لا تنسو التصويت ❤️❤️
عند الساعة الخامسة.. مساء..
ارتدت شيرين حقيبتها وأغلقت مكتبها مستعدة للرحيل بعد انتهاء عملها.. فهي لا تطيق الانتظار حتى رؤية سهر والتحدث معها بشأن ذلك المحتال!
مرّت من بهو الشركة عندما لمحت بطارف عينها اقتراب أحد منها لم تره منذ مدة طويلة جدًّا.. فاعتراه الذهول وتمتمت متسعة العينين
((الرائد.. الرائد مُعاذ!))
وقف مُعاذ أمامها بهيئته المهيبة القوية ثم تمتم لها
((لم أعرف أي ساعة بالضبط تُنهين عملك فقلت في نفسي أن أنتظرك هنا))
لفّها شيء من الارتباك وهي تتساءل
((لقد أنهيت عملي الآن، هل انتظرتَ كثيرًا؟))
ابتسم لها بركازه ثم أجابها مطمئننا
((لا، لقد وصلت هنا منذ وقت لا يزيد عن الربع ساعة))
هزّت شيرين له رأسها مما جعله يتنحنح ثم يقول
((هل يمكن أن أتحدث معك بخصوص موضوع هام.. وبشكل موجز.. في أحد المطاعم العامة))
احتّلها الصمت قليلا ثم قالت باحترام وتوقير خاص له
((بالطبع، هناك مطعم قريب يبعد مسافة خمس دقائق عن بيت صديقتي))
أكّد عليها مُعاذ بلهجة لها وقع الهيبة
((أُقدر وضعك وبأنه لن يكون لطيفا لو رآك أحد تجلسين مع رجل غريب عنك حتى لو كان في مكان عام.. لكن أنا فعلا بحاجة للتحدث معك وسيكون كلامي مختصرا.. استقلي سيارتك وأنا سألحقك بسيارتي))
بمجرد أن وصلا لإحدى المطاعم المفتوحة المليئة بالزبائن حتى جلسا حول الطاولة.. طلب مُعاذ لكلاهما مشروبا باردا منعشا ثم شبك أصابعه فوق الطاولة وتحدث بهدوء
((أباك كان يتحدث عنك كثيرًا في أيامه الأخيرة، كان يخبرني بأنك امرأة قوية ومستقلة وتعرفين كيف تحافظين على الحدود وتحمين نفسك، وأنا متأكد بأنك لا زلت كذلك رغم عيشك في المدينة وحيدة بعد وفاته، كان لوالدك نظرة محقة بك))
أرخت شيرين أجفانها وتحركت شفتاها في شبه ابتسامة
((فعليًا لا أعتبر نفسي وحيدة، فصديقتي ألحت عليّ أن أترك منزلي المستأجر وأعيش عندها، كانت نعم الصديقة معي ولولاها لا أعرف كيف كنت سأتجاوز كل الصعاب التي مررت بها، وأنت أيضًا مشكور ساعدتنا كثيرا أيام والدي الأخيرة، رغم أنك لم تكن تعرفه))
للحظات ظلّ مُعاذ يصغي لها بتدقيق كأنه يدرس ما وراء كلماتها قبل أن يومئ برأسه ثم يقول بنبرته الرخيمة
((الحقيقة أنا لم أكن أعرف والدك فهو كان من خارج قريتنا رغم أنه عاش فيها معظم حياته بعد زواجه من أمك، لكن لن أكذب عليك وأنكر بأن ما فعله ابن عمي بكم قبل عقد مضى كان مخزيًا، خاصة وأننا جميعا كنا نعرف بأنه انفصل عنك في الفترة التي تقدم لك ذاك الشاب..))
أظلمت عينا مُعاذ قليلا وهو يُكمل
((آنذاك قاطع والدي عائلته ولم يحضر أحد منا زفافه من زوجته السابقة.. كان أبي ساخط على والدته لنشرها تلك الأقاويل عن عرضك بين نساء القرية مبررة سبب ترك ابنها لك، وبعد رحيلكم من القرية ظلّ والدي يفكر بكم.. وعندما سمع بمرض والدك طلب مني أن أزوركم بين الحين والآخر))
سَكَنت ملامح شيرين وهي تقول
((والدك رجل مُهيب وكل ما فيه يشي بحكمة وقوة قراره، أنتَ تشبهه كثيرا من الخارج والداخل.. عندما قررت الطلاق قبل مدة قصيرة لم أجد غيره هو وأخوالي ليكونوا عونا لي بعد الله.. موقنة بأنه سيقف مع الحق حتى لو كان يعني أن يقف ضد ابن أخيه.. الآن رفعت دعوى الطلاق للضرر ولا بد أن الأوراق وصلت وليد))
ردّ مُعاذ بصوتٍ خشن هادئ
((لقد أخبرني والدي بكل ما فعله وليد بك، من تحريض عائلة الطفل الذي صدمتيه حتى يوكلوه محاميا لهم ليستغلوك ماليا، ثم ملاحقته لك وتهديديك بكل الطرق حتى يخدعك بمسألة التبرع لوالد صديقتك المقربة))
لفهّا شيء من المرار وهي تقول بحرج
((نعم وضف على ذلك بأنه بعد زواجنا أساء معاملتي بطرق لا أحب أن أفصح عنها..))
ثم صمتت قليلا قبل أن تكمل
((أنا أعتذر عن عرضي الزواج عليك سلفا يا مُعاذ، لكن غايتي كانت باللجوء لك لحماية نفسي من وليد.. فأنتَ كنت أكثر رجل استقامة وعلى قدر من الوقار والاحترام رأيته في حياتي.. ظننت أيضًا بأن انحدارك من نفس عشيرة وليد سيجعلك رادعا لما قد يفعله لي))
ضيًّق مُعاذ عينيه وهو يقول
((أكان هذا هو السبب الحقيقي وراء طلبك الزواج مني وإصرارك على أن يكون صوريا؟ كان عليك مصارحتي وإخباري الحقيقة، فقد كان بإمكاني أن أخلصك من بطش وليد دون الحاجة لزواجنا))
شعرت بالذّل يلفها من كلماته فازدردت ريقها بصعوبة،
تنّهد مُعاذ بعبوس يضفي على وسامة ملامحه جاذبية مميزة مع شعر ذقنه الأسود المختلط بقليل من وقار الفضة..
إذن هي عندما طلبت منه الزواج آنذاك لم تكن تحاول استغلاله لتثير غيظ وليد! بل كانت تستنجد به حتى يساعدها في التصدي لبطش وتجبر وليد!
كانت ترى فيه السند والحامي وهو عجز عن رؤية كل هذا بسبب غيرته السّخيفة وكبرياءه! لو كان أكثر فطنة لكان هو من تزوج منها!
نعم.. كفاه كذبًا على نفسه.. لو لم يُكن لشيرين الإعجاب لما كانت هي المرأة الوحيدة التي فكر بها كامرأة بعد وفاة زوجته الحبيبة! لكن فات الأوان ولم يعد من الصحيح التفكير بشيرين من هذا المنظور!
فهي لم ترد منه شيئا أكثر من أن يحميها من وليد!
تململ مُعاذ في جلسته ثم قال
((على كل حال وصلني ما تنشدينه، أقدمي عليه ولك كلمتي وكلمة والدي بأن وليد لن يتعرض لك مجددا.. أكد عليّ والدي اليوم ألا أدعك تحتاجين أي شيء أو تعانين.. وهو يحاول أيضًا إقناع وليد بالحسنى أن يطلقك بلا عناد قبل أن يلجأ معه لطرق أخرى لن تنال إعجابه))
ازدردت شيرين ريقها ثم استقامت واقفة تتمتم بكلمات موجزة خافتة امتنانًا له.. موقنة بأنها أصابت عندما لجأت للحاج يعقوب للتخلص من بطش وليد..
بمجرد أن رحلت شيرين حتى استقلّ مُعاذ سيارته يختلي بنفسه وسط الهدوء.. والصمت حوله يغرقه بأمواج الماضي.. موجة تتبعها موجة..
تمنى ببؤس لو يعود الزمن للوقت الذي طلبت منه شيرين الزواج.. فيحاول الإلحاح عليها أن تخبره سر هذا الطلب وبكل ما تعانيه ويمنع عنها ابن عمه صاحب النفس الرذيلة..
عند ذكر وليد استغرب مُعاذ قليلا.. بل كثيرا..
فشيرين تحاول التخلص منه رغما عنه وإلى الآن لم يأخذ هو أيّ ردة فعل قاسية مألوفة في أفعاله ضدها!
ما الذي يخطط له ابن عمه الحقير؟
=============================
منزل عائلة سهر..
زفرت تمارا المتمددة على إحدى الأرائك بقنوطٍ وهي ترفع يدها لتدلك بها جبهتها المصابة بصداعٍ مرعب بعد فجيعة ما عرفوه اليوم عن قُصي.. ثم قالت لابنتها بصوتٍ محتدم يحمل طابع نفاذ الصبر والغضب
((شيرين تأخرت علينا يا سهر، ألم تقل بأنها ستأتي وتتحدث معنا بشأن خطيبك المخادع الذي اتضح بأنه كان يعمل عندها!))
تنهدت سهر المجهدة ثم تمتمت بخفوت
((اصبري يا أمي قليلا، ربما حدث معها شيء ما وأخرها))
قدمت إحدى عاملات المنزل لتمارا حبة دواء مسكن للألم وكأس ماء ثم قالت بعفوية
((لقد رأيتها في المطعم المقابل لنا تجلس مع رجل ما وتحدثه))
انتفضت سهر مكانها تقول بقلق لهف
((يا إلهي هل هو وليد؟ صفي لي ذاك الرجل؟))
شَرَدت العاملة بنظرها مفكرة وهي تجيب بتيقظ
((كانت تجلس مع رجل بهيبة له ملامح جذّابة تزيده وسامة بطريقة رجولية مُلفتة..))
قاطعتها سهر عاقدة الحاجبين
((توقفي، توقفي أنتِ لا تساعديننا بهذا الشكل!))
صَدَح صوت رنين الجرس فقالت العاملة وهي تهرول للخارج
((ربما تكون تلك السيدة شيرين سأذهب لفتح الباب لها))
وكان حدسها صحيح بينما تدخل شيرين على عجلة إلى غرفة سهر بعد أن ألقت سلامًا سريعًا.. ثم جرت باندفاع نحوها تسألها بلهفة
((ماذا حصل معك؟ هل جاء عندك قصي؟))
أوصدت سهر باب الغرفة وجلست بجانب والدتها تقول بصوتها المتعب
((نعم واعترف بنفسه بكذبه عليّ وبأنه ليس ثريّا وشخص ذو شأن كما كان يدعي أمامنا، ليس هذا وحسب بل قلب الأمور عليّ لأصبح أنا المذنبة الطامعة وبأنه لم يكن غرضه وراء كل ما فعله إلا التّقرب منى فأمي لم تكن ستسمح إلا لرجل من نفس مستوانا المادي أن يقع في غرامي))
غمغمت تمارا بقهر وهي تكاد تموت كمدًا
((الدنيء مجرد موظف بسيط وأوهمنا بأنه صاحب شركة مرموقة تقبع في الخارج! لكن الحق ليس عليه بل على والدك الذي فشل في استقصاء حقيقة ما كان يدعيه، إنه مجرد منقب عن الذهب يحاول ادعاء الثراء ليصطاد فريسته الثرية..))
صمتت قليلا ثم أظهرت ملامح مشمئزة وهي تسترسل
((أشعر بالتقزز كلما أتذكر كيف كان يتحدث مع العميل الذي كان معه على الخط كخادم فقير يريد نيل رضا سيده))
نظرت سهر بملامحها المعذبة نحو شيرين تقول وهي تشير لنفسها بيدها بدفاعية
((أنا لستُ ضد أن يعمل بوظيفة بسيطة، كيف أعيبه وأنا سبق وعملت في وظائف متدنية كثيرة في المطاعم والفنادق في كل مرة أهرب بها من البيت.. أنا فقط ضد تقربه مني وكذبه بالكلمات المنمّقة والمعسولة التي تخفي وراءها العديد من الأهداف غير النزيهة، إنه حقا منقب عن الذهب كما قالت أمي))
لامست شيرين كتف سهر بكفها ثم قالت بتأكيد
((أنا بنفسي عملت كموظفة خدمة عملاء مثله بالضبط قبل أن أترقى في وظيفتي.. الوظيفة مهما كانت فليست عيبا، العيب في خداع الناس، لكن في نهاية الأمر ها قد عرّيناه من خداعه وعرفنا حقيقته كمفلس متطفل يسعى للزواج بك ليتسلق على كتف عائلتك الثرية))
كزّت تمارا على أسنانها وتشوّشت ملامحها بحقد
((لقد تلاعب بسهر عاطفيا.. عبارات غزله وكلماته المعسولة كانت بداية طريقه لصيده الثمين بابنتي..))
ضيقت سهر عينيها بلوم نحو أمها ثم صححت
((بل تقصدين هداياه الثمينة والباهظة لك من وقت لآخر.. لحظة..))
بترت سهر كلامها والحيرة تلفها ثم تساءلت بصوتٍ خطير حائر
((على سيرة هداياه الباهظة فمن أين كان مصدرها.. وسياراته؟ لقد أشبعني كلاما عن غرامه في السيارات وحب تبدليهم بين الحين والآخر))
تنهدت شيرين ثم كتفت ذراعيها وهي تقول بقنوط
((لقد عرفت مؤخرا بأنه كان يعمل سائقا عند صاحب شركات القاني.. تخيلي؟ لابد أن عمله كسائق لعائلة ثرية وعريقة مثل عائلة القاني جعله يتلقى الكثير من الهدايا كتذاكر سفر ويتاح له صلاحية استخدام أي سيارة من أساطيل سياراتهم..))
فَغَرت سهر شفتيها وتدريجيا بدأت تُدرك وتنكشف أمامها أسرار قُصي! إذن كان سرّ النعيم الذي يعيشه ويظهره لها هو عمله لدى عائلة غنية وذو شأن!
شعرت في هذه اللحظة وكأن قصي أمسك قلبها وشطره لنصفين!
في حين قالت تمارا وهي تضرب قبضتها فوق ذراع الطاولة
((إذن لا نلام على خداعه لنا بهذه السهولة طوال السنوات الثلاث الماضية فقد كان كل شيء يقوله مدعم بالأدلة والصور، لقد نجح بالكذب بشأن عائلته ووالديه وخلفيته الاجتماعية والمالية من خلال ما جناه من هدايا أثناء عمله السابق كسائق لدى تلك العائلة الثرية.. حتى أنه تطبّع بطباعهم فنجح في الظهور أمامنا والتصرف كرجل نبيل وسليل عائلة راقية))
أظهرت شيرين الاستياء وهي تقول
((بعد عملي في شركة القاني لما يزيد عن ثمانية سنوات صرت خبيرة في مثل هذا النوع من الأشخاص))
تطلعت سهر لها بحيرة لتكمل شيرين شارحة
((أقصد أنك أحيانا قد تلتقين بأشخاص يبدون كأنهم يمتلكون العالم كله في راحة أيديهم لكنك سرعان ما ستكتشفين أنهم لا يمتلكون حقا أي شيء، سيخبرونك عن "أصدقائهم" وستكون ألقاب أصدقائهم الخياليين هي أسماء عائلات مشهورة وغنية.. وسيخبرونك أيضا عن مقتنياتهم الثمينة والساعات المبالغ بسعرها.. والفيلات الصيفية لكنهم كاذبين))
شَرَدت سهر بنظرها وبدأت تستعيد مشاهد سريعة في بداية تعرفها بقصي.. وتحاول استيعاب الغموض الذي كان يلف شخصيته.. حياته.. حديثه.. ثم تمتمت بإدراك وفطنة متأخرة
((نعم معك حق.. أتذكر أنه في أول لقاء بينه وبين والدي لم يتوقف عن الحديث عن معارف وأصدقاء أثرياء وممتلكات عائلته الثرية من يخوت وسيارات وعقارات..))
عقبت شيرين هادرة ((الأغنياء الحقيقيون يتجنبون هذا التصرف الذي يفتقر للباقة، ثم إن الشخص المُعتاد على الترف والأشياء الثمينة لن يرغب بذكر هذه الأمور في كل شاردة وواردة))
عندها قتمت ملامح سهر واشتعلت نظراتها هادرة
((الآن فهمت فقط سبب فتوره ومحاولاته لتغيير الموضوع بذرائع مختلفة كلما تطرقت لموضوع التعرف على عائلته أو أقاربه))
تغضّن جبين سهر بالضيق ثم تساءلت
((لكن ما لا أفهمه هو سبب تأجيله لحفل الزفاف.. أعني كان من مصلحته أن يتزوج بي بسرعة ويصبح صهرا لوالدي الغني!))
قالت شيرين بشك ووجل
((هذا الأمر مثير للحيرة.. لكن هل حاول إحدى المرات أن يطلب منك المال؟ أو هل تركك تدفعين فواتير نزهتكما معًا وسفركما مع عائلتك؟))
أجابت سهر بتلقائية
((لا أذكر مرة بأنه سمح لي بدفع فاتورة أو بدا أنه يحاول أن يكون بخيلا معي أو يستغلني ماديًا بانتهازية، بل صحّ أن أقول بأنه من كان يدفع كل شيء وسبق واشترى الكثير والكثير من الهدايا الباهظة لي ولأمي..))
ازدردت شيرين ريقها ثم أمسكت كتفي سهر ووجهت نظرها مباشرة لها تستشف الحقيقة ثم تساءلت بحمية
((هل أنتِ متأكدة يا سهر؟ فهناك الكثير من الرجال الأذكياء الذين لا يطلبون المال مباشرة ويتركون المبادرة للفتاة كي تعرض خدماتها المالية، بعد أن يحكي لها عن أزمة اقتصادية أو مشروع يريد تنفيذه ليساعده على الزواج منها))
توترت حدقتي سهر والتقطت شيرين هذه الحركة لكن اكتنفت الجدية صوت سهر وهي تجيب
((نعم أنا متأكدة، هل تعرفين ماذا أيضًا؟ مرة اقترحت عليه أن أساعده ماديا لأني شعرت بأن أمي التي تثقل عليه بطلباتها هي السبب بتأخير زواجنا.. لكنه اعترض بصرامة وأخبرني ألا أفتح موضوع المُشاركة مجددا فهو كرجل لا يمكنه أن يكون عبئًا ماديًا على امرأته))
ضيقت شيرين عينيها بتفكير ثم خمنت قائلة
((لابد أن كان يخطط لشيء أكبر بكثير مما نظن، لكن أهم شيء أننا عرفنا حقيقته قبل الزواج))
أظلمت عينا تمارا وهي تتمتم ساخطة بشرود
((ذلك الفقير اللعين))
=============================
في غرفة الطعام..
اجتمع بعض أفراد عائلة الحاج يعقوب حول مائدة الطعام يتناولون طعام الغذاء.. وزاهية كعادتها لم تتنازل عن الجلوس بجانب يزيد لتبدأ بتعبئة طبقه بنفسها ولا تنسى بين الحين والأخر أن تضع له قطع دجاج وصلصة فوق الأرز..
ضيق فهد عينيه بنظرة تشوبها الغيرة وهو يشاهد جدته تغدق على يزيد من الحب والحنان والرعاية والهدايا المبالغ بها.. لم يختلف عليه شيء منذ أن عرف بأنه ابن عمه إلا بأن نزع آخر ما تبقى من اهتمام موجه له من أفراد هذه العائلة نحوه.. فصار يزيد هو رفيقهم في النزهات والزيارات وهو من يجلس في حجر جدته لتقص عليه قصص ما قبل النوم..
لكن سرعان ما اختفت هذه الغيرة لدى فهد من انتقائية الجميع نحو يزيد وهو يتذكر أنه محروم من والدته ولم يراها منذ أسابيع.. فتطلع لأمه بتلقائية شاعرًا براحة تتسلل له لوجودها بقربه..
طرقت نجوم في هذه الأثناء باب الغرفة ودلفت للداخل تقول للحاجة زاهية بشك
((هناك شاب يا حاجة في الخارج يدّعي أنه مَازن ابن حضرتك، أخبرته أن مَازن مسافر ولكنه مُصر على الدخول، فهل اسمح له أن ينتظر في مجلس الرجال أم اصرفه من هنا؟))
لم يكن الحاضرين قد استوعبوا ما تقوله نجوم حتى صدح صوت صاخب لشاب طويل في أخر العشرينات من عمره.. وسيم ودود الملامح
((مرحبـــــًـا جميعا))
عرفت نجوم أن الشاب دخل من باب المطبخ فاندفعت نحوه موبخه بامتعاض
((كيف تدخل هنا بدون إذن؟ هل اتصل بالشرطة لتعدّيك على حرمات هذا البيت..))
توقفت نجوم عن التكلم عند اندفاع زاهية نحو هذا الشاب وهي تضمه إلى صدرها هاتفة بحرارة
((إنه مَازن يا نجوم.. إنه ابني.. ألم تريه عندما جاء هنا عند عزاء ابن عمه!))
اتسعت عينا نجوم وبالفعل أمعنت بملامحه لتجده شبيه بملامح مَالك..
أما مَازن فبقي يعانق أمه الباكية فرحا لدقائق قبل أن يبتعد قليلا عنها ويناظر والده الواقف بصدمة مكانه كما باقي أفراد عائلته.. ثم يقول له بوجه بشوش
((لن تصدق كم أنا سعيد برؤيتكم يا أبي))
تغضّن جبين يعقوب في حين كفكفت زاهية دموعها وهي تقول برقة معاتبة
((لماذا لم تعطينا أي خبر مسبق؟ كنّا أحسنّا استقبالك وذهب أحد إخوتك لأخذك من المطار))
ضحك مَازن بمرح ثم قال عقب أن لثم جبين أمه
((كنت أخطط أن اجعل قدومي هنا مفاجئة))
ثم مال لأذنها هامسا بصوتٍ مسموع
((أخبرت أبي سلفا أني سأعود قريبا دون أن أحدد تاريخا، وأثبت أبي ولاؤه لي باحتفاظه بالأمر سرا))
شهقت زاهية بدهشة ثم تطلعت لزوجها معاتبه بحزن
((وهل هذا سر يمكن أن تحتفظ به بعيدا عني يا يعقوب؟ سامحك الله.. أقولها لك بقلب أم محروق))
ضيّق يعقوب وهو يناظر ابنه وابتسامته الواسعة بينما يغمز له بإحدى عينيه..
هل يستمتع هذا المستهتر بالإيقاع بينه وبين أمه؟
اقترب مَازن من شقيقه مُؤيد الوحيد المتواجد هنا يعانقه بقوة عناق رجولي قبل أن يتركه ليتوجه نحو زوجته ياسمين بملامحها الذاهلة التي لا تستوعب بعد أنه عاد حقا إلى هنا.. فيضمها إلى صدره هاتفًا بشدة كمن غارق في عشق زوجته حتى أذنيه
((كيف حالك يا زوجتي الجميلة؟ عدت من أجلك أنتِ بالذات بعد أن عجزت عن الابتعاد عنك أكثر وقد بلغ حبك بين جنباتي ذلك المبلغ العسير!))
زمّت ياسمين شفتيها ما إن وعت على ما يحدث ثم همست بخفوت غاضب
((لماذا رجعت هنا ومتى ستعود؟))
ابتعد مَازن ينظر لها ثم أمسك وجنتيّ وجهها النحيف غير الصالح للقرص لتشهق متألمة وهي تسمعه يقول بنفس بشاشته المغيظة
((لن ابتعد عنك مجددا يا زوجتي الحبيبة.. مطلقا.. سأبقى ملازما لك ولابنتنا الصغيرة أشبعكم من الحب الذي افتقدتماه بغيابي، فوَدّعي أيام الحرقة والبؤس))
اشمأزت ملامح ياسمين من تمثيله وكلامه، في حين تساءلت زاهية باهتمام ولهفة
((لا بد أنك متعب من السفر، أين هي أمتعتك يا مَازن؟ اذهب للاستحمام وسيصل الطعام إلى جناحك..))
استدار مَازن لها بينما يسحب كرسيا حول المائدة
((أمي ساعدني البواب بوضع حقائبي في المطبخ.. لكن الآن أنا أتضور جوعا ولن أتحمل أن أبقى دقيقة أخرى فارغ المعدة))
ابتسمت زاهية بحنو على جوع ابنه وقربت أطباق الطعام أمامه كمن تريد ألا يأكل أحد غيره من على السفرة..
جلس الجميع في مقاعدهم.. أما يزيد فأخذ الذهول به كل مأخذ وهو يتطلع بذهول لمَازن والذي يراه على ارض الواقع لأول مرة..
يشبه أباه كثيرًا لولا أن وجه أبيه أنحف ويميل للسًّمار كما قيل له!
أما هدى الصغيرة ضلت تطلع بهذا الرجل الذي يُقال بأنه والدها متجهمة مما جعل مَازن ينتبه لها أثناء تناوله الطعام ليقول بفمه الممتلئ متسائلا
((من هذه الصغيرة يا أمي؟))
طالعت زاهية حفيدتها ثم قالت بفرحة
((إنها ابنتك يا مَازن.. قبلّي أباكِ يا هدى وسلمّي عليه))
ازداد تجهم هدى بينما أجاب مَازن مدعيّا الذهول
((لقد كنت أتساءل بيني وبين نفسي منذ أن وقع بصري عليها أين رأيتها فوجهها مألوف.. تعالي يا حلوتي))
عَبَست ياسمين وهي تهمس له بغضب
((توقف يا مَازن عن مزاحك الثقيل هذا))
غمغمت هدى وهي تضيق عينيها بتشكيك بينما تتذكر شكله بزيارته القصيرة أثناء وفاة ابن عمه
((شكله مختلف عن آخر مرة رأيته، كان وجهه أسمن قليلا))
لفّ الحزن وجه زاهية وهي تنظر لمازن بعين متفحصة وتغمغم
((لطالما كنت يا مَازن نحيف البنية لكنك بالفعل ازددت نحافة عن قبل وحتى وجهك فقد رونقه، ابنتك محقة))
ازدادت ابتسامة مَازن اتساعًا وهدر لامه
((لا تحزني، ها قد عدت وجاءتك الفرصة لتساعديني على استعادة تلك الكيلوغرامات التي خسرتها مؤخرا))
تنحنح مُؤيد ثم تساءل بنبرة ذات مغزى
((هل جئت وحيدا يا مَازن؟))
قطب مَازن حاجبيه واختفت ابتسامته متسائلا
((إلى ماذا تلمح يا مُؤيد؟))
منع مُؤيد ابتسامة من أن تشق محياه وهو يقول
((يبدو أنك لم تكن تكذب عندما نفيت أمر زواجك سابقا))
في هذه اللحظة تجلت ملامح التسلية في وجه مَازن ومدّ ذراعه حول كتف ياسمين يجتذبها نحوه بعناق جانبي وهو يقول
((أنا لست متزوجا غير ياسمين حقا، أساسًا ما زلت صغيرا على تكرار تجربة الزواج الثاني لكن بالطبع ليس لدي أي مانع من فعلها مستقبلا، ولكن بشرط موافقة ياسو فأنا لا أحب أن أُغضب حبيبة قلبي))
بصعوبة وفظاظة أبعدت ياسمين ذراع مَازن عنها وتطلعت له مبتسمة بسماجة لتقول
((وأنا موافقة.. ثم ومن قال بأنك صغير؟ لا أحد صغير على الزواج، إنوها فقط وسأختار أنا لك عروسا))
رفرف مَازن بعينيه وهو يطالع ياسمين دون أن تنحسر ابتسامتها أو يرف لها جفن..
ووسط وجوه جميع الحاضرين الذاهلة من إجابة ياسمين مرّت ثانية أو اثنتين حتى انفجروا جميعا ضاحكين بصخب..
فقط زاهية هي التي انزعجت ملامحها وهي تفكر أن ياسمين لا تستحق جوهرتها مَازن ورجلها المدلل والغالي..
امتقع وجه مَازن وصرّ على أسنانه يتميز غيظا لا يكاد يصدق كيف أحرجته ياسمين بهذا الشكل أمامهم! إلا أنه ابتسم ولثم جبينها هادرا بحب مصطنع
((كم أنا محظوظ بك يا زوجتي الصالحة!))
انزعجت ملامح يعقوب من تقبيل مَازن لزوجته أمامهم بلا حياء أو خجل دون أن يحتوي مشاعره فهتف عبوس
((كفوا عن الحديث وقت الغذاء))
انتبهت ياسمين على ملامح حماها ثم تطلعت لزوجها هامسة من بين أسنانها
((توقفت عن التغزل بي وتقبيلي بحميمية يا محترم أمامهم.. أنتَ لست في الغرب.. والدك على شفا حفرة من الانفجار والانقضاض عليك! ثم هل أنتَ جاد بمسألة عودتك هنا للأبد؟ هل تريد أن تنتهي حياتك على يد أبي؟))
ابتسم مَازن ساخرًا من كلام ياسمين فهي تظن بسخافة أن سبب بقائه في الخارج حتى الآن هو والدها الذي لم يفعل أساسا أي شيء لمن خطفوها شخصيا أكثر من إرسال من يبرحهم ضربا.. لكنه مال برأسه نحو أذنها يجيبها بنفس الهمس
((ياسو يا ابنة قلبي مرّ على هذه التهديدات أكثر من ثمانية سنوات لن يذكرها والدك الكهل، على الأرجح بما أنه لم يراك طوال هذه السنوات أنه نسيك شخصيّا..))
بمجرد أن لمحت زاهية نجوم تمر من المكان حتى نادته
((تعالي يا نجوم وعبئي القدر هذا مرة أخرى، فمَازن ما زال جائعا..))
ببطء وحياء اقتربت نجوم من المكان لا تزال حرجة من الموقف الذي حصل لها قبل قليل مع مَازن فرفع مَازن وجهه يطالع ملامحها المتوردة بخجل متسائلا باهتمام
((هل هذه نجوم؟ نجوم ابنة منال؟ رباه متى كبرتِ هكذا وصرت شابة جميلة يا نجوم!))
تخضبت وجنتا نجوم بالاحمرار وكتمت ابتسامة خجولة بينما تسمع مَازن يكمل بنبرته الرجولية المنبهرة
((رباه منذ متى لم أراك! لا أتخيل كم هي قادرة سنوات قليلة أن تغير في المرء!))
حدّقت ياسمين الواجمة بملامح حماها وبدا لها أن الأمر لن يطول قبل أن يفجر كل ذلك الغضب المكبوت تجاه ولده.. فقرصت من تحت الطاولة ذراع مَازن بقوة تعمدتها وهي تهمس مغتاظة
((أغلق فمك فأنتَ تتحدث وكأنك لم ترَ فتاة طوال حياتك))
كتم مَازن تأوهاته المتألمة ثم أجابها بهمس ووجهه يتهلل بالسعادة لأنها غارت من مدحه لنجوم كما يظن
((أحب أن أشيد على الجمال أينما وكيفا كان))
تساءلت نجوم التي كان لا يزال يلفها الخجل
((هل أجلب شيئا غير الحساء؟))
أومأت لها زاهية بالنفي في حين قال مَازن يريد أن يستفز ياسمين أكثر
((لقد تركت هذا القصر وكنتِ لا زلت مراهقة قصيرة.. التغير الحاصل لك مذهل! قوامك يناسب فتاة ناضجة تبهر الجميع بجمالها وبأنوثتها لا فتاة في العشرين من عمرها))
جحُظت عينا يعقوب عند هذه النقطة وارتجفت يده الممسكة بالمعلقة من غضبه المستعر في داخله تجاه مَازن.. ولم تكد تخرج نجوم من الغرفة حتى هتف غاضبا وهو يقف من مكانه يُقلب مائدة الطعام رأسًا على عقب على المتواجدين.. حتى أنهم شهقوا جميعا بصدمة وهم يهرعون مبتعدين عن المائدة حتى لا ينسكب عليهم شيئا من الأطباق..
تطلع الكل مصدومين ليعقوب الذي هتف بنبرة مشحونة محملة بالانفعال
((أيها المنحط كيف تتجرأ وتتحرش بإحدى عاملات المنزل التي تعمل هنا تحت مسؤوليتي الكاملة!))
اتسعت عينا مَازن المبهوت ثم استنكر
((تحرش؟ تحرش يا أبي! أنا كنت.. اقصد كنت أجاملها))
استشاط يعقوب غضبا أكثر من ذي قبل ليصرخ به
((وأين تحسب نفسك أيها الخسيس لتقول هذه المجاملات))
بدأ صدر يعقوب يرتفع وينخفض بانفعال أكبر مما جعله يهمس باشمئزاز
((بئس الابن وبئس الأخلاق))
تمتم مُؤيد بصوتٍ خافت معقبا
((يبدو أنه عاد أسوء مما ذهب يا أبتي، وكأنه غادر ليتطبّع بطباع الغرب جنبا إلى طباعه ثم يعود، الآن عرفت فقط لما كان متحمسا للسفر ورافضا أن يعود ويلبي توسلات أمي له))
ضيقت رتيل عينيها وقد كانت الوحيدة التي تفهم سبب تصرفات زوجها ثم همست له موبخه
((توقف يا مُؤيد، فإظهار عيوب إخوتك في كل موقف لن يجعل والدك يظن بأنه لم يفلح في تربية أحد غيرك))
بدأت رتيل تتفقد ولديها باسم وفهد وإذا ما كان قد طالهم أي شيء من أطباق الطعام في حين فزعت زاهية عند علو شهقات يزيد التي كان يحاول كتمانها
((لماذا تبكي يا يزيد؟ لماذا تبكي يا مُهجة القلب؟ هل انسكب عليك شيء من الحساء الساخن؟))
كانت زاهية تتفقد كل ما في يزيد بقلق عارم فغمغم الصغير مجيبًا من بين شهقاته الرقيقة
((لقد خفتُ أن يضربني أيضًا))
تطلعت زاهية له بروع وقالت
((جدك يحبك، ولا يريد إلا رضاك وراحتك))
ضاقت ملامح يعقوب المحاطة بالتجاعيد الوقورة وندم على انفعاله التلقائي أمام يزيد الذي لا يزال يحاول الاعتياد عليهم.. فأطبق شفتيه بقوة وسخطه على مَازن يتفاقم لأنه كان السبب في كل هذه الجلبة..
ثم قال لزوجته بصوته الوقور الثقيل الذي يشع صرامة
((زاهية من الآن وصاعدا وطوال تواجد ابنك في هذا المكان لا أريد من نجوم أو من أي شابة عاملة هنا أن تتواجد بالأرجاء.. أمفهوم كلامي!))
أومأت زاهية له بوجه مسوّد فغادر زوجها على الفور مما جعلها تنظر لابنها مَازن بحزن معاتبة
((سامحك الله يا مَازن هل أعجبك الكلام الذي طالك بسبب ما قلته!))
هاجت ملامح مَازن واندلعت نيران الغضب داخله من ردة فعل والده أمام الجميع! ها هو يقرر الاستقرار بعد سنوات طويلة من الغربة وهكذا تمّ الترحيب به! فتجاهل كلام أمه وغادر ضاربًا الأرض بخطواته الثائرة..
فقال مُؤيد باستياء لامه
((انظري لمدللك كيف انصرف وكأنه لم يخطأ بشيء! لقد نلنا جميعا سخط أبي الذي سيضل عابسا أمامنا لأشهر بسبب ابنك يا أمي))
رفعت هدى وجهها لأمها التي كانت تضم جسدها الخائف لها ثم تساءلت بحزن طفولي ((هل أبي رجل سيء؟))
أجابها مُؤيد بهتاف عال
((نعم إنه سيء.. أنظري كيف قلب المنزل رأسا على عقب ولم يمضِ على وجوده هنا إلا ثلث ساعة!))
لكزت رتيل زوجها تؤنبه
((مُؤيد لا تتحدث عن والد البنت أمامها هكذا!))
رفعت هدى عينيها تستنجد بأمها وملامحها تنذر بالبكاء فأحاطت ياسمين وجهها بكفيه لتضُمها باحتواء..
أما زاهية فتنهدت بحزن على هذا اليوم السعيد الذي انقلب لغما ثم رفعت يدها تحيط وجه يزيد النسخة الطفولية عن مَالك تتعمق النظر بتفاصيله التي لا تشبع منها ثم تساءلت بصدق مشاعرها الحانية
((هل شبعت يا يزيد؟))
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!