لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الحادي والعشرون
كان سائق عائلة سهر يقود بهم السيارة حينما نبهّته سهر التي تجلس مع والدتها في المقعد الخلفي أن يقف
((ذاك المبنى الكبير هو مبنى شركة القاني، أوقف السيارة هناك لو سمحت))
استجاب السائق لسهر وما إن فتحت باب السيارة تهم بالخروج حتى ردعتها يد أمها
((سأترجل من السيارة معك))
طالعتها سهر بعبوس ورفض
((شيرين أكدت عليّ بأنها تريد مني الحضور وحيدة، يكفي مجيئك معي رغما عني.. فلا تلحقيني إلى هنا أيضًا))
حرّرت سهر ذراعها من قبضة والدتها وترجلت من السيارة مؤصدة الباب خلفها..
في حين تقبضت يدا تمارا من الغيظ للغموض الذي يلف الموقف.. عليها أن تعرف سبب اتصال شيرين وسؤالها السابق عن قصي خطيب ابنتها!
شيرين التي لم يسبق أن رأت أو تعاملت مع قصي ما حاجتها الآن للسؤال عن معلوماته الشخصية وصورته قبل أن تأمر سهر أن تأتي لها مع تأكيد صارم ألا تخبرها هي أمها بشيء!
زمّـت تمارا شفتيها وهي تعقد العزم على أن تتبع سهر بعد دقائق.. ستسأل عن قسم شيرين بأي طابق وتلحقها..
بعدما دخلت سهر للمبنى استقلت المصعد وبمجرد أن أوصلها إلى قسم شيرين حتى خرجت منه بهدوء ولباقة..
تفاجأت عندما وجدت شيرين تنتظرها عند باب مدخل القسم بينما تهز قدمها بتوتر وارتباك شاردة النظر كأنها لا تكاد تطيق صبرا على وصولها..
تقدمت سهر منها وهي ترسم ابتسامة مرحة هادرة
((شيرين لماذا تقفين هنا متعبة نفسك؟ كنتُ أنا من سأدخل عند مكتبك))
جفلت شيرين على صوت سهر وهرعت نحوها تقول بتحفز متجاهلة كلامها السابق
((أخيرا جئتِ يا سهر!))
استبد القلق في سهر وقالت دون أن تنحسر ابتسامتها المتشنجة
((ما بك يا شيرين؟ وجهك شاحب للغاية.. أنتِ تخفينني.. ألم تقولي بأنه موضوع بسيط؟ ها، ما هو الموضوع البسيط الذي جعلتني آتي هنا من أجله على الفور!))
ابتلعت شيرين ريقها الجاف ثم رفعت يديها تمسك كتفيّ سهر وتشد على كتفيها، لتقول بصمود نبرة عصية
((لا سهر ليس موضوعا بسيطا.. لم أستطع أن أخبرك به على الهاتف وانتظرت حتى تأتي إلى هنا..))
أغمضت شيرين عينيها في نهاية كلامها تحاول استعادة رباطة جأشها فازداد توجس سهر وهي تشعر بأن صديقتها ستتحدث معها بموضوع هام كأنه أمر حياة أو موت.. فغمغمت بجدية
((ماذا هناك يا شيرين؟ أخبريني))
عقدت شيرين العزم وهي تقول
((سهر أعرف بأنك ستتأذين مما سأخبرك به لكن عليك أن تعرفيه لمصلحتك.. أنتِ أعز صديقة عندي ولا أقبل أن تعيشي بوهم وتنخدعي باسم الحب لثلاث سنوات))
اهتزت حدقتا سهر واستغرق الأمر منها دقيقة قبل أن تعقد حاجبيها متسائلة
((ثلاث سنوات؟ هل تشيرين إلى خطبتي من قصي؟))
هزت شيرين رأسها ثم غمغمت باشمئزاز كأنها تبصق كلماتها
((نعم قصي، "قصي سامح" خطيبك.. ما هو.. إلا مخادع حقير))
حركت سهر كتفيها تبعد يدا شيرين عنها ثم تساءلت بحزم
((مخادع؟ وكيف يخدعني؟))
أمعنت شيرين النظر في زرقة مقلتي سهر وهي تقر
((إنه مجرد موظف بسيط جدًّا على عكس ما يدّعي ويتقاضى مرتبا لا يكفي حتى أن يُؤهله ليكون رب أسرة عادي))
أنكرت سهر كلامها متهكمة بلا مرح
((مستحيل.. لا أصدق هذا الكلام))
هدرت شيرين بانضباط انفعالي
((ولا أنا صدقته في البداية! فاضطررت أن أمعن النظر لصورة خطيبك التي أرسلتها لي آلاف المرات لأتأكد من أن خطيبك قصي هو نفسه "قصي سامح" الشاب المستهتر المستفز الذي يعمل في نفس القسم الذي أُشرف عليه!))
ثم قبضت شيرين على يدها تجرها هادرة
((اتبعيني وسيري خلفي إلى حيث يجلس قصي في عمله بالعادة، لكن بهدوء، دون أن تصدري أي صوت.. أرجوكِ لا تفكري بإظهار أي ردة فعل هنا.. فالقسم كبير وفيه مئات الموظفين الذي يعملون ويتلقون الاتصالات الآن ولا يجب أن نصدر أي هسيس ونزعجهم))
فكت سهر يدها بقوة من قبضة شيرين واعترضت بعصبية
((لن أذهب معك لأي مكان، أنا متأكدة من أن هناك سوء تفاهم.. أو لحظة..))
فتحت سهر حقيبتها تتفقد محتوياتها تكمل
((الصورة التي أرسلتها لك لم تكن واضحة لخطيبي قصي، سأريكِ الآن صورة أخرى أوضح جودة لتتأكدي من خطأ شكوكك))
ضربت شيرين الأرض بقدمها بنفاذ صبر ثم هدرت مجاهدة ألا يعلو صوتها أكثر ويجذب انتباه الموظفين المارين
((توقفي يا سهر عن الإنكار فهل يعقل أن يكون له نفس الاسم الرباعي أيضًا؟))
تطلعت سهر لها بتيه مصدومة ثم تلعثمت بتعثر
((لهما الاثنين نفس الاسم الرباعي! ولكن..))
قاطعتها شيرين هامسة بانفعال وهي تحكم قبضتها حول رسغ سهر بقوة مجددا
((اسكتي والحقيني لتريه بأم عينك..))
كانت تجرها خلفها كطفلة المشاكسة العنيدة..
ولم تنتبه كلتاهما على تمارا والدة سهر التي استمعت لمعظم حديثهما وشحب وجهها وكانت بالكاد تتماسك وهي تلحقهما لتتأكد من صحة ما قالته شيرين..
بمجرد أن دخلت شيرين القاعة الضخمة حيث يعمل فيها مئات الموظفين الجالسين خلف حواسيبهم حتى تركت يد سهر.. ثم أشارت بإبهامها حيث يجلس قصي
((إنه هناك.. في الزاوية))
شعرت سهر في هذه اللحظة بخفقات قلبها تكاد تصم أذنيها إلا أنها ازدردت ريقها بصعوبة وهي تقترب إلى حيث تشير شيرين..
تدريجيا تبينت لها هيئة الشاب والذي اتضح أنه لا أحد إلا قصي!
إنه قصي.. قصي حقا! خطيبها! خطيبها الثري الذي عقد قرانه عليها قبل ثلاث سنوات ولا تمر ساعة أو دقيقة إلا وتتحدث أو تخرج معه!
شحب وجهها وانسحبت آخر قطرة من الدماء منه.. بل وكادت عينيها تخرجان من محجريهما..
شعرت كأن الدنيا تدور بها بضلالات سوداء تخنق أنفاسها.. تزيد من دقات قلبها.. لكنها مع ذلك اقتربت أكثر من قصي وهي تراه وتسمعه في هذه اللحظة يقوم بعمله في الرد على اتصال أحد العملاء..
يتحدث مع العميل بلهجة مهذبة.. عملية.. تختلف عن تلك النبرة الجادة والمنمقة التي تسمعه يتحدث بها أمام الموظفين في شركته على حسب ما يقوله لها.. إذا ما ردّ على أحدهم أمامها!
لم تعرف سهر كيف تصف مشاعرها في هذه اللحظة!
وهي تشعر بأنها تعرضت للغدر وللخيانة بشكل فظيع من أكثر شخص أحبته من أعماق قلبها!
شعرت بأنها ستنهار بأي لحظة.. كأنها قد وقعت في وادٍ من الرمال المتحركة التي تسحبها لأسفل ببطء.. جسدها يقاوم كمّ الغضب فيها بتشنج يؤلمها حتى العظام..
أما تمارا التي كانت خلفهم تماما فأحست أن الدنيا تدور وتدور بها والضغط يزداد بعنف داخل رأسها وشعور صادم يجتاح جسدها قبل أن تصبح الرؤية شديدة السواد أمامها وتفقد توازنها خاصة مع ارتدائها لكعب عالٍ..
ولولا انتباه شيرين في اللحظات الأخيرة على وجودها وتلقفها لتسندها لكانت تهاوت على الأرض فاقدة الوعي..
كانت تمارا بين ذراعيّ شيرين وزميلة لها أخرى جاءت للمساعدة عندما انتبهت سهر على وجودها.. فاتسعت عينيها وهلعت للخلف نحو أمها تتفقدها بجزع
((أمي ماذا حصل لكِ؟))
وضعت سهر ذراع أمها حول رقبتها وتطلعت للموظفة الواقفة مع شيرين تطلب منها بقلق مستبد
((أرجوكِ ساعديني بإسناد أمي للمصعد، سنغادر))
رحبت الموظفة بمساعدة سهر وأسندت تمارا من الجهة الأخرى وكانت شيرين تهم بالذهاب معهن لكن الموظفة نبهتها
((طلبت مني الإدارة أن أناديكِ فَهم بحاجة لمناقشة أمر هام معك، يمكنك الذهاب وأنا سأساعد والدة صديقتك))
تطلعت شيرين لوجه سهر الشاحب وقالت معتذرة
((سامحيني سهر لن أستطيع الذهاب معك، بمجرد أن ينتهي وقت عملي سأكون ببيتكم))
أومأت سهر رأسها بتفهم وتابعت تسند والدتها حتى أوصلتها لسيارتهم المركونة أمام مبنى شركة القاني..
وما إن استقلت تمارا السيارة وجلست شبه متمددة في المقعد الخلفي حتى عقدت حاجبيها وهي ترى ابنتها تبتعد فهتفت بها عاليًا رغم إعيائها
((إلى أين ستذهبين يا سهر؟ توقفي))
لكن سهر عادت نحو الشركة وهي تشعر باندفاع الدّم الحار في أوردتها وكأن الحياة قد رٌدت لها فجأة بعدما كادت تزهقها عند معرفتها حقيقة خطيبها مُدّعي الثروة!
.
.
كان قصي لا يزال يجلس خلف الحاسوب يقوم بعمله ويتحدث مع العميل بتهذيب وعملية
((نعم سيدي سأقوم الآن بتفقد حسابك.. أوه..))
بتر قصي حديثه فجأة وأغمض عينيه متأوهًا بألم عندما رمى أحد شيء يشبه الحصوة على رأسه..
رفع يده يدلك مكان الضربة ثم فتح عينيه ببطء يجول بنظره فوق الطاولة، ليتغضن جبينه بحيرة ما إن لمح الشيء الذي ضُرب به والذي اتضح بأنه خاتم وليس حصوة كما توهم! أما العميل فكان يكرر بإلحاح على الخط
((هل أنتَ معي أيها الموظف؟ أين أنتَ؟))
لكن قصي كان بعالم آخر، فخلع السماعة من على رأسه وأبعدها ثم أمسك الخاتم المصنوع من الماس وسرعان ما جحظت عيناه عندما أدرك أن خاتم الألماس هذا يعود لخطيبته.. سهر!
انتفض واقفًا والتفت للخلف.. لينسحب اللون من وجهه وهو يرى سهر تقف مقابله.. متسارعة الأنفاس.. ثائرة الملامح..
بادلها قصي النظر زائغ العينين بصدمة وهو يشعر كأن حجرًا ضخمًا قد وقع على صدره ومنع عنه التنفس بصورةٍ طبيعية فما عاد يستطيع استنشاق الهواء من حوله..
شعور بالفزع بدأ يلتهم خلاياه كالدود الذي ينخر العظم كل شيء يتلاشى من أمامه ما عدا بريق زرقة عينيها المشعتان بالكُره تجاهه..
انفصل الاثنين عن العالم وخيم صمت طويل لم يحاول أي منهما تبديده لفترة ثقيلة مرهقة حتى قالت سهر بشراسة وغضب مستعر في داخلها
((لقد انتهينا للأبد أيها المخادع المنحط، مدّعي الثروة))
رمته بنظرات مشمئزة أخيرة قبل أن تغادر المكان مسرعة كما جاءت.. أما قصي فظل متجمدا مكانه لا يصدق ما حدث..
لا يعقل!
كيف عرفت مكان عمله؟ بل حقيقته؟
لم يكن هناك وقت للتفكير فسارع يهتف وهو يركض خلفها
((سهر.. سهر!))
كان قائد الفريق معتز يتجول في مكان العمل يتأكد من أن كل شيء على ما يرام بين الموظفين.. عندما لمح قصي يركض للخارج فناداه بذهول وتعجب
((قصي إلى أين تذهب!؟))
ثم سارع يتجه نحو حاسوبه لينصدم من صوت العميل الصادح من السماعة..
تمتم معتز بصدمة وهو لا يعرف كيف يتصرف
((أيها الأحمق كيف تترك المكالمة مفتوحة وتغادر!؟ مثل هذا التصرف يُطرد عليه الموظف! لم أرَ بحياتي موظف لعين مستهتر مثلك يا قصي..))
وقف معتز عاجزًا عن التصرف حتى أغلق العميل الخط من جهته فسارع معتز يُخرج قصي من النظام ويقول متوعدا بكل غيظ العالم
((والله لن أتوسط لك عند شيرين لو اتخذت أي إجراء ضدك.. للصبر والتسامح وإعطاء الفرص حدود يا قصي سامح!))
=============================
لم تكن سهر بعدما عادت لمنزلها قد خرجت من صدمتها كُليًا بعد!
والدها وصل البيت بناءً على اتصال مستعجل من والدتها وها هما داخل غرفة نومهما..
انكمشت سهر الواقفة أمام باب غرفتهما كأنها بكابوس مريع تسترق السمع لهما وهما يتناقشان باحتدام بعدما أعلمته تمارا حقيقة قصي!
في داخل الغرفة لوحت تمارا بيديها مهتاجة بغضب وهي تسأل زوجها صارخة
((هيا أخبرني يا فايد واشرح لي ما حدث، لقد قمت نفسك بالتقصي عن خطيب ابنتك المدعو "قصي سامح" منذ أن طلب يدها وقلت بأنك تأكدت من صحة ما يدعّيه والأموال التي يمتلكها!))
تنٌّهد فايد والد سهر بضجر لا يناسب احتدام وصدمة الموقف ثم أجاب
((نعم قمت بنفسي بالتقّصي عن قصي سامح حتى سابع جد من خلال مصادري الخاصة..))
قاطعته تمارا بانفعال مستنكر
((إذن أخبرني كيف خدعنا هذا المحتال المنقب عن الذهب! من هو الشخص الذي كلفته بمهمة التقصي عن أخباره؟ هل كان متفقًا معه؟))
تطلع فايد لها بهدوء يُحسد عليه ثم تمتم
((اهدئي يا تمارا.. الانفعال ليس جيدا لك))
علا صوتها أكثر وهي تزعق مكانها برفض
((لن أفعل.. لن أفعل.. لقد ضيّع على ابنتك ما يقارب الثلاث سنوات من عمرها في انتظاره.. كان يمكن لغيره أن يطلبها وتكون متزوجة الآن وأُمًا لطفل أيضًا))
زفر فايد بحنق ثم قال باستياء لزوجته التي تهالكت جالسة على طرف السرير
((لا تقلقي لم تخسر سهر الكثير، أنتِ تعرفين بأنها جميلة ومن عائلة ذات صيت وتتهافت عليها أفضل العائلات، وإذا ما انفصلت عن قصي يمكننا تزويجها اليوم قبل الغد))
شعرت تمارا بأن جفونها صارت ثقيلة كأنّ حمل السنين حطّ عليهما ومع ذلك جاهدت لترفعهما حتى تتأمل وجه زوجها وهي تعقب
((نعم أعرف ذلك لكن أنا لا أقبل أن أزوجها برجل يحمل إمكانيات مادية أقل من إمكانياتنا نحن.. على الأقل))
هتف بها فايد بامتعاض
((بسبب هذا الأمر تجبرينها على الزواج من رجال لا تحبهم، وبسبب هذا تدمرت علاقتي مع صديق عمري محمد الدّال بعد أن هربت ابنتك من الزّفاف.. يكفي تحكمك في حياتها))
عادت تمارا تنفعل عليه هادرة
((فايد.. لا تغير الموضوع فأنتَ لم تخبرني بعد كيف تمّ خداعك بسهولة بخصوص حقيقة خلفية قصي الاجتماعية والمالية!))
قال فايد بانضباط انفعالي
((سأتحقق من الأمر.. لكن اتركيني أهدأ واسمحي لنفسك بالهدوء أيضًا يا تمارا))
هاجت أعصاب تمارا لتهتف
((لن اهدأ ولن أرتاح قبل أن أعرف كيف تمّ خداعك.. أنا ألومك أنتَ قبل أن ألوم ذاك المحتال المنقب عن الذهب الذي استطاع أن يحكم خُطته طوال هذه المدة))
شعر فايد بوخز في قلبه نبّأه بأزمةٍ قلبيةٍ محتومة لو استمر هذا النقاش! فالتقط ما بقي من أنفاسٍ في الهواء وزاغ عنها هاربًا بنفاذ صبر إلى أي مكانٍ خارج البيت..
أما سهر فسارعت تبتعد مهرولة عن الغرفة حتى لا تتواجه مع والدها!
ولجت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها.. فقط حينها هاجت دموعها مجددًا وأحرقت مآقيها فأغمضت عينيها وتركتها تسيل بحرية أنهارا تطفئ لهيب وجعها بسبب خداع من ظنته أقرب رجل لقلبها وروحها..
.
.
لم تكن قد مرت ساعة حتى جاءت إحدى عاملات المنزل تطرق الباب وتقول
((سيدة سهر خطيبك في الخارج بانتظارك، لقد سمحتُ له بالدخول لغرفة الضيوف))
اتسعت عينا سهر لما تسمعه! هل حقًا جاء قصي إلى هنا؟ لكن كيف تجرّأ ذلك المخادع على القدوم؟
اتجهت سهر نحو غرفة الضيوف لتواجهه دون أن تنسى أن تحث نفسها على الهدوء حتى لا تشعر والدتها النائمة في غرفتها بوجوده..
كان قصي جالسا في غرفة المعيشة زائغ العينين.. مشوشًا.. شاحب الوجه.. قبضته مضمومة أمام شفتيه الجافتين.. جسده بأكمله متحفز بانتظار قدومها..
ما إن أحس باقتراب سهر حتى وقف متأهبا يقول
((سهر.. لقد ترددت قليلا قبل المجيء.. لكن في النهاية قررت أن آتي حتى لا أتركك هنا مع ظنونك الخاطئة عني))
أغلقت سهر الباب من خلفها وهي تطالعه بنظرات محتقرة ومشمئزة.. ثم هتفت بقهر يكتسحها
((أيُها المخادع مُدعي الثروة، منقب الذهب..))
وعلى الفور اقتربت منه لتضربه على صدره بقوة.. تحترق.. تتحطم.. بل تموت! دموعها تسيل على خدّيها بعجز ووجع عميق..
كبّل قصي ذراعيها وقرّب وجهه من وجهها ليهدر ببطء وبصوتٍ جامد يحمل صلابة الفولاذ
((هل انتهيتِ الآن؟ دعيني أشرح لك أرجوكِ.. أقسم لك بأني كنت أخطط لإخبارك بكل شيء بعد أيام من الآن))
كانت تُناظره بانهيار ولا تعرف ما تقوله وهي تراه يتحدث ببرود خالي من أي أسف!
ازداد اشمئزازها منه وتملصت من أسر يديه بقوة ثم قالت بازدراء
((تفضل أنا أسمعك.. كلي آذان صاغية.. هيا فسّر لي عملك كموظف بسيط في شركة القاني بعد أن أوهمتني وأشبعتني أكاذيبًا عن شركة عائلتك في الخارج التي تديرها من هنا))
فَغَر شفتاه في البداية لكنه وجد نفسه عاجزا كيف يبدأ بالأمر.. فثارت عليه بصوتٍ أعلى
((هيا تحدث.. قل شيئا! برر أيها المخادع!))
أغمض عيناه يستعيد رباطة جأشه ثم قال ببرود
((نعم أنا أعمل في شركة القاني كموظف بسيط في خدمة عملاء موقع إلكتروني.. ولا أخجل من عملي هذا..))
نظرت سهر بعينين تبرقان وحشية ثم قاطعته بفظاظة مهينة
((من الواضح أنك لا تخجل أبدًا من عملك لهذا أخفيته عني وكذبت بشأن حقيقتك يا سيادة المدير العام!))
ازدادت عينا قصي قتامة.. وزمّ شفتيه للحظات طويلة..
بدا وكأنه تراجع بصدد ما كان ينوي قوله!
فجأة تبدلت ملامحه لأخرى لا تعبير فيها ثم قال بصوتٍ جامد.. ميت.. لا حياة فيه
((في النهاية نعم.. أنا لست ثري كما أوهمتك بل موظف بسيط.. لكنني أحببتك من أعماق قلبي.. أحببت كل شيء بك.. روحك.. شخصك.. وجهك..))
همست من بين أسنانها بعنفٍ شرس ملوحة بيدها ((تقصد أن تقول بأنك أحببت ثروة عائلتي.. أحببت أني الابنة الوحيدة لوالديّ حيث أنهما الاثنين قد سجلا بالفعل معظم ثروتهما باسمي))
انعقد حاجباه وهو يجيب بحدة يخفي ألمه مما كَالته له من اتهامات
((لا أسمح لك أن تستخف بمشاعري وحبي))
عكفت ثغرها بابتسامة مُحتقرة وهي تقول باشمئزاز
((وهل يعرف شخص مخادع منقب للذهب مثلك.. الحب؟))
ظل قصي يتأملها بحدقتين غائمتين بالحزن حتى انطفأ آخر ما تبقى من بريقهما وأصبحتا باهتتان دون أن ينقص من ثباته ذرة واحدة ليقول بجدية
((نعم أعرف.. فالحب لا يعرف الماديات ولا يُفرق بين غني أو فقير، أبدًا لا يعرف شيئا عن هذه الفوارق الاجتماعية))
توهجّت زُرقة عينيها الشرسة في هذه اللحظة ببريق متهكم مما جعل ملامحه تتشنج بشيء من قهر الرجال وهو يقول
((أتأسف على كذبي، لكن لو قبلتِ أن تكملي ارتباطنا سأكفّر عنه بحبي لك وحبك لي))
ازدادت ملامح السّخرية على وجه سهر فخرج عن طوره قليلا واقترب منها يمسك كتفيها ويشد عليهما دون أن يعي.. ثم مال بوجهه منها قائلا
((أنتِ تحبينني كما أحبك.. ولن تستطيعي الابتعاد أو العيش من دوني كما هو حالي من دونك، وإذا ما أنهيتِ كل شيء بيننا فلن تجدي أحدا يحبك أكثر مني، يفهمك ويشاركك هواياتك واهتماماتك))
كان يضع عينيه في عينيها ويتحدث بصوتٍ أجش يخترق أذنيها.. بصوتٍ بطيء متروٍ.. كأنه يحاول تنويمها مغناطيسيا وإقناعها بأنه لم يكن مخطئا بكذبه.. بينما يكمل
((أوليس أجمل ما في حياتنا أن نحب؟ أن نتبادل المشاعر والعواطف مع من تختارهم دواخلنا؟ ما بيننا هو شعور جميل ورائع مشاعر دافئة لا يمكن أن تموت بسبب وضعي المادي))
همست له نافية بصوتها المخنوق
((معك حق، فالوضع المادي مهما كان سيئا لا يقتل الحب.. بل الكذب والخداع والغش هو ما يفعل ذلك))
كادت جبهته أن تلامس جبهتها وهو يهمس ببحة
((لكنني فعلت ذلك لأني أحببتك.. أحببتك بكل ما داخلي ورأيتُ فيك توأم روحي))
هزّت سهر رأسها ببطء نافية.. لا.. لا يمكن أن تسمح لنفسها أن تصدق أكاذيبه مجددًا كالمغيبة وتُسامح كل خداعه.. لن تسمح له أن يبتزها أو يحتال عليها أو يوهمها عاطفيا بعد الآن..
وقبل أن تفقد إدراكها كان عليها أن تقاوم سحره فسارعت تهتف بانفعال بالغ وهي تنفض يديه عنها
((لقد اختفى كل هذا الحب الذي كنت أكّنه لك فور أن عرفت باحتيالك عليّ أيها الدّجال.. كما عرفت بأنك لم تحبني بل كنت بالنسبة لك سمكة ذهبية لتصل لثروة عائلتي كيف سولت لك نفسك أن تحبني وتحصل على مشاعري التي ليست من حقك))
اعترض ببطء ويداه تتقبضان
((أخذت مشاعر ليست من حقي؟ لماذا؟ لأني فقير لم يكن عليّ حتى الاقتراب منك؟ أليس من حق الفقير أن يحب؟ أم وجد في هذه الحياة فقط لكي يبحث عن لقمة العيش.. أليس هذا من الإجحاف؟))
راقبته بعينين شاخصتين ثم انفرج ثغرها ببسمة باهتة ساخرة لتقول
((لا داعي لهذا النقاش العقيم، كل ما بيننا انتهى.. سنفسخ خطبتنا اليوم بل الآن))
بهتت تعبيرات قصي عند ذكرها فسخ الخطبة قليلا ثم سرعان ما انفجر ضاحكًا.. يودع داخل قهقهته العالية كل توتر وتشنج اليوم!
اتسعت عينا سهر وتساءلت بانفلات أعصاب
((لماذا تضحك؟ هل تستفزني أيها المخادع؟ أنتَ مثير للشفقة..))
خفتت ضحكاته تدريجيا ثم ناظرها بابتسامة مستفزة وهو يقول بإقرار مرير
((الآن فجأة صرتُ مثيرا للشفقة بعد أن علمت بأني لست رجلا ثريًا؟ إذن كل المشاعر التي كنتي تتغنين بها أمامي اتضح في النهاية بأنها أكاذيب وأوهام؟))
صححّت له بقسوة
((بل حبك وكلامك المعسول الذي كنت لا تبخل في قوله بين اللحظة والأخرى هو الأوهام والتي كنت لأبقى غارقة فيها لو لم تكتشف شيرين بحمد الله بمحض مصادفة حقيقتك..))
اضطربت ملامحه مِمّا قالته فشعّ بريق عينيه بكره خالص تجاه شيرين! شيرين التافهة هي من أوشت به!
لن يمر الأمر دون أن يحاسبها! لكن عاد يصب تركيزه على سهر وهو ينطق بازدراء
((لطالما عرفتُ أن الرجال بالنسبة لوالدتك قيمتهم بعدد سياراتهم وأرصدتهم في البنوك والهدايا الباهظة المتمثلة بالجواهر المرصّعة بالألماس، لكن الآن فقط عرفتُ بأنك لا تختلفين عنها بشيء.. ففجأة بمجرد أن عرفت أني فقير خسرت حبك ومشاعرك وعاطفتك نحوي))
قاطعته مصححٌّة مجددًا بغضب مستعر
((ما الذي تريد أن تجعلني أصدقه؟ أنك معذور لخداعي والكذب عليّ باسم الحب والغرام؟ لقد خسرتَ حبي وعاطفتي ومشاعري لك بسبب كذبك عليّ لا بسبب فقرك الذي كنت تخفيه عني، لا تغير واقع أني هنا ضحية شجعك وطمعك وأنتَ المذنب، غادر منزلي ولا تنسى أن تذهب للمحكمة بأقرب وقت لتفسخ خطوبتنا))
شاب الألم ملامحه وهو يحاول ولو لمرة أخيرة نيل تراجعها ليقول بصوتٍ مخنوق
((لماذا ترددّين فسخ خطوبتنا بهذه السهولة؟ ألم نتعاهد يا سهر منذ أول يوم في عقد قراننا أن يكون التفاهم منهجنا والحب نبراسنا مهما عصفت بنا أمواج الحياة؟ ألن تستمري الآن على هذا العهد؟))
اشتّد ضغط شفتيها وهي تنظر إليه بكرهٍ بالغ.. وعينين قاسيتين تصوبان إليه سهام الحقد لتقول
((غادر من هنا حالا..))
في هذه اللحظة تناهى إلى سمعها فتح مقبض الباب من قبل تمارا التي طَلت بوجه جامد رغم إعيائها وتعبها ثم كتّفت ذراعيها وناظرت ابنتها مشيدة
((أحسنتِ يا سهر، أنتِ ابنتي العاقلة التي تعرف كيف تُحكم عقلها..))
ثم رفعت ذقنها باتجاه قصي وأردفت بجفاء
((أما أنتَ فكما سمعت ما طلبت سهر منك، تريد فسخ خطبتكما))
اقترب قصي من والدة سهر يتحدث معها رغم فقدانه الأمل منها
((قد لا أكون غنيا يا سيدة تمارا لكنني لست فقيرا إلى حدّ أن أكون مُعدّمًا، لن تعيش سهر حياة تقشف ويمكن أن أوفر لها حياة شبيهة بحياة بنات صديقاتك من المجتمع الراقي..))
هنا تدخلت سهر تعقب دون مراوغة وزُرقة عيناها تتوهجان بقسوة غير مألوفة
((وكيف ستوفر لي حياة مثلهم من ملبس ومخرج ومأكل بعملك هذا؟ أوه.. فهمت أنتَ تقصد من مال والدي وأملاكه؟))
شعّت الصرامة من عيني تمارا وهي تقول لقصي بتحذير شديد اللهجة
((عليك أن تنسى سهر.. واحمد الله بأني لن أرفع عليك أي قضية أخرى على ما لقيناه من خداع بسببك.. في النهاية من المستحيل أن تنال شيء من سهر وحُبها))
اقترب قصي بوجهه الخالي من التعابير من تمارا وطالعها بنظرة سوداء من عُلو ثم قال بنبرة ازدراء
((معك حق.. فعلى ما يبدو أن الرجال الأغنياء وحدهم من يستطيعون نيل الحب من سهر ووحدهم من يحق لهم أن يشتروا قلبها! فبعُرفك عندما يتكلم المال تصمت العاطفة وتذهب المشاعر الصادقة! فَقْري قتل حبها لي.. هذا لو كان موجودا من الأساس))
ردت تمارا له بهدوء قاتم
((فقرك لم يقتل حب سهر لك وحسب بل دفنه ومشى في جنازته بدون تردد))
اتسعت عينا قصي قليلا.. وانتشر احمرار طفيف أسفل بشرته.. احمرار الغضب والشعور بالإهانة من قبل والدة خطيبته بينما تكمل
((اعلم يا قصي أن الحب والمشاعر تموت في مستنقعات الفقر، وللفقير ضريبة إجبارية يدفعها على مدار الزمن وأولها فقدان من يحب، لأن للفقر حبال تلتف حول الشخص وتخنقه بكل قوة))
شعر قصي بقلبه يكاد يحتضر، وهو يدرك أنه لم يعد في قلب سهر له شيء.. فقد أبعدته عنها بكل قسوة..
آثر قصي الاحتفاظ بما تبقى من كرامة لديه وانصرف خارجا دون يتفوه بكلمة أخرى!
لم تنطق سهر ولم تتحرك من مكانها وهي تراه يخرج من الباب صافقًا إيّاه خلفه بقوة عنيفة كادت أن تخلعه، بعد أن تركها هي مع ألم يزداد.. ويصبح عنيفا.. عنيفا جدا.. أول مرة تذوق بحياتها التي عاشتها بمنتهى السطحية مثل هكذا ألم!
=============================
بعد عذاب طويل من البكاء مطالبا بوالدته تمكن النوم من يزيد..
طبطبت رتيل فوق كتفه بحزن يجتاحها.. هذا الصغير متعلق جدًّا بها وهي لن تستطيع أن تسُد مكانها كما تريد حماتها..
دثرّته برفق بالغطاء ثم غادرت غرفة ولديها.. ولم تكن قد مرت ساعتان حتى فتحت نجوم الباب وأضاءت إنارة غرفة الأطفال بغية تنظيفها..
تفاجأت من نوم أحدهم فهي سبق ورأت فهد وباسم في الخارج يُذاكران.. اقتربت أكثر من السرير واتسعت عيناها عندما عرفت بأن الطفل النائم ليس إلا يزيد..
جثت على ركبتيها أمام السرير ومدت يديها تهز يزيد بقوة وعندما شعرت به يتململ هتفت به باستنكار
((يا إلهي! يزيد ماذا تفعل هنا؟))
ساعدته بالاعتدال جالسا وهي تقول
((حبيبي يزيد استيقظ هيا بسرعة قبل أن يراك أحد))
قاوم يزيد شعوره الجمّ بالتعب والإعياء.. ثم قال بصوتٍ ناعس مجهد وهو يمسد رأسه
((رأسي يؤلمني))
استقرت عيناها المشفقتين على وجهه الشاحب ثم قالت بصوتٍ رقيق
((أيها المسكين تبدو متعبًا حقا.. هل أنتَ مريض؟ عليك أن تذهب على الفور عند أمك.. لا أظن بأن السيدة رتيل ستمانع لكن الحاجة زاهية ستغضب جدًّا لو رأتك هنا، مؤخرا تشتعل غضبا إذا ذكر أحد سيرتك))
فتح يزيد عينيه الاثنتين ثم تطّلع لنجوم يقول بصوتٍ متحشرج وبنبرة ذات مغزى لم تصلها
((هي تكرهني منذ زمن فعلا، ولا يمكن أن تحبني حتى لو ادعت عكس ذلك))
ازداد الإشفاق المُطل من عيني نجوم فرفعت يدها تمسح فوق ظهر يزيد هادرة
((الحاجة امرأة طيبة لكنها لا تقبلك بسبب غيظها من زواج أمك بالسيد مَالك))
زاغت عينا يزيد بشرود.. أما نجوم فاستقامت واقفة واستعجلته
((أعرف أنك متعب يا يزيد، لكن هيا لأذهب بك عند أمك بسرعة قبل أن يراك أحد هنا.. لم تدخل سمية المطبخ أو هذا القصر منذ عدة أيام، أمرها غريب!))
رفع يزيد وجهه بلهفة لنجوم وقد التمعت عيناه ببريق اشتياق ثم تسائل
((هل حقا ستأخذينني عند أمي؟))
عقدت نجوم حاجبيها لا تفهم سر ذهوله لكنها قالت بنبرة عادية
((نعم سآخذك، ما الغريب في ذلك يا يزيد؟))
انتفض يزيد خارجا من السرير بلهفة وهو بالكاد يمنع نفسه من البكاء
((هيا بنا نذهب عند أمي))
أمسكت نجوم بيده ورافقته للخارج نحو المطبخ.. وقفت أمام حوض المغسلة تخبره
((دعنا نغسل وجهك قبل الخروج فقد كنت نائما))
تطلعت منال بامتعاض إلى ابنتها ثم قالت بنبرة مقيتة
((أين كان نائم هذا الشّقي يا نجوم؟))
رفعت نجوم وشاحها لتخفي فمها كأنها تداري ما تخشى قوله أمام مدبرة المنزل نعمة ثم همست لوالدتها
((كان نائما بغرفة باسم وفهد لكن أرجوكِ يا أمي لا تبدئي بالصراخ فالطفل يبدو مريضا))
ضيّقت منال عينيها بتوعّد تغمغم من بين أسنانها المطبقة
((معك حق لا حاجة للصراخ، الضرب سيعلمه ألا يدخل هنا، أنتِ تعرفين بأننا من نتلقى التوبيخ لو رأته الحاجة زاهية هنا))
ارتعش شيء في يزيد واختبأ خلف نجوم فقالت نعمة بحزم
((منال اهدئي، كلامك صحيح لكن طريقتك خاطئة))
ثم التفتت نحو يزيد تسترسل كلامها بنفس الحزم لكن بلهجة أرفق
((يزيد أنتَ لم تعد طفلًا وأصحاب هذا المنزل عندهم حفيدات ولا يصحُ أن تدخل هنا متى ما أردت))
علا صوت منال محذرة إيّاه بازدراء
((إيّاك أن تظن أن زواج أمك القريب من السيد مَالك قد يغير شيئا من وضعك هنا؟))
بغتة علا صوت الحاجة زاهية وهي تهتف بينما تقترب من المطبخ
((يزيد.. يزيد.. أين يزيد؟))
قبضت نجوم على يد يزيد على الفور وهي تَحثُه بالخروج نحو باب المطبخ المطل على الحديقة الخلفية
((هيا اخرج بسرعة يا يزيد قبل أن تأتي الحاجة زاهية))
كانت بالفعل نجوم تهمّ بإخراجه عندما جفلت فجأة على صوت زاهية تستوقفها
((نجوم.. نجوم.. هل كان يزيد معك طوال الوقت؟))
أغمضت نجوم عينيها للحظات وعضت شفتها بعد أن تم إمساكها متلبسة ثم استدارت للخلف تنظر للحاجة زاهية مبتسمة بتشنج وتبرر
((نعم وها هو سيخرج حالًا..))
انخفضت زاهية للذي يقف خلف نجوم مُنكس الوجه بعبوس ثم اقتربت منه تقول بحنّية
((يزيد أين كنت يا صغيري؟ لقد كنت أبحث عنك))
توترت منال واستقامت واقفة من مكانها، تقول خشية أن تُحمّلها الحاجة زاهية مسؤولية دخول يزيد إلى هنا
((لا تقلقي يا حاجة سنُنبه على سمية ألا تدخل ابنها هنا، رغم شكّي أن تلتزم بتعليماتك بعد أن تتزوج بالسيد مَالك))
تَطلعت زاهية لها تقول بتلقائية
((يزيد حفيدي يا منال ومكانه فقط هنا))
اتسعت عينا منال باستهجان ثم قالت معترضة
((ولكن.. ولكن يا حاجة زاهية قبل أيام كنت تنبهين علينا ألا ندخله هنا داخل القصر حتى تأخذ حفيداتك راحتهن.. الآن فجأة صار مثل حفيدك!))
تَطلعت زاهية نحو يزيد الذي كان يتجلى عليه أطياف من العذاب والألم ثم ناظرت منال مؤكدة بوضوح
((منال.. إنه حفيدي.. حفيد يعقوب الكانز..))
صدرت شهقة جميع من في المطبخ، فازدردت زاهية ريقها ثم قالت بصوتها الوقور
((إنه ابن مَالك وسمية، أدرك صدمتكنّ مما تسمعنّ له بدون مقدمات، لكن الاثنين كانا متزوجان في السابق زواجًا صحيحًا شرعيًا قانونيًا.. سأشرح لكنّ التفاصيل لاحقا لكن ها أنا أقولها أمامكنّ حتى لا تداهمكن الظنون الخاطئة))
خرجت زاهية من المطبخ برفقة يزيد وهي تحدثه
((تعال يا يزيد لرؤية عمك مُعاذ، لقد ترك أشغاله كلها وجاء فورًا إلى هنا لرؤيتك ما إن أخبرناه عنك، كل العائلة الآن مجتمعة لتراك))
دخلت زاهية غرفة المعيشة وهناك توقف يزيد مكانه بخشية من تواجد جميع العائلة معه في نفس المكان وكل أنظارهم مصوبة له..
نهض مُعاذ من مكانه وكله مشدُوه للنظر والتّمعن في محيا يزيد.. اقترب منه خطوتين هامسًا بترحيب، فازداد خوف يزيد وتراجع خطوتين للخلف يمسك ثوب زاهية..
مَسدَت زاهية فوق شعر حفيدها تحاول زرع الطمأنينة في نفسه ثم قالت برفق
((لا تخجل يا يزيد إنه شقيق والدك.. عمك مُعاذ))
ثم تطلعت لمُعاذ تقول بحزن
((لم يسبق وأن تحدث معك من قبل.. وأيضا مَازن.. حتى مُصعب لم يختلط معه كثيرًا.. لذلك من الطبيعي أن يراكم كأغراب))
هزّ مُعاذ رأسه متفهما ثم طالع تلك النظرة الخائفة المُطلة من عينيه وحثه بحنية
((تعال يا صغيري.. يزيد تعال))
شعر مُعاذ بدقات قلبه تدقُ بشكل مختلف، وهو يرى نفسه واقفا أمام طفل يشبه شقيقه عندما كان بسنّه.. باستثناء شعره المموج حالك السواد كما لون حدقتيه..
فعجز عن قول شيء في البداية إلا مبادلته النظرات المتفحصة..
رباه!
أيا من يمعن النظر في عينيه العميقتين يدرك كم هما مليئتان بالأسرار.. هل كانت ملامحه الطفولية البريئة لتثير التساؤلات وتشعل الحيرة في داخله لو كان قابله من قبل ونظر له بهذا الانتباه والتمعن!؟
هدر فيه مجددا بصوتٍ هادئ حنون
((كيف حالك يا يزيد؟))
لم يُجبه يزيد بل نكس وجهه أرضًا وإحساس غريب مُحير يجتاحه من هذا الرجل الذي يواجهه بهذا الشّكل أول مرة..
تنهّدت زاهية وهي ترى أن حفيدها الصغير في جانب وهم جميعا في جانب آخر لا يستطيعون الوصول إليه..
تحسبنت كثيرًا على سمية لأنها السبب في هذا.. لا هي ولا حتى ابنها مَالك يعرفان معنى الأبوة..
عندما شعر يزيد بأن أنظار الجميع لا تزال مُصوبة نحوه تحت هذا الصّمت الثقيل رفع وجهه الصغير البريء قليل الفهم لهم..
ابتسم مُعاذ لعينيه الحائرتين فهدر يزيد بتردد
((كنت سأذهب إلى أمي الآن مع نجوم فهم يمنعوني عنها ولكن..))
انخفض معاذ أرضًا بمستوى يزيد متسائلا بهدوء
((هل يمنعونك عن أمك؟))
التفت يزيد إلى جدّته بتوتر خفي كأنه يخشى من الإجابة وإمداده بالتفاصيل فتدّخل الحاج يعقوب يقول متجهمًا
((لا تسكت.. أكمل.. أخبره بأننا نمنعك أيضًا من والدك معدوم المسؤولية والضمير..))
خيّم حزن أكبر على ملامح يزيد البريئة، فسارع مُعاذ يسأله
((هل تشتاق لوالدتك يا يزيد؟))
هزّ يزيد رأسه وبدأت شفتيه ترتجفان منذرتان بالبكاء ليجيب بحرارة
((أشتاق لها كثيرًا.. لم أرها منذ أيام.. أريدها))
توهّج الرّجاء بعينيه الحزينتين تجاه مُعاذ كأنه يتوسل منه أن يساعده في لقاء أمه.. فابتسم مُعاذ له وأمسك كفه الصغيرة متسائلا
((هل تريد رؤيتها الآن؟))
ابتسم يزيد وترققت ملامحه قائلا بلهفة
((نعم أريد ذلك والآن))
قبل مُعاذ كفه الغضة وقال بسماحة وجه
((يمكنك الذهاب لها بعد قليل))
تدخل يعقوب باستياء وحزم
((لا لن يذهب لرؤيتها.. ولن يرى حتى مَالك.. الاثنان لا يستحقان رؤية هذا الطفل البريء مرة أخرى))
لفّ مُعاذ رأسه لوالده يعترض
((لكن يا أبي حرمانهما من رؤيته سيكون عقابا ليزيد قبل أن يكون عقابا لهما..))
قاطعه والده بملامح متزمتة
((لا تعارضني يا مُعاذ.. شهر أو سنة سيعتاد في النهاية على فراقهما وينسى السّؤال عن والديه، إنه ضحية قلة نضجهما وانعدام ضميرهما))
ضغط مُعاذ على كف يزيد دون وعي منه غضبًا مما يقوله والده.. لكن آثر تأجيل هذا الحديث لاحقًا حتى يهدأ فما مرّ به ليس قليلا..
تأوّه يزيد متألمًا من ضغط مُعاذ على كفه، فسارع الآخر يُحرره معتذرا
((لم أنتبه.. هل تؤلمك؟))
مَسد مُعاذ له يده بينما تَاهت الأفكار داخل يزيد بمشاعر مختلطة، بين التشّبث به لعله من يعيده لأمه وبين الخوف منه لأنه لم يعتد عليه بعد.. حتى تطلع الأخر له قائلًا وهو يمنحه أملا
((حسنا يا يزيد سترى والدتك، ووالدك أيضًا لكن لاحقا))
زمّ شفتيه بحُزن خالص لكن وَثق بكلامه فهزّ رأسه له بطاعة..
حَملهُ مُعاذ وأشار الى أبناء أخيه مُؤيد قائلا بمرح
((فهد وباسم اللّذان هناك هما لم يعودا صديقان لك وحسب بل هما أيضًا ولدَيْ عمك.. ووالدهما هو عمك.. عمك مُؤيد.. والآخر هو عمك مُصعب.. وهناك عم آخر لك في الخارج يدعى مَازن.. إنه توأم والدك))
نجح مُعاذ في إثارة انتباه يزيد بحياته الجديدة فقال باهتمام شديد
((أراني أبي صور لعمي مَازن، إنه يشبهه..))
ابتسم له مُعاذ وقال
((معك حق لا يزال يشبهه كثيرًا حتى الآن، والدك مَالك فقط وجهه أنحف ويميل للاسمرار قليلا.. أما باقي الصفات فيتشابهان بها تماما))
اقتربت زاهية من يزيد تمرر أناملها في شعره محاولة استمالة رضا وحب الصغير
((نحن يا مُعاذ نجهز غرفة جميلة ليزيد هنا في هذا القصر، نريده أن يختار شخصيته الكرتونية المفضلة لنشتري الأثاث))
تطلع مُعاذ مُدعيا الذهول ليزيد وهو يقول
((هل سمعت يا يزيد؟ غرفتك ستكون جاهزة خلال أيام، هل ترى كم جدتك وجدك يحبانك؟))
جلس مُعاذ على الأريكة وأجلس يزيد على فخده فتفاجئ به ينكس رأسه ويقول بحزن براءته
((هما يكرهاني جدًّا.. وكانا يكرهان تقاربي مع عمي.. أقصد أبي مَالك..))
لم يتحمل يعقوب وهو يسمع كلمات حفيده أن يخفي دمعة حرقت صدره قبل عينيه فسارع يمسحها.. أما زاهية فشعرت بشيء يمزقها فتمتمت لنفسها بكل عذاب الدنيا
((إنه يظن أني أكرهه.. رباه.. كان يعرف أني جدّته طوال الفترة السابقة))
ثم أغمضت عينيها للحظات محاولة التغلب على ذلك الشعور القاسي الذي يتسرب إلى قلبها.. فزفر مُعاذ نفسًا ملتهبًا وهو يشعر بذنب أخيه يتعاظم أكثر وأكثر.. لم يكن عليه أن يستمر بإخفاء حقيقية يزيد وهو يرى والديه الاثنين لا يُحسنان معاملته.. كان عليه أن يفكر بموقفهما أمام يزيد بعد أن يتم كشف الحقيقية..
بدّل ملامحه لأخرى بشوشة وهو يقول ليزيد
((هل تعرف بأنك أيضًا أكبر حفيد في العائلة؟ أكبر حفيد ليعقوب الكانز؟ فأنتَ تكبر فهد بأشهر))
سأله يزيد ببراءة ورقة تلين الحجر
((أنا أكبر حفيد له!))
عقدت دارين الجالسة عند الزاوية حاجبيها بينما تُلامس الكتب المتراصة على أحد الأرفف ثم غمغمت بخفوت كمن تكلم نفسها بعبوس
((أنا هي أكبر حفيدة في هذا البيت!))
عند هذه النقطة لم تتمَالك زاهية نفسها والدموع تنسكب جارية على وجهها بينما تقول بحسرة وقلب ملتاع
((نعم يزيد هو حفيدنا الذّكر الأول.. إنه أوّل قطعة منا تمشي على الأرض.. وهذا الأمر وحده كان يفترض أن يجعل محبتنا له كبيرة، ومكانته مميزة لسائر العائلة.. هو من كان يفترض به أن يحظى باهتمام غير مسبوق، وبحنان وتدليل لا حدود لهما بداية من الاحتفال بقدومه وإقامة الأفراح والحفلات له.. والتي ستقام لغيره من الأبناء مكررة وتقليدية.. كان يفترض قبل ولادة يزيد أن نكون نحن العائلة مستعدين له بتجهيز الملابس الخاصة به وغرفته وألعابه وسريره، وحين يصل إلى الحياة نجتمع من حوله مهتمين بصحته ومداعبته.. ويكبر تحت جناحنا وحوله هذه المشاعر..))
حزن الجميع على زاهية المكلومة، وما تقوله أمّا دارين فتنهدت بمرارة ثم وقفت في مكانها بتذمر والدموع تترقرق في عينيها
((جدتي أنا أكبر حفيدة هنا لا يزيد.. أنا أكبره بست سنوات.. هذا تمييز واضح بين الذكر والأنثى))
تفاجأت نورين من هذه الثورة العارمة المباغتة من دارين خاصة وهي تلمح تلك الدمعة التي هطلت من عينيها..
عمّ التوتر في الأرجاء عند مغادرة دارين من الغرفة، قبل أن تأتي إحدى عاملات المطبخ تُعلمهم بانتهاء إعداد طعام الغذاء..
مالت نورين لرتيل تسألها هامسة
((رتيل أريد أن أسألك شيئًا عن دارين))
تَطلعت رتيل لها بتجهم ثم قالت بفظاظة قبل أن تغادر
((سألحق بدارين.. لم تأكل شيئا منذ الصباح))
عَبَست ملامح نورين.. فقد ظنت بعد رحيلها من هنا والمجيء في أوقات الزيارة قد يحسن من علاقتها برتيل.. لكن لا فائدة..
انتشلها مُصعب الذي كان يجلس بجانبها من شرودها هادرًا بفضول
((ماذا كنت ستسألينها يا عفريتة؟))
شعرت نورين بتردد ثم سألته
((كيف تَوَفت زوجة مُعاذ؟))
هزّ مُصعب كفيه ثم أجابها بهدوء
((عند حملها بدارين اكتشف الأطباء بأنها تعاني مشاكل في القلب وبأن الحمل خطر عليها وأمرها الأطباء بالإجهاض.. إلا أنها رفضت كليّا أن تجهضه..))
قاطعته متسائلة في حيرة
((وما ردة فعل أخيك على ذلك؟))
تنّهد قبل أن يجيب
((مُعاذ وعائلتي كادوا يجبرونها أن تجهض الحمل لكنها كانت مصرة على الاحتفاظ به وضغطت على أخي بكل النواحي العاطفية بل وهدّدت بالانفصال عنه إن أجبرها عليه.. كانت ترى بأن عائلتي ووالديّ بعقلية مُتحجرة وبأنهم سيقنعونه بالزواج عليها أو طلاقها لو لم تنجب له.. خاصة وأنهم سبق وأجبروه على جعلها تسكن هنا))
اتسعت عينا نورين بحزن ثم سألته
((وتوفت بعد إنجاب دارين؟))
هز رأسه نافيا ثم قال
((لا.. رغم أن الأطباء كلهم أكدوا بأنها لن تنجو لا هي ولا جنينها إلا أن إرادة الله كانت أن تنجب دارين وتبقى على قيد الحياة، لكن حدثت لها بعض المضاعفات وتوفت بسببها بعد عدة سنوات من إنجاب دارين))
شَرَدت نورين بنظرها جانبا ثم تمتمت بصراحة
((يبدو أن مُعاذ رغم نضج عقله وسنّه إلا أنه بطريقة أو بأخرى يلوم ابنته، ويعتقد بأن زوجته لو لم تنجب لما عانت من تلك المضاعفات في قلبها ولما توفت، رغم أنه قدر مكتوب بالنسبة لها))
ردّ مُصعب ((على العكس، أخي رجل مؤمن بالقدر، ثم الكثير من الأطباء قالوا بأن قدرها كان أن تموت بسبب قلبها الضعيف سواء أنجبت دارين أو لا..))
صَمَتت نورين وهي تسرح بذهنها ونظرها بحزن فهزّها مُصعب يقول وهو يستقيم واقفا
((تعالي لننضم إلى الغداء مع البقية قبل أن نغادر))
لكن تفاجأ مُصعب من قدوم والدته تسأله بحزن
((ألن تعود يا مُصعب إلى هنا؟))
أجابها مبتسما ينشد تفهمها
((أمي لا، اعرف بأنك كنت رافضة لاستقلالي منذ زواجي الأول، ولكن أنا مرتاح هكذا))
أومأت زاهية رأسها لولدها متقبلة رغبته أخبرا رغم رفضها السابق استقلال أي واحد منهم عن هذا القصر..
لكنها تعرف أن مُصعب بالذات من بين أبنائها شخصية استقلالية جدًّا.. وحياته الخاصة خط احمر..
.
.
ما إن لمح مُعاذ خروج رتيل من غرفة ابنته دارين حتى طرق الباب عدة مرات ودلف للداخل ليأتيه ردها بتلقائية حانقة
((لا تقنعني بالانضمام إلى الطعام معكم، زوجة عمي ستحضر لي صينية الطعام هنا))
اصطنع مُعاذ الامتعاض وهو يقول لابنته
((كم أنتِ طفولية! تأخذين على خاطرك فقط لأن جدتك قالت عن يزيد بأنه من كان يجب أن يحظى بأكبر دلال في العائلة لأنه أكبر حفيد ذكر!))
نفخت دارين أوداجها وقالت
((نعم لأن جدتي تُفرق بين الذكور والإناث))
انفرجت شفتا مُعاذ عن ضحكة رجولية خافتة قبل أن يقول وهو يغمر أصابعه بشعر ابنته النّاعم
((بل لأنه ابن ابنها الغالي على قلبها))
تَرَققت ملامح دارين الطفولية وسألته بصوتٍ متأثر
((وهل أنا غالية على قلبك مثلما عمي مَالك غالي على قلب جدتي؟))
تعجّب مُعاذ من سؤالها إلا أنه ابتسم وطلّ من عينيه حنان جارف وهو يتمعن بالنّسخة الصغيرة من وجه زوجته الراحلة ثم صَحّح لها
((وهل هناك أغلى على قلبي منك يا قرة عيني؟ بل هل هناك عندي غيرك يا دودو؟))
عقدت دارين حاجبيها الرقيقين وقالت بحنق مُبطن بالرّجاء والاشتياق
((أبي أنا افتقدك ولا أخرج معك إلا عدة مرات بالشّهر حتى نزور قبر والدتي، أريد أن أعيش معك حتى يتسنى لي رؤيتك والتحدث معك دائمًا))
وَخَز تأنيب الضمير قلب مُعاذ على ابنته التي يدرك كم هو مُقصر بحقها إلا أنه قال بصوتٍ فيه بحة
((كم من مرًّة علينا التحدث بهذا الموضوع يا دارين! أنا لا أستطيع جعلك تعيشين معي لوحدك فأنا أتغيب معظم وقتي عن البيت! كيف يعقل أن أتركك لوحدك في شقة بقلب حي لا تعرفين فيه أحد معظم الوقت خلال اليوم))
ردت دارين بإصرار
((ألم تقل لي في السابق أنك لن تتزوج إلا عندما أكبرُ خوفًا من أن تأتي لي بزوجة أب وتسيء معاملتي! ها قد كبرت ولن تقدر المرأة التي تتزوجها أن تسيء لي لو أرادت ذلك، فماذا تنتظر؟))
ابتسم مُعاذ على كلام ابنته ثم قال وهو يقرص وجنتها الوردية
((هذا الكلام في السابق، الآن أنا أخشى على المرأة التي سأتزوجها أن تسيئي أنتِ معاملتها))
ثم أمسك يدها يجبرها على الوقوف من مكانها بقوة محتفظا برفقه
((يكفي تدللًا وانضمي لتناول الطعام معنا، سأخبر بكل الأحوال زوجة عمك ألا تحضر الطعام لغرفتك))
=============================
رَكَن مَالك سيارته أمام الفندق الوحيد في القرية والذي بدأ بالمكوث فيه بعد طرد والده له من البيت..
عرض صديقه المقرب عليه كثيرًا أن يبيت عنده في بيته، بعد أن باح له بكل ما حدث لكن مَالك رفض باستماته لأنه لم يكن يريد أن يُثقل عليه وقد عرف بأن مدة نفيه عن البيت ستطول بعد أن انكشفت حقيقة يزيد المُفجعة لعائلته!
دلف مَالك داخل الفندق ومرّ عند الاستقبال ليأخذ مفتاح غرفته فوجد الموظف يُخرج له علب طعام عديدة
((لو بكّرت أيها السيد وجئت قبل دقيقة واحدة فقط لكنت التقيت بزوجتك))
اتسعت عينا مَالك وسأله بلهفة
((هل كانت هنا!؟ والى أين اتجهت!؟))
قطب الموظف حاجبيه لكنه أجاب
((نعم كانت هنا قبل دقيقة، ثم غادرت وانعطفت يسارا))
ما إن أنهى الموظف كلامه حتى أطلق مَالك قدميه للرّيح واتجه راكضا إلى حيث أشار..
فسمية وبعد انتزاع يزيد منها لم تتواصل معه إلا بعد يومين مما حدث من خلال رسالة قصيرة تطلب منه عنوان المكان الذي يمكث فيها.. لتبدأ بعدها يوميًا بالذهاب للفندق وقت عمله وتسليم موظف الاستقبال الذي يحسب أنها زوجته علب مليئة بالأطعمة الشّهية التي تعُدها له..
ولا تعرف سمية بفعلها هذا كم تجعله يشعر وكأن أرصدة الحياة تغدق السعادة عليه.. مدركا بأنها حتى وسط غرقها بلوعة ابتعاد يزيد عنها فهي لم تنساه ولم يَهُن عليها أن يظل لأسابيع لا يأكل إلا من طعام الفندق البارد الذي لا طعم له..
بمجرد أن أدركها مَالك ورآها تسير بالطريق حتى تباطأت خطواته تدريجيا.. وهي بمجرد أن شعرت بأحدهم يقف خلفها بهدير أنفاس متصاعد حتى استدارت للخلف ثم تساءلت بدهشة وقد انخطف قلبها خوفا عليه
((مَالك! لماذا لحقتني؟ هل حدث أي شيء؟))
ابتسم مَالك بلا وعي لعينيها وقال من بين أنفاسه المسروقة اللاهثة
((فقط.. اشتقت لك))
ارتجّ قلب سمية بل اضطربت ملامحها وكسى تعابيرها حزن فياض.. راقبها مَالك تعض شفتها السفلى فتفاعلت رجولته معها التي يحكمها عاطفة لا شهوة بينما يسألها
((هل تشتاقين ليزيد؟ يمكنني أن اجعل أحد العاملين عندنا يأخذه خلسة لمقابلتك لبعض الوقت لكن عليك أن تتوقفي عن البكاء فوجهك متورم وذابل))
رفضت سمية اقتراحه لتقول بوجع قلب
((لا، لا يا مَالك لا أريد أن أثير حفيظة والدك، كما أني أرجو من هذا الفراق أن يُكفر ولو جزءً بسيطًا من ذنوبي تجاه ابني وما جعلته يمر به من هوان بسبب أنانيتي وتملكي تجاهه))
كان مَالك يرفع يده ليمسد رقبته بحيرة عندما لاحظ وجود غصن شجرة صغير قد اخترق قميصه ومزّقه قليلا.. فتمتم بلا شعور
((هل علق هذا الغصن بقميصي أثناء ركضي قبل قليل؟ سأمر على السوق بعد قليل واشتري غيره فأنا لا املك إلا ثلاثة قمصان اشتريتهم مؤخرا بعد أن طُردت من بيت أبي دون فرصة لأحزم حقيبة صغيرة حتى!))
عقبت سمية بلهفة مقترحة
((لا داعي لشراء أي قميص آخر، اخلعه الآن وسأعيده لك غدا بعد أن اغسله وأخيط الجزء المشقوق، لا تقلق لن يبدو وكأنه تم خياطته فأنا ماهرة في الخياطة))
اختض قلبه قليلا إثر مبادرتها هذه وإقبالها عليه بالاهتمام.. لكنه حافظ على وتيرة نبضاته وبالكاد منع زاوية فمه من ابتسامة شقية متلذذة وهو يقول
((حقا؟ هل اعطيه لك؟))
خلع مَالك قميصه وظل ببلوزة بيضاء بلا أكمام بينما يناولها إياه.. فوضعته سمية سريعا في حقيبتها ثم ازدردت ريقها وكسى وجهها شيء من احمرار الخجل وهي تقول بعد لحظات تردد
((نحن بحكم المخطوبين رغم عدم عقد قراننا.. لا أدري.. اقصد.. لا أدري إذا كان يصحُ، لكن جَمّع لي باقي ملابسك لأغسلها..))
تنهد مَالك بحرارة قبل أن يتشدق هادرا
((هناك غرفة غسيل بالفندق واغسل فيها ملابسي يوميا، لا تقلقي بهذا الشأن، ولكني حقا أريد شراء المزيد، فأبي يبدو أنه حقا ساخط عليّ ولن يعيدني بسهولة للبيت، حتى أمي لم تتصل بي أو تطمئن عليّ ولو عن طريق وسيط.. تخيلي!))
دمعت عيناها بعجز عن الكلام مما تسمعه لتصمت قليلا ثم تهمس بصوت مسموع
((هذا لأنك يا مَالك أخطأت بإخفاء تلك الحقيقة عنهم، إنهم مصدومين بك.. وأنا السبب بكل هذا لأني من ضغطت عليك لفعل هذا! قد يكون لي عذر بإخفاء تلك الحقيقة عن عائلتك لأني خفت أن ينتزعوه مني لكن أنتَ وبعد أن أشبعوك دلالا واهتمامًا فلم يكن ما فعلته منصفًا بحقهم))
أحس مَالك بتأنيب الضمير وهو يشعر بصحة كلامها، فصمتت قليلا ثم ردت عليه بنبرتها الخاصة التي تحتضن قلبه
((إلى اللقاء يا مَالك، وحتى تهدأ الأوضاع علينا ألاّ نتقابل ولا لدقائق عابرة))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!