لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الخامس
أغمضت عينيها ودثرت نفسها شاعرة بالحسرة لارتدائها ثيابًا صيفية رقيقة وقد كانت تمني نفسها بأنه لو عاد ستنام بين ذراعيه بعد هذا الغياب تحظى بدفئه وحنانه!
لو يعلم كم تحتاج لقربه حتى لو فقط لبضعة دقائق إضافية..
لكن لا بد أنه مجهد جدًّا.. فما إن وضع رأسه على الوسادة حتى غطّ في نوم عميق وانتظمت أنفاسه..
ارتسمت بسمة مريرة على وجهها.. قبل أن تتسع تلك الابتسامة وتزول منها غمامة المرارة.. وبدا أنها تجتذب ذكرى لأمر ما.. ذكرى مؤلمة.. وفي نفس الوقت جميلة.. للتقارب الذي حصل بينهما بأول مرة..
بدأت نورين تستعيد تلك الذكريات الخاصة بأول يوم زواج لهما.. قبل أشهر.. عندما كانت جالسة على السرير تدفن وجهها بين كلتا يديها.. وإذا بها فجأة تشعر بدلوف أحدهم لجناحها الزوجي بخطوات هادئة.. فرفعت رأسها الملطخ بالدموع تدريجيًا لتتلاقى عينيها بعيني مُصعب.. فتحفزت هامسة بخوف وتلعثم
((أين.. عمـــ.. عمتي؟))
لم يجبها بل بقي يحدجها بجمود مريب بينما يغلق الباب خلفه.. وظل متسمر مكانه فكان الصمت بينهما ثقيل.. وقاتم..
دقق مُصعب بنظراته التي لم تفهمها في وجهها الشاحب.. وعينها المنتفختين.. لا بد أنها بكت لساعات طوال دون أن ترحم نفسها..
فتحت نورين عينيها على اتساعهما وهي تراه يسير بخطوات بطيئة بغير اتجاهها نحو الزاوية حيث تتواجد بندقية موضوعة بشكل طولي.. كالتي يستخدمها الناس في صيد الطرائد..
احتشدت الأنفاس في صدرها بضيق وهي تراه يمسكها قبل أن يعيد حشوها بخبرة ومهارة.. ثم توقفت الدماء في عروقها بمجرد أن انتهى ودار رأسه لها متجها نحوها..
انتفض جسدها بحركة غريزية وتراجعت للخلف عندما وقف أمامها يشهر البندقية..
مال ناحيتها فتخشب جسدها المرتعش وشهقت مغمضة العينين.. لكنها شعرت به يمسك كفيها المرتعشتين ويرفعهما ليسد بها أذنيها..
مرت عليها دقيقة كانت فيها تهذي ودموعها تسيل على خدّيها بجزع من القادم.. وصرخت بهيستيريا عندما سمعت صوت إطلاق الأعيرة النارية واحدة تلو الأخرى..
لكن عندما لم تكن واحدة منهم قد أصابتها فتحت عينيها تدريجيًا وشتت نظرها بتوتر في إرجاء المكان تبحث عنه قبل أن تجده يقف في شرفة جناحهم يطلق بالبندقية عن طريق الضغط على الزناد.. ليأتيه الرد أخيرًا بمزيد من الطلقات من الخارج..
أخفضت يديها إلى حجرها وقد استبدل قلبها الخوف والهلع بالراحة والامتنان لما فعله.. لكنه خيب ظنونها عندما رأته يعود للداخل مقتربا منها بوجه خالٍ من التعابير قبل أن يغلق إضاءة الجناح إلا من نور مصباح خافت موضوعة على منضدة ملاصقة للسرير.. فشحب وجهها وتوسعت حدقتاها ودون أن تعي زمجرت بعصبية
((لماذا تقترب مني؟ ماذا تريد الآن؟))
أجابها بخشونة وشيء من العبوس حل بملامح وجهه
((طلبوا مني أن أسرع لأنهم بانتظار الخبر اليقين في الخارج))
بكت أكثر دون أن تقدر على كبت المزيد من الدموع المرتعبة وهي ترفع يديها بحالة الدفاع وهتفت مستنكرة
((لقد أطلقت النار والجميع يظنون الآن بأنك قد فعلتها وسيرحلون.. لذا ابتعد عني ولا داعي لما تفكر بفعله))
اتسعت عينيه من جراءة وفجاجة طلبها الصريح!
لقد استقدم حدث إطلاق النيران حتى لا يستعجل ويضغط عليها فيما سيفعله وهو يراها في حالٍ بائس تكاد تموت جزعًا.. خاصة وأنهم في الخارج يتوقعون أن يتم الأمر خلال دقائق.. وخشى لو أسرع في الأمر دون أي مقدمات أن يحدث لها هبوط أو يتوقف قلبها تحت تأثير الخوف..
زفر مُصعب بإنهاك ثم صعد على السرير ليجلس على ركبتيه قبل أن يمسك ذراعيها بيديه بقوة ضاغطًا عليها مما زاد من خوفها.. هدر بها مواجهًا إياها بصوتٍ قاسي ثابت
((ألم تعرفي من أجل ماذا تم زواجنا؟))
عند هذا السؤال ضربها شعور بالذل لم تختبره قبلًا.. لكنها أجابته هامسة وسط تشنجات وبكاء
((بلى أعرف أنه تم اعتباري كأداة ليس لها مشاعر ولا أحاسيس وتم تقديمي لك حتى تتوقف النزاعات بين القبيلتين لهذا تم زواجنا!))
لم يبالي بحالها ولم يبدو عليه أي شفقة بعد أن ندم عليها في السابق وهدر فيها باحتدام
((إذن اصمتي ولا تجعليني أندم على إطلاق النار قبل فعل أي شيء))
نظراته المصممة على إتمام الأمر جعلتها تحاول تحرير ذراعيها من قبضته قائلة وأنفاسها تكاد أن تنقطع
((لا لن أفعل، اتركني))
اتسعت حدقتيه مستنكرًا ما تفعله فضغط بيديه الممسكتان بها أكثر ليؤلمها مِمَّا جعل مقاومتها تحتد له، بل وتحاول ضربه بيديها بكل قوتها وهي تبكي بجنون.. إلا أنها لم تهزه قيد أنملة..
بعد أن بدا أنه ملّ من مقاومتها أقبل عليها بجسده أكثر بغضب مِمَّا جعلها تشهق فزعة.. لكنها صمتت واحتدت خفقاتها وثبًا عندما ضرب هسيس أنفاسه أذنها
((توقفي عما تفعلينه.. توقفي))
لم تطعه بل استمرت دموعها تتدفق بجنون ودون اكتفاء وهي تعود لتصرخ به وتقاوم جاهدة لإبعاده عنها..
كانت في حالة دفاع عن نفسها.. عن كيانها.. هتفت به
((أرجوك ابتعد.. لم أقبل هذا الوضع بإرادتي.. لقد تم إجباري.. أريد لكل شيء من حولنا التوقف))
توحشت ملامحه من إصرارها على الرفض.. خاصة وهو يمر عليه طيف من الماضي.. لوضع مشابه لها..
تمَالك نفسه بشِق الأنفس ثم احتد عليها بصوتٍ جهوري نافذ الصبر
((اسكني بين يدي ولا تجبريني على تقييدك! هل تظنين أنكِ داخل لعبة؟ هل تعرفين خطورة رفضك؟ أنتِ تتصرفين كطفلة لا تتحمل المسؤولية))
اختض جسدها من غضبه وهزّت رأسها بنفي على ما يقوله..
كانت متخبطة بخوفها وذعرها من شخص تراه للمرة الأولى في حياتها.. يُدعى زوجها.. فغمغمت بصوتٍ متذبذب وبرجاء باكٍ يفتت القلب
((أرجوكَ لا تؤذني وابتعد، أنا لا أريد قربك..))
كانت تهدر بإنهاك نفسي وقد وهنت ضرباتها.. فلم يتبقى بها طاقة تذكر.. أحداث اليوم أرهقت كل خلية نابضة إلى الآن في جسدها..
شعر مُصعب بها فرد عليها بخشونة
((توقفي عن عبثك واهدئي))
بدت مترددة في إطاعته فصدرت منه زمجرة خشنة قصيرة عديمة الصبر..
أخيرًا فعلت كما أمرها وتهالكت يديها للأسفل مغمضة العينين.. فاسترسل همسه الخشن
((اهدئي.. اهدئي.. سنتم الأمر الآن شئتِ أم أبيتِ فاسكني حتى لا تتأذي.. أنتِ لا تريدين ذلك.. صحيح؟))
أفلت يديه اللتان كانتا تمسكان ذراعيها ثم بدأ بتمسيد مكان إمساكه الذي ترك أثرًا واحمرارًا طفيفًا..
اختنق قلبها وبالكاد خرجت أنفاسها عندما انتهى مِمَّا يفعله ودفع ظهرها برفق للخلف لتتمدد فوق السرير..
لم تكن تصدق بأنها هي نورين الهنادل يصل بها الحال إلى هنا.. هي المتعلمة.. ابنة الأصول وصاحبة الشرف والعفاف يتم تقديمها جسدها أضحية في سبيل السلام بين العشيرتين..
لكنها في نفس الوقت لم تجد بدًا من الاستسلام..
لذا خضع كل ما فيها بإنهاك.. بضعف..
لن تعترض أبدًا فلا كرامتها ولا هامتها ولا عِزة نفسها عاد لهم وجود.. لينهى ما يريد.. ليفعل بجثتها المرتعشة ما طلبوه منه من عادة اندثرت منذ سنوات طوال وتم إحياءها الآن فقط عليها..
شددت على إغلاق عينيها وهي تشعر به يقترب بأنفاسه فيلفح عنقها وكأنها ألسنة لهب.. وبتناقض غريب.. وعلى عكس كلامه الخشن السابق.. بدأ يهمس بصوتٍ أجش يهدهدها كأنها طفلة مذعورة ويَطلب منها أن تكف عن الخوف بينما يحل رباط ثوبها.. ورويدًا رويدًا بدأ تشنجها وارتعاشاها يخمدان..
مرر سبابته على جبينها وما لبثت أن شعرت بشفتيه تلامسان وجهها بقبلات متوسلة استجابتها..
تغلغلت تعابيرها الواجمة شيئًا من التخبط وقل خوفها أكثر وأكثر.. واندفعت في نفسها لتلقي بتساؤلاتها المستنكرة..
هناك شيء ما لا يبدو طبيعيًا أثناء ذبحه إياها! لماذا يعذبها بهذه الطريقة؟ لماذا همساته حنونة؟ ولمساته في غاية النعومة؟
هي لم تكن تريد أن تبدو له إلا جثة هامدة.. فكيف يجبرها رغمًا عنها على عكس ما قررت أن تفعله الآن!
كان مسيطرًا.. هادئًا.. على خلافها.. أشعرها بثورة عارمة في أنحاء جسدها قبل أن يقرر بأن اللحظة المناسبة قد حانت.. فارتفعت أنامله يلامس شعرها الأشقر كأنه يعطيها إشارة بما يفكر فيه ويختبر استعدادها مرة أخرى قبل أن يخترق روحها رغمًا عن إرادتها.. بحنو ورفق غامر!
لا تعرف كم استغرق الأمر بالضبط.. لكن بمجرد أن انتهى ما بينهما حتى ابتعد وهي سارعت تواري ما كُشِف منها..
استرقت نظرها لعينيه ثم أخفضته إلى حيث يحدق هو.. إلى غطاء السرير ناصع البياض.. وسرعان ما انتفضت عينيها من مكانهما وتحركتا في تساؤلات حارقة! لم تستطع إيجاد دليل العذرية.. وتاهت الكلمات على لسانها لتسأل ذاهلة بصوتٍ مكتوم
((لماذا.. لا يوجد..))
بتوتر بالغ عادت ترفع بصرها لمُصعب الذي كان يطالعها بوجه غير مقروء..
هل تحولت الآن كل شكوكه إلى يقين راسخ؟ هل ذعرها ومقاومتها ودفاعاته جعلته يشك بعفتها؟ وجاء الآن الدليل القاطع ليؤكد هذا الشك؟
لكنها ليست كذلك!
حبست الصدمة أنفاسها بين جنباتها لثوانٍ.. ولوهلة وصل بها جنون الموقف لتشك بنفسها.. وهي التي لم تكن لتخون دينها أو عائلتها أو نفسها!
أطلقت أنفاسها المهتزة، وذهولها يبلغ قمته لتستوعب بمنتهى الجنون ما يحدث الآن..
سارعت تهمس له نافية بغير تصديق وهي تراه يقف مشرفًا عليها بطوله
((لا تظن بي ذلك.. أقسم.. أقسم أنا..))
رغم ألمها النفسي والجسدي لم تكن مبالية إلا بتلك العلامة.. لماذا لم تنزف؟
ما إن وصلها صوته المحايد بـ ((لا بأس))
حتى ذُعرت.. شحب وجهها.. واعتدلت جالسة ترجوه هامسة
((لا تفكر بي السوء.. أنا لستُ..))
نظر لها عاقد الحاجبين يقول بثبات مقاطعًا هذيانها
((اهدئي، أنا لا أفكر بأي شيء سيء عنكِ))
صمتت لدقائق بإيقاع منهك لكن سرعان ما هاج وعلا صوتها بإدراك منهار
((لا بد أنه يدور أفظع الشكوك بعقلك الآن! لكن أرجوكَ لا تشكك بي.. كل امرأة مختلفة عن الأخرى.. دعنا نذهب للطبيبة فربما يكون الغشاء..))
قاطعها بخشونة ((قلت اهدئي.. أنا لست جاهلا))
لكنها لم تفعل بل انفلتت أعصابها وهي تجهش بالبكاء وتقول
((لن أهدأ، لن أتحمل أن يشك أحد بعفتي! أرجوكَ لنذهب عند الطبيبة..))
صمت مُصعب يضغط على جبهته بإجهاد.. وصوت بكائها وتمتمها المنهارة تدوي كطنين مريع في أذنيه.. فقط يتمنى ألا يسأله أحد عن أسباب هذه الأصوات العالية والعويل التي خرجت منها منذ أن دلف للداخل!
عاد ينظر لها يغمغم ببطء متأرجح التعثر
((لا بأس.. بغض النظر عن الأسباب.. لا داعي..))
قطاعته وهي تُلِح عليه برجاء
((أرجوكَ لنذهب للطبيبة.. أرجوك.. أتوسل إليكَ.. لن يجعلك شيء تصدق أن..))
قاطعها بصرامة وحزم مشوب بالرزانة
((اصمتي، حرم مُصعب الكانز لن تذهب لأي طبيبة لمثل هكذا سبب.. لستِ تجربتي ولا زواجي الأول، الرجل الذي أمامك ليس غِرًّا حتى لا يعرف أن المرأة التي كانت بين يديه عذراء))
لكنها كانت موقنة من أن لا شيء يمكن أن يجعله يوقن بعفتها إلا الذهاب لطبيبة.. فطرحت عيناها التوسلات قبل لسانها وهي تعاود الإلحاح
((مع ذلك أرجوكَ استدعيها حتى لا يظل ذرة شك فيك! أنا لا أريد لأحد أن يشكك..))
أطلق مُصعب تنهيدة عميقة وهو يجلس بجانبها ويحيط بذراعه كتفها متوسلًا هو هذه المرة
((اهدئي.. أرجوكِ اهدئي.. دعي هذا اليوم الصعب ينتهي على خير))
أغمضت عينيها واستسلمت لقربه منها مدمدمه بلا وعي
((أقسم لكَ بأني لست فاجرة.. أقسم..))
واستمرت تمتماتها المنهارة على هذا النحو لفترة وجيها وطوال ذلك من جهته لم يحتقرها ولم يرشقها بعبارات الامتهان.. بل سألها بلطف بعد دقائق وهو يحرر كتفها من ذراعه
((هل شعرتِ بأي ألم يا نورين؟))
تقوّس ثغرها.. وقد شعرت أخيرًا الآن بأنها إنسانة لها اسم وكيان.. أول شخص يدعوها باسمها "نورين" منذ أن دخلت قدمها هذا المكان..
أومأت برأسها بوهن تقول رغم أنها شعرت به قبل قليل يحاول ما بوسعه ألا يسبب أي ألم لها
((فقط قليلًا))
اختلج شيء بملامحها وقد شعرت بالغثيان لتردف متمتمه بوجه محتقن
((أريد الذهاب للمرحاض))
عاد يمسك كلتا كتفيها هادرًا وهو يمعن النظر في وجهها
((هل تستطيعين السير وحدك؟))
أومأت له مجددًا بوهن.. وحاولت الاعتدال واقفة بمساعدته إلا أن كل ما فيها كان لا زال يرتجف.. وسرعان ما اختل توازنها لتسقط جالسة مكانها وهي تتأوه، فقالت مغمضة العينين
((أشعر بدوار طفيف))
أخبرها وهو يخطو نحو الغرف الأخرى الملحقة لهذا الجناح
((ابقِ جالسة هنا قليلًا))
فتح ثلاجته الصغيرة الخاصة به والتي كانت تحتوي الكثير من المقبلات.. الأطعمة جاهزة.. والوجبات سريعة.. ثم أخرج منها بعض الفاكهة ووضعها فوق الرخام وقام بتقطيعها بمهارة قبل أن يضعها في طبق مجوف.. وسكب بعض العصير الطازج البارد في كأس زجاجي..
عاد لها وهو يحمل على صينية كل ما أعده ثم وضعها فوق منضدة صغيرة وقرّبها أمامها..
ذهب ليفتح إنارة الغرفة وعندما عاد لها طالعها بعبوس تمسك الشوكة بأنامل مرتجفة وترفعها ببطء لشفتيها المرتعشتين.. فجلس أمامها يتناول منها الشوكة ويحمل الطبق بنفسه..
اتسعت عيناها وهي تراه يرفع الشوكة لفمها بغية إطعامها.. وبتردد فغرت شفتيها وبدأت تأكل مِمَّا يضعه في ثغرها.. وبين الفنية والأخرى كانت تسترق النظر إلى ملامحه المتجهمة التي بدت مجهدة أكثر منها بكثير.. وخفقات قلبها تطرق بعنف.. قوي..
هل التفهم والعطف فيه حقيقي ومتأصل دائمًا؟
بعد أن أخذت كفايتها من الطعام تركها مُصعب لتأخذ راحتها..
فذهبت لتسحم ثم ارتدت ثيابًا مريحة.. استلقت فوق السرير ودثرت نفسها تحاول النوم.. إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عنه رغم أنها كانت تحت تأثير الراحة والأمان.. بقيت تسترق النظر بين الدقيقة والأخرى الى الشرفة.. إلى حيث هو مستلقي على أرضها يحدق بالنجوم وبجانبه ثلاثة أو أربعة علب مشروب غازي قد تجرعها كلها..
عادت نورين لواقعها ونفضت عنها ذكرى الماضي وهي تناظر مُصعب النائم بجانبها بينما تسند على ذراعها..
دثرته جيدًا بالغطاء ثم ابتسمت بحنو وهي تميل نحوه وتطبع قبلة صغيرة على جبينه.. ثم تحولت ابتسامتها للمرارة ولمع الحزن من عينيها..
لم يقترب منها بعد تلك الليلة ولم يظهر أي تأثر من أي من مبادراتها الأنثوية كأي رجل طبيعي من لحم ودم! بل حتى أنها لمحت شيئًا من النفور يشع من عينيه تجاهها في ذاك اليوم عندما صرخ بها.. وهذا لا تفسير له من وجهة نظرها إلا بأنه في أعماقه لا يزال يشكك بعفتها على عكس ما قاله وفي طبيعة الحال جسده ينفر من اقتراب امرأة غير نقية..
ابتعدت عنه قليلًا تأخذ نفسًا عميقًا وحمدت الله في سرها أنها بين يدي رجل مراعي رغم كل شيء مر بهما.. ينبض في أضلعه قلب حنون ومعطاء.. إذ أنها لا تنكر بأنها منذ أن خطت قدمها عتبة هذا الباب كانت تترقب بنفاذ صبر تنفيذ والدها وعده لها بتهريبها من هنا والسفر مع جميع أفراد عائلتها لخارج البلاد!
لكن بعد ما حدث وبعد معاشرتها له خلال الأشهر السابقة غيَّرت الكثير من حساباتها وأخبرت والديها أنها بخير ورغم كل المنغصات التي تعيشها معهم إلا أنها تصبر نفسها.. وأسعد هذا الأمر والدها الذي لمست في حديثه السابق أن سفرهم للخارج ما هو إلا ضرب من الجنون هدفه من تأمليها إياه أن يحثها على الموافقة!
اعتدلت نورين واقفة من مكانها تتجه نحو الشرفة لتسقط عليها أشعة الشمس بينما يتناهى إلى سمعها أصوات العصافير التي تنتقل من شجرة إلى أخرى وصياح الديك الذي ينذر بنهار جديد.. وزعت نظرها على كل ما تطل عينيها عليه من أشجار خضراء وحقول غنّاء..
كم هي محظوظة لامتلاك شرفة تطل على أكثر المناظر الخلابة في هذه القرية!
=============================
استمر مَالك بقيادة سيارته بعد العودة من عمله في المدرسة بعد أن مر على مدرسة الصغار واصطحبهم معه.. تطلع بجانبه لابن أخيه فهد يمسك مخروط مثلجات مزين بالشكولاتة وألوان الفواكه يأكله بتلذذ بينما يغمض عينيه متمتعا ببرودتها.. فسأله مَالك
((هل مذاق المثلجات لذيذ يا فهد؟))
أومأ فهد برأسه وهو يلعق المثلجات بلسانه ثم قال بانبهار
((نعم إنها منعشة جدًّا))
رد باسم الجالس بالخلف بحماس يوافق أخيه الأكبر
((منعشة جدًّا يا عمي، اصطحبنا من المدرسة للبيت كل يوم بدلًا من السائق))
استمتع مالك بملائكية الصغار أثناء تناول المثلجات وسعادتهم البسيطة والغير معقدة ثم تطلع في المرآة الأمامية يراقب يزيد الجالس مُنكِّس الرأس بالخلف بقرب النافذة، يأكل بالملعقة البلاستيكية الصغيرة آخر ما تبقى من المثلجات ببطء وبلا شهية فتكاد تذوب المثلجات..
شيء تألم في قلبه وهو يشعر بالحزن الخالص المشع من عينيه الجميلتين.. بل ارتعش قلبه كلها متذكرا نحيبه وبكائه عندما أخبره بأن سمية تمنعه من الذهاب مع سائق المنزل.. ورغم علمه أن مسألة السائق ليست السبب الوحيد لبكائه إلا أن يزيد يأبى التحدث معه بأكثر من هذا ويكتم.. وسمية لا تساعده بل غالبًا هي ما تحثه على جفائه معه!
قال فهد له معقِّبًا برجاء على كلام أخيه باسم
((نعم يا عمي افعل ذلك واصطحبنا، فالمدرسة الثانوية التي تعمل بها مقابل مدرستنا))
أكد له مالك بحماس منطفئ
((أعدكم بأني سأفعل ذلك كلما سمحت لي الفرصة بأن أنهى عملي في وقت مبكر كاليوم))
في حين كان يزيد يلتزم الصمت والهدوء مكانه لا يشاركهم الحديث علت أصوات الفرحة من باسم وفهد الذي قال منفجر الأسارير
((هل هذا وعد؟ مرحى إذن))
ضحك مَالك بخفوت عليهم ثم أوقف سيارته أمام قصرهم
((هيا وصلنا أمام البوابة.. انزلا))
ثم اتبع كلامه للجالس بالخلف ما إن هم بخلع حزام الأمان عنه
((يزيد ابقَ قليلًا هنا، أريد التحدث معكَ))
عقد فهد المستقر بجانبه حاجبيه يسأله بتجهم
((لماذا؟ ماذا تريد من يزيد يا عمي؟))
نظر مَالك له يخبره بعفوية
((فهد حبيبي أريد يزيد بموضوع صغير بيننا))
لم يستطع فهد الصغر منع ملامح الانزعاج والغيرة من الظهور على وجهه متسائلًا
((أي موضوع بالضبط؟ يمكنك التحدث به أمامنا))
تغير صوت مَالك ليحمل معنى الإحراج من استجوابه وهو يحاول محاورته بلغة المنطق
((فهد حبيبي لا يصح أن أقوله أمامك لأنه سر بيني وبينه، هل تحب أن أقول أسرارنا أمام يزيد أو أحد آخر!))
كتّف فهد ذراعيه يتبرم بطفولية
((أي أسرار؟ نحن لا نملك أية أسرار مشتركة بيننا يا عمي!))
شعر مَالك بهذه اللحظة بحرارة الإحراج تغزو جسده أكثر ففتح أول زرين من قميصه ثم قال مبتسمًا بارتباك لفهد
((في المستقبل سنمتلك، ووقتها بالتأكيد لن أخبر بها أحد))
قال باسم الجالس في الخلف وهو يفتح مقبض باب السيارة
((سأسبقك للمنزل يا فهد، سلام يا عمي مَالك))
تطلع مَالك له ثم عاد ينظر في وجه فهد يحثه
((هيا بسرعة الحق باسم قبل أن يسبقك للمنزل))
ظل فهد ينظر لعمه للحظات بتعابير جامدة مشوبة بالحنق.. ثم على مضض استدار على عقبيه يفتح مقبض باب السيارة ويترجل منه مدمدمًا بصوتٍ كئيبٍ
((حسنًا.. إلى اللقاء يا عمي))
تنهد مَالك وهو يمسح بيده مؤخرة رأسه في إشارة لشعوره بالارتباك مِمَّا حدث.. لحظات ونظر للخلف إلى حيث يجلس يزيد وأخبره برفق
((يزيد.. ترجل من السيارة واجلس في المقعد الأمامي بجانبي))
اتسعت عينا يزيد قليلًا باستغراب وتساءل ببراءة طفل
((لكن لماذا؟))
ابتسم مَالك ابتسامة صغيرة لعينيه وهو يخبره
((أريد أن أتحدث معكَ قليلًا.. هيا انزل.. أعلمت برسالة هاتفية لأمك بأنك معي وبأننا سنتأخر قليلًا))
تساءل يزيد عقب أن فتح مقبض باب السيارة وجلس في المقعد الأمامي بجانب مَالك
((إلى أين سنذهب؟))
شغّل مَالك محرك السيارة بينما يجيبه بابتسامة رائقة
((إلى أحد مطاعمك المفضلة.. سنتناول طعام الغداء هناك))
قال يزيد ببعض العجب
((هل وافقت أمي على ذهابي معك للمطعم حقًا؟))
أومأ مَالك له بإيجاب ثم أعقب بمرح
((وهل هذا يهم؟ ألا يحتاج الأصدقاء مثلنا لوقت خاص ومنفرد يتشاركون فيه الحكايات والاهتمامات والأحاديث؟))
كان مَالك يتحدث معبرًا عن أفكاره التي لطالما يخبر بها يزيد.. إلا أن الأخر نكَّس رأسه قائلًا بخفوت
((لا أحب أن أتعبك واشغل وقتك))
ناظر مَالك يزيد لثانية في وجل من ردة فعله الكئيبة.. ثم قال له بوضوح
((أنا افعل ذلك من أجلى.. لقد مضى الكثير منذ أن خرجت معك ألم تلاحظ يا يزيد؟))
شبّك يزيد أنامله الصغيرة ببعضها ثم قال بنفس نبرته السابقة
((بلى لاحظت))
ركن مَالك سيارته في جانب الطريق أمام المطعم ثم استدار للجانب نصف استدارة يناظر يزيد متسائلا بكل جدية راجيًا الصراحة
((هل يمكن أن تخبرني سبب ابتعادك وجفائك معي؟ لطالما كنت أنتَ المبادر دائمًا معي.. لكن مؤخرًا لم تعد تأتي لغرفتي ولم تعد تنتظرني في المطبخ ريثما أعود من عملي.. ولم تعد..))
رفع يزيد رأسه له يقاطعه بخفوت متذبذب
((أخبرتك أن أمي منعتني من الدخول لمنزلكم أبدًا وخاصة المطبخ حتى لا أزعج الخالة نعمة ومنال أيضًا))
توحشت عينا مَالك الخضراوين بعنف لا يخرج منه إلا بعد حلم شديد وهو يهتف باستنكار
((وما شأنهم بدخولك أنتَ المنزل؟ إنه منزل أبي.. ولا أحد له حق في التحكم بمن سيدخل ومن سيمنع غيره.. منذ متى والخدم يتحكمون في أمور كهذه! عال العال.. سأتأكد من محاسبتهما عند عودتي.. وصلت لكفايتي منهما..))
بدا على يزيد التردد إلا أنه هدر له بحزن ظلل عينيه
((إنهما يطيعان كلام والدتك))
توقف مَالك المتجهم الغاضب عما يقوله وهو يمعن نظراته بيزيد.. وفجأة شعر بأن ابن الست سنوات أكبر من عمره وأكثر وعيًا.. فهو ليس غافلًا بل يعرف من تلقاء نفسه ودون أن يخبره أحد بهذا صراحة بأن وجوده غير مرغوب به في القصر من قِبَل الجميع وخاصة أمه.. فأخرج تنهيدة متعبة ثم قال وعيناه تشتد بنظرة عازمة لامعة
((سأتحدث مع أمي بشأن هذا ولكن هذه ليست حجة لجفائك معي يا يزيد))
ثم بدَّل ملامحه لأخرى بشوشة رغم إجهاد عقله وفكره وتابع وهو يخرج هاتفه المحمول
((تعال لنلتقط صورة لنا الاثنين قبل أن نذهب للمطعم))
تطلع يزيد له باستغراب وبراءة ليسترسل مَالك وعيناه تشعان بوهج مثير خاص
((أريد أن نأخذ أنا وأنتَ كل يوم صورة لأصنع في نهاية كل شهر كتابًا مصورًا لنا.. ما رأيك؟))
ظهر الحماس يرقق ملامحه الطفولية عندها أمسك مَالك رسغه وقربه منه ليشاركه الصورة..
.
.
في غرفة المعيشة.. حيث كانت دارين جالسة أمام المنضدة تفرد كتبها ودفاترها وتقول بحل واجباتها المدرسية.. وضع فهد حقيبته المدرسية بعنف فوق الطاولة بطريقة أثارت حنقها فاعترضت
((انتبه يا فهد!))
جلس فهد مكتفًا ذراعيه بقوة فوق الأريكة التي تجلس والدته عليها.. فتطلعت رتيل عليه بحيرة متسائلة وهي توزع نظرها بينه وبين أخيه باسم الذي كانت ملامح وجهه المبتسم السعيدة مناقضة كليًّا عنه
((لماذا تأخرتما في العودة من المدرسة؟))
ظل فهد محافظًا على وجومه لا يجيب ليقول باسم بنشوة البهجة وهو يقف أمام والدته
((كنا مع عمي مَالك، لقد اصطحبنا من المدرسة بسيارته بدلًا من السائق.. واشترى لنا المثلجات اللذيذة))
رفعت رتيل حاجبيها وابتسمت تقول برضا وهي ترى شيء من أثار المثلجات على فمه الأحمر
((حقًا؟ هذا جيد.. هل استمتعتما بوقتكما؟))
ثم تلاشت ملامحها وهي تعود لتناظر ابنها الكبير وتسأله بفضول
((لحظة! لماذا لست سعيدًا مثل أخيك؟))
نظر فهد لها متكدر الملامح يجيبها
((لقد أنزلنا أمام باب البيت وذهب برفقة يزيد لمكان آخر لوحدهما ورفض إخباري عنه))
تغضن وجه رتيل بشيء من الضيق.. هي لوهلة سعدت باصطحاب مَالك لولديها وتخصيص وقت لهما خاصة فهد لعله يعزز شيء من ثقته بنفسه فهو خجول لا يندمج بسهولة مع الأطفال الآخرين.. لكن على ما يبدو أن هذا الاهتمام لا يضاهي اهتمامه بيزيد..
حاولت رتيل ألا تظهر ضيقها وهي تقول عاقدة الحاجبين
((لا تحزن يا حبيبي، عمك يحبك أكثر من يزيد بالطبع فأنت من دمه على عكس الآخر، الأمر فقط أنه يشفق عليه لأن والده يعيش بعيدًا عنه ولا يهتم به أما أنتَ..))
قاطعها فهد باندفاع بعيد عن سمات شخصيته
((أما أنا فوالدي أيضًا لا يهتم بي..))
ثم انتصب واقفًا يغادر الغرفة كلها تاركًا إياها في حيرة من أمرها ولم تجد أن تقول إلا لدارين التي كانت تتطلع للموقف
((عمك مَالك هذا غريب في اهتمامه بابن البستانية))
شمخت دارين بذقنها واعترضت
((وما شأنك أنتِ بمن يهتم؟ ألا يكفي تعذيبك لنورين المسكينة والآن تسلطين كيدك على عمي؟))
زعقت بها رتيل بصرامة
((تكلمي معي باحترام يا بنت حتى لا أشكوكِ لجدتك))
ضيَّقت دارين عينيها تقول بغيظ
((افعلي ما تريدين، من الأساس أنا أمسك عليكِ ممسك خطير))
مدت رتيل طرف لسانها لها بطفولية لا تناسب عمرها ومكانتها ثم تمتمت
((أي ممسك تمسكينه عليّ أيتها المشاكسة!))
ثم خرجت مبتعدة من الغرفة دون أن تعير كلام دارين أي اهتمام.. كالعادة!
.
.
بمجرد أن انتهى مَالك ويزيد من تناول وجبات الطعام التي طلبوها حتى خرجا من المطعم وعاد ليستقلا السيارة..
مال مَالك يثبت حزام أمان يزيد وهو يسأله بابتسامة
((إذن هل ستذهب لرحلة فصلك للمدرسة الأسبوع القادم؟))
رفع يزيد وجهه له بانتباه تام ثم قال بحماس
((نعم بالتأكيد سأذهب لها، فكل من في الفصل متحمسون لها منذ أسبوع))
لثّم مَالك جبينه بحنو وعبث بشعره الأسود المموج كشعره وهو يخبره بحماس مماثل لحماسه
((ممتاز، لنذهب الآن لمراكز التسوق ونشتري لكَ كل ما ستحتاجه للرحلة))
اتسعت ابتسامة يزيد لمجرد الفكرة وقال بصوته العذب الحماسي
((حقًا هل ستذهب معي لنشتري حاجيات الرحلة؟))
قاطع حوارهما تصاعد صوت رسائل لهاتف مَالك متتالية ففتحه مغمغمًا
((أوه إنها أمك المزعجة فجرت هاتفي برسائلها عن سبب تأخرنا، انتظر قليلًا سأخبرها بأننا سنذهب لشراء حاجبيات رحلتك))
لكن ما إن همّ أن يكتب شيء حتى علا رنين الهاتف فعقد حاجبيه يرد وكله مستغرب من اتصالها فهي تفضل دائمًا الرسائل بينهما
((نعم سمية، ماذا هناك؟))
وصله صوتها الحانق الذي لا يحمل من الرضا شيء
((عد أنتَ ويزيد للبيت لقد تأخر الوقت ولم يتناول غداءه بعد..))
قاطعها مَالك وهو ينظر ليزيد الذي أبدت ملامحه توتر وارتباك وقد تناهى صوت والدته المشوب بالغضب إلى أذنيه
((لا داعي للغداء فأنا بالفعل أكلت معه في إحدى مطاعمه المفضل، كما سنذهب بعد قليل لنشتري حاجيات رحلته))
خرج من سمية صوتًا محبطًا مستاءً قبل أن تقول له
((في الأمس اشترينا طعامًا جاهزًا من المطاعم فلماذا اشتريت له أيضًا اليوم؟ إنه صغير على تناول هذه الكميات من الطعام السريع! لماذا لم يخبرك بأنه فعل؟ أعطني يزيد الآن أريد أن أتحدث معه))
مال يزيد إلى مَالك متسائلًا بهمس وبراءة لا يتحمل أن يسمع تقريعا أو تأنيبا منها
((هل أمي غاضبة جدًّا؟))
فهم مَالك ما يفكر فيه فأمسك بكفه الصغيرة يطمئنه بينما يتحدث على الهاتف
((لقد أنهينا الطعام وخرجنا من المطعم فلا تضخمي الأمر من لا شيء))
كان صوت سمية رافضًا وقاطعًا وهي تأمره
((مَالك أريد منكما أن تعودا للبيت الآن، لأني لو تركت الأمر لك فستشتري له حاجيات تخص رجل مسافر إلى بلد آخر لا طفل صغير سيذهب لرحلة مدرسية لا يتجاوز وقتها نصف النهار))
ضغط مَالك على كف يزيد بلا وعي وكل تركيزه مع التي يحادثها ليقول بصرامة مشددا على كلماته
((سأشتري ما اشتريه له ولن اقبل اعتراض))
خرج زفير ضجر من سمية ثم اتبعته بكلامها وهي تقول
((الفكرة هي بأني لا أريدك أن تفسده دلالًا ولا أريد منه أن يعتاد على شراء كل ما يريده..))
تململت كف يزيد ألمًا فانتبه مَالك عليها وحررها ثم تابع القول
((ولأفسده دلالًا.. وماذا فيها؟ لماذا لا أعوض قلة الوقت الذي أقضيه معه بالماديات والكثير من اللُّعَبِ والهدايا؟ إذا كنت غير قادر على أن أهِبه الأمان النفسي فلماذا لا أقدر على تدليله بمالي؟))
في منتصف حديث مَالك خرج صوته منفعلًا غاضبًا وكأنه يلومها على كل شيء.. فردت عليّه سمية عندما انتهى بصلابة
((مَالك لا ترفع صوتك عليّ أنا لا اسمح لكَ..))
اغلق مَالك عينيه وهو يشعر تمامًا بإن رفضها وامتعاضها منه لا علاقة له بتدخله في أسلوب تربيتها ليزيد بل هو من أجل المعاندة والرفض فقط! لا تريد منه أن يتقرب من يزيد أو يقوم بواجبه تجاهه لظنها بأن يزيد ما هو إلا وسيلة من أجل الوصول لها..
فتح مَالك عينيه يطلق نفسًا حارًّا بالجمر المتطاير منهما دون أن يدرك.. ثم علا صوته عما سبق
((بالتأكيد لن تسمحي لي، أساسًا أنتِ سبب معاناتي، بل معناتنا جميعًا.. على كل حال لا وقت لدينا للمزيد من النقاش، سأذهب للتسوق مع يزيد وسنحاول أن نعود مبكرًا قبل غياب الشمس.. هذا كل ما عندي))
أغلق مَالك الخط في وجهها وأراح ظهره بالمقعد وهو يعيد رأسه للخلف لدقائق قبل أن يخرجه من شروده صوت يزيد يقول بحذر طفولي
((إذا كانت أمي لا تريد منّا أن نذهب فلا داعي لذهبانا، لا أريدها أن تغضب منّا))
لانت ملامح مَالك قليلًا متنفسًا بهدوء ثم أدار رأسه له يخبره
((لا تقلق يا يزيد، فمن يغضب بلا سبب سيرضى بنفسه))
قال يزيد بوجوم
((لكن أنا لا أريد أن أُحزن أمي..))
قاطعه مَالك بانفعال لم يظهره
((إذن هل تريد أن أحزن أنا؟))
افترقت شفتا يزيد بضيق قلبه وهو يشعر نفسه منقسم بين أكثر اثنين يحبهما.. إلا أنه قال برجاء خافت
((أرجوكَ يا عمي دعنا نعود للبيت وإلا ستغضب أمي))
هتف مَالك له بصوتٍ مثقل بالبرود والخواء
((لا تناديني عمي..))
احتارت ملامح يزيد بلا رد منه قبل أن يقول متوجسًا
((ولكن يا عمي مَالك أمي أخبرتني..))
انفلتت أعصاب مَالك وهو يزعق به
((ناديني بالدنيء.. بالحقير.. بالنذل.. لكن لا تناديني بعمي يا يزيد عندما نكون لوحدنا))
تقوست شفتا يزيد عابسًا لينكِّس رأسه ويقول مدافعًا
((أمي قالت لي أن أناديك هكذا))
مسح مَالك على جبهته حتى شعره ثم هز رأسه بقتامة ملامحه وقد شقّ كلام يزيد روحه وهشّم سعادته في هذا اليوم.. ثم غمغم بغضب مستعر
((أمي.. أمي.. أمي.. وماذا عني؟ هل أهون عليك أنا؟ ألا أعني لكَ شيء؟))
بدأت شفتاه ترتجفان وتنذران بالبكاء وهو يدمدم بصوتٍ متحشرج
((أريد أن أعود للبيت وحسب))
طالع مَالك الصغير أمامه وهو يشعر به يتسرب بسرعة مخيفة من بين أنامله كما فعلت أمه من قبل في الماضي بسبب سلبيته.. ليتضاعف بداخله شعور بالخسارة.. حتى أرخ التوتر جناحيه مع صمت تغلغل بين ذرات الهواء داخل السيارة..
فجأة شغّل مَالك محرك سيارته وقال معلنا
((حسنًا سنعد للبيت كما تريد يا يزيد، لكن ولن تذهب لتلك الرحلة))
رفع يزيد حاجبيه ليقول بتعجب عفوي
((لماذا؟ لقد وافقت أمي أن اذهب إليها!))
كلام الصغير الذي يظهر له أن السلطة بيد والدته جعل الغيظ يلتهمه فقال وهو يشد على ضروسه
((أنتَ تستهين بي يا يزيد))
أعاد يزيد سؤاله السابق مرة أخرى بصوتٍ مشوب بالقلق من فكرة عدم ذهابه
((ولكن لماذا لن أذهب إليها؟ ألن تسمح لفهد بالذهاب هو الآخر؟))
أجابه مَالك ببرود ونظره مصوب للطريق الذي يسير فيه أمامه
((لا أدري فهو له أبٌ مسؤول عنه، أما أنتَ فوالدتك ليست الوحيدة المسؤولة عنكَ بل أنا أيضًا))
استنكر يزيد وعينيه تتغرغران بالدموع
((لن تحرمني من الرحلة!))
التفت مَالك بجانبه لثانيتين يؤكد لنفسه بأن الصغير هو الآخر مصدر ألم له كما أمه.. ثم عاد ينظر للأمام وهو يقول بهدوء أجاده بينما يضمر حقيقة بؤس مشاعره
((بل سأفعل إذا كانت هذه الطريقة الوحيدة لتعترف بحقي ومسؤوليتي في حياتك كما أمك بالضبط! لم تقبل أن تخبرني في تلك المرة سبب بكائك الحقيقي، وتصل أن تتباعد عني بشكل متعمد))
أغمض يزيد عينيه يمنعهما من ذرف الدموع بينما اهتزاز صدره يُعلم ببكائه.. إلا أن قلب مَالك هدر بعزم له بألا يتأثر ببكائه ونفض الألم بجليد قلبه..
بمجرد أن وصلت السيارة أرضهم في القرية حتى ركنها بمصف عائلته ونظر ليزيد ليعطيه منديلًا لمسح أثار دموعه.. ثم فك حزام أمانه وحمل حقيبة ظهره المدرسية قائلًا
((هيا ترجل من السيارة))
خرج يزيد من السيارة وهو يمسح دموعه الصامتة التي لا تتوقف عن الانزلاق على وجنتيه المحمرتين.. فأحاط مَالك بذراعه كتف الصغير وهو يسير معه ليقفا أخيرا أمام منزل سمية..
سارعت سمية الإجابة ما إن طرق الباب.. بتلقائية أخفضت نظرها لابنها لتقول بلهفة وهي تنخفض الى مستواه
((لماذا تبكي يا يزيد؟))
قال مَالك بطوله الذي يشرف فيه عليهما
((لم اشتري له شيء، ولكني لن أسمح له بالذهاب للرحلة))
عادت سمية تقف في مكانها وتقول بتوجس
((لماذا لن تسمح له؟ هل يذهبون للرحلة لأماكن خطرة؟))
قال مَالك متجمد الملامح لها وبنبرة رجولية متجبرة
((بل فقط أنا لن أسمح له بالذهاب لأني لا أريد ذلك.. أريد أن أعلمه من هو المسؤول عنه ومن يتحكم في خياراته بعمره هذا))
جحظت عيناها ولوهلة شعرت بأنه يمازحها.. لكن لا تعابيره ولا نبرته كانت توحي بذلك.. فعقدت حاجبيها تقول باستهجان
((هل تمازحني يا مَالك؟ ما ذنب ابني الصغير لتفرغ به عقدك؟ أية سادية متواجدة بداخلك لتبكيه وتهدده بمنعه ما يحب لترضي نقصك! حتى في مراهقتك يا مَالك كنت أكثر رزانة وتعقلًا من حالك الآن))
شعر مَالك بها كمن توبخ طفلًا صغيرًا.. إلا أنه حافظ على جمود حاله وهو يخبرها بنبرة متسلطة خافتة
((مهما فعلتُ ومهما تصرفتُ ستبقى معاملتك ونظرتك لي كما هي.. لذا لن آبه لرأيك بعد الآن، وسأفعل ما أراه مناسبًا))
كتفت ذراعيها لتقول بجمود وثبات
((وما هو المناسب بجعل يزيد يحزن بهذا الشكل؟))
احتدت عيناه بشعور ألم غريب إلا أنه عاد يقول
((قلت بأنه لن يذهب للرحلة، وهذا الأمر سيستمر لو ظل يتعامل معي بهذا الجفاء المتعمد ويغفل عن حقي عليه!))
ردت عليه بنفس النبرة الثابتة التي تحمل حزمًا وأمرًا
((إياك أن تستقوي عليّ يا مَالك، أنا لستُ ضعيفة هنا حتى لا تعتبر لي وجود أو حق في تحديد ماذا يفعل وأين يذهب! سيذهب يزيد للرحلة))
شتت مَالك نظره بينها وبين الصغير.. إنه يدرك بأن يزيد في هذه السن يميز رمز السلطة الذي يمسك بزمام الأمور في محيطه.. وهو يرى الآن هذا الأمر متجمع بوالدته.. لذا عليه أن يثبت له العكس.. فقال بنبرة حاسمة.. باترة.. تحمل تحدٍ سافر
((هكذا ستجبرينني على فعل شيء كان عليّ فعله منذ زمن))
ازدردت ريقها وهي تفهم ما يقصده لتقول بتوتر
((لا تشبِّك الأمور ببعضها يا مَالك، ولا تتخذ الرحلة حجة لتدمر اتفاقنا!))
احتقان وجهها وكتمها لغضبها أعلمه أن أمره وصل لها وبأنها لن تخالف كلماته.. فرشقها بنظرات أخيرة متجهمة قبل أن يغادر مبتعدًا..
أغلقت سمية الباب عقب أن أدخلت يزيد للبيت وسألته بحيرة
((ماذا حدث يا يزيد؟ بماذا أغضبته؟))
عادت دموعه للانزلاق على وجنتيه وهو يقول بعتاب
((أنتِ السبب! ألم تخبريني ألا اقترب من منزل الحاج يعقوب ولا أركض باتجاهه عندما يعود من العمل وألا يتسوق لي حاجيات الرحلة؟))
رغم أن نظراته لها مزقت قلبها إلا أنها قالت
((نعم طلبت منكَ ذلك.. عليكَ أن تستمر بذلك حتى تتجنب سخط وغضب دار الحاج.. ومع الأيام سيتحسن كل شيء وسيختلف تعاملهم معكَ.. أعدك بذلك))
ازداد انعقاد حاجبي يزيد ضيقًا واستياءً وهو يتساءل
((والرحلة ألن أذهب إليها؟))
حدّقت سمية بعيني ولدها شديدتي السواد واللمعان من أثر البكاء.. ثم ردت بصوتٍ بائس.. مجهد
((لا أدري.. دعه يهدأ ثم سينسى أمر منعك))
تهدلت كتفي يزيد وهو يرفع يديه الصغيرتين ليدفن وجهه ويجهش في البكاء..
=============================
تقلب مَالك على فراشه بالليل دون قدرة على النوم وهو يتذكر
كل ما حدث بينه وبين يزيد من جهة، وسمية من جهة أخرى.. لقد تصرف اليوم بغباء بالغ وزاد الفجوة بينهم..
أرخى جفنيه وهو يشعر بنفس الشعور الذي تغلل إلى روحه قبل عِقد مضى عندما كانت سمية تنتظر عودته للمنزل لتعطيه دعوة زواجها من خطيبها الكريه آنذاك كامل..
قبل ما يزيد عن عِقد مضى..
كان عائدًا من أحد الأماكن مع شقيقه التؤام مَازن ويسير بخطواتٍ بطيئة شارد الذهن والنظر كعادته هذه الأيام..
التفت مَازن له يخبره بمرح متأصل به وبنبرة ذات معنى
((انظر للجميلة التي تنتظر عودتك منذ مدة))
لم يأبه مَالك لكلامه وظل يسير بنفس شروده وهو ينظر للأرض حتى استدعى أخيه انتباهه وهو يقول بينما يسارع خطواته للأمام
((أهلًا.. أهلًا يا سمية.. كيف حالك؟))
رفع مَالك رأسه ينظر أمامه متحفز الحواس ليجد أنها بالفعل سمية تقف عند بابهم الحديدي الضخم تتقدم منهما على استيحاء..
أدرك مَالك خطوات مَازن وأوقفه مكانه من كتفه بصلابة بينما يتقدم هو ليقف أمامها يقول لها بخشونة
((ماذا تفعلين هنا؟ من تنتظرين؟))
أجابته سمية بخفوت وهي تخفض عينيها
((أنا كنت أريد أن أسلمك دعوات زفافي))
كانت تتفهم غضبه وهي تظن بأنه لا زال حانقًا وساخطًا عليها لجرأتها في صفعه في ذلك اليوم أمام والده ورجال من وجهاء القرية!
لم يتحكم مَالك بنفسه وهو يخبرها بتعالي
((لماذا لم تعطيها لأمي وحسب؟))
قالت له بشيء من الخجل دون القدرة على أن تنظر لوجهه
((شعرت حقًا بأني أريد منحها لكَ بنفسي))
أطلق مَازن الذي كان يتابع المشهد صفيرًا مشاكسًا جعل مَالك يلف رأسه له بالخلف ويرشقه بنظرات محذرة..
انتبهت سمية على ما قالته بغير وعي وعلى وجود مَازن لتسارع بمحاولة إصلاح الموقف وتقول بينما تمد بطاقة أخرى باتجاه مَازن
((وهذه الدعوة لكَ يا مَازن أتمنى حقًا أن تأتي أنتَ الأخر))
أهداها مَازن بسمةً ودودةً ونظر بطارف عينه لأخيه بنظرة ذات مغزىً وهو يقول
((شكرًا لكِ يا سمية على تذكري، أنا ممتن على دعوتك هذه))
كزّ مَالك على أسنانه وسارع يأخذ بطاقة الدعوة من سمية بفظاظة ويمزقها لمئة قطعة يفرغ شيء من الغضب الكامن فيه وهو يقول بصوتٍ مخنوق
((أما أنا فلن أحضر لكن شكرًا على الدعوة))
أومأت سمية برأسها على مضض وهي تتفهم غضبه ولا تزال تظن أن سببه هو تلك الصفعة..
فليس مَالك الهادئ الرزين من يغضب بهذا الشكل بسهولة إلا لو تجاوز أحد خطوطه الحمراء الشحيحة.. تنهدت ببؤس ثم تمتمت بكلمات خافتة قبل أن تبعد عنهم
((أتمنى حقًا أن تحضر لو استطعت))
عاد مَالك لواقع حاله المرير وهو ينتهي من سرد أول مرة فقدها.. الأولى وحسب قبل أن تتبعها مرة أخرى..
اعتدل مَالك جالسًا وهو يمسك هاتفه ويكتب لها
"أخبري يزيد أن يذهب للرحلة ولا يلقي بالًا لكلامي السخيف قبل ساعات، وإياكِ أن تحرضيه عليّ أكثر من ذلك، فلدي حدود للاحتمال"
ظهرت له علامة وصول الرسالة لها وظهرت له علامة قراءتها لها.. إلا أنه لم يصله أي رد كامتنان منها على تراجعه عن قراره المجحف أو وعد منها ألا تضع في قلب يزيد شيء ضده.. كما توقع منها.. لكن هذا ما كان عليه فعله.. فحب يزيد لوالدته أمر فطري بما أنها أمه.. واحتياجه لها غريزي.. أما هو فحب يزيد له لن يكبر إلا بتعامله معه وبرصيد حبه وحنانه.. ومثل هذه العصبية والشدة معه قد تنفره منه..
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!