااا أحضن براحتك..
" سليم " بنبرة متلهفة وعيناه يقطر منها الحب تقطيراً.
- عندك حق..
عندك حق يلاااااا بينااااا...! قالها وهو يهم بسحبها إلى الأعلى فهتفت " صبا " بحب.
- على فين يا مجنون أنت...؟!
" سليم " بحب ولهفة شديدة.
- هتجوزك يا " صبا "..
هتجوزك ودلوقتى حالاً..
" صبا " بإبتسامة فرحة.
- أنت مجنون، بالسرعة دى..
لسه فى حاجات يامااا لازم تحصل قبل كده..
لازم نعرف بابا وجدو وعمى، ولازم نقرأ الفاتحة ولازم تعملى فرح كبير يا " سليم " ولا أنت هتكروتنى وهتتجوزنى من غير فرح..
" سليم " بحب.
- وحياة " صبا " عندى لهعملك فرح الناس كلها تحكى وتتحاكى عنه..
بس هتجوزك دلوقتى لأنى مش هقدر أبقا بعيد عنك أكتر من كده، وجدو وبابا وعمى مش هيعترضوا صدقينى..
أنا مفهم جدو على كل حاجة..
" صبا " بصدمة مما تفوه به.
- يا غشاش يعنى أنت بتتفق مع جدو من ورايا، افرض كنت رفضت أتجوزك..
" سليم " بحب.
- كنت هتجوزك برضو..
ثم أضاف بحماس وعيناه يُشع الحب منهم.
- يلاااا بقاااا ضيعنا وقت كبير وأنا مش قادر أستنى أكتر من كده..
" صبا " بحب.
- مجنون..
" سليم " بحب وحماس.
- يلاااا بقاااا...! قالها وهو يسحبها من يديها صاعداً بها إلى الأعلى وبمجرد ما أن دلفوا حتى وجدوا " الشيخ مؤنس " قد أنهى عقد قرآن " علا " وهم بالرحيل، فهتف به " سليم " بنبرة يملؤها الحب والسعادة البالغة.
- أستنى يا شيخنا من فضلك..
ثم تابع وهو يمسك يد " صبا " بفخر وكأنها أهم إنجازاته بالحياة.
- بعد أذن جدو وعمى وبابا أنا عايز أكتب كتابى على " صبا " دلوقتى..
ثم وجه حديثه إلى جده وهتف بهدوء.
- حضرتك موجود يا جدو وعمى كمان وبابا وأنا سبق وطلبت أيد " صبا " منكم وكنت مستنى موافقتها ودلوقتى بطلب منكم أنى أكتب كتابى عليها بعد أذنكم..
" كريم " بنبرة متسائلة.
- وهتتجوزها أزاى من غير ما نعرف رأيها..؟
والفرح..؟ والشبكة..؟ وقرأية الفاتحة..؟
" عمران " بإبتسامة واسعة وهو ينظر إلى يديهم المشبكين ببعضهم البعض.
- ما خلاص يا " كريم " الرد واضح زى عين الشمس..
والفرح والشبكة مقدورين عليهم..
" كريم " بقلق.
- بس يا أبااا..
" عمران " بحكمة.
- ما بسش يا " كريم "..
البت مبسوطة والواد مبسوط والأهم من ده كله أنهم دم واحد والحاجات دى شكليات والواد شارى وهيعملها أحسن فرح فى الدنيا، نقف قصادهم أحنا ليه بقاااا...؟!
ثم تابع بتساؤل وهو يوجه حديثه إلى " كريم " و " عامر " بحب.
- هااا يا ولاااد إيه قولكم فى الكلام ده...؟!
" كريم " و " عامر " فى صوتاً واحداً.
- مفيش قول بعد قولك يا حاااااج..
" عمران " بسعادة.
- على بركة اللّٰه..
أكتب يا شيخنا عالعيال خلينا نفرح..
فأنطلقت الزغاريط عالياً والنساء يهنئون بعضهم فى سعادة، وقام " الشيخ مؤنس " بعقد قرآنهم فى أجواء يملؤها الحب والبهجة إلى أن أنتهى تماماً ثم صاح عالياً داعياً لهم بحب والجميع يُأمن على دعائه فى سعادة وحب شديدان.
- بارك اللّٰه لهما وبارك عليهما وجمع بينهما فى خير..
وبمجرد ما أن أنهى الشيخ حديثه حتى قام " بدر " بسحب المنديل بسعادة من أعلى يدى " عمران " و " سليم " وأنطلقت الزغاريط من جديد تملؤ الأرجاء، حتى أنطلق " سليم " مباشرةٍ دون أن يعطى أحد فرصة لتهنئته وأتجه إلى حيث تقف " صبا " جاذباً إياها إلى أحضانه مردداً بحب وهو يشتم رائحتها مغمضاً عيناه وكأنه وجد مآواه ومسكنه بعد سنوات وسنوات من التغرب والترحال.
- مبروك يا قلب " سليم "..
مبروك يا حبيبتى..
" صبا " وهى تشدد من إحتضانه بحب شديد وهى تغمض عيناها هى الأخرى تشتم رائحة عطره وكأنهم بعالم آخر غير ذلك العالم متمتمه بحب وهى تتلامس بكفوفها الصغيره ظهره بحب.
- اللّٰه يبارك فيك يا " سليم "..
" سليم " وهو يبعدها عن أحضانه واضعاً قبلة حانية أعلى جبهتها مردداً بحب ونبرة يملؤها السعادة.
- بحبك..
فأبتسمت له " صبا " بخجل خصوصاً بعدما لاحظت أعين الجميع المصوبه نحوهم بسعادة بالغة، فتابع " سليم " بحب.
- ربنا يقدرنى وأسعدك وتفضلى طول العمر معايا لحد ما نكبر وسنانا تقع ونشوف عيال عيالنا سوا..
" صبا " بحب ونبرة خجله للغاية.
- ويخليك ليا يارب قول آمين..
فغمغم " سليم " بحب ورضا.
- آمين..
***************************
رواية حي البنفسج الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور بشير
رواية حي البنفسج الفصل الثلاثون والاخير
أول أيام عيد الفطر المبارك:
فى منزل " آل نصار " وتحديداً بداخل غرفة " فريدة " حيث تجلس أعلى فراشها الوثير تضم ساقيها إلى صدرها وتبكى بشدة بكاءٍ مرير وإذا بها تجد والدتها تدلف إليها وهى تحمل صينية الطعام لها مردده بتهكم.
- أنتى إيه اللى بتعمليه فى نفسك ده...؟
على رأى المثل جنازة حارة والميت كلب..
ده بركة أنه غار، ده لا كان من مستوانا ولا من قيمتك، بكرا يجيلك سيد سيده..
قومى..قومى كلى وبلاش هبل..
" فريدة " بصريخ.
- أنتى اللى تقومى..
أطلعى بره سبينى فى حالى بقاااا عايزه منى إيه تانى بعد ما خربتى بيتى...؟!
" سهير " بتهكم.
- بقا أنا اللى خربت بيتك..؟ أنتى بتقوليلى أنا الكلام ده..؟
هو أنا اللى قولتلك خليكى غبية وأفضحى نفسك..
" فريدة " بهستيريه.
- أنتى السبب..
أنتى اللى فضلتى تزنى عليا عشان أنفذ خطتك الدنيئة دى وأنا كنت زى العامية بطيعك والغل والحقد عامينى..
أنتي السبب..
أنتى اللى خلتينى أضيع حب عمرى من أيدى، وعمرى ما هسامحك أبداً..
" سهير " بغضب وشر.
- أنا برضو السبب..
مش أنتى اللى مكانش عاجبك عيشتك مع الكحيان ده..
مش أنتى اللى ماكنتيش طايقة اللى أسمها " صبا " دى وعايزه تكسرى مناخيرها بأى طريقه..
" فريدة " بغضب وبكاء يقطع له نياط القلب.
- كنت غبية..
كنت غبية وماكنتش مقدره قيمة جوزى وبدل ما أحكيلك وتوعينى وتقوليلى أزاى أحافظ على بيتى وتصحينى من غفوتى، جيتى أنتى بوظتى كل حاجة..
أنا بكره نفسى وبكرهك وبكره اللحظة اللى سمعت كلامك فيها..
" سهير " بغضب.
- أنتى قليلة الأدب وأنا ماعرفتش أربيكى..
هو فى بنت محترمة تقول لأمها كده..
" فريدة " بغضب.
- أنتى فعلاً ماعرفتيش تربينى وفشلتى في أنك تكونى أم..
أنا مكسوفة أنك أمى، ومكسوفة من نفسى..
أنا لو كان عندى حق إختيار أم مناسبة عمرى ما كنت هختارك..
بس أنتى عارفة أنا مش هلوم عليكى، أنا هلوم نفسى بس لأن فى غيرى كتير أوى أتولدوا وعاشوا من غير أم وكانوا متربين أحسن منى مليون مرة..
أنا السبب..
أنا السبب اللى سمعت لشيطانى وعطيته الفرصة يوسوس ليا..
" سهير " وكأن أحدهم قد صعقها بصاعق كهربائى على أثر إستماعها لحديث إبنتها الذى كان كالسكين الحاد الذى يمزق قلبها إلى أشلاء وهى تردد دون وعى من شدة صدمتها.
- للدرجة دى بتكرهينى..
للدرجة دى بتكرهى أمك اللى كل مناها فى الدنيا أنها تشوفك سعيدة ومبسوطة..
أنا كان كل همى أنى أشوفك مرتاحة فى حياتك ومع الشخص اللى يستهلك واللى يعيشك عيشة مرتاحة..
كان كل همى أنك ماتعيشيش اللى أنا عيشته أنا وأبوكى فى الغربة والمرمطة لحد ما وصلنا للى أحنا فى ده..
أنا كان بيعدى عليا أيام أنا وأبوكى مش لاقين اللقمة نأكلها وكنت من كتر الدين اللى علينا بشيل طاقية ده ألبسها لده..
أنا شوفت أنا وأبوكى الويل لحد ما وصلنا للى أحنا فى ده عشان كده كان كل همى أشوفك مبسوطة وعايشة عيشة مرتاحة..
ماكنتش عيزاكى تدوقى الفقر والويل اللى أنا دوقتهم أنا وأبوكى يا بنتى..
" فريدة " بغضب وتنفسها يعلو ويهبط من فرط غضبها.
- أنتى عمرك ما سيبتى بابا ولا عمرك إتنازلتى عن حبك له عشان الفقر اللى كنتم عايشين فيه بل بالعكس فضلتى واقفة جمبه وفضلتى حبك على الفقر اللى كنتى عايشة فيه لحد ما ربنا كرم بابا وسافر وأشتغل وكبر وخلفتينى وقتها..
ثم تابعت بمرارة.
- أنما بقا حالة " سليم " كانت أحسن مليون مرة من حالة بابا وهو صغير..
بابى كان قاعد فى شقة إيجار قديم أما " سليم " فكان عنده شقته اللى تشوفيها تقولى أنها من الزمالك ولا التجمع مش فى حتة حى شعبى مغمور..
بابى سافر وهو عنده ٤٠ سنة عشان يشتغل ويبدأ حياته لكن " سليم " سافر وهو عنده ٢٠ سنة وبدأ حياته وكون نفسه ورجع معاه فلوس ومعاه شقة ومتجوز وكان بيتمنى أنى أخلف له بيبى يشيل أسمه..
" سليم " عنده عيلة وعزومة وناس كتير بيحبوه وبيحبهم كان ممكن أوى أحبهم أنا كمان وأعتبرهم أهلى وعزوتى اللى أنا محرومة منهم بس أنا السواد والحقد ملى قلبى..
السواد والحقد خلونى ما أشوفش كل الحلو ده ولا أقدر حب " سليم " وتفضليه ليا على بنت عمه..
السواد والحقد خلونى بنى آدمه أنانية ولا بتفهم ولا بتقدر قيمة حاجات كتير كانت حلوة وضيعتها من بين أيديها..
وأنتى بدل ما تفوقينى وتدينى قلم يردنى للطريق الصح وتقوليلى أن غيرى مش لاقى ربع العيشة اللى أنا عيشاها، خلتينى أتبطر أكتر على عيشتى وأشوف أنها عيشة ماتتعاش وماتلقش بيا..
خلتينى أكره " صبا " أكتر رغم أنها عمرها ما أذتنى ولا جرحتنى بكلمة وبتتعامل بكل ذوق حتى أنتى شوفتى بعينك ده رغم أنى أنا اللى واخده منها حبيبها وخطيبها..
أنا مش عارفة ألومك ولا ألوم نفسى، بس الغلط مش غلطك الغلط غلطى أنا اللى سبت شيطانى يتحكم فيا ويضيع حبيبى من بين إيديا..
" سهير " ببكاء على حالة إبنتها تلك.
- يا بنتى ربنا يعلم أنا كان كل غرضى أشوفك مرتاحة ومبسوطة..
كان كل همى أنى أضمنلك حياة ومستقبل أحسن منى أنا وأبوكى وده مش عيب يا حبيبتى ولا غلط..
" فريدة "" بوجع.
- فعلاً مش عيب ولا غلط يا ماما..
بس الغلط كان فى طريقة تفكيرنا وتصرفنا..
ياريتنى سمعت كلام بابى..
ياريتنى رضيت ووافقت بعيشتى ومافكرش فى أذية حد ما أذانيش..
ياريتى ما عملت اللى عملته وفضلت جمب " سليم " لآخر عمرى..
" سهير " بخجل من نفسها.
- أنا أسفة يا " فريدة "..
أسفة يا بنتى، أنتى عندك حق أنا غلطت فى حقك من غير ما أدرى وكنت فاكره أنى كده بعمل الصح..
ثم أضافت بحزن.
- روحى لجوزك يا بنتى وأعتذريله..
روحى وأعتذرى لـ " صبا " كمان يمكن يسامح ويردك لعصمته تانى..
" فريدة " بحزن.
- خلاص يا ماما ماعدش ينفع..
أنا أهانت رجولة " سليم " قصاد عيلته وأهل المنطقة كلها ومعتقدش أنه هيسامح فى ده أبداً ولا حتى هيسامح فى حق " صبا " اللى قالى وأعترفلى بحبه لها وأنه ماحبش ولا هيحب غيرها..
أنا ضعت وضيعت كل حاجة يا ماما خلااااص..
" سهير " بحزن ونبرة حانية.
- بس أنتى بتحبيه ولازم تحاربى عشان حبك ده..
" فريدة " بحزن ومرارة.
- الحرب أنا خسرتها من زمان أوى ونتيجتها مش لصالحى..
" سهير " وهى تسحب أبنتها من يديها ساحبة إياها إليها بحنان.
- الحرب لسه ماخلصتش والحب لسه فى قلبك لجوزك يبقا تروحى له وتعتذرى منه ومن العيلة كلها وأنا هصالح أبوكى لأحسن مقاطعنى من ساعة اللى حصل ولا بيأكل ولا بيشرب معايا ولا حتى بينام فى أوضتنا وبينام فى أوضة الضيوف..
هصالحه وهعتذرله أنا كمان وهجيبه وهحصلك على بيت أهل جوزك وهعتذرلهم بنفسى وهصلح غلطى يا بنتى..
" فريدة " والأمل بدأ ينتعش بداخل صدرها من جديد.
- بجد يا مامى..
يعنى لسه فى وقت أقدر أكفر بيه عن غلطى..
" سهير " بحنان.
- " سليم " طيب وبيحبك ولو مكانش بيحبك مكانش ساب بنت عمه وأتجوزك..
جوزك حنين وهيسامحك يا " فريدة " المهم ترديله كرامته اللى أنتى أهانتيها قصاد عيلته وهيسامحك..
وماتنسيش تعتذرى لـ " صبا " هى كمان مالهاش ذنب فى كل اللى حصل ده وحقها عليكى أنك تعتذرى لها..
ثم تابعت بحماس محاولة بث إبنتها الأمل.
- يلاااا..
يلااا قومى أتزوقى وألبسى أحسن حاجة عندك وروحى راضى جوزك وعيشى يا حبيبتى..
فأبتسمت لها " فريدة " بحماس ومن ثم أرتمت بين أحضانها مردده بإمتنان.
- ميرسى أوى يا مامى بجد، ربنا يخليكى ليا..
فربتت " سهير " عليها بحنان وهى تردد بندم حقيقى.
- ربنا يقدرنا على تصليح كل اللى بوظناه ويحنن قلب جوزك عليكى..
وبالفعل ذهبت " فريدة " لتتجهز وأرتدت أرقى ملابس لديها وتزينت فى أبهى زينتها ومن ثم ذهبت إلى حيث منزل " آل عمران " بذلك الحى الشعبى..
*******
وفى منزل " آل عمران " بعد صلاة العيد مباشرةٍ يجلس الجميع يتناولون الفطور الرسمى لهذا اليوم وهو " الكعك والبسكويت ومعه أكواب الشاى بحليب " الذى يعتبر موروث وتراث منذ آلاف السنين ملازماً لأيام العيد والفطور الأول لعيد الفطر..
وكان المشهد كالأتى:
يجلس الجميع فى حب يتناولون الفطور فى جو من البهجة والحب والسعادة التى إشتاقوا إليها منذ سنوات، فهم لم يجتمعوا جميعهم معاً فى أيام العيد منذ عشرة سنوات تقريباً وها هو الغائب قد عاد وعاد معه الفرح إلى قلوبهم من جديد، فكان كل ثنائى يجلس معاً يتناول فطوره والجد والجدة يترأسون المجلس فارحين وبشدة بجمعتهم تلك..
أما " صبا " و " سليم " فكانوا يشعرون وكأنهم بعالم آخر غير ذلك العالم، فكان " سليم " يجلس يتناول فطوره ويقوم بإطعام " صبا " بيديه بين الحين والآخر فيجعلها تقضم قضمه من البسكويت ويقضم هو الأخرى فلاحظه " كريم " وهتف بمرح ونبرة ذات مغزى.
- ما تلم نفسك يا واد عمال تأكل فى البت بإيدك ولا أكن أبوها قاعد قصادك..
" سليم " بفخر وإبتسامة عريضة كشفت عن أسنانة بحب.
- مراتى يا عمى ومحدش له عندى حاجة..
فشعرت " صبا " بالحرج الشديد والخجل فى آن واحد متمنيه أن تنشق الأرض وتبتلعها فى تلك اللحظة، فتابع " كريم " بمرح.
- لا يا حلو البت بتى لسه لما تدخل بيتك أبقا أفرض ضلوعك براحتك..
" سليم " بحب.
- وهو أنا كتبت كتابى عليها عشان تقعدلى بالمرصاد يا عمى..
" كريم " بنبرة ذات مغزى.
- لا كتبت كتابك عليها عشان تتسهوك براحتك يا أخويا..
" عمران " بضحك ونبرة يملؤها السعادة لما يحدث أمام أعينه بتلك اللحظة فهو قد إشتاق إلى ذلك المشهد وتمناه منذ سنوات مضت.
- ما تهدى عالواد شوية يا " كريم " البت بقت مراته خلاص وكلها أيام وتبقا فى بيته وبعدين دى بنت خالته برضو يعنى زى أخوهااا..
" سليم " بغيظ.
- أخوهاااا مين يا جدى ده أنا أرتكب جناية هنا..
قال أخوهاااا قاااال..
ثم تابع وهو ينظر إلى عمه بمرح.
- بتك بقت تخصنى خلاص يا " كيمو " وبقا ليا فيها أكتر منك..
" كريم " بمرح.
- آاااه يا واطى ربنا يهنى سعيد بسعيده يا أخويا..
" عزيزة " بنبرة ذات مغزى وإبتسامتها اللعوب تزين ثغرها.
- قصدك ربنا يهنى " سليم " بـ " صبا " يا واد ههههه..
" صبا " بخجل وهى توبخ " سليم " بصوتاً منخفض للغاية لا يسمعه سواهم.
- عجبك كده..
أهو هيفضلوا يحفلوا علينا للعيد الجاى..
" سليم " بحب.
- ولا فارق معايا أى حاجة المهم أنك بقيتى مراتى..
فأبتسمت له " صبا " على أثر نطقه لتلك الكلمة التى ولا يوماً تخيلت أن تسمعها من فمه بمثل تلك الطريقة أو ذلك الموقف وما أن همت بالحديث حتى وجدت " فريدة " تدلف من باب الشقة بخجل شديد وهى تفرك بيديها فى توتر فإنمحت سريعاً بسمتها تلك وتحجرت عيناها على أثر دخول " فريدة " المفاجئ مما جعل " سليم " يشعر بالغرابة فإستدار برأسه ليرى ما تنظر إليه حتى أنصدم وبشدة من وجود " فريدة " أمام أعينه، فهب واقفاً صائحاً بغضب وعيناه تغيم من فرط انفعاله.
- أنتى إيه اللى جابك هنا...؟!
أمشى أطلعى بره..
فأنتبه الجميع على حديثه ونبرته ونظراته التى أصبحت حادة للغاية فنظروا هم بدورهم إلى ذلك الذى يوجه إليه " سليم " نظراته تلك فإذا بهم تلجمهم صدمتهم من عودة " فريدة " مرة أخرى وخصوصاً بعد زواج " سليم " من " صبا "..
" فريدة " بخجل شديد وهى تعبث بيديها فى حقيبتها بإرتباك وحرج شديدان.
- أنا..
أنا جاية يا " سليم " عشان..
" سليم " بغضب.
- أنتى ملكيش مكان هنا وحاجتك " نصار بيه " أخدها معاه أول أمبارح وهو ماشى..
" عمران " برزانة وهدوء.
- أستهدى يا أبنى باللّٰه لما نشوف البنية جاية ليه..؟
ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى " فريدة " بهدوء.
- خير يا بنتى إيه اللى رجعك تانى، هو مش كل حى راح لحاله خلاص..
" فريدة " بإنكسار.
- أنا جاية عشان أعتذر يا جدو وأطلب من " سليم " و " صبا " أنهم يسامحونى ومنكم كلكم..
ثم أضافت بندم.
- أنا عارفة أنى غلطت أوى فى حقكم بس واللّٰه أنا ندمانة وبتمنى من ربنا أنكم تسمحونى وتدونى فرصة أرجع وسطكم من تانى..
فشعرت " صبا " بأن قلبها قد هوى بين قدميها وأن عبراتها على وشك الهطول، فهمت بالرحبل تاركه إياهم جميعاً إلا أن " سليم " أجتذبها من يديها شابكاً أنامله بأناملها مما أثار غيرة " فريدة " وغرابتها من ذلك المشهد الحادث للتو أمام أعينها..
فنطقت " فريدة " وهى تنقل بصرها بين أيديهم المشبكة بعضهم ببعض وأعين " سليم "، وأعينها مليئة بالعبرات المحتجزة وتابعت بنبرة مهزوزة.
- أنا أسفة يا " سليم " بس أرجوك ماتعملش فيا كده..
أنا أسفة وندمانة على كل اللى عملته وقولته...! ثم أضافت بعدما سقطت عبرة منها همت بإزالتها سريعاً.
- أنا مش عارفة أنا عملت كده أزاى وأزاى أديت فرصة للشيطان أنه يتحكم فيا، بس واللّٰه أنا ندمانة..
ندمانة يا " سليم " وعمرى ما هفكر أنى أعمل اللى عملته أو اللى قولته ده تانى..
" سليم " وهو يشدد على يد " صبا " الممسكة به بحب، محاولاً بثها الأمان.
- الندم حلو يا " فريدة " لأنه بيعرفنا أخطاءنا وبيعيشنا العمر كله خايفين لنقع فيها من تانى وبنحاول نسد أى ثغرة ترجعنا لنقطة الصفر، بس الندم ساعات بيكون جاى متأخر أوى فى وقت ماينفعش فيه الندم..
ثم تابع بهدوء مميت.
- أنتى كان عندك بدل الفرصة أتنين وتلاتة عشان تراجعى نفسك وتفوقى بس ده محصلش وسكينتك كانت سرقاكى..
أنتى فوقتى بس فوقتى متأخر ومتأخر أوى كمان..
فوقتى بعد ما ضيعتى كل حاجة حلوة كانت بينا..
ضيعتى الحب وضيعتى الذكريات والمواقف الطيبة اللى عشناها...! فهمت " صبا " بترك يديه والرحيل ثانياً إلا أنه أعادها وهو يشدد من ضغطه على يديها بحنان محاولاً بثها الحب والأمان من خلال ضغطاته تلك ثم تابع بعدما نظر إلى " صبا " نظرات هادئة داعمه لها ومطمئنه.
- أنتى ضيعتى كل حاجة يا " فريدة " حتى حبى ليكى اللى راهنت عليه..
ماتلوميش إلا نفسك يا " فريدة " ولو عايزه تصلحى غلطك بجد يبقا رجعى الزمن عشان تقدرى تستغلى كل فرصة جاتلك كان ممكن تثبتى ليا فيها قد إيه بتحبينى وقد إيه باقية عليا وعايزانى..
لو قدرتى ترجعى الزمن يمكن ساعتها تقدرى ترجعى حبى ليكى اللى خلاص مبقاش له وجود..
ثم تابع بإبتسامة صافية وهو يرفع كف " صبا " ملثماً إياه بقبلة حانية واضعاً من خلالها كل ما يشعر به من حب وفخر وإعتزاز ومن ثم نظر إلى " فريدة " التى تشعر بنيران الغيرة تتملكها فهى تغار عليه وبشدة فهتفت بوجع ومرارة.
- " سليم " سيب أيدها أرجوك وبلاش تعاقبنى العقاب القاسى ده..
" سليم " بجمود ونبرة ذات مغزى.
- أعاقبك يعنى لسه بحبك، أو باقى عليكى، أو بكنلك أى مشاعر لكن للأسف يا " فريدة " أنا مفيش أى مشاعر فى قلبى ناحيتك حتى الكراهية مش لقياها ليكى..
بس اللى أنا متأكد منه أن كل الحب اللى فى قلبى وكل مشاعرى هى ملك مراتى " صبا "...! قالها وهو يرفع يديها ملثماً لها من جديد، فأبتسمت " صبا " برضا وهى تشعر بأن كرامتها قد عادت إليها من جديد.
فشعرت " فريدة " وكأن الأرض تدور بها من شدة صدمتها وتلك الصفعة التى تلقتها للتو والتى لم تحسُب لها أى حساب من قبل، ثم نطقت بعدم تصديق.
- مراتك أزاى يعنى...؟!
لاااااا، لاااا أكيد فى حاجة غلط..
" سليم " ماتعملش فيا كده بليز..
أنا مستعدة أستحمل أى عقاب..أى عقاب تقوله بس بلاش العقاب القاسى ده لأنى مش هستحمله..
أنت متجوزتهاش...؟!
أنت متجوزتش غيرى يا " سليم " صح...؟
" سليم " بحب خالص لزوجته " صبا ".
- " صبا " بقت مراتى يا " فريدة " شرعاً وقانوناً وقدام الدنيا كلها..
ثم أضاف بجمود وصلابة لها.
- وأنا مش ربنا عشان أعاقب يا " فريدة " بس لو عايزه تعتبريه عقاب، فالعقاب ده من صنع إيدك وأنتى اللى وصلتى نفسك لكده..
" فريدة " ببكاء.
- لااااا، لااا أنا أكيد بحلم صح..؟
أنا أكيد بحلم يا " سليم "، أنت مش ممكن تعمل فيا كده...؟!
" سليم " بصلابة.
- طب يا " فريدة " تقدرى تمشى دلوقتى يمكن لما تروحى وتقعدى مع نفسك تقدرى تستوعبى أنى بقيت ملك غيرك وأنك ماعدش ليكى وجود فى حياتى..
فشعرت " فريدة " بخيبة الأمل ومن ثم ركضت إلى الخارج تبكى وتبكى وبشدة على ما أقترفته بحق نفسها ولكنها تشعر بأن هذا جزائها على ما بدر منها بحق زوجها وعائلته بأكملها، تشعر بالوجع من فكرة أبتعادها عنه وزواجه من أخرى ولكنها هى من جلبت كل هذا الوجع لنفسها وبنفسها وذلك بأكمله كان من صنع يديها والآن عليها أن تستحمل عواقب ما أفتعلته من قبل جراء أفعالها المشينة والمخجلة التى أدركتها متأخراً..
*******
وفى المساء أعلى سطح منزل " آل عمران " حيث تقف " صبا " تتابع النجوم فى السماء وفى الهواء الطلق مما أدى إلى تتطاير خصلاتها فى شكلاً أقل ما يقال عنه خاطفاً للأنفاس متنهده بعمق لا تستطيع تصديق كل ما حدث معها خلال الأيام القليلة الماضية، لا تستطيع من الأساس تصديق فكرة أنها أصبحت زوجة لـ " سليم " بعد سنوات وسنوات من الإنتظار والتمنى، فأرجعت خصلاتها إلى الوراء ومن ثم أبتسمت بحب على أثر تذكرها أنها أصبحت زوجة له وأخيراً وإذا بها تجد من يحتضنها من الخلف مسنداً رأسه أعلى كتفيها مردداً بنبرة مسكره.
- حبيبى بيعمل إيه هنا لوحده...؟!
دورت عليكى تحت كتير مالقتكيش و " زينب " قالتلى هلاقيكى هنا..
" صبا " وهى تتحسس بيديها يديه الممسكه بها بكل حب.
- بفكر فى حبيبى..
ثم تابعت بعدم تصديق.
- أنا لحد دلوقتى مش قادره أصدق أنى بقيت مع الراجل الوحيد اللى أتمنيته..
لحد دلوقتى حاسة أنى فى حلم جميل أوى خايفة أصحى منه ومالقكش جمبى..
" سليم " وهو يقبل كتفها بحب ولايزال محتضناً إياها بتملك شديد.
- أحنا الأتنين فى حلم جميل أوى يا " صبا " ووعد منى أننا هنعيش عمرنا كله فى أحلام بنحقهها سوا..
فأستدارت له " صبا " مطوقه بيديه عنقه مردده بحب.
- وعد يا " سليم "..
" سليم " بحب.
- وعد يا قلب وروح وعين " سليم "..
فأحتضنته " صبا " وهى تغمض عيناها مشتمه رائحته معبئه بها رئتيها مردده بنبرة مسكره.
- بحبك..
فشددت " صبا " من أحتضانه وهى تتمايل بداخله مدندنه بحب.
- أنا.. أنا كلى ملكك.. أنا كل حاجه حبيبى فيا بتناديك..
أنا.. أنا مش بحبك... الحب كلمة قليلة بالنسبة ليك..
معاك بضحك وبفرح مابقتش خايفة
إزاى هخاف وأنا بين إيديك..
ساعات بخيالى بسرح..
قبل أما بحلم كل حاجة ألاقيها فيك..
والسنين هتفوت وتمشي منك أنت أنا مش همل..
بوعدك يا حبيبى عمرى شوقى ليك ما في يوم يقل..
هبقى فرحك وقت حزنك فى التعب تلاقينى حضنك..
كل يوم من عمرى ليييييك..
أنا.. أنا كلى ملكك.. أنا كل حاجة حبيبى فيا بتناديك..
أنا.. أنا مش بحبك.. الحب كلمة قليلة بالنسبة ليك..
فحملها " سليم " دائراً بها فى حباً شديداً ومن ثم هتف بعدما أوقفها أمامه ولايزال محتضناً إياها بتملك بعدما وضع قبلة حانية أعلى جبهتها.
- بحبك..
بحبك وماحبتش ولا هحب غير " صبا "..
ثم قضوا الليلة سوياً أعلى سطح المنزل يضحكون ويمزحون تارة ويحبون بعضهم البعض تارة أخرى حتى غفت " صبا " بين أحضانه وهم يجلسون أعلى الأرضية، فهم لم يذوقوا للنوم مذاق منذ أمس، هم وجميع أهل المنزل بأكمله بمناسبة ليلة العيد، وها هى قد غفت بين أحضانه فإبتسم بحب ومن ثم وضع قبلة حانية أعلى جبهتها ثم رفع رأسه للأعلى متمتماً بسعادة لا توصف.
- اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا..
الحمدللّٰه يارب أنك كتبتها ليا وجعلتلى نصيب فيها...! ثم تنهد بسعادة وكأنه قد وصل للتو إلى نهاية مشواره مقبلاً جبهتها مرة أخرى، ومن ثم أسند رأسه على رأسها وهى لاتزال بداخل أحضانه وظل يتابع السماء بسعادة حتى غفى هو الآخر سهواً بعدما قضى وقتاً كبيراً وهو يتأمل السماء تارة ويتأمل محبوبته تارة أخرى..
******************************