اجتمعت سهر مع والديها حول سفرة الطعام في المنزل تجيب والدتها
((نعم يا أمي ستتزوج شيرين قريبًا، ولكن بدون أن تقيم أي احتفال بسبب حداد العريس على ابن عمه))
همهمت تمارا وهي ترفع الشوكة وتمضغ قطعة اللحم بهدوء.. وبجرد أن انتهت حتى قالت بفضول
((هل حقًا يعمل رائدا؟ متى تعرفت عليه وطلبها للزواج فجأة؟))
أجابتها سهر بنبرة عادية
((نعم أمي إنه رائد رأيته عدة مرات في السابق عندما كان يزور منزل والدها، إنه من القرية التي كانت تسكن فيها في الماضي.. قرية أمها))
بدأ العبوس يتسلل لملامح تمارا فقالت بغبطة
((أوه حقًا؟ هذا جميل، صديقتك فجأة خُطِبت وستتزوج ونحن لا زلنا بانتظار الأستاذ خطيبك حتى يدفع المهر المكتوب بالعقد، ويبتاع فيلا زوجية، ويقيم زفافًا أسطوريًا يليق بكِ))
وضعت سهر شوكتها فوق الطاولة وشبّكت أناملها ببعضهما بارتباك تحاول استعادة رباطة جأشها ثم قالت
((أمي بخصوص هذا الأمر.. أعني.. ألا تعتقدين أن متطلباتك المالية تثقل كاهل قصي وسبب تأخير زواجنا؟))
غطت تمارا عينيها بكفها وهي تطرق برأسها بغضب منبعه الحقيقي شدة التوتر المسيطر عليها بسبب هذا الموضوع.. ولا ينقصها دفاع ابنتها عنه الآن.. ثم عادت ترفع وجهها هامسة من بين أسنانها كأن من أمامها عسيرة الفهم
((أيتها الغبية شخص استطاع شراء ساعة اليد الماسية هذه لي كهدية بلا مناسبة فهل سيكون عاجزًا عن دفع مهر عالي لكِ؟))
قالت سهر متذمرة بحنق
((ولكن يا أمي رغم ذلك لا ينبغي أن تكوني أسيرةً وضحيَّةً للمادة، فأنا لا أبيع نفسي لرجلٍ حتى أغالي في مهري ومتطلباتي، إنما أبحث عن شراكة حقيقيةٍ))
زجرتها والدتها بانزعاج وهي تلوح بيدها أمامها
((أيتها الغبية أنا أضمن لكِ حقك بحياة مرفهة لا تختلف عن حياتك الآن معنا بل تزيد))
علا صوت سهر بإدراك جاد غاضب
((بل تريدين التفاخر والتباهي أمام صديقاتك من المجتمع الراقي))
قالت تمارا بلامبالاة
((نعم، هذا سبب آخر))
خرجت تنهيدة عميقة من فايد والد سهر الذي قرر التدخل أخيرًا والتفت لزوجته يقول بروية وحكمة
((ابنتك محقة يا تمارا، حتى لا تخسري هذا الرجل مستقبلًا تتنازلي عن بعض حظِّ ابنتك وخففي من مهرها، ومتطلباتك المالية الخيالية فيما يخص الزفاف والشقة في سبيل إعانته والوقوف معه، لا تثقلي عليه فيكون في نفسه شيءٌ فيما بعد عليكِ))
تاهت الكلمات على لسان تمارا وهي ترى زوجها وابنتها يهاجمانها فقالت ذاهلة لزوجها
((فايد خطيب ابنتك يرأس الشركة التي تمتلكها عائلته خارج البلاد.. لقد عينت بنفسك مخبر يتفقد حاله.. إنه ثري ولا مشكلة معه في طلباتي المالية، والدليل هي تلك الهدايا التي يغدقها علينا باستمرار والتي تساوي ثروة صغيرة!))
تكدّرت ملامح والد سهر ولم يعرف كيف يرد أو يفسر أمورا لا تعلمها زوجته أو ابنته..
أما سهر فصمتت تهز رأسها بيأس من أمها وقد فقدت الأمل منها فهي لن تغير فجأة أفكارها التي اعتنقتها منذ عقود.. ضغطت على جبهتها لدقائق ثم عادت تمضغ طعامها بدون شهية..
بينما لم تُرِد تمارا أن تعارض زوجها كثيرًا خاصة وهي تعرف بمرضه مؤخرًا الذي يخص كبده المنهك.. فأطلقت عدة أنفاس كانت تجيش صدرها..
هي لا أنها لن تتحمل فقدان صهر كقصي فهو شاب جذاب يحافظ على قواعد الإتيكيت والأخلاق.. لديه توازن مثالي بين كونه شخص يجيد الغزل وفي نفس الوقت محترم.. يعلم متى يعلق بطريقة مرحة ومتى يعبر عن حكمته.. ولطيف في كل الأحوال.. ولكن هناك أمور هي غير راضية عنها فيها.. فهو لم يحضر والديه أو جاهة في الخطبة وادّعى بأنهما لا يستطيعان العودة للبلاد.. وحتى الآن لم يستطع تحديد موعد الزفاف لأنه لم يوفر أي شيء من شروطها وطلباتها..
وهنا اجتذبت ذاكرة تمارا إلى أول يوم تعرفت فيه على قصي.. قبل سنتين..
كانت آنذاك قد انتهت هي وابنتها سهر من التسوق بينما يغمرها الندم لإنفاقها مبالغ مالية كبيرة على منتجات غير قيّمة.. فقد تجاوزت الخمسين من عمرها بسنوات وما تزال غارقة في حبها للتسوق وتشتري أي شيء بمجرد أن يقع بصرها عليه، ولكن ما حيلتها والتسوق إدمانها فلا تشعر إلا من خلاله بالمتعة والسعادة التي تشبه حالة النشوة التي يشعر بها مدمني المخدرات! ولم تجد أفضل طريقة للانتقام من ذاتها ووخز ضميرها للندم على إنفاقها هذه المبالغ إلا أن تذهب لمعرض المجوهرات.. فأمرت السائق هادرة
((أوقف السيارة أمام متجر المجوهرات الفخم مقابل النادي الذي اذهب له أنا وسهر بشكل منتظم لملاقاة صديقاتنا من الطبقة الراقية))
ناظرت سهر والدتها بإحباط
((أوه لا أمي..))
ردت تمارا بإصرار
((أوه نعم هيا اتبعيني))
تمتمت سهر بحنق وأمها تترجل من السيارة
((ستنزلين لذلك المتجر لمعاقبة نفسك على هوسك الأنثوي في التسوق، ولكن ما ذنبي أنا!))
تطلعت لها هامسة بامتعاض
((أنتِ ابنتي، وأنا بحاجة لمؤازرتك بينما أرى ساعة الألماس تلك التي أحلم منذ سنة بامتلاكها دون أن أستطيع ادِّخار المبلغ المطلوب لها! أكاد أقسم بأني لم أرَ ساعة مرصعة بكمية ألماس أكثر منها في حياتي قط))
أطلقت سهر تنهيدة قبل أن تقول لأمها
((أقسم يا أمي لو توقفتِ لسنة.. فقط لسنة عن التسوق تمامًا لكنتِ استطعتِ شراء هذه الساعة))
ثم بترت سهر كلامها عند باب متجر محل المجوهرات وهي تخبرها
((سأذهب لشراء بعض المرطبات حتى تنتهي من تحديقك الروتيني بها))
وضعت سهر يديها في جيبي سترتها وتركت أمها تدلف المتجر وحيدة.. وهناك وبمجرد أن رأى الموظف الذي يحفظ شكل تمارا حتى اقترب منها ليلقي التحية عليها بتهذيب ثم اعتذر فعقدت تمارا حاجبيها تسأله
((لماذا تتأسف؟))
قال الموظف بابتسامة عملية مهذبة
((أنتِ زبونة وعميلة مهمة وقديمة لمتجرنا بالتأكيد، وتم وضع هذه الساعة في هذه الزاوية حتى تستطيعين التحديق بها براحتك في كل مرة تأتين إلى متجرنا، لكن وللأسف فلم يعد متاحًا لكِ فعل هذا بعد اليوم، لقد بيعت))
ظهرت الصدمة على ملامح تمارا وهي تقول
((ماذا؟ تم بيعها! ولكن من اشتراها!))
وفي خضم ذهول تمارا حانت نظرة منها لشاب يرتدي حِلة بيضاء ويقف أمام موظف آخر للمتجر من خلف الرخام بينما يخبره
((مبارك يا سيد قصي الساعة الألماسية))
وبالفعل فتح الموظف الزجاج ليلتقط بحذر الساعة المرصعة بالألماس ثم وضعها داخل العلبة المخملية وسلمها لذاك المدعو قصي الذي استدار لتتبين تقاسيم وجهه لتمارا.. وبدا لها شابًا وسيمًا في آخر العشرين من عمره أو في بداية الثلاثين على أكبر تقدير.. فجاءتها الجرأة لتقترب منه تسأله بعفوية وغرابة أطوار لا تتناسب مع وقار امرأة في سنها
((إذن أنتَ من اشتريت هذه الساعة الفاخرة يا سيد قصي! ولكنها ساعة نسائية! هل أنتَ من هؤلاء الذي يشترون الألماس بهدف الاستثمار وتحقيق أرباح عالية، أم اشتريتها لتستحوذ عليها بهدف الاقتناء وحسب! فكما تعلم الساعة التي ابتعتها فيها كمية كبيرة حقًا من الماس))
بدت الصدمة المصطنعة ظاهرة على قصي من رؤيتها أمامه وكأنه لم يتوقع وجودها فتخشب مكانه للحظات قبل أن يرسم ابتسامة قائلًا بنبرة مرحة
((المبلغ الذي دفعته لا شيء، فهذا هو أسلوبي في الحياة، أما عن هذه الساعة الفاخرة فقد اشتريتها كهدية من أجل سيدة مميزة وذات ذوق رفيع))
رفعت تمارا حاجبيها تقول بهدوء وتعجب
((هدية! وضعت مبلغ باهظ من أجل هدية! لا بد أنها سيدة مميزة جدًّا بحياتك لتستثمر فيها مبلغًا كهذا))
قاطع حديثهما أحد الموظفين الذي اقترب منهما عارضًا خدمة متاحة للعملاء المهمين للغاية
((هل نرسل حرسًا أمنيًّا من متجرنا مع حضرتك يا سيد قصي لإيصالك للمكان الذي تبغيه برفقة الساعة درءً لعدم تعرضك لأي حالة سرقة لا سمح الله؟))
رد قصي عليه بلطف
((لا.. لا داعي.. حارسي الشخصي يقود سيارتي))
ثم ناظرها قصي يلقي عليها الوداع قبل أن يغادر المحل، فما إن تخطى عتبته حتى صدح هتاف سهر شاهقة
((أوه.. انتبه يا هذا))
سارعت تمارا خطواتها للخارج بلهفة وقلق لترى سهر تغمغم بعصبية وهي تمسك قميصها الملطخ بالعصير في حين قصي يقف أمامها يعتذر بقلق وأسف شديد
((أنا آسف يا أنسة.. آسف جدًّا.. لم أقصد الاصطدام بكِ وسكب كأس العصير الذي تمسكينه عليكِ))
قالت سهر متذمرة بحنق شديد وهي تشير لقميصها الملطخ
((يا إلهي! كيف سأذهب الآن إلى النادي بهذا المنظر!))
هتف قصي كمن كان ينتهز فرصة كان بانتظارها
((هناك محال تجاري مخصص للملابس، أرجوكِ رافقيني وانتقي ملابس أخرى تناسبك عوضًا عن هذه التي أفسدتها يا أنسة))
رفعت سهر وجهها له بحيرة ثم قالت بابتسامة مرتبكة وهي تتطلع للمتاجر العديدة في هذا الشارع
((أوه نعم هناك العديد منها، سأذهب إلى إحداها الآن مع أمي، لا داعي لمرافقتي))
أرخي قصي ربطة عنقه بتوتر وقال مُلِحًا
((أرجوكِ يا أنسة أنا مُصِر أن أرافقك لأدفع ثمن الملابس التي ستشترينها))
قالت سهر بإحراج واستحياء وهي تسترق النظر لوالدتها التي كانت تتابع الموقف باهتمام
((لا أظن بأنه من اللائق أن ترافقني))
رفع قصي يديه يفرك رقبته كأنه متردد في الشيء الذي يريد قوله لكن قاطعته سهر بشيء من الحزم
((صدقني لا بأس، لم يكن اصطدامك متعمدًا بي، يمكنك الذهاب بدون أن تشعر بأي ذنب تجاهي))
وقبل أن تستدير سهر متوجهة نحو أمها سألها بصوتٍ خافت
((يا أنسة.. يا أنسة هل يمكن أن تعطيني رقم هاتفك؟))
تخضب وجه قصي بحمرة الخجل ونكّس وجهه أرضًا عندما نظرت له من فوق كتفها بعدوانية تسأله
((ماذا تريد من رقم هاتفي؟))
ازدرد قصي ريقه ثم تلعثم
((أنا.. أقصد.. أريد أن.. اقصد أني مُصِر على دفع ثمن الملابس التي ستشترينها لذا أنا بحاجة أن..))
فجأة ومن حيث لم تشعر وجدت سهر أمها تشبك يدها بيدها وتقول لها بابتسامة مدروسة ونظرها مصوب تجاه قصي
((إنه يبدو شابًا مهذبًا ومُصِر على إصلاح خطئه فلماذا لا تسمحين له بتعويضك يا سهر؟))
تطلعت سهر لأمها متسعة العينين إلا أنها لم تعرها انتباها بل مدت راحة يدها لقصي تقول
((هات هاتفك يا سيد قصي))
رفرفت سهر بعينيها وهي تشتت نظرها بين الرجل مقابلها وأمها لتغمغم بتعجب وهي تشير بسبابتها إليه
((هل تعرفينه يا أمي؟))
ابتسامة لطيفة حرجة ارتسمت على وجه قصي وهو يخرج هاتفه على الفور ويفتحه ثم يعطيه لوالدة سهر بلباقة.. فتناولته تمارا وضغطت على أرقامه لتعيده له قائلة
((لقد دونت رقم هاتفي هنا، يمكنك التواصل متى ما شئت للتحدث عن خطئك الغير مقصود بحق ابنتي الجميلة سهر))
شعر قصي بخيبة أمل من حصوله على رقمها هي بدلا من ابنتها سهر.. إلا أنه قال لها مجاملًا برقي وتهذيب
((أشكرك يا سيدة.. رافقتك السلامة))
تحرك قصي مبتعدًا ونظره لا زال مصوبًا بسحر نحو سهر التي كانت لا تكاد تستوعب شيء مِمَّا حدث..
بمجرد أن استقل قصي سيارته حتى سارعت سهر تحدث أمها ممتعضة
((هل يمكن أن تشرحي لي ما حدث قبل قليل؟))
هزّت والدتها كتفيها وأجابتها وهي تسير بخطوات متمهلة للأمام نحو النادي
((مظهره ينم عن شخص فاحش الثراء ومن عائلة ذات صيت فضلًا عن أنه شديد الوسامة، فما المانع من أخذ رقمه؟ ألم يعجبك؟))
رمقت سهر والدتها بازدراء وهي تغمغم من تحت أسنانها
((تتحدثين يا أمي وكأنكِ تنتقين نوعًا من الفاكهة من السوق))
وتكرر بعدها موقف آخر بأسبوع عندما خرجت تمارا من النادي وتفاجأت بسائقهم الذي وصل لهم بأن هناك عطل في السيارة سيمنعه من إكمال قيادتها.. حينها ومن حيث لا تدري ظهر قصي من العدم يتطلع لسائق سيارتهم ويسألهم وهو يقف أمامهم بطوله الفارع ووجهه الوسيم
((مرحبًا يا سيدة تمارا، هل تواجهون أي مشكلة بالسيارة؟))
لف الذهول ملامح تمارا وانفرجت أساريرها لتقول
((سيد قصي! كيف حالك ها قد التقينا مجددًا))
التفت قصي ينظر لسهر بطريقة أربكتها وجعلتها لا تعرف التصرف ولا الرد عليه عندما سألها عن حالها.. فتدخلت تمارا تقول مصطنعة الحزن
((سيارتنا لم تعد تعمل، يقول السائق بأن البطارية على الأغلب قد فرغت.. كيف سنعود للمنزل وقد قاربت الشمس على الغروب! هل نطلب سيارة أجرة يا سهر؟))
حينها تطوع قصي بشهامة رجل نبيل
((هل تسمحين لي يا سيدة تمارا بإلقاء نظرة عليها؟))
أومأت له تمارا بتقرير ففتح قصي باب السيارة ودلف للداخل وكانت أقل من دقيقة حتى بدأت السيارة تعمل فتعجب السائق قائلًا بدهشة بالغة
((ماذا فعلت بها يا سيد؟ كيف استطعت أن تجعلها تعمل؟))
التفت قصي بابتسامته الجذابة يقول بمزاح مشوب باللباقة
((إنه سر لن أفشيه))
اقتربت تمارا منه منبهرة لتقول
((لم تتح لي الفرصة حتى الآن أن أسألك يا سيد قصي عن مجال عملك؟))
فهم قصي بأن سؤالها هو الصيغة المؤدبة للسؤال الشهير الأخر "كم تجني من عملك؟".. فسعل يجلي صوته ثم أظهر واجهة اللامبالاة وهو يجيب ببطء وتروي يساعده على الاختلاق
((عملي ممل.. يتعلق بالإنترنت والإلكترونيات.. أدير شركة العائلة بنفسي.. وأيضًا..))
كان لا زال بريق الانبهار يشع من عيني تمارا وهي تسأله
((ما هو اسم هذه الشركة؟))
ازدرد ريقه الوهمي مرة أخرى ليقول مبتسمًا بشيء من الارتباك
((إنها في الخارج ولكن أديرها من هنا، ربما أحدثك عنها في وقتٍ لاحق))
رحبت تمارا بفكرة لقاء أخر بينهما للتعرف على قصي ثم شكرته وهي تستقل السيارة مع ابنتها..
بدأ السائق يقود ومرت دقائق على انطلاقه عندما علا رنين هاتف تمارا فأجابت فورا على المتصل
((مرحبًا قصي؟ هل هناك شيء؟))
((أردت فقط أن أتأكد من أن السائق لا يواجه أي مشكلة في القيادة))
تطلعت تمارا لسهر المتجهمة بنظرة مغترة لها معنى ثم أجابت على الهاتف
((لا نواجه أي مشاكل يا سيد قصي، وكل الشكر لكَ فما رأيك أن تأتي لمنزلنا في مساء اليوم لتقابل زوجي ويشكرك على صنيع معروفك؟))
بدا قصي وأنه كان بانتظار هذه الدعوة منها فلباها على الفور.. وفي نفس ليلة هذا اليوم كان في استقبال والد السهر الذي جلس معه مطولًا يتجاذب أطراف الحديث.. وقد حاول قصي حينها أن يثير إعجابه بكل إنجازاته ونجاحاته.. فبدأ بذكر أسماء معارفه، وأخبره كم يعرف الكثير من المشاهير ورجال الأعمال في البلاد.. وعن سياراته وولعه فيهم..
ولم تنكر سهر أنها في هذه الجلسة بالذات شعرت بشيء تجاه قصي بل كانت مشدوهة له وهي تراه يسترق النظر لها بين الفنية والأخرى بنظرات تخترقها وتأسرها تمامًا..
عادت تمارا للواقع وبريق ساعتها المرصعة بالألماس لا زال يخطف أنفاسها وكأنها تراها لأول مرة.. لا يمكن أن تشرح كيف كان شعورها عندما اكتشفت في ذاك اليوم أن قصي جلب هذه لها لتكون هدية مميزة لها في نفس يوم عقد قرانه على ابنتها سهر!
=============================
عند شروق الشمس.. خرجت الحاجة زاهية في حديقة منزلهم تسرح فيها وتذكر اسم الله لا يرافقها شيء سوى صوت الطبيعة بينما تتأمل يقظتها ومجيء الصبح..
لطالما كان للصباح جمال جذاب بالنسبة لها ففيه تتجانس أنغام الطيور مع رائحة القطرات الندية فيجدد ما في نفسها من أمل وتفاؤل..
تناهى إلى سمعها فتح بوابة منزلهم الحديدية لتعرف أنه مُصعب.. فهو الوحيد من يدلف للمنزل في هكذا وقت تبعًا لطبيعة عمله في المشفى..
على مهل طالعته وهو يتقدم منها ويلقي السلام عليها لترده عليه قبل أن تسأله
((أين كنتَ يا مُصعب؟))
صوّب مُصعب عينيه في عيني والدته ليرى قلقًا عظيمًا رغم ملامحها الصارمة وتعابيرها الحازمة.. فاقترب منها يخبرها بابتسامة مطمئنة رغم انطفاء عينيه
((لا تقلقي أنا بخير))
أشفق قلبها على حاله رغم ابتسامته ليتلاشى حنقها الأمومي من غيابه ثم أخبرته بحب متفشي في صوتها
((والدك مستيقظ يقرأ وِرده اليومي وأخبرني إذا ما جئت الآن أن تأتي إليه))
مال مصعب لأمه أكثر يلثم جبينها قبل أن يغادر منصرفا فتمتمت له داعية بهدوء البال..
.
.
طرق مُصعب الباب وأذن له والده في الدخول.. ألقى السلام وتقدم ليجلس بجانبه مباشرة.. عم صمت ثقيل بينهما لدقائق قبل أن يبتسم الحاج يعقوب بشجون وهو يناظره هادرًا
((كيف حالك يا بني؟))
أجابه مصعب بصوتٍ خافت وبهدوء مألوف فيه
((الحمد لله بألف خير))
تمتم يعقوب بكلمات الحمد هو الآخر.. ثم عاد يسأله بصوتِ الرخيم
((هل شعرت بالظلم عندما طلبنا منك أن تتزوج قريبة من قتل ابن عمك يحيى؟))
لف الذهول وجه مُصعب كردة فعل على كلام والده الذي سري في مسامعه وتطلع له بانشداه لدقيقة.. إلا أنه أجابه بعد ذلك بصدق وعيناه تنطقان كلماته معه
((لا يا أبي.. لو كان يحيى رحمه الله على قيد الحياة لكان هو الآخر طلب أن يتم هذا الزواج حتى لا تراق الدماء ويقع بريء آخر لا ذنب له ضحية الثأر))
أخذ يعقوب يحدِّق في ملامح ابنه بنظرة عميقة غريبة بعض الشيء.. وكأنه يستكشف شيئًا ما.. ثم هزّ رأسه برضا.. مدمدمًا له
((وهذه كانت فكرتنا أنا ومعاذ وكل من وافقنا من الوجهاء، رغم رفضي في البداية اختيارك أنتَ لتتزوجها، إلا أني لاحقًا اقتنعت بكَ أنتَ دونًا عن الباقي لعلمي بأنكَ خير من سترعى تلك الفتاة التي لا ذنب لها بما فعله أحد أبناء أقارب والدها.. أنتَ لن تظلمها حتى لو لم تحبها))
كان في مضمون كلام يعقوب رجاء من ابنه أن يؤكد كلامه.. فجاءه الرد منه بصدق يلفه الحزن
((لا تقلق يا أبتي))
أمسكت يد يعقوب كف ابنه ليقول دون أن تحيد عينيه عنه
((أنا أثق بكَ يا مُصعب.. عندما اقترحنا أن يتم الصلح عن طريق الفصيلة، كنا نريده زواج فصيلة بالاسم فقط، فلا إنسان في هذا العالم يستحق أن تُهان كرامته))
تطلع مُصعب طويلا في أبيه.. صوته الوقور.. هيبة نظراته التي تضاعفت مع السنوات.. ثم شدّ على يده في إشارة ألا يقلق أبدًا.. فرقّت ملامح والده باطمئنان.. ثم عاد يسأله باهتمام وقد تجلّت على ملامحه تلك الابتسامة الخاصة بمشاعره الأبوية وهو يمسك دلّة القهوة ويسكب منها في فنجان فارغ
((أين كنتَ في الأيام السابقة يا مُصعب؟))
أجابه وهو يلتقط منه فنجان القهوة
((كنت أنام في المشفى! أما في الأمس نمت في أرضنا البعيدة كما كنت معتاد أن أفعل مع يحيى رحمه الله وبعض الأصدقاء))
قال أبيه بصوتٍ شجي مثقل بالشوق
((رحمه الله.. بعد أن أسعد الناس بروحه المرحة وشخصيته المحبوبة وقلبه الطيب رحل عن هذه الدنيا في عز شبابه غدرًا تاركًا أثره الطيب فينا جميعًا.. ادعُ له يا مُصعب دائمًا فقريبًا يأتي دور كل واحد فينا))
تمتم مُصعب داعيًا وصوته يحمل بين أوتاره الرقيقة بعض الشجن
((لقد ترك مكانًا لن يملئه أحد فاغفر له يا ﷲ واجزِه عن الإحسان إحسانًا واملأ قبره بالرضا والنور والسرور))
ارتشف مُصعب قليلًا من فنجان القهوة واستمر الحوار الدافئ بينهما لدقائق بأريحية.. قبل أن يخبره والده برقة
((اصعد لجناحك ونل قسطًا من الراحة، تبدو متعبًا يا بني))
.
.
في جناحه..
غيّر ملابسه ثم تمدد على السرير بجانب نورين التي كانت مستغرقة في نومها.. لم يمضِ الكثير من الوقت قبل أن يشعر بها تقترب منه وتلفه بيديها..
دفت وجهها في عنقه فجفل لوهلة والتفت لها متجهمًا ظنًّا منه أنها تزيف نومها!
تنفست عطره الرجولي المألوف لها متلذذة به بتأوه مهلك لرجولته رغم نفوره منها الذي لم يفارقه حتى الآن.. بالكاد تماسك وهو يهزها ويبعدها قائلًا بحزم
((نورين لا تدّعي النوم وابتعدي عني.. نورين.. نورين))
تراخت ذراعيها الملفوفتين حوله وفتحت عينيها المغمضتين تدريجيًا وهي تتمتم بصوتٍ ناعس أجش
((ما.. ماذا يحدث؟ ما بكَ؟))
ثم سرعان ما جحظت عينيها على اتساعها شاهقة وهي تحرره وتبتعد للخلف.. لتسأله بصوتها الناعس المشوب بالدهشة
((متى جئت يا مُصعب؟))
أجابها بنبرة اعتيادية
((قبل دقائق))
وبدون أن يعي ابتسمت شفتاه لعينيها قائلًا
((لقد ارتحت منكِ في الأيام السابقة.. حقًا))
لم ترد على مزاحه الثقيل.. ولم يرَ ابتسامتها في عينيها بل كان هناك تعبير دفين فيهما.. أقرب للحزن.. مما جعله يهمس سائلًا بقلق
((هل حدث شيء أثناء غيابي يا نورين؟))
أومأت برأسها نافية.. ثم نكّست رأسها.. فمد يده يمسك بذقنها ليرفعه وهو ينظر لعينيها سائلًا بصوتٍ خفيض خشن
((هل أزعجتك زوجة أخي؟ أو ربما إحدى العاملين هنا؟))
لم ترد عليه بل سرحت تحدق به بدهشة غريبة في عينيه المتجهمتين.. قبل أن ترسم أخيرًا ابتسامة باهتة دون أن ينحسر تعبير الحزن عن عينيها
((هذه أول مرة تسألني عن حالي أو شيء يتعلق))
ضاقت عيناه وهو يرمقها بنظرة تهديد لتضحك بخفوت قبل أن تسعل قليلًا.. فازداد انعقاد حاجبيه قلقًا لإرهاقها الواضح وسألها بنبرة جدية
((أخبريني الحقيقة.. ماذا حدث لكِ؟ هل أنتِ مريضة؟ وجهك شاحب يا نورين))
حافظت على ابتسامتها لكن لف نبراتها نفس الحزن الموجود في عينيها بينما تجيبه بصراحة
((لست مريضة، لكن مررت بوقت عصيب أثناء غيابك الأيام الماضية، شعرت باتهامات غير منطوقة من قِبَل الجميع بأني سبب تركك البيت لأيام.. حتى وزنك علَّقوا عليه وقالوا بأنكَ فقدت الكثير من الكيلوغرامات منذ زواجك بي))
زفر بضيق ثم أسند جسده لظهر السرير وهو يقول
((أنا بطبيعتي لا أحب الأكل كثيرًا وشهيتي دائمًا ضعيفة.. وزاد الأمر منذ وفاة ابن عمي تزامنًا مع زواجي منكِ))
راحة عجيبة تسللت إلى قلبها وروحها لسماعها إجابته التي بدت منطقية دون مجاملة كما توقعت هي تماما..
ترددت إلا أنها مدت يدها تمسك كتفه وهي تسأله بحماس
((إذن دعني أحضر لكَ الطعام الآن.. سأجلب لكَ فطورًا خفيفًا ولذيذًا ومن الأطباق التي تحبها))
اتسعت عيناه صدمة منها وهو يقول متعجبًا
((هل أنتِ مجنونة؟ بالكاد طلعت الشمس))
ثم تغضن جبينه وهو يسترسل بنزق
((أنا أشعر بالنعاس وأريد النوم))
عبست وقربت وجهها منه ترجوه بصوتٍ متوسل
((أرجوك دعني أحضر لكَ شيئًا سريعًا.. صدقني أنا صرت أحفظ ما تحب وما تكره من مراقبتي لكَ في المرات القليلة التي كنت تأكل فيها في البيت))
قلّب مُصعب عينيه للأعلى ثم زفر بسأم وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة كمن يعيش وقتًا عصيبًا بسببها..
إلا أنها عقدت حاجبيها عابسة ثم ألحت في رجائها هادرة
((أرجوك يا مُصعب.. فقط شيء خفيف.. أريد أن أغديك جيدًا حتى يتوقفوا عن سوء ظنونهم بي))
ضيّق عينيه يقول متهكمًا
((تتحدثين وكأنني فرخة تريدين حشوها قبل وضعها بالفرن))
اتسعتا عيناها ورفعت يديها تلوح أمامه نافية
((ماذا! لا أبدًا لم أقصد.. أنا فقط..))
رفع مُصعب يديه يمسح وجهه المنهك ثم قال مستسلمًا على مضض
((فقط اذهبي واحضري أي شيء لأكله))
انفرجت أساريرها وهي تقول وعيناها تشعان بوميض المنتصرين
((حقًا؟ هل أذهب لصنع الطعام لك؟))
تمتم من بين أسنانه بغيظ مصبوغ بالحنان
((لا تتأخري حتى لا أغير رأيي فأنا أكاد أموت تعبًا وأريد النوم حالًا))
انتفضت واقفة على الفور وتوجهت للمطبخ تصنع الفطور ثم وضعته أمامه ليتناول منه بقدر ما يستطاع تحت أنظارها المراقبة له حتى لا تحتج.. أخيرا أمسك المنديل يمسح يديه مغمغمًا
((الحمدالله، لقد شبعت.. هل أنتِ راضية؟))
هزت رأسها تقول بسعادة
((نعم.. راضية جدًّا حتى نسيت كل ما مررت به الآن))
غمغم مستنتجًا
((هذا جيد.. أنتِ سهلة المنال والإرضاء حقًا يا نور، لا أسهل من مصالحتك))
بدأت توظب الأطباق فوق المنضدة الصغيرة وتضعها فوق الصينية وهي تقول بشرود جميل
((معكَ حق.. أنا أبالغ في فرحي حتى في أبسط الأشياء في الحياة.. ربما لأني أريد أن أثأر من الأيام التي خذلتني ومن المرار الذي عشته))
حملت الصينية واعتدلت واقفة لتزمّ شفتيها فجأة بعبوس كمن تنبهت الآن لما قاله، فالتفتت تنظر له من فوق كتفها قائلة
((بالمناسبة لا تختصر اسمي.. أنا نورين لا نور.. إذا كان لا بد من الاختصار فناديني "ين" ولا تقل "نور"))
ثم غادرت الجناح متجهة نحو المطبخ في حين هو عاد يتمدد فوق سريره وثغره يرسم شبح ابتسامة متهكمة على طفولية حديثها.. إلا أنه كان من الجيد تحولها خلال دقائق إلى تلك العفريتة ذات النشاط والعافية والممتلئة بطاقة لا تنضب بعيدًا عن الضعف والبؤس الذي كان يلفها قبل قليل..
شعر بعودتها ثم بقيامها بإغلاق الستائر حتى لا تدخل أشعة الشمس وتؤرق عليه مضجعه..
وما إن تمددت تحت الغطاء حتى أمرها محذرًا قبل حتى أن تفكر بالاقتراب منه
((أريد أن آخذ راحتي في النوم يا نورين))
تنهدت في إشارة منها لتلبية رغبته.. ثم خرجت ضحكة خافتة منها وهي تطالع ظهره الذي يعطيه لها أثناء تمدده..
وعندما لم يستدير لها ولم يسألها عن سبب ضحكتها صاعدت من ضحكتها الشقية تستفزه فأغمض عنينيه يكظم غيظه قبل أن يريحها ويسألها أخيرا
((لماذا تضحكين؟))
قالت بصوتٍ منتشي من السعادة
((حرصك على رضاي وراحتي رغم أنكَ لم تخطئ من الأساس بحقي ولطفك معي يجعلني أظن بل أتأكد بأنكَ تحمل مشاعر لي مثلما أفعل أنا تمامًا))
هنا فقط التفت برأسه لها يحدجها بنظرات متجهمة وهو يرد عليها باختصار بنبرته الخشنة ألمألوفة
((هذه طبيعتي مع الجميع.. فلا تستفزيني ببلاهة تفكيرك على التعامل معكِ بعكسها))
رفعت يديها باستسلام قم قالت وهي تزم شفتيها ((حسنًا))
وبابتسامة راضية تابعت
((طابت ليلتك.. أقصد صباحك.... إنسَ.. فقط احظَ بنوم هانئ))
تمتم لها بهدوء وهو يغمض عينيه
((متى ما تسكتين سأفعل))
أغمضت عينيها ودثرت نفسها شاعرة بالحسرة لارتدائها ثيابًا صيفية رقيقة وقد كانت تمني نفسها بأنه لو عاد ستنام بين ذراعيه بعد هذا الغياب تحظى بدفئه وحنانه!
لو يعلم كم تحتاج لقربه حتى لو فقط لبضعة دقائق إضافية..
لكن لا بد أنه مجهد جدًّا.. فما إن وضع رأسه على الوسادة حتى غطّ في نوم عميق وانتظمت أنفاسه..
ارتسمت بسمة مريرة على وجهها.. قبل أن تتسع تلك الابتسامة وتزول منها غمامة المرارة.. وبدا أنها تذكرت أمرًا ما.. ذكرى مؤلمة.. وفي نفس الوقت جميلة.. للتقارب الذي حصل بينهما بأول مرة..
بدأت نورين تستعيد تلك الذكريات الخاصة بأول يوم زواج لهما.. قبل أشهر..
عندما كانت جالسة على السرير تدفن وجهها بين كلتا يديها.. وإذا بها فجأة تشعر بدلوف أحدهم لجناحها الزوجي بخطوات هادئة.. فرفعت رأسها الملطخ بالدموع تدريجيًا لتتلاقى عينيها بعيني مُصعب..
تحفزت هامسة بخوف وتلعثم وهي تراه يحدجها بجمود مريب بينما يغلق الباب خلفه
((أين.. عمـــ.. عمتي؟))
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!