لا تنسو التصويت ❤️❤️
في مشفى القرية..
جلست الحاجة زاهية على كرسي قريب من سرير مُؤيد ثم قالت
((رضي الله عليك يا مُصعب على اهتمامك بأخيك، أعود للبيت كل يوم مطمئنة عليه لتواجدك هنا معه ومؤازرتك إياه))
تشتت نظر مُصعب بحرج من فيض دعاء أمه له ولإخوته هذه الأيام ثم تمتم بخفوت
((أمي لا داعي أن تبدو لهجتك كأني فعلت شيئا غير واجبي تجاه أخي الكبير))
تطلع مُؤيد بوجهه المُتعب لمُصعب يقول بابتسامة شاحبة
((بل مشكور يا مُصعب، فأنا أرى بوضوح كيف تبقى هنا أكثر من ساعات عملك اللازمة من أجلي، لم يبقَ طبيب أو ممرض في المشفى مَعنى بحالتي لم تطلب منه أن يهتم بي، حتى أنك تحرص على شراء وجبات الطعام المفضلة لدي ولا تتركني آكل من طعام المشفى.. سأرد جميلك هذا بعد خروجي من المشفى))
قطب مُصعب حاجبيه ولكز كتف مُؤيد هادرًا
((لا تبالغ يا أخي بكلامك.. ثم إني لا أتحمل هذا الشخص الباهت أمامي بل معتاد على مُؤيد العصبي الغير مراعي.. خاصة وأن إصابة قدمك عادية وكل الأطباء أجمعوا أن مشكلتك فقط مشكلة نفسية))
ابتسم مُعاذ وقال ببشاشة
((نعم أنتَ محق يا مُصعب، في الأيام المقبلة سأجلب عكازا له وسأجبره على مغادرة المشفى مشيا، فكسر قدمه لا يستدعي بقاءه هنا!))
ضحك مُصعب بخفوت وكان يريد المغادرة لولا أن قال مُعاذ مبشرا كمن تذكر شيئا
((مُصعب هناك شيء نسيت أن أقوله لك منذ مدة عن دراجتك النارية! لقد وجدتها))
لف الاستغراب وجه مُصعب وتساءل بهدوء
((أين وجدتها؟))
قال مُعاذ بصوتٍ مازح
((وما همك بالتفاصيل، المهم أني وجدتها وسأعيد دراجتك الحبيبة المفقودة لك))
خرج صوت مُصعب واجما
((ولكن لقد اشتريت بدلا منها أخرى أفضل))
استشف مُعاذ الريبة بملامح أخيه واعترض
((حتى ولو، تبقى هذه هي دراجتك الأولى ولها ذكرى مميزة عندك.. ثم يا أخي لم لا تبدو متحمسا لما أقوله؟ كأن الدراجة التي سرقت ليست لك!))
رفع مُصعب يده يفرك رقبته ثم قال بشيء من الإحراج
((مُعاذ لا تفهمني خطأ، لكن هل كنت تعرف من أخذ دراجتي من البداية وهل كنت تحاول استردادها منه طوال الفترة السابقة؟))
صمت مُعاذ قليلا يناظر أمه ومُؤيد ثم سأله بتيقظ
((لا أفهم ما ترمي له))
تنهد مُصعب قبل أن يوضح
((الحقيقية وفي نفس اليوم الذي سُرقت فيه دراجتي وجدت مبلغا تقريبيا لسعرها في ظرف داخل سيارتي، وأنت تعرف بأن مصف العائلة لا يستطيع أحد دخوله إلا أحد أفراد عائلتنا أو العاملين في المكان))
أدرك مُعاذ بأن زوجة أخيه مُؤيد هي من وضعتها.. إذن لقد صدقت غنوة بما أقرت به لاحقا!
مسح مُعاذ وجهه ثم قال بصوتٍ مجهد
((لا أدري كيف أشرح لك ما حدث، لكن حتى لا أسبب الحرج لأحد فاعتبر أن أحد أفراد هذا القصر قال أمام شخص غير مؤتمن أين تركن هذه الدراجة وذاك الشخص قام بسرقتها، والآن فقط استطعنا استرجاعها..))
لم يحاول مُصعب أن يرضي فضوله ويسأله عن التفاصيل واكتفى بالقول
((حسنا، سأبيع الدراجة القديمة التي معك وأزيد عليها الدنانير لأعيد نفس مقدار المال الذي وجدته في الظرف في سيارتي ثم أعطيه لهذا الشخص))
رد عليه مُعاذ ملوحا
((إنسَ ذلك يا مُصعب، النقود من حقك فقد سُرقت الدراجة منك منذ سنة، إلى اللقاء الآن لا نريد أن نشغلك عن عملك أكثر))
أومأ مُصعب له قبل أن يلقي السلام ويغادر فعليه أن يستعد للسفر للمؤتمر بعد أيام قليلة..
بمجرد أن أوصد الباب خلفه حتى سارع مُؤيد يسأله
((أخبرني يا مُعاذ كيف عرفت سارق الدارجة؟ هل أفشت تلك المدعوة غنوة بهويته؟))
أجابه مُعاذ وهو ينظر له
((عرفت منها اسمه وقبضت عليه واستجوبته ليخبرني عن الطرق التي سلكها بالتفصيل في ذلك اليوم! وشكله مشابه لهيئة الشخص الذي صورته الكاميرات.. أقرت غنوة أن زوجتك من أخبرتها عن مكان دراجة مُصعب فاستأجرت هي أحد الرجال أصحاب السوابق لسرقتها))
غمغمت زاهية بغضبها وغلها المنفلت عن زمامه
((إذن تلك الحقيرة رتيل هي من أخبرتها عن مكانها، ألا يكفي أنها خائنة ولا تصلح أن تكون زوجة تُستر في البيوت، وأيضا سارقة))
التفت مُؤيد إلى أمه يحاول تهدئة انفعالها قائلًا بخفوت رغم حاجته هو أكثر للتهدئة
((أمي لا تنعتيها بهذا الشكل، لقد أخبرك أخي أنها كانت تذهب هناك لترفه عن نفسها ولم يكن لديها عشيق كما ادعت تلك المنحلة غنوة))
لكن زاهية كانت تغلي بنيران المندلعة في داخلها وهي ترد عليه
((وما الذي قد يجعلنا نصدق تلك الأخرى غنوة السارقة؟))
تنهد مُعاذ وهو يحاول التربيت على كتف أمه ليقول بصوته الرخيم
((أمي أنتِ تعرفين بأني وطوال الأيام الماضية أهملت كل شيء من حولي، عملي وزملائي وواجباتي فقط لأتولى أمر غنوة.. سبق وأخبرتك أني استجوبتها أنا ورجالي لأيام وصدقيني جعلناها تعترف بكل شيء فعلته حتى قبل أن تلتقي بزوجة مُؤيد))
رفعت زاهية وجهها لبكرها الذي تابع يقول
((لقد سألتُ أيضًا الجيران وأكدوا عليّ جميعا بأن غنوة ورغم سمعتها السيئة في الحي إلا أنها لم يسبق وأن جلبت رجلا لبيتها، وغنوة نفسها التي كانت تحاول إيقاع زوجة أخي وتدبير مكيدة ضدها اعترفت لي بأن زوجة أخي لم يسبق وان تحدثت أو رفعت نظرها على رجل))
قال مُؤيد لأمه بقهر يعاني في كبحه
((هل سمعتي يا أمي مجددا؟ أرجوكِ توقفي عن اتهام زوجتي بتلك التهمة الباطلة أو سأقتل نفسي أمامك.. لقد طلقت رتيل وانتهى امرنا لكن من المستحيل أن أقبل أن يمس أحد أم أولادي بسوء))
ثم تطلع مُؤيد لأخيه بخشونة يتوسل بصمت منه أن يساند كلامه أكثر..
تفهم مُعاذ الندم الذي يحيط بأخيه لأنه باح بكل شيء لأمه بلحظة انفعال وفقدان سيطرة فسارع يلتفت لأمه هادرا
((أمي صدقيني بنفسي رأيت كل المحادثات بين غنوة وصديقة ابنك دموع من رسائل تحتفظ بها بينهما، قرأت كل كلامهما وسمعت المكالمات التي كانا يخططان فيها من البداية لإيقاع كل من البنك المركزي مُؤيد حتى تتزوج منه دموع))
تجهم مُؤيد وأطرق رأسه وكله مكلل بالعار والذنب والخطيئة لأنه كان لعبة بين يدي امرأتين مثلهما بينما يكمل مُعاذ كلامه
((بل حتى عرفت أن غنوة كانت تبتز رتيل بإرسال تلك الصور لمُؤيد لو لم تحول لها سيولة كبيرة من الأموال عن طريق رقم مجهول.. وللصراحة فرغم خباثة كل من هاتين المرأتين إلا أنهما صاحبتا تفكير بسيط وأخرق من أن يستدعي قلقنا، لذلك تركتهما بعد كتابة تعهد بأنهما لن يتصلا أو يلتقيا بزوجة أخي))
لم تنفرج ملامح زاهية المتصلبة وهي تقول بغل
((وما همنا أن التقت واحدة منهن برتيل أو حتى ناسبتها؟ رتيل لم تعد تعني لنا شيئا، لقد طلقها أخوك وليس لها عندنا لا زوج ولا ولد..))
عضت زاهية طرف شفتها تمنع نفسها البكاء قهرا وهي تستطرد
((لقد خاب ظني بنفسي، زوجة أخوك التي أعتبرها كنتي المفضلة وابنة صديقتي المحترمة التي تنحدر من أسرة متدينة ومعروفة بأصلها الطيب ما هي إلا امرأة فاسدة، رتيل هي كنتي الوحيدة التي اخترتها بنفسي من بين عشرات البنات هن من زينة بنات القرى.. لكن اتضح الآن بأنها لا تساوي ربع باقي زوجات إخوتك.. والله لست منزعجة على حظ مَالك بالزواج من البستانية كما أنا مقهورة على حظك العاثر الذي أوقعك بامرأة مثلها يا مُؤيد))
امتعضت ملامح مُؤيد مما يسمعه من أمه فأطبق على شفتيه يكتم دواخله وفقط عيناه من تنطقان بالألم المبرح!
لكن ماذا يقول وكيف يعترض أو يبرر حقيقة أن زوجته كانت منذ سنوات تكذب عليه وتخون ثقته وتذهب لتبيت في بيت تلك المرأة المنحلة!
قطب حاجبيه عند صدوح صوت أمه العدواني وهي تعلمه بصرامة
((مُؤيد من الآن سأذهب لأبحث لك عن عروس محترمة لتتزوج منها وتربى فهد وباسم تربية صالحة، فامرأة مثل رتيل لا خير يرجى فيها أو في تربيتها))
تخصر مُعاذ وهو يزفر أنفاسه بقوة ثم قال موجها كلامه لأخيه
((أنا فعلت يا مُؤيد ما عليّ واثبتُ لك بالرسائل والصور والمحادثات وكلام الجيران أن زوجتك ليست كما قذفتها دموع وغنوة بشرفها، أما مسألة طلاقك أو عودتك لها فهذا خاص بك أنتَ لتقرر إذا كان باستطاعتك مسامحتها أو لا.. وإلى هنا ينتهي دوري))
كأن مُعاذ صب الزيت على النار دون أن يشعر ليفاجئ بأمه تزجره بعينين تقدحان شررا
((أي مسامحة هذه التي تتحدث عنها بعد كل ما عرفنا أن زوجة أخيك كانت تفعله؟ تلك الفاسقة كانت وطوال السنوات الماضية تخدعنا والله فقط من يعلم إذا كانت بريئة من اتهامات تلك المدعوة غنوة كما توصلت يا مُعاذ أم لا))
في البداية أغمض مُؤيد عينيه كأنه ينقل نفسه إلى مكان آخر معزول لا يسمع فيه شيء لكنه لم يتحمل أكثر ففتحهما يقول بصوتٍ مثقل ومنهك
((أنا أعرف رتيل يا أمي أكثر منكم جميعا كما أعرف بأن قذفها بشرفها هو باطل بل كل ما قالته دموع هو حبكة قذرة لا تُصدق رغم أنها تمكنت مني في البداية.. رتيل كذبت عليّ وخرجت من دون إذني ولكن أبدًا لا يمكن أن تخونني ولو بنظرة.. وصورها تلك التي أعطتها دموع لي ليس بها ذاك الشيء المشين))
كانت فعلا تلك هي الحقيقة التي توصل إليها مؤيد بعد أيام من التفكير وترتيب أفكاره المتناثرة كرذاذ البحر وقبل حتى أن يطلعها عليها مُعاذ..
تجلى المقت على وجه زاهية وهي تهمس بفحيح
((لقد كانت تطلب إذنك للمبيت عند عائلتها لأيام وفي المقابل تذهب لغنوة.. ومهما أكد لي أخوك بناء على أقوال تلك المدعوة غنوة بأنها لم تكن تذهب لأماكن مشبوهة أو تقابل رجال غريبين إلا أنك لا تستطيع أن تكون متأكدا مئة بالمئة))
أطلق مؤيد نفسا كالمرجل جاش في صدره وقال بإعياء ونفاذ صبر
((يكفي أمي))
عقب مُعاذ لأمه برجاء
((أمي دعينا نغادر، أخي منهك جسديا ونفسيا))
بنفس الملامح ردت زاهية وهي تعتدل واقفة
((سأغادر الآن فأنا أشعر بالاشمئزاز من النظر لأخيك العرّة، والله كنت أعتقد بأني سأعاني في سبيل إقناعه أن يهدئ ولا يتسبب بفعل شي لامرأة مثل رتيل قد يجعله يهدر حياته بالسجن لأفاجئ به يفكر كرجل ديوث))
اتجهت زاهية نحو الباب تنوي المغادرة لكنها تسمرت مكانها عندما هتف مُؤيد يناديها.. ليكمل بعد لحظات بصوتٍ مثقل
((أمي لا تبوحي بسر زوجتي لأحد آخر حتى لو كان أبي، أو سأقتل نفسي أمامك))
أخرجت زاهية صوتًا متهكمًا ممتعضًا قبل أن تبارح المكان في حين تطلع مُؤيد بوجهه المضطرب لأخيه مستطردا
((وأنت يا مُعاذ نبّه على ابنتك أن تحتفظ بسر زوجتي حتى مماتها، إياك أن تتصرف دارين بطفولية خرقاء وتُخرجَ هذا السر لأحد))
قطب مُعاذ حاجبيه وقال بصرامة
((لا تقلق من ناحية دارين، أساسا في كل مرة أخرج معها تنهار باكية أمامي لأنك يا مُؤيد ضغطتَ عليها أن تبوح لك بما تعرفه عن زوجتك، فهي تحبها ولم تقبل على نفسها أن تضرها))
=============================
في المكتب السياحي..
ومكان عمل جُمان كانت منهمكة في تنظيم الحجوزات عندما تفاجأت بأحد يدخل المكان.. مرت دقائق ولم يبادر الشخص الذي دخل للحديث معها فرفعت وجهها وتملكتها الدهشة وهي تردد
((وليد؟ ماذا تفعل هنا؟))
خرج صوت وليد منهكا.. شبيها بملامحه المنهكة وهو يجلس على إحدى الكراسي
((فقط مررت أثناء قيادتي السيارة من هنا وفكرت أن ألقي السلام عليك))
جلست جُمان مقابله بتردد وتلكؤ لتقول بصراحة وتهذيب
((أنا لا أحبذ هذه الزيارات، لا أحاول أن أقلل ذوقي معك لكن أنتَ الأعلم بما يجوز فعله ولا))
تنهد وليد بثقل الموقف ثم قال
((نعم أعرف، لكن هل لديك أي علم بأني وشيرين سنتطلق؟ عمي والكثير من الوجهاء من حوله تحدثوا معي لذا أنا أفترض أن الأمر وصل لك))
أجابته جُمان برسمية وتحفظ
((لم يكن لدي أي علم مسبق، أتمنى أن تحلوا الأمور بينكما وآسفة لما سمعته))
تنفس وليد بتعب يوم مجهد كسابقه من الأيام ومسح صفيحة وجهه بينما يقول
((تبدو مصرة جدًّا في موضوع طلاقها، هل يعقل أن يكون سبب عدم نجاح الأمور بيني وبينها هو ظلمي لك؟))
ازدردت جُمان ريقها ولم تظهر في صوتها أو ملامحها أي شيء مما يعتمل في أعماقها ثم ردت
((نعم لقد ظلمتني فأنت تعرف أني تزوجت منك تحت وطأة ضغط من والديّ، وإلاّ فمن التي تقبل الزواج من شخص ترك عروسه في نفس يوم حفل زفافها وطلب يدها؟ والأنكى بأنك تزوجتني دون أن تصارحني بحقيقة أنك لا زلت واقعًا في الحب معها.. عدم معاتبتي لك لا تعني أن هذه الأمور بسيطة ويمكن أن تغتفر! لكن مع ذلك أنا أقولها لك لا تلم نفسك على ما فعلته.. على العكس.. فمجرد وضعي بمقارنة مع امرأة أخرى كان ليجعلني أغادرك))
ارتفع حاجبي وليد كأنه يحاول التأكد مما سمعه قبل أن يقول
((لم يسبق وأن عرفت بأنك تحملين كل هذا ضدي، لا بد أني آذيتك بقسوة.. كيف كان شعورك إزاء ما فعلته؟))
انزلق ثغر جُمان بابتسامة جانبية لتتشدق
((هل تقصد أن تسأل كيف هو شعوري بعد ما عرفت بأني مجرد ممر جانبي وخطة بديلة لك؟))
تحركت عيناه إلى عينيها واخترقتهما للحظةٍ ثم سألها بصوتٍ خفيض قاتم
((ألم تحبيني يوما أو تشعري تجاهي بأي مشاعر حب يا جُمان؟ أقصد أنتِ لم تظهري أي ذرة تمسك أو تملك تجاهي عندما عرفتي برغبتي العارمة في العودة لها بل غادرت بلطف بالغ..))
تجلت ملامح المرارة عليها وهي تجيب
((أحببتك أو لا لا يهم لأني كنت سأتركك بنفس الطريقة.. فأنا لست ذاك النوع من النساء الذي قد يتوسل أو يبكي لتجبرك على البقاء في حياتها.. أنا أدفن قلبي وأقتله قبل أن أسمح له أن يهين كرامتي))
لم يكن صوتها بل كبرياؤها من يتحدث.. فصمت وليد قليلا بإدراك..
جُمان امرأة بقلب نقي تجاه الجميع.. تفاصيلها هادئة.. بسيطة.. لا تشبه أحد ولا أحد يشبهها.. إذا أحبت صدقت وإذا كرهت ابتعدت.. إنها حقا عالم جميل.. ثابت.. قائم بذاته..
غمغم لها
((عندما رحلتي ذكرتني بخير على الملأ.. أما شيرين فلا أصدق حقا بأن وصل الأمر بها أن تفضحني عند عمي وأخوالها والوجهاء، أنتِ لا تشبهينها بأصلك الثابت هذا))
صدح رنين هاتف وليد عاليا ولم يكن يريد الإجابة لكنه في وضع لا يسمح له بتجاهل أي مكالمة وعليه الرد في أي لحظة.. فتنسل هاتفه من جيب معطف ولفت الدهشة وجهه وهو يطالع الاسم الذي يعلو شاشة هاتفه..
شيرين!
برقت عينيه بشيء من المتعة وأجاب على اتصالها مع تفعيل خيار أن يكون اتصال فيديو..
ليس فقط لتراه مع جُمان وحسب بل حتى يمتع عينيه المشتاقتين لها.. فلم تمانع شيرين قبول دعوة مكالمة الفيديو..
كانت هي في الفرع السابق لشركة القاني وفي القسم الذي تم إغلاقه لتقوم ببعض المهام التي يتوجب عليها القيام بها قبل المغادرة بعد أن أخذت إذنا لدخول القسم..
كان المكان الضخم بكل غرفه وقاعته فارغا من أي أحد سواها ومعظم النوافذ والإضاءة مغلقة إلا من مكتبها..
محاميها كان قد اتصل بها ليعلمها أن وليد يماطل في استلام الإعلان.. فلم تستطع أن تنتظر أكثر قبل أن تتواصل معه..
وضعت الهاتف أمامها وبمجرد أن ظهر لها وجهه الكريه لقلبها حتى صرخت به بإنهاك مُستنزَفة الأعصاب
((وليد إلى متى سترفض أن تحررني منك؟ إلى متى سترفض إطاعة كلام عمك ووجهاء القرية؟))
رأت عيناه تضيقان وجانبي فكه يتحركان بقوة كتمانه لذلك الجرح ليقول بصوت خافت حتى لا يشي بألمه
((لماذا تبدين غاضبة؟ ألم ترفعي عليّ قضية خلع! هيا امضي بها))
هتفت به بانفعال
((أنتَ تماطل من أشهر في استلام الإعلان وهذا دنيء جدًّا منك))
جمّد ملامحه بذاك الكبرياء وهو يرد بلا مبالاة
((وسأظل أماطل في استلام الإعلان لأربعة أشهر على الأقل، وإذا ما استلمته فلن أوقع ولن أحضر أي جلسة حتى يتم إعادة إعلاني لعدة أشهر أخرى، هكذا لن ندخل في الإجراءات والجلسات قبل عشر أشهر.. وعند آخر جلسة نطق سأقوم بطلاقك غيابيا وسأعيدك غيابيا قبل انتهاء العدة.. وهكذا تكونين عدتِ زوجتي بعد سنتين من الإنهاك في المحاكم.. وإذا فكرت برفع قضية خلع أخرى سأعيد كل هذه الخطوات، هكذا أضمن بأنك لن تتحرري مني قبل خمس أو أربع سنوات على الأقل.. في هذه الأثناء أكون أنا تزوجت وأنجبت..))
حركت شيرين شفتيها هامسة بصوتٍ أقرب للنحيب دون دموع
((كم أنتَ شخص..))
قاطعها قائلا بزهو المنتصرين
((ليس ذنبي أن القوانين في بلادنا منصفة جدًّا بحق المرأة..))
ثم ناظر جُمان الجالسة مقابله وهو يتعمد إمالة كاميرا الهاتف لتراها شيرين ليسترسل
((لا تصدقين كم أنا نادم على ترك جوهرة مثلك يا جُمان من أجل هذه المرأة))
اعتدلت شيرين في جلستها وهي لا تزال تنظر إليه غاضبة بنظراتٍ كادت أن تحرقه حيًا..
وهو كان مستمتعا بمبادلتها النظر والتمعن في وجهها الأحمر غضبًا وانفعالًا..
أخيرا همست به بشراسةٍ من بين أسنانها
((تبا لك ولجُمانك الحقيرة، حررني منك وتزوجها هي أو غيرها، لا أبالي بكما يا طيور الحب، لكن ليس على حسابي))
لف العبوس جُمان وهي تقول بغضب
((وليد هل أعجبك النعت الذي طالني بسببك؟ هيا غادر المكان من هنا))
ازدردت شيرين ريقها بارتجاف وهي تقول
((وليد أنا لا أمزح معك وإذا لم..))
شهقت شيرين وانتفض قلبها هادرة عند سماعها صوت سقوط شيء ثقيل
((يا إلهي ما هذا!))
جحظت عينا وليد عند اهتزاز الهاتف بيد شيرين وهتف بصدمة
((ما الذي هناك؟ شيرين ردي ما هذا الصوت؟))
استقامت شيرين واقفة والخوف يجتاحها.. وزعت نظرها في المكان وتقدمت ببطء وتردد للخارج.. تقدمت خطواتها أكثر لتفاجئ بأن شرفة القسم مفتوحة..
هتف وليد مجددا بانفعال مشوب بالقلق
((هيا أجيبي يا شيرين ماذا حدث!))
شعرت جُمان بتوتر فوقفت خلف وليد تطالع النظر تصوب نظرها في شاشة الهاتف لتقول شيرين بصوتها المرتجف
((هناك أحد في شرفة القسم والتي أساسا يمنع فتحها أو الخروج منها.. لكن المشكلة أن القسم كامل مطفأ الأنوار ويمنع الدخول له دون إذن))
هتف وليد بها بجدية منفعلة
((شغلي الكاميرا الخلفية.. شغليها هيا وسيري ببطء للأمام دعينا نرى ما تريه))
ازدردت شيرين ريقها وفعلت كما أمرها وهي مستمرة بالخروج نحو الشرفة وهدرت
((حسنا شغلتها))
كان كل من وليد وجمان يناظران الكاميرا بتركيز شديد رغم التوتر الذي يلفهما..
بمجرد أن شعرت شيرين بصوتٍ خطوات شخص خارج من الشرفة حتى هتفت بثبات ظاهري
((من هناك؟ من الذي وقع..))
وقف الشخص متسمرا مكانه يعطي ظهره لشيرين وهو لا يصدق بأنها رأته..
تدريجيا استدار للخلف يطالع شيرين بوجهه الشاحب والدموع تتجمع في عينيه وقد بدا في حالة انهيار كامل فهتفت شيرين بقوة
((من أنتَ؟ هيا قل من.. لحظة.. هل أنتَ فائق؟ ما الذي تفعله هنا في هذا القسم؟ وما الذي أوقعته من الشرفة؟))
هز فائق رأسه يمينًا ويسارًا يكاد لا يصدق ما حدث بينما يهدر بتوسل يائس حتى الموت
((أنا لم أوقع طه لم أقصد شيء.. كنت أقصد دفعه لأنه أجبرني أن أخرج من الشرفة.. وأنا أردت التدخين))
تراخت تعابير الصدمة عن وجه شيرين قليلا وهي تقول عاقدة الحاجبين
((طه! ماذا تقصد يا فائق..))
بترت كلماتها واكتسحتها الصدمة ما إن جمعت كلماته غير المترابطة بالصوت الذي خرج مدويًا قبل قليل متمتمه بصوتٍ شديد الخفوت أقرب للارتجاف
((يا إلهي.. يا إلهي!))
من هول ما فكرت به شيرين وقع الهاتف منها أرضا دون أن تعي وهرعت مهرولة نحو الشرفة..
استندت لسياج الشرفة الموجودة بالطابق الثاني تناظر جثة طه المسجاة أرضًا.. بينما يهرول ثلاث أشخاص حول جثته..
لم تكن تعرف أحد من الثلاث أشخاص الذين وقفوا أمامه إلا معتز الذي هتف بصدمة
((إنه شاب.. الشخص الذي سمعنا صوت ارتطامه على الأرض هو شاب.. من أين وقع؟ شيريــــــــن؟))
آخر كلمة قالها معتز بصدمة أشد وطئا وهو يرفع رأسه للأعلى نحو الشرفة فهتفت له
((لحظة وسأنزل يا معتز.. لحظات))
استدارت للخلف تخرج من هذا القسم نحو الأسفل..
ولم تشعر أو تفكر بفائق المرتعب الذي أظلمت عيناه قليلا والتقط هاتف شيرين يخبئه بجيبه ومن ثم يغادر المكان خلسة..
.
.
في الأسفل..
هتفت شيرين اللاهثة وهي تركض إلى حيث جسد طه قد سقط
((هل هو على قيد الحياة؟ ابتعد، ابتعد دعني أراه..))
وحيث كان الموظفين حوله لا أحد يجرؤ الاقتراب منه تقدمت وجلست أمامه تمد أصبعين تتفقد نبضه رغم الخوف الذي يقيدها لتتمتم بامتنان
((لا زال يتنفس.. هناك نبض.. اتصل بالإسعاف الآن))
كانت تناظر معتز وتأمره عندما تغضنت كل ملامحه بشراسة وهو يصرخ بها
((لماذا قذفتيه من الشرفة؟ هل جننت يا شيرين؟ مهما كان الشجار الذي حدث بينكما لم يكن عليه أن يحدث أثناء تواجدكم في هذه الشرفة التي يمنع الدخول لها!))
اتسعت عيناها ناظرة له وترددت طويلا قبل أن تقول بارتجاف وفجيعة
((ماذا تقصد؟ أنا لم أفعل شيئا! إنه.. إنه فائق..))
=============================
انتهى الفصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!