لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الرابع
في إحدى مقاهي المدينة حيث يمكن لزائريه التمتع بنكهة القهوة المميزة وبساطتها في أجواء مريحة وهادئة، جلست سهر مقابل شيرين تستمتع إلى ما في جعبتها من حديث..
زاد وجه سهر شحوبًا أثناء كلام شيرين وما إن أنهت الأخرى ما لديها حتى سألتها جاحظة العينين بلا تصديق
((هل جننتِ؟ من أين جئتِ بمُعاذ هذا؟))
حرّكت شيرين الثلج في كوبها وهي تقول مبتسمة أمام وجه صديقتها المذهول
((إنه الرائد مُعاذ الكانز.. لقد سبق وأخبرتك عنه في الماضي.. ذاك الذي توفيت زوجته منذ.. ربما ثمانية سنوات.. المهم كان هو من وقف بجانب أبي عندما التاع بالكارثة التي تسبب بها وليد، وفي أيام مرضه الأخيرة عاد تواصله معه والتقاه لعدة مرات))
هدرت سهر بصوتٍ خافت والصدمة أكبر من أن تصدقها
((نعم.. نعم تذكرته.. رأيته عدة مرات في بيتكم قبل وفاة والدك رحمه الله.. لكن لم تذكري لي أي شيء عن تطور علاقة بينكما))
قالت شيرين بصوتٍ متحمس مبتهج
((حسنًا سأخبرك التفاصيل))
أخذت نفسًا عميقًا تستعد لسرد ما حدث ثم أردفت
((أنتِ تذكرين أن والدي أوصاه أن يهتم بي قبل وفاته.. خاصة من أخوالي وأولادهم.. فقد كان يخاف أن تجبرني عائلة أمي على المكوث معهم في القرية وتزويجي من أحد أولادهم الفاشلين رغمًا عني))
رفعت سهر إحدى حاجبيها تقول بتهكم مرير
((وطبعًا هو أخذته الحمِية وعرض عليكِ الزواج فقط ليحميكِ من أخوالك الأشرار! وأنتِ وافقت على الفور غافلة عن أنه ابن عم وليد؟))
زمّت شيرين شفتيها تقول بحنق
((وماذا فيها لو كان ابن عم وليد؟))
سألتها سهر على الفور باستنكار
((وهل ستتقبل عائلته زواجه منكِ وقد كنتِ مخطوبة بالماضي ولسنوات لابن عمه؟ بل هل تظنين أن وليد قد يلتزم الهدوء عندما يعرف بزواجه منكِ؟))
استهترت شيرين
((وماذا سيفعل وليد؟))
شدت سهر على كلماتها المغلّفة بالغضب وهي تقول
((سيفعل الكثير))
قرَّبت شيرين وجهها لصديقتها متحدية بسفور
((لن يفعل شيء عندما أصبح زوجة مُعاذ وأم أولاده))
كادت سهر أن تشل من صدمتها من كلامها فقالت لها
((أنتِ مجنونة شيرين.. وهل تظنين أن وليد سيسكت عندما يعرف بزواجه منكِ وينتظرك حتى ترزقين بالأطفال منه؟))
ردت شيرين عليها بصوتٍ أجش مضطرب
((ولهذا سيكون زواجنا غير معلن لمدة))
ظلت سهر صامتة باهتة الوجه لدقائق تمعن النظر بوجهها علّها تجد شيء يدل على مزاحها.. وعندما لم تجد تمتمت عاقدة الحاجبين
((ماذا يعني؟))
تنحنحت شيرين تجلي صوتها ثم تململت مكانها تعدل من جلستها وهي تقول بتيقظ
((عائلة مُعاذ فعلا لن أن يتزوج ابنهم الرائد مني، لذلك زواجنا لن يعلن لعائلته ولا حتى لمن في القرية، إلا بعد أن أنجب منه))
فغرت سهر شفتيها تحاول النطق بشيء دون أن تقدر..
لا تصدق أن شيرين المعروفة برزانتها وكياستها وحكمة تدبريها قد تدخل نفسها بهذه الدوامة! لا تصدق بأنها هي التي كانت دائمًا ما توبخها على استهتارها وعدم جديتها في الحياة موافقة على ما تقوله! فاكتنفتها الجدية وتساءلت رافضة أن تلتزم الصمت وهي ترى صديقتها تدمر نفسها
((وهل وافق أخوالك على هذا الهراء؟ هل وافقوا على زواجك منه بدون إعلانه؟))
أومأت شيرين برأسها وقالت بتلقائية
((نعم بالتأكيد وافقوا بدون نقاش وعلى الفور، فبالنسبة لهم أنا في عمر حرج ولا يجب عليّ أن أبقى بلا زواج أكثر من ذلك.. مرة حاولوا إقناعي بقبول الزواج من رجل عجوز.. تخيلي؟))
لم ترد عليها سهر بل ظلت شاردة الذهن وكأن ما تقوله شديد الوطء عليها لتستوعبه! فغمغمت شيرين بعد لحظات متسائلة بمرارة
((ما بكِ يا سهر؟))
أجابتها بشتات وهي تهز كتفيها
((لست مرتاحة لهذا الرائد المدعو مُعاذ.. هل هو من أقنعك بأن زواجكما عليه ألا يكون معلن؟))
عضت شيرين شفتها السفلية وبدت مترددة إلا أنها قالت
((سهر.. ممممم.. في الحقيقة هناك شيء أخر عليّ أن أخبرك به))
طالعتها سهر بتوجس ثم هدرت
((ماذا؟ أنتِ ترعبيني))
أجابتها بصوتٍ مخنوق وهي تعبث بأناملها بتوتر
((في الواقع أنا أخبرت مُعاذ بأن زواجنا سيكون على الورق))
اتسعت عينا سهر وهي تسألها
((ولماذا أخبرته بذلك وأنتِ لا تريدين هذا؟))
بدا الذنب جليا على ملامحها وهي تجيب
((لأني بالغتُ قليلًا واختلقت له عن اضطهادي على يد عائلة أمي وأخوالي الأشرار ليتعاطف معي ويطلب يدي للزواج.. لكنه لم يفعل.. ربما بسبب عائق وليد.. فاضطررت أنا أن اقترح عليه أن يتزوجني فقط أمامهم حتى يمنعهم من التحكم بي))
مالت سهر برأسها وهي تسألها بحذر
((وهو وافق على أن يكون زواجكما صوري على الورق؟))
تنهدت شيرين قبل أن تجيب
((كان التردد ورفض عرضي ظاهرًا عليه.. ولم يزل إلا بعدما أشعرته بأني لا أريد منه زواجًا حقيقيًا ولا أريد إعلانه لعائلته في القرية))
هزّت سهر رأسها بيأس منها وقالت وهي تفتح يديها بضياع
((شيري أنتِ أكثر امرأة مجنونة في هذا العالم.. ما الذي يجبرك بالمرور بكل هذا الذل؟ عمرك ليس مشكلة.. أنا في الثانية والثلاثين من عمري مثلك ومع ذلك فأحيانًا لا أرى أي ضرورة في تعجيل زواجي أنا وقصي حتى لو طالت فترة خطبتنا لسنين أخرى))
عقدت شيرين حاجبيها تقول
((عمري ليس مشكلتي الوحيدة، المشكلة الحقيقية تكمن في ماضيي المخزي.. فمن سيقبل الزواج بفتاة لم يكتفي خطيبها بهجرها يوم زفافها بل وعمل هو وعائلته على تلويث سمعتها وأخلاقها!))
سألتها سهر بقنوط
((حسنًا ولكن لماذا مُعاذ بالذات؟ ألا يوجد غير ابن عم وليد تستطيعين الزواج منه دون أن تخوضي أمرا مذلا؟))
نكَّست شيرين رأسها تقول بيأس بالغ
((يا ليت كان أمامي خيارًا أفضل منه، لكن من أين أجد رجلًا مناسبًا لسني ولا يطمع في راتبي، ومتفهم لماضيَّ ويقبل بي؟ لو وجدتِ أنتِ أخبريني وسأتزوجه على الفور))
رفعت سهر يدها تمسد بأناملها جبهتها وهي تقول بإجهاد
((سلوكياتك وأفعالك تميل للجنون مؤخرًا))
حركت شيرين حلقها وهي تحاول التغلب على الغصة المؤلمة التي تسده وهي تدرك مقدار استهتارها وعبثها في قرارات مصيرية تخص حياتها.. ثم قالت لسهر
((لقد طلبني معاذ من أخوالي الأسبوع الماضي وأخبرهم بأنه لن يقيم لنا زفافًا بسبب وفاة ابن عمه يحيى.. وأخبرهم بأنه لن يعلن زواجنا قبل أن ننجب حتى يضع عائلته تحت الأمر الواقع))
قالت سهر بغضب ولوم رغم هدوء نبرتها
((لا أصدق أنكِ تتبلين على أخوالك من اجل أن تتزوجي من مُعاذ))
ردت شيرين من بين أسنانها المطبقة
((حسنًا ربما أبالغ.. ولكن صدقيني أنا أتعرض لمضايقات منهم منذ وفاة أبي.. يريدون مني أن اترك العمل وأعود لأسكن عندهم ليزوجوني من أول رجل يطلب يدي.. كما أني لا ارتاح لأسئلتهم عن مدخراتي وراتبي بين الحين والآخر))
استنكرتها سهر هادرة
((إلى الآن لا أفهم كيف طلبتي من مُعاذ أن يكون زواجكما صوريًا سريًا إذا كنتي لن تعلنيه إلا بعد الإنجاب منه! أعني كيف سيحدث هذا!))
أغمضت شيرين عينيها تحاول أخذ نفسٍ عميق قبل أن تتحدث مع سهر بلهجة شديدة وكأنها تتعامل مع طفلة صغيرة
((سهر.. سهر.. سهر أيتها الغبية وهل شبابنا يستطيع أن يطبق الزواج الصوري؟))
ظهرت البلاهة على وجه سهر حرفيًّا وهي تتمتم
((لا أفهمك))
ابتسمت شيرين تلك الابتسامة الغير مريحة وهي تقر
((سيكون زواجًا صوريًّا في البداية فقط، لكن صدقيني أسبوع أو أسبوعين وبالكثير سأسحر مُعاذ وسيطلب مني بنفسه أن يفعله!))
لم تستطع سهر منع نفسها من أن تشهق بصوتٍ عالي جذب شيء من انتباه الجالسين بجوارها ((ماذا!))
قالت شيرين بإصرار
((نعم يا سهر الليالي.. وهل تظنين بأن أي رجل طبيعي يمكنه تحمل البقاء مع امرأة تحل له في نفس البيت بدون أن يلمسها أو يتقرب منها؟))
رغم تجمد ملامح سهر من الصدمة إلا أنها هزت رأسها نافية
((لا.. لا أظن أنه يمكن لرجل أن يفعلها))
تألقت ابتسامة عريضة على ثغر شيرين هامسة
((أحسنتِ))
=============================
جلست رتيل فوق سريرها الواسع الأنيق تلاعب شعرها الأسود بأنامل يدها وبيدها الأخرى تمسك الهاتف وتحدث صديقتها غنوة التي كانت تسألها
((وماذا فعلتي عندما عرفتي بخيانة الأستاذ "مانع"؟ ألا يكفي أنه يمنع عنكِ السعادة والحياة وكل شيء؟ وفوقها يخونك؟))
هزّت رتيل كتفها تقول ببساطة
((صدمت وبهت في البداية بشكل مؤلم لكن تخطيت الأمر بظرف ساعات وها أنا أعيش وكأني لم أسمع شيء))
قالت غنوة بصدمة
((ألم تخبريه أنكِ سمعتي ما تحدث به مع أخيه؟))
همهمت لها رتيل نافية لتعاود غنوة نصحها
((حاولي أن تخبري عائلته))
قالت رتيل بنبرة باترة
((لا مستحيل.. هذا قد يعقد الموضوع بشكل أكبر ولن يأخذوا الموضوع بجدية، سيلجئون إلى الكذب لأجل تغطية عمله المشين أو يأخذون صفه فهو ابنهم.. بل قد ينبهونه حتى يقوم بإخفاء وتغطيه ما يفعله!))
هتفت غنوة ((إذن عليكِ أن تخبري الأستاذ "مانع" أنكِ تعرفين عن خيانته، وأن عليه أن يتوقف عن فعل ذلك بحقك فورًا.. وكلما كانت المواجهة معه أسرع كان ذلك أفضل))
قلّبت رتيل حديث غنوة في عقلها لدقيقة ثم سارعت تقول
((لن أواجه مؤيد مهما شعرت بالألم وإلا سأكون كمن يحرق أوراقه ويرمي بدفاعاته))
عادت غنوة تحذرها
((لكن عليكِ ألا تتجاهلي خيانته يا رتيل أو تتصرفي على أساس أنها غير موجودة، فإدراكه أنكِ تتجاهلين ما يفعله في المدينة يكون بمثابة إعطائه الضوء الأخضر والموافقة الضمنية على استمراره فيما يفعله طالما أن الأمر يتم في الخفاء))
غمغمت رتيل بامتعاض
((أعرف، لكن طالما أنه سيستمر فيما يفعله فليكن بالخفاء))
حذرتها غنوة بنبرة ذات معنى
((أنتِ حرة لكن تذكري كلما أجلتِ موضوع المواجهة كلما زاد تعلقه بمن يقابلها من وراء ظهرك، ستتطور علاقته بها ويغدو أمر تركها أكثر صعوبة، وفي النهاية ستزدهر وتنمو ثم تخرج للنور))
تنهدت رتيل بعجز وقلة حيلة ثم قالت ساخطة
((وماذا بيدي لأفعل يا غنوة؟ أنا لا أملك أي دليل مادي وحقيقي على خيانته ومن دون دليل لن أقدر على مواجهته لأنه سيكذب بلا شكَّ، بل والأنكى بأنه قد يعترف بلامبالاة بخيانته ويخبرني أن أتقبل الأمر بكل بساطة))
زفرت رتيل بضيق ورفعت يدها الأخرى تبعثر شعرها الأسود الناعم لتقول بجنون وقهر
((تبًا له.. فليمت لأرتاح أنا.. إنه يلهو في المدينة طوال الأسبوع ويتركني هنا أحيا كامرأة بليدة ومتخلفة))
عمّ الصمت للحظات ثم سألتها غنوة وهي تدخل في موضوعها الأساسي التي اتصلتِ بها من أجله
((إذن هل تحدثتِ مع السيد مانع بخصوص زيارة عائلتك؟))
((لا لم أتحدث معه.. إنه يرفض نهائيًا خروجي من البيت.. ولولا أني أحكم إخفاء وسرية زيارتي لكِ لقلت بأنه عرف بحقيقة سري لذلك يمنعني من الخروج))
((حاولي أن تُلحي عليه))
((لن ينجح صدقيني، إنه عصبي عند الإلحاح عليه.. يصعب التفاهم معه أو إدارة أي نقاش ناجح))
((لا أدري بكل صراحة بماذا أدعو على الأستاذ مانع خاصتك فليس هناك أي إيجابية فيه.. إنه متسلط وشخصية مسيطرة.. عنيد.. قاسي القلب وحاد الطباع))
كانت ملامح رتيل تمتقع مِمَّا تسمعه من صديقتها محاولة تنظيم أنفاسها المشتعلة.. لم يكن يعجبها أن يشتم أو يدعو أحد على زوجها مُؤيد.. غيرها هي.. فقالت تنهي المكالمة
((حسنًا.. تأخر الوقت يا غنوتي سأنام حتى استيقظ غدًا باكرًا لمدارس الولدين.. تصبحين على خير))
=============================
صباحًا..
ارتبكت سمية وهي تفتح باب بيتها الصغير في ساعات الصباح الباكر ثم قالت بتردد والمفاجأة تغمرها
((رتيل.. صباح.. صباح الخير))
أجابتها الأخرى ببشاشة ابتسامتها التي زينت محياها على غير العادة
((صباح النور.. أين هو يزيد؟))
التفتت سمية بحيرة لابنها الذي كان يحمل حقيبته المدرسية ثم عادت تنظر بنفس ملامح لرتيل تجيبها
((أنا أجهزه للمدرسة))
رفعت رتيل حاجبيها تسألها
((هل ستأخذينه للمدرسة مجددًا؟))
أومأت سمية بوجهها وهي تجيبها باستغراب
((نعم، أنا بالفعل منذ أكثر من أسبوع من أقوم بتوصيله لنصف طريق المدرسة وهو يكمله لوحده))
ظهرت تلك النظرات المتعجبة على رتيل وهي تسألها بمرح
((لماذا؟ ألا تستطيعين انتظار أولادي حتى يتجهزوا ويذهب معهم للمدرسة مع السائق؟))
تراخى فك سمية السفلي وهي لا تفهم ود رتيل هذا الغير مألوف فيها بشكل دائم، عدا ظنها بأنها أكثر المرتاحين الأيام الفائتة لأنها لم تراها.. فأجابت بخفوت وهي تشيح بنظرها بعيدًا
((لا داعي، لا أرد إزعاجك يا سيدة رتيل))
زمّت رتيل شفتيها تصحح لها
((أنا لا أفعل هذا إلا من أجل فهد وباسم لأنها يحبان رفقة يزيد))
مدت رتيل يدها ليزيد الذي كان يخرج رأسه من خلف الباب ويطالعها قائلة بود
((هات يدك، تناول الفطور معنا ولتذهبوا جميعكم مع السائق كما كنتم تفعلون من قبل))
قطّب الصغير حاجبيه ونظر لأمه الصامتة بارتباك ليأخذ إذنها.. فأومأت له برأسها موافقة ثم ناظرت رتيل تخبرها
((لقد تناول فطوره بالفعل، ولكن يمكنه الانتظار حتى يتجهز ولديكِ يا سيدة رتيل فهو الأخر يحب رفقتهما))
أمسك يزيد بيد رتيل يذهب معها أمام أنظار سمية التي لم تكن تريد أبدًا جعله يختلط مع أولاد رتيل ولكنها أشفقت على الطريق الطويل الذي يسيره رغم صغر سنه لمدرسة القرية البعيدة نسبيًا عنهم!
.
.
دلفت رتيل للمطبخ وهي تمسك يد يزيد فسألتها منال باستنكار
((ما هذا! ماذا يفعل ابن البستانية هنا؟))
ابتسمت رتيل لها تعلمها بألا تهتم بوجود يزيد وهي تسألها
((هل وضعتم الفطور على منضدة الطعام؟))
أومأت لها نجوم قائلة وهي تدلف المطبخ بنشاط
((نعم يا سيدة رتيل، لقد جهزناه))
ثم تقدمت من يزيد تبعثر شعره بيدها وهي تخرج لسانها له بمشاغبة
((اشتقت لكَ أيها الشقي، لماذا لم تعد تزورنا!))
أخفض يزيد وجهه بخجل يداري ابتسامته.. في حين لكزت منال ابنتها نجوم وحدجتها بغضب متقد لودها معه!
وصلت رتيل للصالة وسحبت كرسيًّا لزيد ليجلس مقابلها عندما رفعت الحاجة زاهية الجالسة حول منضدة الطعام وجهها وتساءلت بحدة
((لماذا جاء هذا الولد هنا؟))
توترت رتيل من لهجة حماتها إلا أنها أجابتها دون أن تنحسر ابتسامتها الصباحية النادرة
((أنا أحضرته حتى يذهب مع ولديّ للمدرسة))
تطلعت زاهية لمدبرة المنزل نعمة التي كانت تقف بجانبها تسألها بصرامة
((ألم تنبهي على سمية يا نعمة ألا تُدخل ابنها هنا حتى إذا ما تكرر ما حدث سابقًا لا يظن أحد به سوء الظن؟))
أومأت نعمة لها طائعة وهي تقول
((سأعيد التنبيه على سمية مجددًا يا حاجة))
ثم حدجت نعمة الصغير يزيد بنبرة تحمل التحذير والتوبيخ كما نظراتها
((تعال فورًا يا يزيد لنذهب للخارج))
لم يناقشها يزيد بشيء بل على الفور قفز من مقعده قبل أن تحيد نعمة بنظرها المحتد عنه على صوت مَالك الذي كان ينزل من الدرج الذي ينتصف الصالة مسرع الخطوات.. وما إن وصل لهم حتى قال بسخط لنعمة
((كيف تبعدينه عن مائدة الفطور؟))
أجفل يزيد قليلًا على صوت مَالك الذي انخفض بمستواه يسأله باهتمام
((كيف حالك يا يزيد لم أراك منذ أيام!))
فهم يزيد من وجوم مالك أنه بمثابة عتاب رقيق لأنه لم يزره كما هو معتاد ومع ذلك أجابه بنبرة عادية دون أن ينظر له
((أنا بخير))
بالكاد أخفى مَالك استغرابه من طريقة حديث يزيد معه بملامحه الواجمة.. ثم تطلع نحو نعمة غير عابئًا بنظراتهم جميعًا إليه
((ماذا قلتي له يا نعمة؟))
أجابته نعمة بصرامتها المألوفة
((لا يجوز يا سيد مَالك له أن يظل هنا، لكن الحق على أمه هي التي..))
قاطعها مَالك هامسًا بعصبية وقد أكتفى حقًا منها هي ومن كل العاملين في القصر الذين يعاملون يزيد وسمية بهذه الدونية
((سيظل يزيد هنا))
رغم أن نعمة كانت تتحدث بصرامة وثقة تستمدها من وجود الحاجة زاهية لأن مَالك يخشى إظهار اهتمامه وعطفه على يزيد أمامها إلا أن سخطه الظاهر الآن أخافها.. فآثرت أن تبتعد ولا تدخل بنقاش محتد معه متمتمه باقتضاب
((كما تريد يا سيد مَالك))
تدخلت رتيل الجالسة معهم منتصرة ليزيد
((أنا من جلبته إلى هنا حتى يذهب مع ولديّ للمدرسة مع السائق فحاسبيني يا نعمة لا هذا الصغير))
لكن لم تطل رتيل موقف شجاعتها عندما حدجتها زاهية بنظرات نارية محذرة سرعان بل أشاحت بعينيها جانبًا بقلة حيلة..
أمسك مَالك بيد يزيد يجذبه ليعاود الجلوس فوق كرسيه قائلًا بحنو
((عد لمكانك))
دمدم الصغير بعناد يحرضه ضعفه ومشاعره المتذبذبة التي ترهق روحه الطفولية من كل ما يلاقيه من أصحاب هذا البيت
((لستُ جائعًا سأنتظر في الخارج))
إلا أن مَالك أصر عليه قائلا بلهجة حاسمة بينما يُجلسه عنوة ممزوجة بالرفق فوق الكرسي
((بل ستتناول الفطور أولا))
اختلس يزيد النظر بطارف عينيه لأقرانه فهد وباسم اللذان كان يتطلعان للموقف بحيرة فاشتد ألمه لأنهما كانا شاهدان عليه وهو يهان من قبل العائلة.. ثم أخفض رأسه يعاند بنبرة مختنقة
((لا أريد أن اجلس))
خفتت نظرات زاهية المحتدة لرؤية هشاشة يزيد ونظراته التي تذيب وتفتت القلب.. لكن كرهها لوجوده كان رغمًا عنها.. إنها لا تطيقه ولا تطيق النظر لملامحه هذه.. قد يعتقد من حولها أنها تكرهه من كرهها لامه سمية والتي بالمناسبة تكرهها بسبب اهتمام مالك بها.. فليس أحب أولادها على قلبها ومن أشبعته دلالًا وعزًا ستسمح له بأن يحب أو يتزوج من أي أمراه كانت!
لكن الحقيقة أن لا علاقة لسمية بكرهها ليزيد.. بل السبب المبهم في كرهها له هو شيء متعلق بملامحه التي تجعلها تتخيل أمورًا مستحيلة وتظن الظنون الرابيات! فقالت أخيرا بجفاء
((لا تضغط عليه يا مالك إذا كان لا يريد الجلوس، قد يريد تناول الطعام في المطبخ على راحته))
عقب يزيد على كلامها يقول بنبرة أشد اختناق تنذر بالبكاء
((لا أريد آكل شيء لا هنا ولا هناك، لستُ جائع))
أمسك مَالك كف الصغير الغض يسأله بلهفة وقلق
((هل تبكي؟ أخبرني ماذا حدث يا يزيد؟ هل أزعجك أحد؟ أجبني؟))
تطلعت الحاجة زاهية لوهلة خلفها تأخذ حذرًا قبل وصول زوجها الذي لن يعجبه منظر مَالك وهو يفيض في اهتمامه بيزيد.. في حين انزلقت عبرة صامتة من عين الصغير وهو يتمتم
((لا أحب الجلوس هنا))
أغمض مَالك عينيه يأخذ نفسًا عميقًا ثم فتحهما يسأله بألم
((لماذا لا تحب؟ هل أزعجك أحد؟))
وعندما لم يستطع يزيد أن يكبح المزيد من الدموع المتجمعة في عينيه غمغم بصوته المتهدج وهو ينفض يدي مَالك عنه
((لا أحب فقط الجلوس مع عائلتك))
ثم هرول مبتعدًا فوزع مَالك نظره لكل المتجهمين الجالسين حول المنضدة لعله يفهم ما حدث قبل أن يستقيم واقفًا ويسارع في اللحاق به..
دلف للمطبخ ليجد الصغير واقفًا في منتصف المطبخ يجهش بالبكاء ويغطي وجهه براحة كفيه.. ومنال التي كانت واقفة تنظر له بعدم فهم لكن بمجرد أن انتبهت لوجود مَالك حتى سألته على الفور
((ما به هذا الشقي؟ بماذا يتعبك يا سيد مَالك؟))
لم يجبها ومنظر يزيد يبكي بهذا الشكل جعل قلبه يهتز بين ضلوعه بغضب يعتليه فاقترب منه وحرره من حقيبته الظهرية ثم حمله وهو يهدهده ملهوفًا عليه
((يزيد حبيبي.. ماذا هناك؟ ما سبب بكائك؟ فقط أخبرني وأعدك بأن أتصرف))
حضرت الحاجة زاهية بعد دقائق للمطبخ تتطلع بنظرات ممتعضة على ابنها وهو يقوم بترضية الصغير.. فدمدمت له
((ستتأخر على عملك يا مَالك.. دعه منال ترى مشكلته فربما يكون مريضًا))
كانت منال تناظر الموقف بنظرات مشمئزة وهي ترى أن الصغير الذي ينحدر من أصل وضيع لا يستحق اهتمام أصحاب هذا القصر.. ثم اقتربت مغمغمه من زاهية تهمس في أذنه بخبث
((لا أكذب إن قلت بأن السيد مَالك لم يعد يدلف للمطبخ أبدًا منذ أن توقفت سمية عن الحضور))
جحظت عينا زاهية والتفتت لمنال تزجرها بصوتها الحازم
((إلى ماذا تلمحين يا منال؟ هل تقصدين بأن ابني عديم التربية ولعوب يلاحق النساء اللاتي يعملن تحت ظل الحاج يعقوب؟))
بهت وجه منال وعرفت بأنها استثارت غضب سيدة هذا المكان فسارعت تصلح موقفها وتتراجع
((لا مَعاذ الله أن ألمح لذلك، لا أحد بمثل أخلاق ومروءة السيد مَالك.. لكن ما قصدته..))
تلكأت منال متلعثمة في نهاية حديثها فقاطعتها زاهية على الفور وهي تأمرها بصرامة
((يكفي إلى هنا حديثًا يا منال وابتعدي))
بنبرة مرتبكة اعتذرت منال مجددًا واستأذنت الانصراف في حين كان مَالك يتوعدها سرًا بتسميعها ما يليق بها هي وغيرها هنا واتخاذ الإجراء المناسب لهن!
وجهت زاهية باقي كلامها له وهي ترشقه بنظرات ساخطة غير راضية
((وأنتَ يا مَالك اترك الولد هنا ليذهب لأمه واذهب إلى عملك حتى لا تؤخر نفسك وتؤخره على مدرسته الابتدائية))
لم يجد مَالك بدًا من الكلام فسارع يقول منهيًا هذا الحديث بهدوء قاتم
((سأذهب أنا وهو معًا، السلام عليكم))
أخفض جسده يضع يزيد أرضًا ثم أمسك برسغه بيد، وحقيبته الظهرية باليد الأخرى مغادرا إلى الحديقة الخلفية..
أغلق مالك باب المطبخ الخارجي ثم جلس فوق العشب الأخضر متكئًا بظهره على الحائط وجذب يزيد الذي كان خاضعًا تمامًا له من يده ليجلس فوق حجره..
وكأن الأخير أخذ راحته أخيرًا بخروجه من هذا القصر وابتعاده عن أصحابه الذين يطبقون على صدره ويشعرونه بالسوء من نفسه فأنفجر أخيرًا في نحيب عالي..
اتسعت عينا مَالك بوجوم لكن أحاطت ذراعه بكتف يزيد يضمه له فاستجاب الآخر له وهو يخفي ملامح وجهه المُدَمَرة وروحه المتعبة..
تشبث يزيد بيديه الاثنتين قميص مَالك فقد مرّ أيام عليه من دون رؤيته أو التحدث معه كما هو معتاد.. وكان مَالك هو الآخر يمرر يده على ظهره المختض من بكائه وهو يحدثه بريع من حاله العجيب
((يزيد بني لا تبكي، أخبرني ماذا حدث معكَ؟ من أزعجك من أهل البيت؟))
أجابه من بين بكائه بصوتٍ متهدج يكاد يكون مفهوما
((لا أحد، لكن لم أعد أحب الدخول إلى هنا))
أغمض مَالك عينيه بألم وعويل يزيد بصدره يبكي بأسى.. مرت دقائق طويلة عليهما وبعدما اكتفى الصغير من إفراغ كل الدموع الكامنة داخله ابتعد تدريجيًا عنه يبحث بنظره المتشوش من إثر بكائه عن حقيبته..
فتحها وأخرج منديلًا يمسح بنفسه وجهه المحتقن والملطخ بالدموع..
كان مالك متأكدا من وجود خطب ما معه، فيزيد لم يتحدث معه منذ أيام.. وحتى عندما يلقاه صدفة ويلقي السلام عليه يرده بخفوت واختصار كأنه يتهرب منه ويتجنبه عن قصد! وهو فقط كان يمرر الأمر له لأنه كان مشغولا في أمور يخص عمله في المدرسة! فسأله وهو يمرر يده فوق خده المشوب بحُمرة واضحة
((لماذا لم تعد تحب الدخول إلى هنا يا بُني؟))
كان مَالك يحدثه بعتاب وكأنه يخاطب رجلًا كبيرًا لا طفلًا في السادسة من عمره.. لكن ما تلقاه منه كإجابة هو صوت زفيره الواهن ثم صوته الخفيض وهو يجيب
((أمي فقط أمرتني أن أتوقف عن إزعاجك لأنك ستكون مشغولا بالعمل))
ابتلع مَالك مرارة حنظلية بجوفه ثم قال بتأنيب رقيق أنعش أوردة الصغير
((لكنك لا تزعجني، بل أنا المقصر بحقك من كل الجهات.. ومهما أفعل فلن أوفيك شيء من حقوقك عليّ أو أكفر عن ذنبي تجاهك))
صمت الصغير لدقائق يحدق فيه ثم أشاح بنظره وقال متهربًا
((قالت لي العمة رتيل أن اذهب اليوم مع السائق مع فهد وباسم.. اتركني الآن وإلا سأتأخر))
ضيّق مَالك عينيه يستدرك ما يقصه ثم سأله بصوتٍ خطير
((لم أفهم! ألم يكن يوصلك السائق كالعادة في الأيام السابقة؟))
تردد يزيد في الإجابة إلا أنه قال بخفوت
((لا أمي كانت توصلني))
احتدت عينا مَالك بشعور صادم ثم تساءل بغضب وحمية
((كيف توصلك؟ مشيًا على الأقدام؟ لماذا تمنعك من رؤيتي ومن الذهاب مع السائق؟))
عادت الدموع تتجمع في عيني يزيد وتقوس ثغره الطفولي للأسفل ثم أجاب بتلعثم
((ربما.. بسبب..))
شد مَالك على ضروسه وغمغم بعجب يشوبه الغضب
((سمية تلك تجلب المشاكل فقط!))
استقام مَالك واقفًا وعاد يحمل حقيبة يزيد ويجره معه بيده الأخرى هادرًا وبريق خضرة عينيه تتوعدان سمية بالكثير..
تبعه الصغير لكن تساءل بحيرة عندما قادة مالك الى طريقٍ بعيد عن البوابة الخارجية
((إلى أين؟ أين سنذهب؟))
.
.
عدلت سمية الوشاح على شعرها الأسود ثم فتحت الباب للطارق الغاضب الملح لتجد مَالك يقف أمامها وهو يرشقها بنظرات قاتمة..
انتبهت أنه يحمل حقيبة يزيد الذي كان يقف معه فتساءلت بقلق وهي توزع نظرها بين الاثنين
((مَالك! ماذا تفعل هنا؟ ولماذا لم يذهب يزيد لمدرسته حتى الآن؟))
كانت تمعن النظر بوجه ابنها المحتقن وعينيه المحمرتين بخفوت قبل أن تقطع نبرة مَالك النارية تفكيرها
((هل يمكن أن أعرف لماذا تمنعين يزيد من الذهاب مع سائقنا كما هي العادة؟ هل جعلتيه يمشي على أقدامه إلى المدرسة كل تلك المسافة؟))
فهمت سمية سبب غضبه الثائر هذا لتكتف ذراعيها وترد بجمود
((كم مرة عليّ أن أخبرك فيها ألا تطرق بابي وتقف أمام بيتي إلا للضرورة! ستجلب الأقاويل لي!))
ظل مَالك على نفس وقفته وعاد يزجرها وعينيه بعينيها
((لا تغيري الموضوع، لماذا جعلتِ يزيد يذهب لمدرسته مشيًا على الأقدام وقد عينت السائق ليوصله مع فهد وباسم في كل مرة لا أقدر على إيصاله أنا بنفسي؟))
ردت عليه بنفس النبرة الثابتة التي تحمل حزمًا وأمرًا
((والله هذا ابني وأنا كأمه أعلم مصلحته أكثر من أي أحد آخر، وبالتأكيد سأجعله يقوم بما يريحه أكثر.. أو يشقيه بشكل أقل))
شدت على كلماتها الأخيرة وفهم مَالك مغزاها.. إلا أنه غمغم بصوتٍ يفيض غِلًا
((لا ينقص إلا أن تحاولي بتر أي حبال تواصل متبقية لي مع يزيد!))
تصدعت خطوط دفاعها وتمتمت له بخواء صوتها
((أنا لستُ ظالمة لهذا الحد))
ثم أومأت بعينيها لابنها تأمره
((انتظرني يا يزيد حتى أغير ملابسي وأوصلك للمدرسة))
قال مَالك بصوتٍ باتر
((أنا من سأوصله وابقي أنتِ هنا، أساسًا تأخر الوقت ولا وقت للمشي هناك))
تنهدت بنفاذ صبر ثم عاندته
((لا أريد إتعابك، أنا من سأوصله))
رفع أحد حاجبيه يقول بخشونة
((بل أنا من سأفعل))
علت نبرة صوتها قائلة وقد سئمت من تبادل الحديث العقيم بينهما
((لو سمحت لا تتدخل بقراراتي، أنا من سأوصله))
أمال مَالك وجهه قائلًا بنبرة متسلطة خافتة
((اخفضي صوتكِ يا سمية أمامي، من يقف أمامك هو رجل في السابعة والعشرين من عمره ولم يعد ذاك المراهق!))
تراجعت بتلقائية خطوة للخلف تقول بنبرة أقل انفعالًا
((أنا لم أقصد أن يعلو صوتي عليكَ ولكن لو سمحت توقف عن التحكم بيزيد فأنا أفعل ما أشعر حقًا بأنه يريحه، هو حقًا لا يحب أن يذهب مع السائق..))
قاطع كلامها بحنق منها
((هراء! لن أجعله يمشي كل هذه المسافة لأنه يمتلك أمً برأس صلب عنيد مثلك))
لم يحدثها يومًا بهذه الطريقة وهذا الأسلوب ولم يقلل يومًا من احترامها.. لكنها أخرجته من طوره هذه المرة وهو نال كفايته ونفذ صبره من كبريائها البغيض وتفكيرها العقيم وما يؤدي له من نتائج تؤثر على يزيد قبل أن تؤثر عليهما! ثم إنه وبعد كل ما مر به وكل ما يعانيه بسببها يجعله متيقن من أن وصوله إلى مصلحة الثلاثة لن يتم سوى بإيلامها وجعل نفسه المتحكم.. فأكمل بصوت المهدد
((أنتِ ستطيعين أوامري دون زيادة أو نقصان يا سمية، وإياكِ أن تختبري صبري في مثل هذه الأمور حتى لا تري وجهًا آخر مني لن يعجبكِ صدقيني))
ارتجت خفقات قلبها بعنف ولا تعرف لماذا هابته.. ربما لأنها تعرف أنه يملك القدرة بل ويستطيع دون مجهود أن يسلبها أهم شيء في حياتها حتى دون أن يحاسبه أحد! إلا أنها تحلت بصلابة وهمية وغمغمت
((توقف عن التهديد))
زجرها بنبرته المحذرة
((لا تتعنتي فقط نكايةً بي، ومن الغد سيأخذه السائق كما الماضي فإياكِ أن تمنعيه))
ابتلعت ريقها من طريقة تسلطه في الحديث معها.. في حين شعر مَالك بارتعاش يد يزيد التي يمسكها فالتفت له يواجه وجهه الصغير البريء الحائر.. مدركا أن المشهد هذا أربكه إذ أنه يراه أول مرة يوبخ أمه ويتحدث باحتدام معها بهذا الشكل! لقد أخطأ عندما غفل عن وجوده واستماعه لهما.. فابتسم له قليلًا يفرج عن حدة ملامحه الواجمة.. ثم التفت لسمية التي كانت تهم بإغلاق الباب عليه فمنعها بوضع قدمه فوق العتبة يقول بصوتٍ فيه شيء من الخطورة
((لم أسمع كلمة موافقتك على كلامي يا سمية؟))
لم تجبه بل دخلت في صراع مع ترددها للحظات طويلة ليعاود الترديد عليها بصبر جميل
((سمية أنا لا زلت انتظر ردك))
رمته ببغض وغيظ نظراتها وهي تقول
((لا تقلق، لن أمنعه))
بابتسامة متكلفة وارى بها رغبته السادية بلكمها قال بينما يبعد قدمه عن العتبة
((يمكنك الآن إغلاق الباب حتى لا يثير وقوفي هنا طويلًا الأقاويل، وأنا من سأقوم بإيصال يزيد للمدرسة اليوم))
التفت يزيد إلى أمه كأنه يأخذ إذن الذهاب كما هو عادته لتومئ برأسها إليه مطمئنة!
=============================
طرقت نورين باب مجلس النساء وعندما جاءها الإذن دلفت للداخل بخطوات مترددة لتهدر بخفوت وهي تنظر للحاجة الزاهية التي كانت تجلس منحنية بشرود وبجانبها رتيل ترتشف من فنجان قهوتها
((مساء الخير يا عمتي))
نظرة واحدة من ملامح حماتها أخبرتها بأن ما طلبتها من أجله لا يبشر بالخير.. خاصة وهي ترد عليها بعبوس
((مساء النور، ألم يخبرك مُصعب متى سيعود؟))
أجابتها متمتمه والشعور بالذنب يطفح على ملامحها
((هو فقط أخبرني أنه سيبين خارج المنزل لعدة أيام بدون أن يشرح أي تفاصيل أخرى))
عادت زاهية تسألها بشك وهي تمعن النظر بملامحها لعلها تستشف شيئًا
((هل هذا ما قاله فقط؟))
أومأت نورين برأسها بخشية ثم سألتها ببديهية
((نعم.. ألا تستطيعين الاتصال به؟))
لم تتجاوب في البداية ملامح زاهية مع سؤالها البسيط العفوي إلا أنها قالت أخيرًا بصوتٍ مهيب وهي تنظر أمامها
((لم يرد إلا على مكالمة واحدة وأخبرني بأنه مضطر أن يبتعد عن البيت لعدة أيام))
خفت بريق عيني نورين ثم سألتها بنبرة باهتة
((هل هذا فقط ما قاله؟))
أجابت زاهية بنبرةٍ حذرة بطيئة وعينيها تبرقان تهديدًا
((أصدقيني القول، هل فعلتِ أو قلتِ ما يزعج ابني؟))
اضطربت ملامح نورين عند هذا السؤال إلا أنها قالت بخفوت وارتباك
((لا لم أفعل شيء.. هل أخبرك عني أي شيء؟))
ظلت زاهية صامتة بعض الوقت وهي تدقق النظر في عينيها بطريقةٍ سارعت في نبضات قلبها ثم قالت لها بقنوط
((إذا لم تكن منكِ أي فائدة مرجوة فعلى الأقل لا تفعلي أي شيء يعكر من مزاجه أو يثير ضيقه))
تصلب جسد نورين بالأرض للحظات وصمتت قليلًا بملامح متألمة وهي تذكر آخر ما حصل بينهما لكنها دافعت عن نفسها بشجاعة
((لم افعل أي شيء، بل دائما ما أتحرى راحته ورضاه))
كانت زاهية تشعر بقهر على مُصعب وعلى زواجه بتلك الطريقة.. ألا يكفي انتهاء زواجه الأول بابنة عمه رشا رغم الحب الذي كان يكنه لها؟ هو الوحيد من أبنائها الذي تشعر بأنه لم يحظَ بالاهتمام الكافي بين إخوته.. ففي حين كل اهتمام زوجها في مُعاذ ومُؤيد انصب اهتمامها هي في التؤام مَالك ومَازن.. ولا يهون عليها أن يفقد مُصعب نفسه بهذا الشكل الذي آل إليه ويدفن أمانيه ورغابته لأجل مصلحة العشيرة..
نفضت زاهية عنها غبار التفكير وهي تنظر للتي أمامها مغمغمه بغضب مكتوم
((منذ زواجه منكِ اعتلّت صحته وانعزل بنفسه وصار منغلقًا، يمضي حياته في البيت بل ويرتب احتياجاته حتى لا يخرج منه إلا للعمل.. لا أدري ما الذي فعلته بابني!))
ضاقت عينا نورين وقد اتقد فيهما سعيرٌ خطير وهي تنتبه على رتيل تسكب لها فنجان قهوة وترفعه لترتشف منه القليل باستمتاع بينما تشهد على حديثهما.. رتيل تلك الأفعى هي السبب في إفساد علاقتها مع والدة مُصعب التي كانت شبه طيبة معها في البداية.. ثم الجميع يعرف أن مصعب هكذا منذ زواجه بها لأنه تزامن مع وقت وفاة ابن عمه!
أشاحت الحاجة زاهية بيدها وهي تقول من بين شفتين غاضبتين متصلبتين
((يمكنك الانصراف، فقط نادي ياسمين لتشاركنا احتساء القهوة))
ازدردت نورين ريقها وأسرعت تخرج من مجلس النساء وتنفذ ما أمرتها به على الفور..
.
.
وكانت دقائق حتى عادت الحاجة زاهية تتكئ في مجلسها بصلابة عند دلوف ياسمين المجلس ملقية السلام.. فأمرتها برفق أن تجلس جانبها ففعلت وهي تجاملها بابتسامة..
سكبت رتيل لها فنجان قهوة فتناولته ياسمين منها مغمغمه بالشكر ثم ارتشفت منه بينما الهدوء يلف المكان..
كانت ياسمين تدرك أن حماتها طلبتها لحاجة تخص مَازن إلا أنها آثرت الصمت حتى تبدأ هي الكلام.. واستشعرت الحاجة زاهية تساؤلات ياسمين الغير منطوقة فقالت بهدوء لها
((لم انده عليكِ لشيء محدد، نريد أن نجلس معكِ قليلًا، نكاد ننسى ملامح وجهك.. الجلوس وحيدة في غرفتك دون فعل شيء غير صحي بالنسبة لكِ))
أومأت ياسمين برأسها في صمت وعادت ترتشف من فنجان قهوتها لتسألها زاهية أخيرًا
((هل تتواصلين مع زوجك جيدًا؟))
تجمدت عينا ياسمين كملامحها تمامًا قبل أن تتبدل للحنق عند ذكر سيرته، لكنها أجابت بهدوء قاتم
((نعم، لا تقلقي هناك اتصال دائم بالهاتف بيننا ولساعات يوميًا..))
قالت الحاجة زاهية بحزم مخفف
((جيد يا ياسمين، يجب أن يكون هناك تواصل دائم بين الزوجين فهو يذيب الحواجز الجغرافية بينكما ويشعر كل طرف بأنه ليس بعيدًا عن الآخر))
ضيق شاب روح ياسمين وحماتها تردف بصوتٍ يلفه الحزن
((لا بد أن مَازن يمر بظروف صعبة منذ ذهابه وحيدًا إلى بلد غريب، فحاولي دائما أن تخففي عنه وحدته وغربته بإشراكه في كل أمور حياتك حتى لا يشعر وكأنه في معزل عنكِ وعن هدى ابنته!))
بدت علامات التبلد والتجهم بادية على وجه ياسمين وهي تتمتم
((فليكن الله بعونه، سأفعل))
تنهيدة عميقة خرجت من صدر زاهية ثم ناظرت رتيل التي كانت تلتزم الصمت منذ وقت طويل فقالت لها وهي تتذكر مسألة الصباح
((رتيل لا أريد ما حدث صباحًا أن يتكرر لو سمحتي))
ارتفع احدى حاجبي رتيل ببطء شديد ثم قالت متسائلة
((هل تقصدين مسألة يزيد؟ ولكن أولادي حقًا يحبون رفقته))
رمقتها زاهية شزرًا وهي تعقب بصوتٍ واجم
((لا أحب أن يدخل الصبيان داخل منزلنا هنا بلا حسيب أو رقيب.. لدينا حفيدتين يا رتيل))
قامت رتيل بالتوضيح والاعتذار
((لكنه صغير، فقط في السادسة من عمره))
رفعت زاهية كف قاطع أمامها بشكل متصلب ثم غمغمت بنبرة باترة
((حتى ولو يظل غريبًا علينا ومحظورًا عليه الدخول هنا))
بدأ ذاك الضيق الغريب الذي يستبد بها عند ذكر ابن تلك البستانية يتفشى في داخلها.. فثارت أنفاسها وتشتت أفكارها وبشكل تلقائي انزعجت ملامحها باختناق لتتمتم وهي تنظر بعيدًا
((كم أكره وجود هذا الصغير بالذات هنا.. أكرهه هو وأمه.. أكره ملامح شكله، وأكره اسمه))
ثم وضعت القهوة على المنضدة الصغيرة واعتدلت بهدوء واقفة تقول بينما تغادر
((سأذهب للحاج لأرى إذا ما كان يحتاج لشيء))
وبمجرد أن أغلقت باب المجلس خلفها حتى رسمت ياسمين تلك الملامح المستغربة وهي تتمتم بخفوت كمن تحادث نفسها
((تكره اسم "يزيد".. عجيب أمرها!))
رفعت رتيل حاجبيها تسألها
((ما هو العجيب؟))
ردت ياسمين بعفوية
((أتذكر عندما كنت حُبلى بابنتي هدى أعلمتني برغبتها في تسمية الجنين بيزيد لو كان ذكرًا، على اسم والدها لأنها حلمت به))
عقدت رتيل حاجبيها ورفعت أناملها لذقنها لتقول بتفكر وفطنة
((نعم أتذكر هذا.. لقد ولدت هدى ويزيد وفهد في نفس السنة.. أخبرتكِ أن تسمي ابنك يزيد لو كان ذكرًا لأن مُؤيد كان مصرًا على تسمية كل أولادنا بأسماء أجداده من طرف أبيه))
هزّت ياسمين كتفيها تقول ببلادة
((غريب أن تكره عمتي هذا الاسم وهو على اسم والدها))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!