الفصل 5 | من 14 فصل

الفصل الخامس

المشاهدات
9
كلمة
1,015
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

رواية حين يعاند القدر الجزء الخامس 5 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة الخامسة مطعم هادي على النيل –عيد جواز راضي وسميحة العشرين كانت الأضواء الخافتة تنعكس على صفحة النيل كنجوم مذابة، والموسيقى الهادئة تهمس في الخلفية كأنها تخشى إزعاج الذكريات. جلسا متقابلين على طاولة وحيدة مزينة بشمعة واحدة، وأمامهما تورتة صغيرة متواضعة يعلوها رقمان من الشمع “20”. عشرون عامًا من الحب والوجع والصبر.

راضي يتأمل ملامحها التي لم تغيرها السنون في عينيه، بل زادتها وقارًا. مد يده وأمسك بكفها، وتحسس تلك الرجفة الخفيفة التي لم تفارقها منذ أول لقاء. “ياه يا سمسم… عشرين سنة”. قالها بصوت مبحوح بالحنين. “حاسسهم إمبارح. فاكرة أول يوم؟ اليوم اللي غير عمري كله؟ ضحكت سميحة بخجل، وضمة خفيفة ظهرت على

وجنتيها كأنها عروس اللحظة: “فاكرة يا راضي. دخلت المحل زي التايه. واقف قدام رف البرفانات ساعة، وكل ما اجي اسألك تقولي لسة بختار. وفي الآخر اشتريت أول إزازة مسكتها”. ضحك راضي: “عشان كنت ببص عليكِ إنتِ. كنت متلخبط… ومرتبك. من أول ما شفتك وأنا *اتشديت ليكِ* يا سمسم. قلبي وقع مني وماعرفتش ألمه تاني. روحت يومها بيتنا وأنا مش أنا”. ربتت سميحة على يده،

وعيناها تلمعان بدموع فرح: “النصيب يا راضي. وبعدها بأسبوع كنت عند أبويا. واتجوزنا… وبقيت إنت كل عيلتي وسندي وضهري. وربنا منّ علينا بشمس اللي جت نورت بيتنا وقلبنا”. هنا غامت عيناها، ومرت سحابة حزن سريعة على ملامحها. أكملت بصوت خافت: “وبعدها… لما ربنا أراد إن ولادك التوأم أجهضهم… وشلت الرحم. اليوم ده كان كسرني وحسيت اني خلاص مليش لازمة بس انت كنت سند وظهر ليا ومحسستنيش ان انا ناقصني حاجة “.

رفعت عينها إليه، عيناها تسألاه سؤالًا عمره عشرون عامًا: “وقرايبك في الصعيد… قالولك تتجوز. قالولك لازم عزوة وولد يشيل اسمك. وإنت رفضت”. هنا ترك راضي كفها، وأحاط وجهها بكفيه. قرب جبينه من جبينها حتى اختلطت أنفاسهما، ولم يبالِ بمن حوله. “اسمعيني يا سميحة… وإسمعي كويس”. همس بصوت لا يسمعه سواهما. “إنتِ مش مراتي… إنتِ عمري كله. إنتِ نفسي اللي بتنفسه. إنتِ عندي بالدنيا دي كلها وما فيها”. قبل جبينها قبلة طويلة،

ثم أردف: “شمس بنتنا، وإنتِ دنيتي. ورضا ربنا علينا. أقسم بالله ما في لحظة ندمت إني اخترتك. ولو رجع بيا الزمن ألف مرة هختارك إنتِ برضه. ربنا ما يحرمني منك”. انهارت حصون سميحة، وبكت وهي تبتسم، ودست وجهها في كفه: “ولا منك يا راضي… ولا منك يا ضهري”. كافيه هادي –عمار وليلى* اختار كافيه بعيدًا عن الزحام، في ركن هادئ تظلله نبتة كبيرة. كانت أشعة شمس العصر تتسلل بخجل من الزجاج، فترسم هالة ذهبية حولها.

جلسا متقابلين. كوبا العصير أمامهما لم يُمسا، وتكثف الماء على جدارهما كأنهما يبكيان توتر اللحظة. ليلى تعبث بطرف منديل ورقي، . عيناها تائهتان بين الأرضية والسقف، في أي مكان عدا عينيه. أما هو… فكان يراقب كل حركة، كل رجفة في أصابعها، كل نفس متقطع يخرج منها. كان يرى الفتاة القوية الآن هشة كالزجاج. قطع الصمت بنبرة خافتة لكنها حاسمة، كمن يلقي حجرًا في بئر ساكن:

“ليلى… أنا مش هلف وأدور، ولا هقول كلام متزوق. أنا عاوز أتجوزك. على سنة الله ورسوله”. شهقت شهقة مكتومة. الكوب كاد يقع من رعشة يدها. رفعت عينها إليه بفزع، ثم هزت رأسها نفيًا مرات متتالية ودموعها تسبقها: “بلاش يا عمار… أبوس إيدك بلاش. مش عاوزة أبقى شؤم عليك. مش عاوزاك تتأذي بسببي”. اقترب عمار بجسده قليلًا، وعقد حاجبيه: “شؤم؟! إيه الكلام الفارغ ده يا ليلى؟ مين سمم دماغك بالكلام ده؟

ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوتها خرج مكسورًا، مجروحًا، كأنه يأتي من بئر سحيق: “أنا… أنا كنت مكتوب كتابي. فستاني كان متعلق، ويوم الحنة . هو… هو كان جايلي البيت. عمل حادثة على الطريق ومات… مات قبل فرحنا بيوم”. نزلت دموعها أخيرًا بلا توقف. “من يومها يا عمار… كلهم قالوا عليا وحشة. شؤم. إن أي بيت أدخله هيتخرب. غطت وجهها بكفيها: “أنا قافلة الباب ده بضبة ومفتاح. مش عاوزة أبقى سبب في موت حد تاني… مش عاوزاك إنت”.

لحظة صمت. لحظة واحدة سمع فيها عمار صوت تحطم قلبها. لم يتردد. مد يده عبر الطاولة، وأبعد كفيها عن وجهها بالقوة. أمسك وجهها بين يديه، وأجبرها أن تنظر إليه. كانت عيناه تتقدان بغضب… ليس منها، بل من أجلها. “ليلى… بُصيلي كويس”. أمرها بصوت أجش. “الكلام ده تخاريف. كلام ناس جهلة قلوبها سودا. هو مات عشان يومه جه. عمره خلص. الأعمار بيد الله… وحده لا شريك له”.

مسح دموعها بإبهاميه، وكأنه يمحو سنوات الألم. “مفيش بني آدم شؤم، ولا بيجيب موت. ده قدر. وكل حاجة بأمر ربنا”. ضغط على كفيها اللتين أصبحتا بين يديه: “عيشي حياتك يا ليلى… وإنسي اللي فات. اللي فات مات واندفن. وإنتِ لسة هنا… لسة نفسك طالع نازل. ومن حقك تعيشي، ومن حقك تتحبي، ومن حقك تفرحي وتضحكي من قلبك”. كانت تشهق، غير قادرة على الرد. فأكمل همسًا،

كأنه يبوح بسر الكون: “وأنا… أنا بحبك يا ليلى. بحبك من أول ما عيني شافتك يوم القهوة. من اول ما شوفت عيونك سحرتيني . حبيتك وإنتِ معاندة، وإنتِ قوية. شهقت مرة أخرى، لكن هذه المرة شهقة مختلفة. احمر وجهها بالكامل. احمرار كسى وجنتيها . سحبت يديها منه كالملسوعة، وخبأت وجهها بكفيها. “عمار…” تمتمت من بين أصابعها، وخجل الدنيا كله في صوتها.

ضحك هو ضحكة قصيرة، مرتاحة. ضحكة رجل ألقى حمله أخيرًا. “مش عاوز رد دلوقتي يا ست البنات. خدي وقتك كله. بس شيلي من دماغك كلمة شؤم دي. إنتِ مش شؤم… إنتِ الخير كله. إنتِ الخير اللي قلبي كان مستنيه من سنيين —* نتيجة شمس* كان البيت كله على أعصابه. سميحة ماسكة المصحف وبتقرا، وراضي رايح جاي في الصالة زي اللي قاعد على نار. شمس قاعدة قدام اللاب توب، إيديها بتترعش وهي بتدخل رقم الجلوس.

“يابت اخلصي… هتجيبي لأبوكي جلطة”. قالها راضي وهو بيحاول يضحك. “استنى يا بابا… استنى”. صرخت شمس وعينها على الشاشة. لحظة صمت… وبعدين الصرخة%90.!!!!! يا ماما… يا باباااااا”. شمس نطت من على الكرسي وهي بتصوت من الفرحة. سميحة زغرطت لحد ما العمارة كلها سمعت، وراضي جري عليها شالها ولف بيها وهو بيكبر. “بنت أبوكي يا شمس… بنت أبوكي. المهندسة شمس”. قالها وهو دموعه نازلة غصب عنه. ليلى كانت واقفة

على الباب بتعيط من الفرحة: “قولتلك هتجيبيها يا شمس. قولتلك إنك قدها”. شمس جريت حضنت ليلي: “عشان دعواتكم يا لولي… عشان إنتوا في ضهري”. البيت كله اتقلب زغاريد، والجيران بدأوا يطلعوا يباركوا. راضي في وسط الزحمة مسك إيد سميحة وباسها: “شفتي يا سمسم؟ ربنا عوضنا. عوض صبرنا كله في البنت دي” سابتهم ليلي ونزلت علشان 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ يوم واحد 0 6 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...