لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الرابع والعشرون
ترّجلت رتيل من سيارة الأجرة التي أوصلتها أمام العنوان المنشود بهيئتها الفوضوية ووجهها الشاحب الملطخ بدموعها..
رفعت عباءتها تهرول باتجاه القصر بينما تنظر من خلفها بين كل ثانية وأخرى وأنفاسها تصدر منهكة من صدرها..
شهقت بذعر ما إن لمحت مُؤيد يصل بسيارته بعد أن استطاع اللحاق بها! وبالمقابل انتبه عليها مُؤيد فهرول هو الآخر يلحقها بخطوات مترنحة بسبب ألم قدمه دون أن يهتم بإغلاق باب السيارة خلفه أو سحب المفتاح حتى..
انكمشت ملامح رتيل التي شوهها الذعر وهي تزيد من سرعة ركضها.. تركض بأقصى سرعة.. وبكل ما أوتيت من طاقة.. دون أن تنظر خلفها أبدًا.. قلبها يكاد يقع بين قدميها كأنها هاربة من شيطان لا إنسان.. والخوف تعشش في كل أنحاء جسدها يتفاقم من صخب خفقات فؤادها المكلوم..
رباه.. لم تره يومًا بهذه العصبية والجنون!
ماذا سيفعل بها الآن عندما يدركها؟
دفعت باب القصر شبه المفتوح لتتوغل للداخل بقوة مثيرة الجلبة والتساؤلات لكل من يراها.. حتى أن حماتها لمحتها وتعجبت لمرآها فصرخت رتيل دون أن تتوقف عن الركض
((إنه خلفي.. سيلحقني الآن.. لن أستطيع التوقف!))
أطلقت رتيل صرخة مرتعبة عندما سمعت صوت زعيقه وهو يدلف للداخل وراءها.. فدخلت جناح والديّ مُؤيد الذي كان أقرب لها من جناحها وصفقت الباب خلفها بإحكام..
اتسعت عينا زاهية ثم تطلعت للخلف، لمُؤيد الذي توقف مكانه مُتأوهًا بألم يُلامس قدمه قبل أن يتقدم للأمام بينما يجر قدمه الأخرى جرًا متحاملا على ألمه بخطوات بطيئة إنما ثائرة.. هاتفا عاليًا
((لقد رأيتك يا رتيل.. لا تختبئي.. افتحي الباب))
بهُت وجه زاهية مغمغمه مكانها
((يا إلهي ما هذه الصدفة الفظيعة!))
خرج يعقوب من الغرفة ووقف بجانب زوجته متسائلا
((أين كان كل من رتيل ومُؤيد؟ وماذا يحصل معهما؟ لم يصرخان؟))
شعرت زاهية بالتوتر يجتاحها واحتارت إذا ما كان عليها اللحاق بابنها أو الشرح لزوجها الذي عاد يهتف بقلق وامتعاض
((ماذا يحدث يا زاهية؟ أجيبي))
أطلقت الحاجة زاهية تنهيدة بائسة ثم قالت بعجل
((أخبرتني رتيل بأن حالة عمتها خطرة وطلبت مني أن تغادر لساعات قليلة لتفقّد حالها، وتوسلت كثيرا أمامي ألَّا أخبر ُمُؤيد حتى لا يغضب، وأنا ضعفت أمام توسلاتها وسمحت لها بالخروج))
تغضَّنت ملامح يعقوب وهو يحثها على الإكمال فضربت زاهية كفا بكف وقالت
((الذي حدث على ما يبدو أنها وصلت تزامنا مع عودة مُؤيد المفاجئة إلى هنا ففرت هاربة.. سأذهب لأخبر ابنك أني من سمحت لها بالخروج ليخفف من اهتياجه هذا، أرجوك لا تتدخل يا حاج واترك لي أنا احتواء الأمر))
رغم استياء يعقوب مما يسمعه إلا أنه ترك لزوجته حل هذا الأمر مكتفي أن يعقب بغضب
((نعم اذهبي وأخبري ابنك هذا صلب الرأس وقليل الإدراك بأن عليّه أن يفهم أن الأمور لا تحل بهذا الشكل، وأنَّ زوجته لو لم تكن موقنة بأنه إنسان ظالم وغير متفهم لما خرجت وطلبت منك ألا تخبريه.. هيا أسرعي واردعي ابنك عن حماقته، صراخه وصل إلى هنا.. هل صارت عيادة العمة المريضة خطيئة!))
دمدمت زاهية له وهي تهم بالمغادرة
((ها أنا ذاهبة.. هداه الله))
عاد يعقوب لداخل الغرفة يجلس بين أحفاده.. فلو تدخل لن يترك ابنه دون زجره بقسوة..
بطريق زاهية جاءتها حفيدتها دارين راكضة تقول بملامح ترتعش بالبكاء
((بسرعة يا جدتي.. بسرعة.. زوجة عمي داخل جناحك وعمي يكاد يكسر الباب عليها لأنها ترفض فتحه له))
اكتسحت الصدمة زاهية وهي تسرع الخُطى باتجاههم
((المجنون سيفضحنا أمام من هنا بصراخه))
مسح مُؤيد بيده جبينه الذي تفصد بالعرق البارد وتحامل على تعبه وإجهاده وهو يعود لدفع الباب بكتفه بكل ما أوتي من قوة هاتفًا لها أن تفتحه..
آخر دفعة من مُؤيد نحو الباب جعلت جزءً من القفل يتحطم فاستطاع كسر الباب..
إلا أنه تفاجأ بها قد دخلت للغرفة المرافقة وأوصدت أيضًا الباب خلفها بالمفتاح فشتم عاليًا وهو لا يصدق أن أمامه بابا آخر ليكسره قبل أن يصل إليها..
وصلته شهقة والدته المصدومة بينما تتقدم منه هاتفة بعصبية
((ما الذي كسرته يا مُؤيد؟ يا قليل العقل الأمر ليس كما تعتقد، لقد طلبت الإذن مني قبل خروجها))
تطلَّع مُؤيد بملامحه المظلمة نحو والدته هاتفا
((طلبت إذنك؟ حقا يا أمي؟ وما الذي قالته لك لتذهب هناك؟))
وقفت زاهية أمامه بصرامة تقول
((عمتها مريضة جدًّا بل تحتضر وكان عليها الذهاب لقرية عائلتها))
انفلتت أعصاب مُؤيد في هذه اللحظة هاتفًا وهو يلوح بيديه بجنون
((أمي رتيل لم تكن في قرية عائلتها بل في المدينة، في نفس المدينة التي أعمل فيها.. جاءتني فاسقة تناولني صورها وتخبرني أن زوجتي الآن في بيت عشيقها كما هي معتادة بين الحين والآخر على زيارته أثناء غيابي))
كادت أن تخرج عيني زاهية من محجريها وهي تقول بصوتٍ باهت مصدوم
((مـ مـستحيل!! لا أبدًا.. لا أصدق!! مُؤيد كيف..))
قاطعها مُؤيد صارخًا وهو ينتشل الصور المجعدة من جيب بناطله
((لقد ذهبت قبل قليل إلى البيت ووجدتها هناك.. لو لم يوقف لها مُعاذ سيارة أجرة ويهرّبها مني لكنت قضيت عليها في نفس اللحظة..))
ازدردت زاهية ريقها بصعوبة وتزايدت دقات قلبها ثم أخفضت بصرها إلى حيت يمسك مُؤيد صور مجعدة بقبضتيه فتساءلت
((ما هذه الصور؟))
قذف مُؤيد الصور أرضًا وهو يجيب عاليًا بهيستيريا
((هذه الصور لها في نفس البيت الذي وجدتها فيه.. واحزري ماذا أيضًا؟ دراجة مُصعب النارية التي تم سرقتها كانت هناك.. الشخص الذي سرقها فعلها بأمر من رتيل بعد أن دلّته على مكانها!))
هزت زاهية رأسها تقول بنفي
((لا أصدق.. هناك سوء فهم.. لا بدَّ أن هناك سوء فهم..))
كان مُؤيد كالمجنون وهو يدور عاجزًا حول نفسه على وشك الانفجار.. قبل أن يقاطعها بصراخ يصم الآذان
((إذن اطلبي منها الخروج أمامي الآن لتشرح لنا سبب تواجدها هناك لأنه لو نفذ صبري سأكسر الباب وأقتلها بدم بارد دون أن يرف لي جفن..))
لم تجد زاهية التي كانت لا تصدق أي شيء مما تسمعه إلا أن تخفض جسدها وتلتقط الصور من الأرض لتنفي ما يقوله لكن ما إن طالعتها حتى شحب وجهها تماما..
بدأ مُؤيد يتنفس بقوة موجعة.. وصوت أنفاسه المتحشرجة كدوران الرحى بينما يقول بعينين زائغتين
((أنا الآن مشوش، بل حتى بدأت اشك في حقيقة كل مرة خرجت من هنا بذريعة زيارة عائلتها إذا ما كانت قد ذهبت هناك فعلًا أم لا..))
رفع أصابعه يغرسها في خصلات شعره يكاد أن يقتلعها بعصبية غير قادرًا على تصديق الكابوس الذي يعيشه منذ ساعات.. فاسترسل بقهر نابع من صميم رجولته المطعونة
((رباه! ارحمني))
سيفقد عقله.. والله سيفقده ولن يتحمل لوقت طويل قبل أن يقتل نفسه بعدما يقتلها!
انهمرت دموع دارين في هذه اللحظة بخوف على زوجة عمها ولم تستطع أن تكتم شهقاتها كلها..
فاتسعت عينا زاهية مرة أخرى كأنها أدركت أو تذكرت شيئا فنظرت لحفيدتها بغتة هاتفة
((دارين.. دارين ألم تكوني دائما تهددين بإفشاء سر زوجة عمك أمامي.. قولي لي ما هو هذا السر؟ ما هو يا دارين؟))
تطلعت دارين لجدتها بصدمة وازدردت ريقها قبل أن تقول بحنق طفولي تداري فيه فزعها من المشهد
((عندما كنت ألمح لك كنت لا تأخذيني على محمل الجد بل تخبريني ألا أقلل من احترامها فهي بمقام والدتي، ومفشي الأسرار طفل سيء.. الآن تطلبين مني وبكل بساطة أن أبوح!))
انتفض مُؤيد مكانه وصوب نظره لدارين ثم اتجه نحوها..
أمسك كتفيها ليهزها بقوة.. صارخًا عليها بصوت حارق
((أتعرف سرا عن رتيل؟ قولي ما هو؟ قوليها يا بنت الأمر لا يتحمل عناد طفولي))
عقدت دارين ما بين حاجبيها تردد بصوتها الباكي
((لا أريد أن أقول))
صمت مُؤيد قليلًا يغلق عينيه للحظات.. أبعد يده ليمسد ساقة التي تذبحه ألمًا.. ثم تحشرج صوته المخيف قبل أن يطلق هسيس مخيف
((دارين هيا تحدثي أخرجي الكلمات من جوفك، لا صبر لدي على مداراة مراهقة مثلك))
أخذت دارين تهز رأسها بلا هستيرية هامسة
((أنت تخيفني جدًّا وأنا لا أريد أن أقول شيئا))
صرخ مُؤيد بها بصوتٍ منفعل بخطورة
((سأخيفك وأجلدك أيضًا إن لم تتحدثي.. هيا قولي قبل أن أفعلها لأول مرة في حياتي وأشبع فتاة ضربًا))
زاد نحيب دارين والدُّموع المتدفقة منها فباحت بكل شيء خوفا من عنف عمها بصوتٍ مرتعش
((لقد سمعتها أكثر من مرة تتحدث مع صديقتها غنوة وتقول بأنها نجحت في الكذب عليك وإقناعك أنها ذاهبة للمبيت عند عائلتها في القرية المجاورة في حين أنها ستذهب عندها في المدينة لتحظى بالحرية والمتعة معها))
أظلمت عينا مُؤيد بتعبير لم تدركه بينما الغضب الأسود تصاعد فيه بشعاع متوحش كاد أن يحرقه هو نفسه..
أمَا دارين فشعرت بالندم والضيق فهي لم تكن تريد قول أي شيء قد يتسبب بإيقاع زوجة عمها بالمشاكل.. صحيح أنها كرهتها في وقت من الأوقات لأنها تفعل ما تفعله من خلف ظهر عمها.. لكن لم تكن لديها نية سابقا بالبوح بسرها وإيذائها! فركضت للخارج نحو جدّها..
مسح مُؤيد بكفه على وجهه الرمادي الشاحب قبل أن يرجع رأسه للخلف هاتفا بصوتٍ مرتعش رغم قوته وغضبه
((لقد كانت طوال السنين الماضية تستغفلني وتذهب إلى مكان آخر غير الذي تخبرني عنه.. ربَّاه..))
في هذه اللحظة دخل الحاج يعقوب عليهم هاتفًا
((مُؤيد كيف تجرأت على الصراخ في ابنة أخيك بهذا الشكل وتهديدها؟ أكسر يدك لو تجرأت ورُفعت على أحد أحفادي))
استقام مُؤيد من مكانه شاعرًا أن وقوفه يثقله والأرض تميد أسفل قدميه.. اتكأ على الجدار وزاغ البصر أمامه وهو يقول بصوتٍ أجوف أقرب للموت
((جميعكم اشهدوا أن زوجتي طالق.. لقد طلقتها وهي من هذه اللحظة لم تعد تعنيني))
شهقت رتيل التي كانت تقف خلف الباب الآخر ما إن وصلها صوته ورفعت يدها إلى فمها غير قادرة على تصديق الكابوس الذي تعيشه هي الأخرى وشعور الخزي يلفها.. لكنها أغمضت عينيها باستسلام يمزق نياط القلب لما ينتظرها.. قبل أن تفتحهما فجأة على صوت حماها يصرخ بزوجها بشراسة ومقت
((أيها الأرعن أخذتك عزتك بالإثم فطلقت زوجتك لأمر تافه كهذا! تبا لك يا مُؤيد أنتَ لا تتغير بل يوما عن يوم تغدو شخصا أكثر ظلما وتجبّرا.. لم أربيك أنا بهذا الشكل.. أبدًا لم أربيك))
أنهى يعقوب ما يقوله حتى يهبط بيده على وجه ابنه بصفعة مدوية.. جعلت الدُوار الذي كان يشعر به مُؤيد يتفاقم.. فتشوشت رؤيته قبل أن يقول بهذيان صوته المختنق ألما
((ساقي.. ساقي.. الألم فيها لا يطاق))
نسي يعقوب كل ما يدور من حوله واقترب منه يسأله بقلق بالغ
((مُؤيد.. مُؤيد.. ماذا يحدث لك؟))
لكنه لم يرد عليه وقد تبدل ما يراه وغشي السَّواد عينيه واختل توازنه..
سارع يعقوب هو وزوجته يمسكانه قبل أن يسقط مغشيا على الأرض الرخامية.. وولولت زاهية برعب على ابنها في حين جَرَّه يعقوب إلى مقعد قريب ورفع يده يضرب وجنته بمحاولة يائسة لإيقاظه.. عندما يأس من ردة فعله غادر الغرفة هادرًا
((سأتصل بالإسعاف حالا))
في هذه الأثناء استغلت رتيل التي كانت بحالة يُرثى لها انشغالهم حتى تخرج بهدوء وتسير بخفة على أطراف أصابعها نحو جناحها هي..
تناول يعقوب هاتفه وهاله كمّ الاتصالات الهائلة من أبنائه.. خاصة مُعاذ.. لكنه تواصل في البداية على رقم الإسعاف يدلهم على عنوانه وبمجرد أن أنهى المكالمة حتى كان مُعاذ يتصل به مجددا..
ردَّ عليه فورا فجاءه صوت مُعاذ المستاء الغاضب
((أوصل أخي مُؤيد عندكم يا أبي؟ هل هو هناك؟ أين زوجته؟))
ردَّ يعقوب على ابنه بشيء من الارتباك
((نعم إنه هنا.. ماذا حدث؟))
قال مُعاذ من بين أنفاسه اللاهثة مستنكرا
((هل يعقل يا أبي؟! أن أتصل على أرقام جميع من في القصر والعاملين فلا يرد عليّ أحد إلا إخوتي والذين هم أساسا بعيدين رغم أنهم اتصلوا بك أيضًا دون فائدة))
هتف يعقوب والقلق يستفحل بصوته
((أرعبتني يا مُعاذ قل ماذا هناك؟))
صمت مُعاذ لثوان يأخذ أنفاسه المسروقة ثم تساءل
((في البداية كيف حال مُؤيد؟ هل وصلت زوجته إلى هناك أم لا؟))
أجابه يعقوب بنفس النبرة
((نعم وصلا الاثنين وأخيك وقع مغشيا عليه بينما يهذي بأن ساقه تؤلمه وطلبت له الإسعاف))
ردَّ مُعاذ عليه بصوته المجهد
((أنا من الأساس مستغرب بأنه وصل عندكم وهو على قيد الحياة.. لقد خرج من السيارة التي أقودها مرتين دون أن أوقفها وضرب قدمه عمدا بإطار السيارة.. وشتتني أثناء القيادة فاصطدمت برجل وعندما أوقفت السيارة وترجلت منها حتى أتأكد من إصابة الرجل حلَّ مكاني خلف المقود وأكمل القيادة للقرية دون أن يعبأ بقدمه المصابة.. بالي انشغل في أن يكون قد تسبب بحادث وتأذى أو آذى غيره أثناء ذلك))
سأله يعقوب بصدمة تملكته
((وكيف حال ذاك الرجل الذي اصطدمت به يا مُعاذ؟))
ردّ عليه مُعاذ مطمئنا إيَّاه
((لا تقلق، بضع رضوض فبالكاد لامسته السيارة قبل أن تتوقف.. المهم أين زوجة أخي؟ هل هي بالقصر؟))
وعند ذكر هذا السؤال باغته صوت زاهية من الخلف تقول بعصبية
((يا حاج.. يا حاج زوجة ابنك فرت هاربة بحقيبتها للخارج))
التفت لها يقول بخشونة
((سنحل أمرها مع زوجها لاحقا، أهمُ شيء هو قدوم الإسعاف))
أخذت دارين الهاتف الذي تركه جدّها على الفور تقول لأبيها قبل أن يغلق الخط
((أبي هل هذا أنتَ؟))
قال مُعاذ بنزق وعجل
((دارين سأغلق الخط وسنتحدث لاحقا))
سارعت دارين تقول بصوتها المتهدج
((عمي مُؤيد عنفني بشدة قبل قليل وهددَّ بضربي، أنا أكرهه ولن أتحدث معه بعد اليوم))
رد عليها مُعاذ بصوتٍ يخبئ خلفه انفعالًا يهدد بفقدان السيطرة
((دارين ليس الآن وقت مشاكلك الطفولية، أنا لست متفرغا لك، سأغلق الخط))
تقوست شفتا دارين للأسفل بإحباط وخيبة أمل بينما تسمع جدتها تقول ما إن صدح صوت الإسعاف
((دارين اعتني بأولاد عمك جيدا سنذهب أنا وجدك إلى المشفى))
=============================
كان يراقب مَالك منزل سمية الصغير حتى خرجت منه فتتبعها من بعيد على بعد أمتار.. أوشك أن يفقد أثرها أكثر من مرة لكن كان حدسه يعيده إليها..
لطالما اعتاد ومنذ مراهقته عندما يراها تخرج مضطرة في وقت الغروب لتتسوق لكونها الابنة الوحيدة أن يتتبعها هكذا من بعيد ويتأكد من ذهابها ووصولها لبيتها بأمان.. فطرق قريتهم في هذا الوقت تكون شبه فارغة والسير على الأقدام فيها يكون خطر على فتاة وحيدة.. وبعد زواجهما وربط يزيد بينهما كان يأمرها بلهجة صارمة ألا تخرج أبدًا للتسوق بعد العصر، وإذا ما اضطرت لذلك أن تطلب منه هو إحضار ما تريده لها.. وكانت تصغي له..
خرج مَالك من شروده عندما توقفت خطواتها فجأة لتتوقف خطواته هو الآخر..
وصله صوتها المحمل بالجفاء وهي تسأله دون أن تستدير له
((لماذا تسير خلفي يا مَالك؟))
ابتلع ريقه بصعوبة وشوقه لها يلفه لفا..
موجوع ومضطرب.. يفتقدها.. يموت إلى جرعته المعتادة من صوتها.. ضحكتها.. حتى تجهمها ونكدها يحن إليه.. تنهد قبل أن يقول
((أنا سأدخل للمتجر لأبتاع بعض الأشياء))
أنهى كلامه ومضى قُدما أمامها نحو المتجر الضخم بهدوء فشعرت بقلبها ينخلع من مكانه وهي تخفض بصرها بحزن خالص..
لطالما كانت تعرف بإحساسها الذي لا يخيب أنَ مَالك غالبا ما يتتبعها في سيرها.. وربما هذا ما كان يجعلها تسير مطمئنة البال.. فبسبب عملها الذي ينتهي في وقت متأخر في البستان كانت لا تجد وقتا للتسوق لحاجيات المنزل إلا في المساء..
تابعت سيرها نحو المتجر ودخلت لتنذهل بمَالك الذي كان يجهز له أحد الموظفين في المتجر كل ما طلبه..
كانت أمامه أكياس كثيرة لا تعد بسهولة وممتلئة بالفواكه والخضروات والأجبان والمرطبات..
لفتها الدهشة وهي تسمعه يخبرها
((تعالي وأخبريني ما ينقص بيتك الآن حتى أبتاعه أيضًا))
استاءت ملامحها فهو يحدثها كأن أخْذها لهذه الأكياس أمر مفروغ منه فغمغمت
((مَالك أنت تجبرني أن أفقد آخر ذرات عقلي بما تفعله))
أخرج مَالك من محفظته حفنة من المال يقدمها للبائع ثم ناظرها ليجيب هامسا
((لقد أوقفك أبي عن العمل في الحديقة بسبب زواجنا الذي كان يفترض أن يُعقد قبل أسابيع ومنذ تلك اللحظة وأنتِ لا تتقاضين راتبًا منه.. ولغبائي لم أفكر في هذا الأمر إلا عندما لاحظت أخر مرة بأن ما ترسليه لي إلى الفندق أقل من المعتاد))
عقدت حاجبيها تقول بحزم
((حتى لو لم أكن أتقاضى راتبًا الآن فلدي الكثير من النقود التي كنت أذخرها.. سبق وأخبرتك أني كنت أقبل منك تلك الأموال الطائلة لأني كنت أنفقها على يزيد وأجلب له كل ما يريد رافضة أن أسمح لكبريائي أن يحرمه من رفاهية التمتع بأموال أبيه، لكن طالما أن يزيد ليس عندي لا يمكن أن أقبل منك أي شيء))
عقب مَالك ببرود
((هل انتهيت من ثرثرتك الكفاحية؟ سأحمل كل هذه الأكياس إلى بيتك وإذا ما صدر منك أي اعتراض فلن أتردد بجعلها فضيحة مدوية غير عابئ بشيء، أنتِ خطيبتي وسرعان ما سنتزوج بعد أن يرضى أبي عنا..))
ردت عليه بانزعاج
((كم أكره أسلوبك هذا في الابتزاز))
برقت خضرة عينيه بقوة وقال بجمود
((بعض ما عندكم.. تعلمته منك))
فجأة اختفى النور أمام مَالك وهو يجد أحد ما يقف خلفه ويعصب عينيه بيديه.. فرفع أصابعه يحاول التخلص من هذه اليد بقوة وعدوانية هادرًا من بين أسنانه بالكاد يمسك نفسه ألا يثير جلبة في هذا المتجر
((من هذا الوقح معدوم الذوق الذي يغطي عينيّ))
سمع مَالك صوت ضحكات خافتة مكتومة من الرجل الذي يغطي عينيه فانفلتت أعصابه ليهدده
((للمرة الأخيرة أبعد يديه قبل أن تجد قبضتي في منتصف معدتك))
لم يستجب الرجل الذي خلفه فرفع مَالك إحدى قدميه للخلف وركله مما جعل الآخر تلقائيا يسحب يديه ويتأوه بألم ثم ينخفض هادرا بصوتٍ مخنوق متوجع
((توقف يا مَالك، لا يستدعي ما فعلته كل هذا الغضب حتى لو كنت شخصا غريبًا))
عقد مَالك حاجبيه وهو يناظر الذي يقوم بتمسيد ساقه بملامح منغلقة متألمة وسرعان ما لفته الدهشة والذهول هاتفًا
((مَازن!؟ هل هذا أنت!؟ متى عدت إلى هنا؟ لماذا لم يخبرني أحد!؟))
تطلعت ياسمين التي كانت تقف بجانب مَازن هادرة
((سمية ماذا تفعلين هنا؟))
هدر مَالك بخشونة معقبا
((ما الذي تفعلاه أنتما هنا، هذا هو السؤال))
ابتسم مَازن ببشاشة وهو ينتصب واقفا ويرفع ذراعه حول كتفي زوجته يضمها له قائلا
((قررت أن أخرج مع زوجتي الحبيبة للخارج حتى نعيد التعرف على بعضنا، بالتأكيد الاغتراب طوال تلك السنين غيَّر الكثير فينا، واتضح أن ياسو لا زالت تلك المرأة المرحة البشوشة التي طالما عرفتها))
رفعت ياسمين عينيها إليه لتصفعه بنظرة غضب وتهمس
((لا تناديني ياسو أمامهم ولا تعانقني بهذا الشكل.. اخجل قليلا يا مَازن))
اختلق مَازن العبوس متذمرا بنفس الهمس
((كل مرة لا تقدرين تفاخري بامتلاك امرأة مثلك أشعر بقلبي يكاد ينخلع من صدري))
ثم نظر أمامه لأخيه يقول بنبرته المرحة
((لقد أخبرتني ياسمين عن زواجك السَّابق من سمية وإنجابك منها، لا تصدق كم أنا فخور بك، في الماضي كان أبي هو من يقول لي أن أصبح مثلك.. لكن سمعت مؤخرًا بأن الحال انعكس وبدأ يعايرك لأنك لست مثلي))
ردد مَالك باقتضاب
((لا ليس إلى هذا الحدّ يا مَازن))
لكزه مَازن بضربة رجولية وهو يقول بنفس النبرة المرحة
((كيف تنكر كلامي! أنا ولا حتى بأكثر رغباتي جُموحا لم أفكر في الزواج من خلف ظهر أهلي بل والإنجاب))
حدجه مَالك بغضب وتمتم
((مَازن لا تتدخل وحسب))
عقب مَازن باستياء
((انظر لنفسك كيف تعبس بوجه توأمك الذي لم تَرَه منذ وقت طويل!))
ثم اندفع مَازن نحوه يُعانقه بقوة قبل أن يَلثم جبينه مما جعل مَالك يدفعه عنه على الفور ويغمغم بغضب وهو يشد على نواجذه
((ابتعد عني أيها الأحمق.. كم من مرة عليّ أن أنبهك ألا تقّبل جبيني.. الرجال لا يتعانقون ويقبلون بعضهم بهذا الشكل المقزز!))
كتم الثلاثة ابتسامتهم على ما حدث أمَّا مَالك فانخفض يمسك نصف الأكياس ويأمر أخاه بجلافة
((رغم أن السير معك الآن أضحى شبهة لكن أنا مضطر أن أعلن حاجتي لمساعدتك في حمل هذه الأكياس معي إلى البيت..))
أخرج مَازن مفتاح السيارة من جيبه وقال بزهو
((معي سيارة والدي.. سأوصلك لتضع فيها الأغراض ثم سأوصلك إلى الفندق الذي تمكث فيه فقد سمعت بأن والدي طردك من المنزل.. كم أنتَ محظوظ يا مَالك لطالما بصغري كنت أحسد أصدقائي الذين يُطردون من منازلهم كعقاب، فوالدي يتبع الحبس في المنزل كعقاب، وعندما قرر أن يطبق العكس أخيرًا كنت أنت من نلت هذا الشرف!))
تجاهل مَالك كلامه وسأله باهتمام
((هل اتصل بك مُعاذ بشأن شيء يخص مُؤيد؟))
أجاب مَازن بعفوية
((نعم اتصل بي لكننا بالخارج كما ترى، سنعود الآن ونعرف ما حدث))
.
.
استقلوا جميعا السيارة مع مَازن..
مَالك يجلس بجانبه وسمية وياسمين بالخلف..
في البداية أوصل سمية إلى بيتها الصغير القريب من قصرهم وأنزل مَالك كل الأكياس عندها..
ثم أوصل مَازن أخاه إلى حيث يمكث هذه الأيام.. وفي أثناء عودتهم في الطريق مجددا إلى القصر جلست ياسمين بجانبه وقالت بامتعاض تقاطع دندنته بصوته المزعج
((لقد أحرجتنا أمام أخيك، رغم تشابهكما بالشكل إلا أن شخصياتكما مختلفة تماما، تماما.. هو هادئ وراكز ورزين، أما أنتَ فمنزوع الهيبة لا يعمل أحد أمامك أي حساب وتصرفاتك تشير لشخص غير ناضج))
نظر مَازن إليها بجانبه لثانية وقال وهو يعود للتركيز في الطريق أمامه
((بعيدا عن مدحك الجميل هذا فمعك حق مَالك وأنا لنا شخصيات واهتمامات مختلفة، هو لا يقبل أن يصادق إلا من يشبهونه في الهدوء، أما أنا فكنت أحب أن أعقد صداقات مع كل من هبَّ ودبَّ خاصة أصحاب المشاكل والمغامرات ومن يجعلونني أقضي معهم وقتا ممتعا.. لكن مع ذلك كله يظل مَالك تؤامي وأقرب لي من كل إخوتي))
للحظة اتسعت عيناها وهي تدرك بأنها كانت تصغي له باهتمام فاستعادت برودها وسيطرتها لترد عليه
((حسنا قلل من الحديث وركز في القيادة لنعد بسلام))
حاول مَازن تغيير الموضوع متسائلا
((هل أعجبتك نزهة اليوم إلى متاجر القرية؟ أين نذهب في المرة المقبلة؟))
عَبَست ياسمين وردت
((لا أريد أن أذهب مرة أخرى، وافقت أن أخرج معك لأجرب شعور الخروج من المنزل لأول مرة بعد زواجي بك))
اتسعت عينا مَازن ونظر جانبه لأكثر من مرة لها قبل أن يستهجن ببلاهة
((هل تقصدين بأن الشّمس لم تطل وجهك منذ أن تزوجنا؟ ألهذا هو ذابل أيتها المسكينة!))
زمًت شفتيها ثم قالت
((بالتأكيد كنت أخرج لحديقة المنزل والشرفة لكن لا لم يسبق لي وأن خرجت من أسواره وذهبت لزيارة أحد لهذا استجبت لإصرارك اليوم للخروج حتى أرى أرجاء القرية..))
قال لها بحمية جدية
((لا تقلقي من اليوم أنا لن يكون عندي عمل أو أحد يشغلني عن إخراجك إلى هنا وهناك..))
قاطعته باستخفاف وازدراء
((شكرا لعرضك لكن بعد تجربة اليوم فلا أريد.. ليس هناك شيء ممتع في الخروج من البيت.. أفضل حبس نفسي في غرفتي والاستمتاع بالخياطة وتصفح الإنترنت))
امتعضت ملامحه وتمتم قبل أن يركن سيارته في مصف العائلة
((محطمةٌ للمتعة أنتِ))
=============================
انزلقت دمعة من عين سهر على وجنتها رغم ابتسامتها الكبيرة فمسحتها بكفها المرتجف وهي تقول بحنو
((أنا متأكدة يا أبي بأنك ستعود بصحة أفضل.. المهم أن تنتبه على نفسك))
طبطب والد سهر بيده فوق يد ابنته الناعمة وهدر بصوتٍ أجش
((اهتمي جيدا بنفسك يا سهر، لن أتأخر بعودتي))
قالت سهر برجاء وهي تهم بإغلاق باب السيارة عليه
((أبي أنتَ من عليك الاهتمام بنفسك.. ربما ألحق بكم في الأسبوع المقبل))
أمسكت تمارا مرفق ابنتها وجرتها للخلف وهدرت لزوجها
((سأتحدث معها لدقيقة ثم سأجلس بجانبك لينطلق بنا السائق يا عزيزي))
طالعت تمارا ابنتها بامتعاض وهدرت وهي تهز مرفقها
((لا حاجة للحاقك بنا، سينهي والدك عمليته الجراحية على خير وسنعود على الفور.. أبقي هنا واهتمي بإجراءات الفسخ.. لأننا لو عدنا وعرفت بأنه لم يفسخ الخطبة، فلن تكون ردة فعلي حميدة خاصة أني سأكون متفرغة فقط له))
أغمضت تمارا عينيها وهي تخرج نفسًا عميقا ثم دمدمت بصوتٍ خفيض
((سنقول للجميع بأنك فسختي خطبتك لأن لم تتفقي معه وهكذا سيكون الأمر بمثابة إعلان بأنك عدت عازبة حتى أقدر على استقبال الخطاب من جديد لك..))
عقبت سهر بحنق بالغ
((أمي هذا ليس وقت التحدث عن علاقاتي المستقبلية.. دعينا ننتهي من قُصي أولا))
رمقت ابنتها باحتقار وهي تسترسل بحسرة
((كان مراد يريد تطليق زوجته قبل سنين وكان أمامك فرصة لتتزوجي منه لكن أنتِ من ضيعتها))
ضربت سهر يدها بجبينها بيأس ثم قالت وهي تتميز غيظا
((الحمدالله أني ضيعتها.. الحمدالله أني أطلعت والدة مراد على كل مصائبي التي تخص ماضيَّ المخزي وبالغت إلى الحد الذي جعلتها هي وابنها يشمئزا مني))
ردت تمارا بقهر عارم
((أيتها الحمقاء نحن لم..))
قاطعتها سهر بعصبية
((أمي كل ما أعانيه بسببك أنتِ.. لهذا قررت أني سأكون بحاجة لفترة راحة بعيدة عنك وعن كلامك الذي تستمرين بتقريعي به.. بما أن شيرين غادرت للعاصمة فأنا لا أرى فائدة من بقائي هنا، سأذهب عند إحدى صديقاتي وأبيت عندها))
شهقت والدتها بصدمة وقالت محذرة
((سهر إذا تجرأت وقمت بمغادرة هذا البيت سأقوم الآن بتعطيل كافة بطاقاتك الائتمانية وأتركك هنا بلا أي سيولة مالية))
ضيقت سهر عينيها وهي تقول بإقدام
((لا يهم سأذهب للعمل في أحد المطاعم التي كنت أعمل فيها بالماضي.. ابقي هنا لربع ساعة ريثما أخرج من هنا مع أغراضي))
اندفعت سهر لداخل المنزل تحقق وعيدها فغمغمت تمارا
((فقط انتظري عودتي يا سهر من سفري هذا وسترين ردة فعلي معك))
=============================
رش قُصي عطره الباهظ على قميصه بعد أن أنهى ارتداء ملابسه واستحمامه..
تناول هاتفه من على المنضدة وتصفح الرسائل التي وصلته ولفت انتباهه رسالتان الأولى من شيرين
"سافر والدا سهر بالفعل لكنها تشاجرت مع أمها، وقررت الخروج من المنزل والمبيت في بيت إحدى صديقاتها والعمل في أحد المطاعم"
والرسالة الثانية من والد سهر
"قُصي لقد نجحت في منع سهر من القدوم معي.. هذه هي فرصتك أولًا للاعتراف لها بحقيقتك وثانيا للاستقرار في وضع مرضي والاتفاق مع عائلتك الكريمة.. لقد راعيتك بما فيه الكفاية لأني وجدت فيك الرجل الوحيد الذي يناسب ابنتي فلا تتأخر أكثر ولا تخيب ظني بك.. تحياتي لك"
وضع قصي الهاتف في بنطاله والغيظ يتجلى بملامحه..
سهر ستعمل في مثل هكذا وظيفة؟
حسنا سبق وأخبرته في الماضي عن شغورها أعمال كثيرة كهذه في كل مرة تشاجرت فيها مع أمها، لكن لا يمكن الآن أن يسمح لها أن تعود لمثل هذه الوظائف..
صدح صوت طرقات فوق باب غرفته فسمح للطارق بالدخول ليظهر أنها والدته روزانا.. سيدة المجتمع اللبقة والراقية تطلب منه
((عمك يريدك يا قُصي الآن فتعال بسرعة))
تبع والدته ليهبط درجات السلم الذي ينصف الصالة نحو مكتب عمه فارس القاني..
دلف إلى غرفة عمه حيث كان يتناقش بشيء يخص العمل مع يوسف كالعادة، وما إن انتبه يوسف له حتى جفل وهمس له بتهذيب أقرب للذل
((لقد جاء السيد قصي يا سيد فارس، أستأذنك بالخروج))
على عجل أغلق يوسف الجهاز اللَّوحي الذي يمسكه وأطرق رأسه وهو يغادر المكان متجنبا أي التقاء بصري بينه وبين قصي..
مالت زاوية فم قصي بابتسامة ساخرة.. لا بد أن يوسف فعل شيئا له يستوجب سخطه لهذا يبدي توترًا أكثر من العادة عندما رآه.. فمن يصدق بأن هذا الأبله المجتهد الذي يُحظى بمنصب عالي في الشركة يلفه الارتباك لفًا ما إن يرى أحد من عائلة القاني أمامه!
تجاهله قصي وجلس على أريكة أمام عمه ووضع ساقًا فوق الأخرى يقول بعدم احترام لوجه عمه المتجهم بالفطرة
((تبدو في غاية الغضب يا عمي))
كان قصي يظهر تلك الواجهة الباردة الصلبة أمامه والبعيدة كل البُعد عن شخصيته التي تطّبع فيها أثناء عمله في الشركة كشاب ودود مستهتر.. وبعيدة حتى عن واجهة العاشق المنطلق والمحب للحياة التي يظهر فيها في كل أوقاته مع سهر.. قال
((لقد سمعت بأنكم استطعتم التعاقد مع شركة خاصة أخرى بدلًا من شركة الموقع الإلكتروني الذي سحبوه من عندنا.. وهذا يعني أولًا بأن ضميري سيرتاح لأن الموظفين سيعودون للعمل.. أما ثانيا حتى تراجع أنتَ وباقي أصحاب الأسهم بالشركة قرار فصلي النهائي..))
قاطعه فارس بصرامة لا يقبل كلمة تمس شركته التي دفع ثمنها دمًا لتصل إلى ما وصلت إليه الآن
((بالتأكيد حللنا المصيبة التي افتعلتها فالكل يتطلع للعمل مع شركة القاني لأن شركتنا معروفة أنها تعمل على تمكين أداء عملائها من كبرى الشركات في المنطقة وتوفر عناصر البنى الأساسية المعتمدة على أحدث وأرقى ما توصلت إليه التكنولوجيا في هذا المجال))
ازداد انعقاد حاجبي فارس ثم استرسل
((على كل حال أنا طلبتك هنا يا قُصي كرئيس مجلس إدارة شركة القاني لا بصفتي عمك.. فشركة القاني التي أسستها عائلتي أنا من قررت قبل سنوات أن أتوسع بها لتغطي محافظة أخرى.. لا زلت أذكر كيف أعلنت بنفسي عن بدء تقديم خدمات شركة القاني في الفرع الثاني الذي أرسلتك لتعمل به))
تجلت ملامح الازدراء على وجه قصي وهو يستمع لعمه يتحدث عن إنجازاته وانتصاراته في تطوير شركة القاني وما حققه من نجاحات تخصها بزهو واعتزاز ومسحة من الغرور.. بينما يتابع
((لقد حاولت يا قصي على مدار سنوات أن أجعل شركة القاني تتم كافة استعداداتها لإطلاق عملياتها والمباشرة بتقديم حلولها عبر شبكتها المتطورة والمتكاملة من مراكز الاتصال))
كان فارس منتبها لتنهدات قُصي المتتابعة دليل على ملله فحاول التحلي بصبر ليس من شيمه وهو يدخل في صلب الموضوع
((كان سبب آخر لإطلاقنا الفرع الثاني هو نابع من حس وطني لمساعدة الطلبة والشباب أبناء تلك المحافظة وتوفير فرص عمل لهم ودخولهم لسوق العمل إلى جانب تأمين دخل متوسط..))
قاطعه قُصي هاتفًا بانفعال
((ليس دخلا متوسطا بل متدنيا جدًّا.. فسبب النجاحات التي حققتها شركتنا وازدهارها واستقطابها المزيد من العملاء هو السعر الرخيص على حساب استغلال البطالة المتفشية في بلادنا واستغلال حاجات الشباب المستعدين للعمل بأي راتب مهما كان متدنيا، ودون توفير عقود للكثير منهم))
مالت روزانا لقصي هامسة بتأنيب وهي تسحب يديها على تنورتها الضيقة
((قصي لا تصرخ على عمك))
انتصب قُصي واقفا من مكانه هاتفا
((بل سأصرخ فقد سبق وعملت أنا هناك لثلاث سنوات ومعي مئات الموظفين في استقبال مكالمات لشركات خاصة نجيبُ من خلالها على استفسارات العملاء في معضلاتهم ومشاكلهم مقابل رواتب متدنية جدًّا، جدًّا))
تحرك صدر قصي بانفعال وهو يكمل ويُعري حقيقة عمه المُخزية
((تتبجح بمؤتمراتك الصحفية عن كونك ترفض الاستثمار خارج البلد رغم كل المغريات لأن هدف مشاريعك هو توظيف أكبر عدد من العاطلين عن العمل في البلاد والتقليل من البطالة لكن الحقيقة المغايرة هي أن هذه البلاد هي جنة بالنسبة لرجل جشع مثلك! فمن أين ستجد بلد مثل بلدنا تسمح لمليونير مثلك أن يحتكر السوق ويستغل شباب مثل الورود ليعاملهم كعبيد بدون حقوق عمل ومقابل مرتبات زهيدة! من أين ستجد في الخارج بلد مثل بلدنا يسمح لك بالتلاعب في عقود الموظفين وجعلهم يعملون في الإجازات الرسمية والعادية وطردهم متى ما انعدمت الحاجة لهم))
أظلمت عينا فارس بينما يقول بصوتٍ خطير
((لهذا كنت أول الموقعين على تلك العريضة مع باقي الموظفين ضد إدارة الشركة؟))
اتسعت عينا روزانا باستنكار
((ما الذي فعلته قصي؟))
أجابها فارس باستياء بالغ
((كان هناك أحد الموظفين يقوم بتجميع تواقيع وأسماء من الموظفين لتحريضهم على رفع قضايا جماعية ضد شركتنا وابنك لم يتوانى عن الانضمام لهم والتوقيع))
عَدَّل قصي من ساعته الثمينة التي يرتديها بيده اليسرى مُعقبا بصوت هزلي ساخر
((لم أخطئ بشيء، أنتَ فعلا تتلاعب بالقوانين التي تنصها وزارة العمل فكان عليّ أن أتضامن مع باقي الموظفين))
نجح قصي أخيرا في جعل عمه ينفعل ويستقيم واقفا له
((ألا تعرف أيها الأحمق أن وزارة العمل هي كابوس بالنسبة لشركتنا؟ ثم ما شأنك بهم وأنت تأخذ مصروفك وثمن سفراتك ودعواتك لأصدقائك وسيارتك مني أنا))
انمحت السخرية من ملامح قُصي وحلّ محلها صرامة غريبة وهو يقول
((لا تتصرف كأنك تمن عليّ بما تعطيه لي من مصروف، إنه حقي وحق أخي من ورثة أبي المنهوبة))
ظلّ فارس يناظر ابن أخيه للحظات صامتًا بملامح خالية من التعابير ثم قال بصوت فاتر أجوف
((ورثة والدك؟ ها قد عدنا مجددا لفتح الدفاتر القديمة! إذن ها هو القانون أمامك.. إذا استطعت أثبت أن لك حقا عندي.. وحتى ذلك فلا فلس سأنفقه عليك.. وأما شركة القاني فلم يكن قراري بفصلك وحدي بل قرار الأغلبية، حتى كعامل نظافة فلن تحلم في العمل بها يا قصي))
قَسَت ملامح قصي وهو يقول
((عمي فارس، أنا لست كابنك وابنتك اللذين رميتهما خارج ظلك ومأواك يصارعان الفقر والحاجة، فأنا مختلف عنهما، أنا هنا لن أتنازل عن فلس من حقي وعن حياة الرفاهية))
لم يرد فارس وبدا شارد الذَهن يعيد التفكير بشيء ما.. شيء يثير ألمه هو الرجل الصلب المعتدّ بنفسه.. ثم قال أخيرًا بصوتٍ صارم جاف
((اخرج الآن من قصري بهذا الشكل دون أن تأخذ شيئا من هنا.. أين الحرس؟))
هتف عاليًا عند آخر جملة ليتغلل الحرس داخل الغرفة بانتظار إشارة تأكيد أخرى من سيّدهم حتى يباشروا عملهم.. فاحتدمت ملامح قصي ونظر لوالدته هاتفًا
((أمي هل تسمعين زوجك ماذا يخبرني؟))
بهدوء متأصل فيه هتف فارس بزوجته
((روزانا إذا علمت بأنك قمت بإقراضه ولو فلس واحد فلا تلومي إلا نفسك))
هتف قصي بفظاظة
((لن تستطيع فعل ذلك بي))
أضحت مقلتي فارس أكثر عمقا وقتامة وهو يقول بفتور
((إذا كنت قد فعلتها في أولادي من صُلبي فلما قد لا أفعلها بك يا قصي يا ابن أخي؟))
حدق قصي بوالدته ثم هتف بها وهو يلوح بيده
((أمي الآن وفي هذه اللحظة عليك أن تختاري واحدا منا.. أنا ابنك بكرك حبيبك.. أم هو شقيق زوجك السابق الذي جعل أخاه يعاني في حياته وموته، وسرق حق أولاده وابتزّك للزواج منه))
توترت ملامح روزانا ثم نكست وجهها لا تعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف، فاتسعت عينا قصي باستهجان
((أمي هل أنتِ جادة؟ هل يحتاج الاختيار أن تقعي بهذه الحيرة!))
أعطى فارس كلمته الباترة
((أيها الحرس الآن اقذفوه خارج القصر!))
أمسك كل واحد من الحارسين الشخصيين لفارس يد قصي بغية جرّه للخارج لكنه صرخ وهو ينفضهم عنه بانفلات أعصاب
((أنا سأخرج بنفسي، ابتعدوا عني))
غادر قصي المكان كله وصدره يعلو ويهبط باحتدام..
بمجرد أن غادر قصر عائلته حتى هدأت انفعالاته المتفجرة ورفع رأسه ببطء يحاول أخذ نفسا عميقا..
الاختناق يلفه.. والخيبة تعتمل بروحه.. والقهر يسكن جنباته..
=============================
جلست زاهية في مجلسها بعد أن عادت هي وزوجها من المشفى وبقي مُؤيد هناك ليتابعوا حالته..
رغم أنه لم يكن هناك في ساقه ما يستدعي القلق إلا أنه لم يهدأ بالها من أي قهر وعذاب بسبب ما عرفته اليوم عن زوجة ابنها رتيل.. كنّتها المفضلة التي اختارتها بنفسها من بين عشرات الفتيات ومن اعتمدت عليها في كل تفصيله في حياتها هنا.. يخرج منها كل هذا!
إلى الآن لا تصدق ما حدث! تكاد تقسم بأغلظ الأيمان بأنها لا تصدق أي شيء! لكن.. ماذا عليها أن تفعل الآن؟
لأنها لو أخبرت عائلة رتيل فلن ينتهي اليوم قبل أن يقتلوها دون حتى محاولة التأكد من صحة الكلام!
فهنا كل شيء إلا شرف وسمعة المرأة! لا يسمح لها أبدًا حتى أن تخدش!
دخلت نورين المجلس واتجهت إلى حيث تجلس حماتها وطالعت وجهها والانكسار المتجلي على مُحياها المجهد لتقول لها بابتسامة رقيقة
((لقد طلبت من منال أن تعد لك كوب عصير طازج يا عمتي بعد قليل))
خرجت زاهية من شرودها ثم نظرت لمُصعب الذي جاء هو وزوجته قبل ساعة هنا فبادلته الابتسامة بعد يوم طويل متحاملة على الألم الذي تشعر به..
مدّ مُصعب يده يلامس كتف أمه وهو يقول باهتمام وقلق عليها
((أمي وجهك شاحب للغاية، كل هذا من أجل إصابة مُؤيد؟ ألم يقل لنا الطبيب أنه سيكون بخير؟))
((دعك مني يا مُصعب.. هل سلمت على أخيك مَازن؟))
أجابها مُصعب ببشاشة
((بالطبع يا أمي.. سبب زيارتي هنا كان رؤيته والتسليم عليه وعليك قبل أن أسافر))
سألته زاهية باهتمام
((كم ستطول مدة سفرك من أجل ذلك المؤتمر الذي تم اختيارك لتذهب إليه بعد مدة؟))
عقد مُصعب حاجبيه قبل أن يقول
((المؤتمر سيكون لثلاثة أيام فقط لكن سأحتاج لأسباب أخرى لتمديده لأسبوعين، لا داعي للقلق عليّ فهو بمدينة أخرى غير مدينتنا لا بلد آخر))
اعترضت زاهية بصوتها الواهن الأبحّ
((أسبوعين لن تزورنا فيهم ولن نزورك.. كثير يا مُصعب))
تدخلت نورين في هذه اللحظة لتقول بحنق بالغ
((نعم أمك معها حق يا مُصعب، أسبوعين هما مدة طويلة وإذا كنت مضطرا للذّهاب له فدعني أبقى هنا))
حدجها مُصعب بنظرات صارمة وهو يقول بصوتٍ يشوبه الغضب
((إذا بقيت هنا فكيف سأدبر أموري لأسبوعين وحيدا؟ من سيكوي ملابسي وُيعد الطعام لي هناك؟ من سيوقظني على المواعيد؟))
شعرت زاهية بأمواج اضطراب تدور بين هذين الاثنين وناظرت نورين التي كتفت ذراعيها بحنق.. تشيح وجهها عنه.. وتهمس بغيظ
((لكن ألا يكفي أننا انتقلنا بناء على رغبتك من بيت العائلة لبيت آخر مستقل أصغر ولا نأتي إلى هنا إلا مرة كل أسبوع! والآن تريد مني السفر معك لأسبوعين))
عادت زاهية تنظر جهة مُصعب بنفس الاستغراب وهو يرد بصوتٍ يعلو قليلا
((يكفي يا نورين ضغطًا عليّ، هل أنا ذاهب هناك للاستجمام والراحة؟ سيمر الأسبوعين بسرعة لو كففت عن التذمر))
طالعت نورين مكشره الجبين حماتها وقالت برجاء
((قولي شيئا يا عمتي وتدخلي أرجوكِ))
تنحنحت زاهية تجلي صوتها قبل أن تقول بوقار مشوب بالحزم
((بماذا تريدين مني التدخل يا نورين! ابني محق في كل كلمة قالها، أنتِ زوجته وعليك أن تتواجدي أينما يذهب، الرجال لا يستطيعون تدبر كل شيء لوحدهم))
قالت نورين باختناق عبراتها
((ولكن أنا..))
قاطعتها زاهية بصرامة مشوبة بالحنية
((بدون لكن يا نورين، يفترض أن تتصرفي كامرأة ناضجة وتطيعي زوجك في كل كلمة يقولها وبكل قرار يتخذه))
طالعت زاهية الحزن الخالص الرقيق المتجلي على ملامحها فعادت تحثها مسترسلة
((لطالما عرفتك هادئة ورزينة فظلي عند حسن ظني للنهاية))
تَفَتت ملامح الحزن والضيق من على ملامح نورين لترفع وجهها وهي تقول مبتسمة برضا
((حسنا معك حق))
قال مُصعب لزوجته وهو ينتصب واقفا
((هذا جيد الآن يا نورين علينا المغادرة، اسبقيني))
أطاعته نورين بهدوء وهي تغادر المجلس بعدما ودعت حماتها..
أما مُصعب فلثم جبين أمه ثم همس لها بامتنان باسمًا
((كم أحب يا أمي حكمتك وطريقة إقناعك للكل، فليحفظك الله لنا))
ضحكت زاهية بخفوت أشرق وجهها الوضاء متحاملة على ما تشعره من آلام في داخلها بينما تسلم مودعة ابنها وداعية له..
ثم تنهدت ومدت يدها تداعب شعر يزيد الذي كان يجلس بجانبها.. فهي لا تبعده عنها طوال وجوده هنا..
كان مشغولا في اللعب على الجهاز اللوحي يلهي نفسه فيه لينسى شوقه العارم لأمه..
قاطعت منال الهدوء وهي تطرق باب المجلس
((تفضلي يا حاجة زاهية هذا الكأس))
غمغمت لها زاهية بشكر وهي تتناول منها كأس عصير برتقال طازج
((شكرا لك يا منال))
كسى صوت منال الألفة والود وهي تناظر يزيد وتقول
((وكأس الحليب الصغيرة هذه لك يا يزيد))
ناظرها يزيد مشدوها ثم رفض بتهذيب
((لست ظمآن.. لا أريده يا خالة منال))
قالت منال بحزم ممزوج بالحنان وهي تمسك الكأس وتمده له
((لا يجوز، عليك المداومة على شرب الحليب الطازج يوميا))
كان يزيد إلى الآن يستغرب تغير معاملة منال وباقي من يعملن في هذا القصر معه! فحتى عندما قام مَالك بطردهن في الماضي بسبب سوء معاملتهن له، عدن للعمل وزاد بغضهن في معاملتهن معه! لكن الآن مجرد أن عُرف بأنه حفيد سيد هذا القصر حتى اختلف كل شيء من جذوره في كل شيء!
آثر يزيد الاستجابة لإلحاحها وأخذ الكأس منها متمتمًا بعبارات الشكر..
رسمت منال له ابتسامة عريضة وهي تقول بمحبة ظاهرية
((صحتين على قلبك يا حبيبي الصغير))
وبمجرد أن غادرت منال المجلس نحو المطبخ ثم إلى حجرتها في الطابق السفلي حتى كشّرت عن وجهها وأظهرت واجهة الاشمئزاز..
لا تصدق أن هذا الصغير الذي كانت تعامله كابن للخدم تزجره وتوبخه حينًا.. وتعنفه حينا آخر مضطرة الآن لتعامله كابن أسيادها!
فجأة خفت الحقد والكره المشع في عينيها وهي تلاحظ فتح باب حجرتها فلفها الذهول..
من قد يكون اقتحم حجرتها في غيابها؟
ابنتها نجوم تمكث هذه الأيام في بيت عائلتها!
استدارت على عقبيها تهم بالمغادرة لتبلغ عن وجود أحد يملك مفتاح حجرتها دون علمها لولا أن سمعت صوت حركة وجلبة ما من داخل الخزانة..
شهقت وهي تتوجه نحو الخزانة وتفتح بابها لتتفاجأ بابنتها جالسة داخلها ومتكومة على نفسها..
جحظت عينيها وهي تحيط برسغها وتجرها للخارج..
وما إن أبصرت نجوم المرتجفة الضوء ووضحت لها ملامحها.. حتى صرخت منال بروع كالملسوعة وهي تحدق بآثار ضربات ودم ظاهر على وجهها وشعرها الأشعث.. وكأنها.. تعرضت.. لاعتداء غاشم!
بدأت تتجدد الدموع المتساقطة على وجنتي نجوم والدماء تنسحب منها وروحها تهوي بذاك الإعياء لتردد بصعوبة
((أنا أتمنى.. الموت.. يا أمي..))
.
.
بينما يسيران في الخارج متجهين نحو سيارته أحاط مُصعب بذراعه كتفيّ نورين التي كانت على شفتيها ضحكة تطربه وتسعد قلبه.. فابتسم وقال بحزم مزيف
((اخفضي صوت ضحكتك الرنانة في الأرجاء، ستفضحيننا))
خفتت قهقهة نورين ورفعت رأسها تقول بدلال عابث
((لا أصدق كم أنتَ مخادع ماكر، لوهلة كدت أصدق تمثيلك))
ضيّق مُصعب عينيه بابتسامة جانبيه وهدر
((تتحدثين أيتها الخبيثة كأنك الأخرى لم تتقني دورك، للحظة شعرت بك ستبكين من فرط حنقك وقهرك))
قالت نورين بنظراتٍ مشاكسة
((هذا لأني تدربت جيدا على الدور الذي طلبت مني أداءه، لم أرد أن أخيب ظنك))
ضحكة صادحة انطلقت منهما الاثنين قبل أن يزمّ مُصعب شفتيه بلا ندم على المسرحية التي قدمها قبل قليل ثم يقول
((أحب عائلتي لكن أكره تحكمهم في قرارات ومجريات حياتي حتى أنهم قد ظنوا أنه حق يكفله الشرع والقانون لهم.. لو عرفت أمي أو أبي أو حتى أخي مُؤيد وزوجته بأننا ذاهبان لأسبوعين للبحر في مدينة أخرى للاستجمام فلن نتخلص من كلامهم وامتعاضهم، سيذلوننا على هذه السفرة لآخر حياتنا))
سألته بلهفة وحماس
((هل سنبقى هناك لأسبوعين؟))
غمز وهو يجيبها
((أول ثلاثة أيام ستكون للمؤتمر الذي كلفت للذهاب إليه ورابع يوم فعليًا ستبدأ فيه عطلتا))
قالت وهي تلامس ظاهر يده
((أنا متحمسة ستكون هذه أول عطلة وسفر لنا منذ زواجنا))
أخفض ذراعه وطوق خصرها يضمها له أثناء مشيهما وهو يقول بصوتٍ أبح
((وأنا أيضًا متحمس للتحدي الذي وضعته لنفسي بتعليمك السباحة خلال هذه الأيام))
غزى الذهول لامح نورين وهي تسأله
((ما الذي تقصده؟))
تعانقت نظراتهما وقال بشقاوة
((ألم تخبريني في أول مرة ذهبنا بها للبركة بأنك تتمنين تعلم السباحة بعد أن فشل والدك في تعليمك إياها في صغرك؟))
توقفت نورين مكانها وابتعدت عنه لتنظر له جيدا بينما تسأله والدهشة تلف ملامحها الناعمة
((هل تقول الصدق يا مُصعب؟))
ابتسم تلك الابتسامة الخلابة وهو يؤكد
((وصدق الصدق، لا تتصورين كم بذلت مجهودا ليتم اختياري أنا للذهاب لذاك المؤتمر بعد أن عرفت بأنه سيقام في المدينة الوحيدة في بلادنا التي يتواجد فيها البحر، ثم بذلت مجهودا أكبر ليوافقوا على إجازتي بعدها))
برقت عيناها بحب جارف وهي تردد بعذوبة من أعماق قلبها
((أنا أحبك جدًّا يا أميري))
مد مُصعب يده يمسك يديها الناعمتين بكفيه وقال بتهديد مصطنع
((قولي كلمة "أميري" وسأتراجع عن كل هذا))
اتسعت ابتسامتها برضا أنثى ممتلئة بالثقة وهي تعقب بمشاغبة
((بل أنتَ أميري، أنتَ تحب هذه الكلمة لكنك تكابر))
ردد بحنق ظاهري
((لا لا أحبها كلمة "أميري" هذه! فهي تقال لابن السابعة لا لي))
لم ترد بل رفعت كفه التي تضم يدها تنوي لثمها إلا أنه سحبها بقوة وهو يقبض على يدها ويرفعها لثغره مقبلا إياها وجاعلا قلبها الصغير يقرع طربًا قبل أن يأخذها بين ذراعيه بقوة..
هدرت وهي تبادله الاحتضان بنفس القوة واللهفة
((بل تحبها أنا متأكدة))
ابتعد عنها قبل أن يراهما أحد وهما واقفان في مدخل القصر ثم تابعا المشي نحو سيارته المركونة متشابكي اليدين..
للحقيقة نعم هو لا يحب أن تنعته بهذه الكلمة لأنه لا يشعر معها بأنه أمير.. بل ملك..
منذ استقلالهم في بيتهم الصغير ذاك وهو يخرج تقريبا في الصباح وفي صدره دفء كبير لها..
يفكر فيها طوال فترة الدوام ومن شدة شوقه لا يقبل أي دعوة من أي صديق أو زميل للخروج بعد العمل فقط ليعود ويراها..
يعرف أن لا امرأة في الخارج قادرة أن تثير اهتمامه فيها فهو رجل مشبع.. مشبع جدًّا بزوجته التي يعود من العمل إلى البيت ليجدها قد حضرت وجبة الطعام وتستقبله بابتسامة جميلة وثوب مبهج ورائحة عبقة..
وليلًا في غرفة نومهم تنهي وضع لمساتها الأنثوية الرومانسية ليقضيا ليالي ساخنة تدفئ الأجواء الباردة..
يشعر بها في دمه وفي كل ذرة من كيانه..
رباه كم هو شعور الاستقرار رائع!
لم يتخيل ولو لمرة في حياته بأنه قد يرزق بزوجة مثلها، يشكل وجودها في حياته فارقًا عظيمًا في قلبه وتوازنه وخطواته واستقامته واستقراره..
استقل مُصعب سيارته دون أن يعرف أن أخيه مَازن الذي كان يقف أمام نافذة غرفة نومه المُطلة على الحديقة الأمامية كان يراقبهما لوهلة قبل أن يعي على نفسه ويغض بصره..
اغلق مَازن النافذة ومن ثم الستائر بعنف بالغ ينفس فيه عن الحسرة والسخط الذي يعتمل في داخله!
لا يكاد يصدق بأن أخاه مُصعب الهادئ.. الغامض.. تعامل بهذا الشكل مع زوجته! فمُصعب من النوع.. الذي لا يسهل عليه أن يعبر عن نفسه بسبب الصبغة الرجولية الكتومة التي تتسم بها شخصيته!
لم يكن هكذا أبدًا مع زوجته السابقة رشا ولا حتى بدرجة واحد في المئة..
لا بد أن زوجته هذه نجحت في مشاركته همومه واستخراج المشاعر الدفينة بداخله ليصل به الأمر أن يتصرف بهذا الود معها!
تنهد مَازن ببؤس..
فقط لو تفهم لوح الثلج التي عنده بأنه مخلوق حساس وإن تستر خلف الاستهتار.. بل هو كتلة من المشاعر الجياشة تحتاج للرعاية..
في السابق والماضي لم يكن يهتم إلا بأن يحظى في جل وقته مع رفقة وأصدقاء ممتعين..
لكن الآن وهو في نهاية العشرينات من عمره لم يعد يرَ أصدقاؤه كافيين لإشباع ذلك الفراغ في قلبه..
دلف مَازن إلى داخل غرفة نومه ليجد ياسمين جالسة تستمع إلى ثرثرة هدى المحببة إلى قلبها وهي تقول لها بصوتها الحزين الطفولي
((أمي بقيت دارين تبكي كثيرًا لأنّ عمي مُؤيد عنفها وكان يريد أن يضربها.. هل تصدقين ذلك؟ أنا أحب عمي مُؤيد أكثر من أبي ولا أصدق بأنه قد يفعل ذلك))
وضع مَازن كفيه داخل بنطاله القطني يقول بصوتٍ عال
((عرفت يا ياسو بأن ساق مُؤيد كُسرت لذلك ذهبوا به للمشفى.. وعادوا جميعا باستثنائه.. أيضًا جاء مُصعب قبل قليل لزيارتي مع زوجته، لماذا لم تستقبليهما معي؟ أحرجتني))
طالعته ياسمين هاتفة بفتور
((لا تقلق لن يعتب عليّ أحد فالجميع هنا يعرف طبعي))
دمدم مَازن بغيظ وهو يفتح صندوق ما ويخرج معداته منه
((لوح ثلج أنتِ حقا))
اجتاح الذهول هدى وهي تتجه نحوه متسائلة
((ما هذا الذي تقوم به يا أبي؟))
أوصل مَازن الأسلاك بالمقبس وأجاب
((أجهز معداتي لأقضي بعض الوقت على ألعاب البلايستيشن))
عقبت ياسمين بازدراء وهي تراقبه يجلس أمام شاشة التلفاز الضخمة عقب أن شغلها
((ألا زلت مدمنا على ألعاب الفيديو؟))
قفزت هدى مكانها بطفولية وقالت بحماس عارم
((أريد أن ألعب معك.. أرجوك أرجوك))
تجلى الضجر على وجه مَازن لكنه استسلم أمام لهفة ابنته وأعطاها يد تحكم عن بعد وبدأ يشرح لها وظائف الأزرار قبل أن يبدآ جولة لعب سويا..
أخرجت ياسمين عدة خياطتها ثم عقبت عندما رأت اندماج مَازن في اللعب
((مَازن ما دمت وافقت على اللعب معها دعها تفوز عليك أو ستبكي لو خسرت))
تهكّم مَازن على كلامها ثم غمغم بامتعاض
((هراء لست أنا من أسمح لأحد أن يفوز عليّ حتى لو كانت ابنتي.. لكن سأحاول ألا ألعب باحترافية شديدة))
كان كل تركيز مَازن متجها إلى لعبته عندما سألته ياسمين مجددا
((الآن بما أنك قررت العودة إلى هنا فماذا ستعمل؟ ومتى ستبدأ هذا العمل؟))
أجابها ببساطة وهو يدخل مع ابنته في الجولة الثانية بعد أن ربح الأولى
((لن أعمل، سأشترك في الضمان الاجتماعي وسأطلب من والدي أن يدفعه لي شهريا وحتى أخرج للتقاعد فهو من سينفق عليّنا))
كتفت ذراعيها وهي تقول موبخه
((ألا تخجل من أن تصل إلى هذا السّن وتأخذ مصروفك من والدك؟))
لوح مَازن بيده بحركة الانتصار الحماسية عندما فاز في الجولة الثانية ثم عقب على كلام زوجته
((لا أعرف أين الخطأ في مساعدة عائلتي لي! أعني أين الحكمة في تضييع أجمل سنين شبابي في الكد في العمل لادخار النقود بينما أبي يستطيع الإنفاق عليّ وعلى متعتي وطعامي وملبسي.. سن العشرين يا ياسو هو أجمل سنوات الإنسان))
غمغمت ياسمين باستياء
((لماذا لا تصبح أستاذ مثل أخيك؟ أنتَ درست اللغة الإنجليزية مثله.. انظر له.. لم يكمل الثلاثين وصار إداريا بالإضافة إلى كونه مُدرسًا))
فاز مَازن في جولة ثالثة ثم بادل ياسمين النظر وقال
((هذا بسبب وساطة أبي هل رأيت إداريا شابا في أي مدرسة في هذا العالم غير هنا؟))
عقدت حاجبيها هادرة
((إذن دعه يتوسط لك أيضًا واعمل مثله))
شدت هدى ذراع مَازن متسائلة بأمل كاذب طفولي
((أبي هل ما يظهر على الشاشة معناه أني فزت؟))
نظر مَازن لابنته ببرود وقال ببطء
((بل معناه أنك خسرت ثلاث جولات متتاليات بدقيقتين وهذا الطبيعي لطفلة لا تفهم قوانين اللعب هذه))
تقوست شفتي هدى بعبوس منذر بالبكاء واعترضت
((لا أريد أن ألعب مجددا معك))
دمدمت ياسمين بازدراء كمن تكلم نفسها وهي تنتصب واقفة
((ما أصغر عقلك!))
خطت ياسمين نحو منضدة الزينة تمسك المشط وتسرح شعرها استعدادا للنوم عندما انتبه مَازن لها وقال وهو منشده تماما لجمال شعرها الفاتح الطويل
((ألن تسمحي لي بلمس شعرك الخلاب يا ياسو؟ وربما صنع ضفائر؟))
نظرت له تحذره بعدائية
((لا أحب أن يلمس أحد شعري))
ابتسمت هدى وقالت بترحيب وهي تشد ذراع أبيها مجددا
((يمكنك أن تجدل شعري أنا يا أبي، لكن برقة فأمي تؤلمني أثناء تصفيفه))
رمق مَازن شعر ابنته بنظرة عدم إعجاب ثم قال بازدراء
((لا شكرا فشعرك قصير.. ومجعد قليلًا.. ورثته من أمك قبل أن تملس شعرها، فشعورنا هنا كلها ناعمة))
اضطربت ملامح هدى وارتبكت إلا أنها تحكمت بها بإباء طفولي وقالت لوالدتها
((تصبحين على خير يا أمي سأذهب للنوم))
ابتسمت ياسمين لابنتها بينما تترك شعرها مجدولا بارتخاء فوق كتف واحد ومتدليا بدلال فوق صدرها بطريقة مدغدغة لأعصاب مَازن الذي عاد يحدق به..
أغلقت ياسمين إضاءة الغرفة إلا من المصابيح الخافتة وتمددت على السرير دون أن تغفل عن عينيه البراقتين تقنصان كل حركة تقوم بها بنظرات صقرية قوية تنتظر لحظة الانقضاض على فريستها بفارغ الصبر..
وبمجرد أن استقام مَازن من مكانه ليتجه نحوها بانشداه كأنه مسير لا مخير حتى هتفت باستياء واضح
((ابتعد يا مَازن ليس اليوم أيضًا.. ألا تشبع؟))
رفع حاجبيه مرددا ببرود
((نعم أنا لا أشبع، هل لديك اعتراض؟))
غمغمت من بين أسنانها بتهكم
((لا ليس لدي اعتراض، لكن بعد أن عرفنا بأنك لم تكن متزوجا فهل تريد الآن إقناعي بأنك وطوال غربتك لم تنجر ولو لمرة واحدة للحرام؟ كيف استطاع شخص شهواني مثلك أن يتحمل))
نظر إليها نظرة طويلة باهتة.. خالية من أي مشاعر.. وهو يقول
((أنا لست شهواني.. لو كنت كذلك لما صبرت الأيام السابقة على الفتات الذي أقتاته منك! تقضين الوقت معي كأنك في مهمة وعليك إنهائها))
هتفت في وجهه بهمجية
((هذا صحيح ولا أكذب إن وضحت مدى النفور الذي أشعر به كلما اقتربت مني لأني أرضخ لك بدافع الواجب فقط.. ليس ذنبي أني لا اشعر برغبة بك وعاطفتي نحوك معدومة))
كان يستمع إلى صراخها جامد الملامح بعينين قاتمتين خاليتين من المشاعر وحتى من الغضب.. ثم قال أخيرا بصوتٍ فاتر
((توقفي عن كلامك المسموم.. لقد كنت ضحيتهم مثلك، جعلوني أحجز تلك الغرفة بإسمي ليوقعوني مثلك.. خطأي الوحيد كان معرفتي بأنهم يدبرون لشيء ضدك وسكوتي عليه حتى لا يسببوا لي المتاعب.. لذا أنا لا أسمح لك أن تعاقبيني أكثر))
ضغطت على شفتيها بقوة وهي تنظر إليه بكرهٍ.. وعينين قاسيتين.. فهو المجرم الوحيد من بينهم الذي سمح لها القدر الانتقام منه حتى لو كان أقلهم ذنبا..
همست باختناق نابع من غلها وحقدها
((بسبب خطأك هذا ها أنا خسرت كل شيء وسأظل أعاني للأبد.. ومن العدل أن تعاني معي.. وسأحرص طوال فترة تواجدك هنا أن أغرقك في البؤس والشقاء حتى تغادر مجددًا وتقرّ بأن الغربة أرحم لك، هكذا قلت لي بحماس فياض قبل سنوات عندما اقترح والدك عليك الدراسة في الخارج))
ابتسم مَازن ابتسامة باهتة ساخرة قبل أن يقول
((هل تعرفين ماذا؟ سُدت نفسي عن رؤيتك حتى.. أنا سأذهب لأنام على الأريكة وسأعتزلك للأبد.. في كل الأحوال قربي من لوح الثلج لا يختلف عن هجراني لها))
تمدد على أريكة جانبية غير مريحة فانتشر احمرار طفيف على بشرة ياسمين الخمرية.. احمرار الغضب والشعور بالإهانة لما تسمعه من كلام مرير قاسي ينطقه..
لكن الذي لا يعرفه هو أن هؤلاء الفاسدين لم يكونوا يخططون للنيل من سمعتها وحسب بل أكثر من ذلك..
ففي ذلك اليوم عندما استيقظت في الصباح وجدت نفسها عارية تماما.. والله أعلم ماذا فعلوا بها قبل ذلك..
لكن بالتأكيد لن تبوح بسر كهذا أمامه..
فربما لو عرف ذاك الغبي سيتملكه من الاشمئزاز ما يجعله يرفض حتى أن تبقي على ذمته ولو بالاسم فقط!
وهي بحاجة أن تكمل حياتها هي وابنتها هدى هنا..
فالحياة هنا أهون عليها من حياة الجحيم عند عائلتها التي قاطعتها تماما لذنب لم تقترفه!
تنهدت ياسمين وابتسامة جانبية مريرة ترتسم على وجهها.. على الأقل نجحت في جعله يعتزلها وتخلصت من لمساته الكريهة المقيتة وجعلته يقرر من تلقاء نفسه أن يهجرها وينأى بنفسه على الأريكة خلال مدة قصيرة جدًّا من مجيئه.. عليها الاستمرار على هذا المنوال وتجرعه البؤس والتنغيص على حياته لتنجح في جعله يقرر من تلقاء نفسه الابتعاد عنها..
مجرد تخيل الفكرة جعلت الراحة والبهجة تتسلل لقلب ياسمين.. فأغمضت عينيها ولا تذكر ما الذي جعل ذاكرتها تستحضر تلك الليلة التي تزوجت بها مَازن..
كانت قد دخلت هذا القصر وهي ترتدي ثوبا أبيضا مبهجا قليلا يناقض البؤس والخوف الذي كان يكتسحها..
خاصة ووجه والدة مَازن الواجم الذي لا يصدق دخولها عليهم مع زوجها وابنها الذي كان يحمل حقيبة صغيرة لها..
بقيت جالسة على هذا الفراش محاوطة جسدها بذراعيها كطفلة صغيرة مرتعبة.. كانت حقا طفلة وبالكاد قد أكملت الثمانية عشر من عمرها..
لم تكن تعلم أكان اختيارها صحيحًا أم لا..
هل بقاءها مع عائلتها الذين تفننوا في تجرعيها شتى ألوان وأنواع العذاب أهون أم زواجها من شاب لا تعرف عنه شيئا إلا صداقته بتلك العصابة!
آنذاك طلب مَازن منها بأدب أن تنام على السرير وتتركه يستلقي على الأريكة ببسمةٍ صغيرة ودودة.. ففعلت وهي تضم كتفيها بكفيها تفركهما في محاولة لإعطائهما الدفء.. قبل أن تشعر به يدثرها بغطاء سميك..
كان في الأيام الأولى لها يتعامل معها في منتهى الحذر واللطف وهي كانت تتقبل ما يقوم به بخوف.. بخشية.. بخجل.. ورويدا رويدا بدأت تتكيف على المكان وتعي ما حدث لها وأنها متزوجة من شخص كان السبب الرئيسي فيما حدث لها.. وأن تقبلها لما يفعله ليس صحيحا..
فليس من المنطقي أن يكون سببا بتحطيم حياتها ثم يتزوجها وتتقبله كزوج طبيعي! هنا وبدون خوف أو خجل بدأت تدرجيا تصب سخطها وانتقامها عليه..
لكن بنفس الوقت كانت مضطرة أن تدعي بأنها بخير معه أمام عائلته.. وتنام معه تحت سقف غرفة واحدة.. تسمح له بالاقتراب منها بل وحمل طفله في أحشائها..
لا حبًا فيه.. بل لقلة وشح الخيارات الأخرى المتاحة لها..
وبعد مرور أشهر على زواجهما جاء والده يقترح عليه إكمال دراسته في الخارج وهنا لم يتردد مَازن أبدًا بالخروج بل فاض حماسا لفكرة العيش وحيدا في الخارج بمكان مختلف عما هو مألوف لديه..
فتحت ياسمين عينيها فجأة وخرجت من شرودها على صوت مَازن وهو يقوم من مكانه ويقفز فوق السرير..
فاعتدلت شبه جالسة تناظره معترضة
((ألم تقل بأنك ستنام على الأريكة؟))
تشدق بصوتٍ لاذع قائلًا
((صحيح لكن اكتشفت بأن هذا يسعدك لذلك غيرت رأيي، سأنام كل ليلة على السرير ملتصقا بك كأني قابع فوق قلبك))
أطفأ مَازن المصباح الموضوع فوق المنضدة الملاصقة للسرير من جهة اليسار.. ثم مال نحو مصباحها يهم بإطفائه إلا أنها هتفت معترضة
((لا ابتعد عن مصباحي.. دعه مُضاء))
تجمدت يداه أمام المصباح فدفعته للخلف تبعده عنه ليردد
((ألا زلتي تحبين النوم تحت الإنارة؟))
عاندته بحنق
((نعم، كل واحد منا له مصباح وله حق التحكم به، دع مصباحي وشأنه))
رفع مَازن إحدى حاجبيه بانزعاج ثم تمتم وهو يرقد فوق الفراش
((تتصرفين كطفلة، طفلة مدللة، لا بأس، أظن بأن أمورنا ستكون على خير ما يرام إذا ما عاملتك كطفلتي المتطلبة))
زمّت شفتيها قبل أن تتهكم
((بل أنا أظن بأن أمورنا ستكون على خير ما يرام لو عاملتك كطفلي المعتوه))
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!