الفصل 61 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وستون 61 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
13
كلمة
7,013
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الخامس والعشرون

رأت نجوم ملامح والدتها ودبَّ الرّعب في جسدها فتراجعت للخلف حتى لامست بظهرها منضدة الزينة وهي تستجيرها بعينيها المذعورتين أن تهدأ..

لكن منال اقتربت منها بامتداد ذراعها وقبضت على شعرها الطويل صارخة

((من الذي فعل بك هذا؟ هيا أجيبِي))

أجابتها نجوم وذُعرها يتصاعد

((ابن أختك يا أمي.. إنه ابن أختك))

دفعتها منال دفعة واحدة خلفها على المنضدة ليهتز ما عليها ويسقط أرضا ثم قالت بنبرتها المُرعبة

((مستحيل! ابن أختي محترم وخلوق لا يمكن أن يفعل شيئا كهذا))

دارت الدنيا حول نجوم فأحاط بجسدها الألم وتجمعت الدموع بعينيها لتهتف بدفاعية

((أنت أدرى الناس بخصاله فلا تنكري ذلك الآن))

جذبتها منال من شعرها تكاد تقتلع خصلاتها من منابتها زاعقة

((ولماذا فعلها؟ هل رآك هكذا فجأة وقرر أنه يريد التعَّرض لك أيتها الخاطئة؟ لا بد أنك قمت بإغرائه وتبعا لطبيعته الذكورية فلم يحتمل ألا ينجَّر ورائك))

لم تحتمل نجوم الألم لتنتفض مع بكائها وتصيح بصوتها المذبوح

((نائمة.. كنت نائمة يا أمي.. عندما ذهبت في الأمس إلى الحجرة الصغيرة التي أنام فيها بالعادة في بيت جدي أغلقت الباب خلفي وتفاجأت بأنه كان تحت السرير يتربص بي، وقبل أن أفتح فمي كان يُغلقه بمنديل مُخدرًا إيّاي ويفقدني وعيي.. وعندما صحوت في الصباح كان هذا هو حالي، فسترت نفسي بأيّ شيء وهرعت إلى هنا قبل أن يستيقظ أحد من أفراد عائلتك ويعرفوا ما جرى لي))

لفت منال شعرها على كفها لتجرها أرضا هاتفة

((حتى لو فعل ذلك حقًّا، لا بد أنك من دفعتيه أن يفعلها.. إيّاك أن تنكري فقد سبق وكنت على علاقة حب معه عندما كنت مجرد مراهقة خرقاء))

توقفت منال عما تفعله للحظات والدّم يكاد ينفر منها وهي تطالع صدمة ابنتها وتناظر وجهها المغرق بالدموع والكحل الأسود..

أما نجوم فَفُجِعَ وجهها وسكنت للحظة واحدة كأنها نسيت الألم.. فقط لحظة قبل أن تغلي دماء أمها لتقول وهي تجذب رأسها لأعلى في مستواها هادرة

((ما بك صُدمتي؟ هل ظننتني لا أعلم؟ بل كنت محاطة بكل شيء وسكت عن هذا لعلّ وعسى تنجحي في جعله يتزوجك لكنك خائبة كأمك))

وبكل عنف عرْبد بعروق منال رمتها على الأرض..

حاولت نجوم الباكية الاعتدال شبه واقفة لكنها لم تستطع وساقاها لا تحملاها وجسدها يتثاقل لتستسلم وتبرر

((أمي صحيح أني كنت أحبه في الماضي لكني لم أغريه.. بل كيف يمكن لفتاة قاصر في الإعدادية أن تُغري شابا يكبرها بعشر سنوات، هو من كان يخدعني باسم الحب، وأنا نادمة على حبي له الضعيف والساذج ونادمة على تجاوزي حدودي معه، فقد شَوَّهتُ صورة أبي رحمه الله أمامَه))

غمغمت منال بقسوة

((وتتعذرين بحبك له! ليتني دفنتك مع والدك))

للحظة طلّ الكُره من عينيّ نجوم وهي تقول بمهانة

((نعم لقد أحببته بعنف وهو من خدعني، فتركته في حال سبيله لكن في كل مرة كنت أذهب لبيت عائلتك أجده يُحاول التقرب مني مهما حاولت صدَّه لأنه خاطب.. ليفعل بي ما فعله في الأمس))

زعقت بها منال بصوتٍ سقيم

((اسكتي يا بنت لا يهمني إن كان قد انتهكك أو سلمت له نفسك لكن الآن عليه أن يفسخ خطبته ويتزوجك أنتِ.. سأتصل به اليوم وأعلمه بهذا))

غادرت منال الغرفة وانهارت نجوم على الجدار خلفها الذي تتكئ عليه بلا أدنى قوة.. قبل أن تسكن بجلستها اليائسة.. وتهدأ الدنيا من حولها في صمت أسود فلا تسمع إلا أنفاسها الرتيبة الملتهبة..

لامست الجدار البارد بيدها المكدومة ثم استندت عليه لتقف بوهن تحاول الاغتسال والتصرف كأنّ لا شيء حدث متمنية ألا يكون صوتها هي وأمها قبل قليل قد وصل لأحد!

=============================

قسم الشرطة..

مضى على تواجد شيرين محبوسة بحجز قسم الشرطة قرابة العشر ساعات.. كانت حجرة الحجز صغيرة ومكتظة بما يقارب عشرين سجينة يزيد عددهم أو ينقص حسب دخول محتجزات جدد أو نداء الشرطي على أحد الأسماء..

لم تعرف لماذا المحتجزة التي تذهب لا تعود مرة ثانية للحجز.. هل أطلق سراحها أم أُخذت إلى أحد السجون؟

أخذت نفسًا عميقًا يائسًا..

كل أصابع الاتهام موجهة لها هي بدفع طه من الشرفة ودخوله في غيبوبة.. لم يصدق أحد كلامها عن فائق وقد شهد أصدقاؤه وزملاؤه ومن بينهم معتز أنه لم يغادر الكافتيريا ولم يصعد للطابق الذي يتواجد فيه القسم وأنها الوحيدة التي كانت متواجدة به..

هل يعقل أن تلصق التهمة بها وتكمل ما تبقى من حياتها في السجن ظلما!!؟

عند هذه النقطة نبض قلبها بعنف وتسارعت أنفاسها بجنون وبدأ العرق يتصبب من جبينها..

كل جسدها كان ينتفض.. ينعصر.. بل واكتشفت أن دموعًا تسيل على خدّيها.. ولا تجد أمامها إلا أن تُناجي ربها هامسة بتضرّع أن يخلصها من هذا الوضع الظالم الذي وقعت فيه!

رفعت يديها تمسح دموعها ثم استقامت واقفة لتقول بصوتٍ عال ثابت رغم اهتزازه تُلفت انتباه أحد رجال الشرطة

((سبق ودرست المحاماة وأعرف حقوقي جيَّدا.. يحق لي أن أتحدث بمكالمة واحدة على الأقل الآن))

رفع الشرطي حاجبه باستغراب ثم تهكم باستهزاء

((من أي قرن جئت يا امرأة؟ اطلبوا لها الهاتف ولتتحدث بقدر ما تشاء مع من تشاء))

.

.

تنهّد قُصي ببؤس ثم خرج من البنك التجاري وهو يضع يديه في جيبي بنطاله..

بطاقته الائتمانية هذه أيضًا لا تعمل! لقد قام عمه بتعطيل كافة بطاقاته وأصبحت الآن بلا فائدة.. من الجيد أن سيارته هذه مسجلة باسمه وإلّا لسحبها عمّه كما فعل مع الأخريات..

فقد بدا غاضبًا عليه للغاية ويريد الانتقام منه! ووصل به الأمر أن يتصل على كل أصدقائه وأمرهم ألّا يقبلوا مساعدته.. ولم يتجرأ أحد منهم على رفض أمر عمه.. أصدقاء مزيفين..

سحب قصي يده من جيب بنطاله وأخرج حافظته ليزداد البؤس المتجلي على وجهه وهو يدرك أنه لا يملك بمحفظته إلا عشرة دنانير بعد أن أنفق في الأمس مئة دينار إيجار ليلة أحد غرف الفنادق الفخمة التي تطل على بركة ضخمة..

عليه أن يكون أكثر حيطة في إنفاق المبلغ المتبقي معه.. على الأقل حتى يسامحه عمه اللعين ويعود للعيش معه!

تنهد مجددا وهو يتابع الطريق لأحد مطاعمه المفضلة وهناك أنفق على فطوره المعتاد ثمانية دنانير وبقي جالسًا يفكر في معضلته.. كيف سيعيش بالدينارين المتبقيين دون الحاجة للتسّول أمام أحد المساجد!

تخلل قصي شعره الناعم بأصابعٍ حادة كادت أن تقتلعه قبل أن يتصاعد رنين هاتفه..

رفع الهاتف وكَسَاه الاستغراب عندما طالع الرقم لكنه أجاب عليه.. وعندما جاءه صوت شيرين عقد حاجبيه متسائلا

((هذه أنتِ يا شيرين؟ هل حدث أي شيء مع سهر؟))

قالت شيرين بينما الدّموع الحارة تنحدر من عينيها

((لا بل هو أمر متعلق بي.. لم أجد غيرك للاتصال به وسهر لا تعرف شيئا.. أنا في النيابة ومتهمة بالتسبب بحادث في الشركة.. وقد أسجن قريبا))

هتف بها متسائلًا باستهجان

((حادث!؟ كيف هذا؟ هل مثلا ضربت موظفا أم شتمته؟ ما هي التهمة؟))

أجابته بصوتٍ متهدج

((دفْع طه من شرفة الشركة وإدخاله في غيبوبة))

كادت أن تخرج عيناه من محجريهما وهو يهتف عاليًا

((ماذا!؟ ولم قد تفعلين هذا؟ ما الذي قد يفعله طه أو أي موظف آخر ليستحق منك أن تدفعيه من شرفة الشركة؟ هل تأخر ساعة أو ساعتين عن العمل؟ هل قصَّر في مهامه؟ هل نتائج تقييمه كانت مزرية؟ حتى لو شتم عميل وتسبب بإغلاق قسم كامل كما فعلت أنا فلا يستحق منك ذلك))

كانت شرين في المحتجز تحوم بعينين حمراوين خائفتين في المكان.. قبل أن تغرورقا بالدموع والألم يتسارع بوتيرة فائقة.. قالت بينما تهز ساقها بتوتر مستفحل

((اخرس يا قُصي قد يسمعك أحد ممن حولي ويصدق الأمر! أنا لم أدفعه.. بل أحد زملائك والمدعو فائق من قام بدفع طه من الشرفة لكنه هرب، وبما أني كنت من دخلت الشرفة في نفس الوقت كنت المتهمة الأولى بل والأنكى أني كنت الوحيدة التي اقتربت من جسد طه ولمستُ ملابسه وبصماتي تعم موقع الجريمة.. عليك أن تُعيّن لي محامي وبمجرد خروجي من السّجن سأتفاهم معك))

لفَّ التوتر قصي إلا أنه قال مطمئنًا

((حسنا شيرين اهدئي ولا داعي للقلق سأتصل بيوسف الآن.. إلى اللقاء))

وفي لحظات كان يطلب رقما آخر ليأتيه الرد المتوتر بتوسل مندفع

((مرحبا سيد قصي أرجوك لا تطلب مني أن اُحول أي نقودٍ لك، لقد كان السيد فارس صارمًا عندما أمرني بعدم الردَّ على اتصالاتك أو مدك بأيّ مساعدة مالية بعد أن طردك ولو خالفتُ تعليماته..))

قاطعه قُصي بحدة

((اخرس، اخرس، اخرس يا يوسف وخذ نفسًا على الأقل قبل أن تنهار باكيًا كالنساء، لا أصدق كيف لشخص مثلك وبهذا العُمر أن يتولى منصبًا كبيرًا في شركة القاني.. من مصلحتك أن تكون شخصيتك أمامهم غامضة حتى لا يعرفوا ضُعفك المخزي وحقيقتك الهشَّة))

صمت قصي للحظات يلتقط أنفاسه ثم هتف بعنف

((على كل حال دعنا ندخل لصُلب الموضوع، أريد منك أن تُعيّن بنفسك محامي لشيرين.. سَبَق وكانت في منصب مشرفة في قسم الموقع الإلكتروني قبل أن يُسحب من شركتنا.. إنها مُتهمة بدفع أحدهم من الشرفة رغم أنها بريئة))

أخذ الأمر من يوسف لحظات قبل أن يعلق

((شيرين؟ الجميع يعرف بحادثة الشرفة فقد انتشرت بسرعة كسرعة انتشار الهشيم على الصفيح لكن السيد فارس طلب مني ألا أتدخل في هذا الأمر أبدًا وعيّن فريقا متخصصا لتولي الأمر بطريقة لا تُسيء لشركة القاني.. أنتَ تعرف أن الخروج لهذه الشرفات ممنوع فقد سبق وانتحر أحد الموظفين قبل سنوات طويلة وأشاعوا أن سبب انتحاره هو رواتب الشركة السيئة وضغط العمل فيها))

أغمض قصي عينيه وهو يقول بخفوت

((بعد أن عملتُ في الشركة أنا متأكد أنها ليست مجرد إشاعات.. لكن هذا الكلام ليس وقته الآن.. أريد منك مساعدتها))

تنهد يوسف قبل أن يقول بصوتٍ تكتنفه الجدية

((لأصارحك يا قُصي رغم أني لم أحاول التدخل بما حدث لكن الحادثة مريبة جدًّا.. حتى أن كاميرات المراقبة لا تعمل.. هناك أحد له سُلطة في الشركة عرف كيف يخترق النظام ويعطّلهم! كأن جريمة دفع طه كانت متعمدة))

شددَّ قصي على كلماته وهو يقول بتأكيد

((يوسف لا يهمني كل هذا، عليك أن تنتشل شيرين من هذه التهمة فهي بريئة..))

قاطعه يوسف المتوتر مستنكرًا

((إذا كانت بريئة دعْ التحقيقات تأخذ مجراها وبالتأكيد سيخلون سبيلها))

هتف قصي به باحتدام

((يوسف فقط قم بتعيين محاميًا محترفًا له اسمه من أجلها، أفهمت؟))

تنهد يوسف مجددا ببؤس ثم قال خاضعًا

((حسنا يا سيد قصي))

=============================

في مزارع الحاج يعقوب الكانز..

أبطأ مَازن الذي كان يتنزه في المزرعة القريبة من القصر خطواته ليُوازي سير ياسمين.. ثم التصق بجانبها وأمسك بساعدها يشدُ عليه رغم حنقها ليقول بمرح وحب ظاهري

((أنا سعيد يا ياسو أنك قبلتي التنزه معنا بما أنك ترفضين الخروج لإحدى المولات التجارية))

التفتت ياسمين للخلف تطالع بوجهها المتجّهم ابنتها الصغيرة هدى تقفز وتستمتع بوقتها بين الزهور والعشب ثم قالت

((أخبرك للمرة العاشرة.. لو لم تصر عليّ هدى للخروج الآن لما وافقت على التنزه معك هنا، فهي معتادة أن يُخرجها عمها مُؤيد بين الحين والآخر لكنه الآن بالمشفى))

رسم مَازن ملامح الجدية التي لا تليق به وقال بعزم

((من الآن فلتنسى عمّها مُؤيد كليًا، فأنا من سأتكفل بمسألة التّرفيه عنها وعن أمها))

ازداد عبوسها فمال مَازن برأسه يستنشق عطرها كمدمن محروم مغمغمًا

((بالمناسبة كنت أريد أن أسألك ما نوع هذا العطر الذي تضعينه فرائحته زكية جدًّا))

أخذ مَازن شهيقا طويلًا محملا برائحتها الممزوجة برائحة العطر.. فعقدت حاجبيها باستياء وصدته قائلة

((أنا لا أضع عطورا برائحة قوية لكن رششت منه قليلا لأننا سنخرج وحيدين في المزرعة.. ابتعد عني يا مَازن))

لكن بصلابة وثبات ظلَّ مَازن مكانه يدفن رأسه في عنقها يستنشق نعيم عطرها الذي أخذ بالتغلغل داخل ثنايا قلبه..

كاد أن يشعر بضلوع صدره تتمزق من شدة خفقان فؤاده الملهوف على هذه الرائحة الجميلة..

بالتأكيد الأمر ليس متعلقًا بياسمين فلا يمكنه أن يحب لوح ثلج مثلها.. إنما الأمر أنه بحاجة لامرأة مهما كانت في حياته.. فهمس بصوتٍ أجش من الرغبة

((لا تتوقفي عن وضع هذا العطر يا ياسو الحبيبة))

قالت ياسمين من بين أسنانها المطبقة بغيظ تفشل في كبحه

((أما أنتَ فتوقف عن استنشاقي يا مَازن كالكلاب البوليسية وابتعد عني، ابتعد يا مَازن))

لم يبتعد مَازن عنها إلا عندما صدح صوت هدى التي كانت مشغولة بتجميع الأزهار عنهما وهي تشير بإبهامها مستدعية انتباه والديها

((هل هذا بيت أسمنت الذي هناك؟))

التفتت ياسمين خلفها نحو بيت الأسمنت مما جعل خصلة تشرد من وشاحها من الخلف..

رفرف مَازن بعينيه وهو يناظر خصلة ياسمين البنّية بانشداه.. ثم سرعان ما قال لابنته وهو يشد ياسمين ويسير بها نحو بيت الأسمنت

((هدى العبي مكانك قليلا وإيَّاك، إيَّاك أن تدخلي هنا مهما يحدث فأنا أريد أمك في موضوع مهم في داخل بيت الأسمنت))

عسر على ياسمين فهم مَازن الذي يجرها لداخل البيت الأسمنتي الصغير وهتفت عاليا

((يدي يا مَازن، أنتَ تؤلمني.. ما الذي تريده مني!؟))

توترت ملامح ياسمين وهي تجده يغلق الباب عليهما والظلام الدامس يعمُ من حولهما.. ولولا الضوء المتسرب من النافذة الصغيرة العلوية والتي تسمح بنورها لهما برؤية وجهيْ بعضهما لصرخت به فكل شيء يمكن أن تتقبله إلا الظلام!

أيقظها مَازن من دوامة تفكيرها على نظراته التي يطالعها بها..

خضرة عينيه تفيض بالرَّغبة والتوق الدفين لقربها..

تحرك جسده عنوةً متعنتًا على أوامر العقل الذي يخبره أن الوقت والمكان غير مناسبين لما يفكر به..

مدّ ذراعيه على الحائط خلفها يحاصرها قبل أن يضمها ويدفن رأسه في حجابها الملفوف بينما يلامس بأنامله تلك الخصلة الشاردة..

تشنّج جسدها وسرعان ما هتفت وهي تدفعه من صدره عنها بعنف

((ابتعد، ماذا تفعل الآن يا مَازن؟ قد تدخل هدى علينا))

همهم لها مَازن بصوتٍ أبح وسبابته تمرّ بعبث على ملامحها الناعمة

((إنها مشغولة بأزهارها، لا تقلقي))

رشقته ياسمين بسخط، فقال بينما يصوب نظره على تلك الخصلة الشاردة

((خصلة شعرك الجميلة خرجت من وشاحك.. سأعيدها وأعقصها حتى لا تخرج مرة أخرى))

غمغمت به بازدراء

((يا إلهي أنتَ مجنون حقا! لم أرّ رجل مهووس بشعر امرأة مثلك، ابتعد عني))

لكن مَازن عاد يتنفس عطرها بشجن تلّبس قلبه.. ويستنشق ملئ رئتيه ثم يغرق بين طيات شعرها ليقول

((لطالما كنت أرى أن أجمل ما في المرأة شعرها.. لكن لم أكن مهووسا قبل أن أرى شعرك أنتِ))

ارتعبت ياسمين قليلا وهي تشعر بجسدها يرتفع عن الأرض، همست وعيناها على باب غرفة الأسمنت تغيم بلمعانٍ من الدموع خوفا من أن يفتحه أحد

((أرجوك ليس الآن))

لم يرد عليها فحاولت مجددا الابتعاد عنه بأنامل مرتجفة ليردع مَازن كل محاولاتها.. فكّ أزرار قميصه ثم خلعه..

هنا احتدت شراسة مقاومة ياسمين له وهي تدفعه عنها قبل أن تشعر به يرفع يدها بصلابة نحو فمه وكالذئب يعضها وبشيء من القوة..

تكدّست الدموع بمقلتيها بوجع وهي تحدق بملامح وجهه المستمتعة ويدها التي تأسرها أسنانه بينما يحررها من عباءتها..

انتفض قلبها وخفتت مقاومتها ولم تتمكن سوى من الاستسلام له بكل طواعية لتوقه وشغفه..

وتحقق ما كانت ياسمين تنبهه عليه طوال الوقت عندما فُتح باب غرفة الأسمنت بقوة عليهما..

شهق كل منهما بقوة نحو الباب الذي طلَّ منه الحاج يعقوب والشياطين تتراقص أمامه هادرًا بصدمة

((مَازن! مَازن أنتَ هنا!))

هرعت ياسمين لزاوية الغرفة تنكمش على نفسها وترفع العباءة تستر بها نفسها وشعرها بينما تمردت دمعاتها الحبيسة لتهطل على وجهها المخضّب بالإحراج والخزي..

صرخ يعقوب الذي لم يكن قد استوعب ما يجري إلا منذ ثواني

((أيها الفاجر ما الذي تفعله هنا معها؟))

بهُت وجه مَازن قليلا وهو يرى والده يقف مقابله وكان لا زال مشتت العقل ومتلبك الجسد من منظره هكذا.. وزع نظره هنا وهناك لعله يجد قميصه ويواري به عري صدره بينما يتلعثم مرتبكا

((أبي.. لا الأمر ليس كما تتوقعه..))

قاطعه أباه الذي اقترب منه بغتة يمسكه من كتفيه، يهزه بعنف ويصرخ به هادرًا

((اخرس أيها الفاسق ما الذي قد يبرر قذاراتك هذه التي أراها بأم عيني مع هذه الفاجرة!))

اتسعت عينا مَازن بصدمة تكتسحه وهو يرى والده يشير بيده نحو ياسمين الباكية فقال معارضًا باحتدام

((أبي لا تتحدث بهذا الشكل، إنها زوجتي))

شعر مَازن بذراعيه تنخلعان من مكانيهما من قوة لم يفقدها والده الذي يمسكهما بينما يغمغم بلا تصديق

((زوجتك؟))

حاول مَازن إبعاد ذراعي والده عنه برفق بينما يجيبه بقهر من هذا الموقف الذي وضع به

((نعم يا أبي أقسم أنها زوجتي))

إن كان مَازن يظن أن والده سيهدأ فقد أخطأ وهو يشاهد هيجان شياطينه يزداد بينما يصرخ عليه

((تزوجت على ياسمين؟ أيها النذل تزوجت عليها؟ ألم تتوسل لي أن أسمح لك بالبقاء هنا من أجلها هي وابنتك؟))

صمت يعقوب قليلا وشحب وجهه ليردف بصوتٍ يرتجف غضبا رغم انخفاضه

((إيَّاك، إيَّاك أن تقول لي أنك كنت متزوجا منها بالسر منذ أن كنت بالغربة وجلبتها بالخفية معك.. تحدث، تحدث وقل شيئا يا مَازن))

جحُظت عينا مَازن وتصّلبت ملامحه قبل أن يقول مستهجنا وهو يشير إلى تلك التي تجهش ببكاء مكتوم وصدرها يختنق بالشهقات

((إنها زوجتي ياسمين يا أبي.. زوجتي أم هدى..))

تمتم يعقوب بعينين متسعتين صدمة

((مــ.. ما.. ما الذي تقوله؟ هل هذه أنتِ يا ياسمين!؟))

لم يرَ مَازن والده المهيب الشامخ يومًا بهذا الارتباك والإحراج بينما تقول ياسمين بوجهها المحمر من البكاء وقد منعها الحياء من الاسترسال في الشرح

((إن.. إنه.. هذا أنا يا عمي.. يا ياسـمين))

لم تتحمل ياسمين أن تبقى على تماسك صوتها المتذبذب فتصاعد صوت بكائها المكتوم ليصدح عاليَّا قبل أن تنهض وتلتقط حجابها الذي خلعه مَازن منها وتضعه على رأسها كيفما كان وتخرج من الغرفة ودموعها لا تتوقف..

غادر يعقوب الغرفة مغمغا

((أستغفر الله العظيم.. أستغفرك يا ربي))

التقط مَازن قميصه وستر جسده بينما يخرج من الغرفة الأسمنتية ليجد والده يهتاج عليه هاتفا وهو يرفع سبابته

((إيَّاك أن تفتح فمك وتلمني على سوء ظني فأنتَ من جلبته لنفسك، ليست أول مرة تكون في موضع شبهات ولك الكثير من السوابق، لا مرة ولا اثنتين بل أكثر..))

ثم أردف بازدراء كمن يحدث نفسه

((لا أصدق أني في لحظة من اللحظات ذممت مَالك وفضلتك عليه! على الأقل مَالك له احترامه.. أبدًا لم يكن عابثا مثلك ومحبا للهو، سمعته كقطعة ألماس لا تطالها خدش كلمة))

تجلى الاستياء على ملامح مَازن مدمدمًا

((أبي ما الحاجة لذكر موضوع المقارنة هذه الآن!؟))

صرخ يعقوب به باحتدام

((ضاقت عليك الدنيا فلم تجد مكانا تفعل به أفعال الأزواج إلا هنا؟ ماذا لو كان أحدا غيري هو من فتح الباب وناظركم بهذا الشكل!؟))

غمغم مَازن بحنق ولامبالاة

((وما الذي قد يدفع أي شخص لفتح باب بيت الأسمنت بشكل مفاجئ كما فعلت أنتَ يا أبي؟))

فتح يعقوب شفتيه وأغلقهما وشياطينه تحلق فوق رأسه وتحرضه أن يضرب هذا التافه الذي أمامه.. لكنه تمَالك نفسه مجيبا

((قد يدفعه ما دفعني أنا، نبهني أحد العمال أنه رأى طفلة صغيرة تتنزه وحيدة، ولو لم أتعرف على هدى وآتي بنفسي لكان هو من جاء وسمع صوت الجلبة في البيت الإسمنتيّ وفتحه))

ازداد نشيج هدى التي كانت تتابع الموقف حتى استحال لبكاء.. بكاء لبكاء أمها وهي لا تعلم السبب..

فأشار مَازن لابنته التي توجه لها وقال ممتعضا

((أبي انظر كيف بدأت هدى تبكي، لقد تسببت بجعل ياسمين تبكي أيضًا))

استجاب مَازن لطوفان من المشاعر الذي شعر به وهو يرى ابنته تبكي لأول مرة فاقترب منها وضمها بعناق لطيف حتى استكانت..

ناظر يعقوب كنته ثم وبخها بلهجة قاسية

((ولدي عابث وغير مسؤول وأنا أدرى الناس به يا ياسمين لكن أنتِ العاقلة خاب ظني بك كثيرًا، وهل أي مكان يصلح أن تستجيبي فيه لرغباته؟ ألم تستطيعي إخباره أن ينتظر عشرة دقائق مسافة الطريق نحو القصر؟))

وبنفس الملامح المشمئزة استدار يعقوب يتجاوزهما مبتعدا..

بالكاد حافظت ياسمين على توازنها وبدأت تهرول باتجاه معاكس للحاج يعقوب.. باتجاه القصر..

ومَازن الذي يحمل هدى يسير خلفها هاتفا بتحذير وقلق

((لا تركضي حتى لا تقعي أرضا))

وبمجرد أن وصلا لجناحهما حتى اندفعت للداخل أما مَازن فانخفض أرضا يضع هدى بينما يسمع ياسمين تقرعه وهي تقف أمامه مواجهة

((هل أعجبك الموقف المخزي الذي وضعتنا به بسبب عدم قدرتك على كبت لجام نفسك؟ ألم أقل لك أن تتوقف خوفًا من أن يأتي أحد ويرانا؟))

انفلت الكره الذي تحمله ياسمين في داخلها لتجد نفسها ترفع يدها وتهبط بها على وجنته بكل ما تملك من قوة جسدية رغم أنها لم تؤثر به شيئا..

أظلمت عينَا مَازن وقام بصفع وجنتها كردة فعل تلقائية وعفوية.. ورغم أنه لم يودع أي شيء من قوته في يده إلا أنه ألمها إلى الحد الذي جعل وجهها يتحرك للجانب الآخر وقد ترك احمرارًا شديدًا للغاية مكان الصفعة.. هتف مَازن بها بغضب مشتعل بينما يقف باعتداد

((أخطأتُ وانتهى الأمر، لم يكن عليك تجاوز حدودك معي بهذا الشكل أمام ابنتي!))

اتخذ الأمر ثوان طويلة من ياسمين حتى تيقظت لما فعله فاتسعت عيناها مرتجفة تشهد على غضبه لأول مرة بحياتها ثم سالت دموعها بقهر بالغ..

شهقت هدى بوجهها الأحمر عاليا قبل أن تعاود الدموع التجمع في عينيها لتهتف وهي تضرب مَازن بساقه

((لقد ضربت أمي، لقد ضربتها، أنا أكرهك.. أكرهك.. هيا غادر من هنا))

كانت هدى تضرب ساقه بكل قوتها وتحاول جرَّه للخارج مما جعل مَازن يخفض رأسه لها هاتفًا بصرامة وعنف لم تره سابقا منه

((توقفي يا هدى))

تقوست شفتا هدى التي تركته مذعورة فشدتها ياسمين نحوها ثم انخفضت على مستواها تعانق ابنتها وجسدها ينتفض..

لامست هدى وجنة أمها المحمرة تطبطب فوقها متسائلة بصوتها الطفولي المرتجف

((أمي هل تؤلمك كثيرًا؟))

أمعن مَازن النظر في وجه ياسمين ليجدها متورمة وتنزف كأنه ضربها بيد من حديد.. فأخفض بصره إلى راحة يده.. ورغم أن أصابعه الرجولية لم تكن غليظة إلا أن إحداها كان محاطا بخاتم فضي كبير تسبب لها بهذا النزف..

رقت ملامحه وانطفأت جذوة الغضب التي أذهبت بعقله ليبقى الندم على عدم إمساكه لنفسه وصفعها بهذا الشكل! فقال بصوتٍ جعله خشنا يواري فيه قلقه وهو ينخفض إلى مستواهما

((دعيني أرى جانب خدَّك يا ياسمين))

صاحت هدى به بما يعتمل بصدرها من قهر على أمها رادعة والدموع تجري على وجنتيها أنهارا

((ابتعد عنها نحن نكرهك ولا نريد قربك، عد للخارج من حيث جئت))

شدَّت هدى شعره الأملس بيدها الصغيرة الغضة وبصعوبة استطاع مَازن أن يحرر شعره منها وهو يهتف باستنكار

((هل أنتِ عمياء يا بنت؟ ألم تصفعني أمك أولا؟))

ثم أشار إلى ياسمين هاتفًا

((هيا شدي شعرها كما فعلتي معي))

ضيقت هدى عينيها وهي تقول بوعيد

((سأخبر جدي عما فعلته بها))

ما إن همَّت هدى بالابتعاد حتى قبض مَازن على ذراعها يشدها نحوه لترتطم بصدره ويصرخ بها

((إياكِ يا هدى أن يصل ما حدث لجدك))

انتفض جسد هدى قليلا عندما صرخ بها وهي التي لم يسبق وأن صرخ أحد بها من قبل، لكنها تحلت ببعض الشجاعة وهي تعانده بسفور

((بل سأخبره))

أظلمت خضرة عينا مَازن وهو يرفع سبابته ويلوح بها بتحذير

((سأقطع لسانك لو أخبرتِ جدك، أنتِ لم تعودي صغيرة))

هتفت ياسمين بابنتها بحزم وهي تنتزعها من قبضة مَازن

((اسكتي يا هدى ولا تستفزيه أكثر.. آه))

تأوهت ياسمين ألمًا شاعرة كأن سكاكين تغرز بباطن فمها.. وفي غمرة ألمها لم تشعر بمَازن يحمل جسدها المرتعش بين ذراعيه واضعا إيّاها على السرير برفق تام وهو يسمع تأوهاتها الخافتة المكتومة التي تحاول ألا تخرجها..

ازدرد مَازن ريقه قبل أن يخرج ويعود بعد دقائق ممسكا بكيس من الثلج.. اقترب من ياسمين التي كانت متمددة على السرير وتحتضن ابنتها.. ثم حاول وضع الكيس فوق وجنتها إلا أن ياسمين نفضته عنها هاتفة باحتدام

((ابتعد عني))

طفح الذنب على وجهه وهو يناظر وجنتها ذات اللون القرمزي الداكن إلا أنه قال بصوتٍ باطنه الرّجاء

((دعيني فقط أضع الثلج على وجنتك، هذا ليس وقت العناد، ستتحسن كثيرًا))

هتفت به بقهر يتشعشع في داخلها

((لا تتصرف كأنك تهتم بي.. اليد التي تضرب لا يمكن أن تكون هي نفسها من تطبطب))

احتقن وجه مَازن بغضب متقد وبحركة مباغتة فجائية حاول اجتذابها نحو صدره بقوة رغم اعتراضاتها الواهنة والتي سرعان ما أضحت أكثر قوة ونفورا منه وهي تصرخ به أن يبتعد عنها.. فهمهم لها

((أنا آسف يا ياسو لم أكن أقصد))

لكنها استمرت تضرب صدره بقوة تحاول إبعاده عنها هاتفة بصوتٍ يقطر كرها

((ابتعد.. ابتعد.. اتركني.. إذا لم تتركني سأصرخ بأعلى صوتي))

شددّ مَازن من ذراعيه حولها يزيد بقوة من احتضانها علّها تستسلم عندما تشعر بالإنهاك لكنها استمرت بلا هوادة بدفعه عنها حتى ابتعد أخيرًا مستجيبا لها..

ناول كيس الثلج لهدى يأمرها بصوتٍ مجهد وعينين زائغتين

((ضعي يا هدى الثلج على وجنة أمك حتى تتحسن))

أوصد مَازن الباب خلفه مقررا النوم في الخارج في حين احتضنت ياسمين ابنتها غامرة وجهها بها تكتم شهقاتها.. تشعر بدموعها المنزلقة على وجنتها المصفوعة كالمادة الكاوية تسبب لها ألما مبرحا..

لتشعر بكف صغيرة غضّة تتلمس وجهها قبل أن تضع كيس الثلج فوقها..

قبلت هدى وجنة أمها برفق شديد تسبب بتأوه ياسمين التي ابتسمت بوهن لها ثم أخذت بكفّها عن وجهها تقبله بلطف..

=============================

بعد أيام.. في السجن..

بمجرد أن وضعت أصابع الاتهام على شيرين وقد تم نقلها مقيدة إلى أقرب مركز أمني ثم إلى مديرية الأمن صاحبة الاختصاص من أجل أخذ بصمات الأصابع والعيون..

وبعد طول انتظار داخل القفص في المركز الأمني تم اقتيادها مقيدة إلى سيارة الزنزانة والتي لم تكن تصلح لنقل الدواجن ولا المواشي فهي عبارة عن صندوق حديدي مغلق من جميع الجهات بشباك حديدي صغير مغطى بشبكة لا تسمح حتى بدخول الهواء..

بمجرد أن وصلت بوابة السجن الرئيسية تم اعتبارها مجرمة حقيرة لا يليق التعامل معها كإنسانة.. رغم أنها لا تزال موقوفة ولم تجرِ محاكمتها ولم تدان بعد..

اصطفت في طابور نحو غرفة التفتيش والتي تجردت فيها بكل احتقار من معظم ملابسها لفحصها بالأشعة..

تم تسليم كل ملابسها المدنية إلى أمانات السجن بعد وضعها في ماكينة الفحص..

ثم وضعوها في غرفة الإدخال والتي يتوجد بها عشر أسرة مزدوجة أرضي وعلوي وكان يتواجد فيها أكثر من خمسين نزيلة..

لكن تحسن الوضع لاحقا عندما تم نقلها إلى عنبر آخر لم يكن فيه أكثر من خمس نزيلات..

فزفرت نفسا عميقا ببؤس ثم طالعت المكان المقفر بعينيها.. رباه.. هل يعقل أنها هنا منذ أيام!

=============================

سجن النساء..

جاء موعد الزيارة بالنسبة لشيرين وتوقعت أنه قصي فهو الرجل الوحيد الذي يعلم بما حصل لها بجانب أخوالها.. بجانب سهر التي لم تكن تريد منها أن تعلم شيئا لكن اختفائها المريب جعلها تسأل بعض زملائها وأصدقائها في الشركة قبل أن تصل للحقيقة المفجعة..

جلست شيرين منكسة الوجه على المكان المخصص للزيارات ثم أطلقت تنهيدة طويلة قبل أن يقع نظرها على الشخص الذي يجلس مقابلها خلف الزجاج عينين غائرتين مظللتين بهالاتٍ مزعجة.. وما إن أدركت هوية الشخص الذي يقابلها حتى اتسعت عيناها وهي تردد ذاهلة

((وليد!؟ هذا أنتَ!؟ أنتَ آخر من توقعت رؤيته!))

تشدق وليد بتهكم قاتم

((كنت أظن أنك ستكملين الجملة "وأنت آخر من أود رؤيته في هذه اللحظة" لكن الفرحة التي أراها الآن على وجهك لرؤيتي لا تثمن))

نظرت إليه بعينين عاجزتين وهي تهز رأسها بعذاب ثم همست بصوت مُجهد

((وليد هذا ليس الوقت المناسب لكلامك، أنتَ تعرف ما حلًّ بي صحيح؟))

ارتفع حاجبا وليد وهو يقول ببطء

((نعم عرفت أن النيابة زجّت بك خلف القضبان بعدما عجزتِ أن تظهري براءتك في الاستجواب))

عقبت شيرين بصوتٍ خافت مرتجف

((لقد قرروا أن يستمروا بسلب حريتي وتوقيفي دون أمر قضائي بعد أن توافرت دلائل كافية على اتهامي بارتكاب تلك الجريمة خاصة وأن طه لا زال في غيبوبة غير معلوم أجلها))

صمت وليد لحظة وبدأ يتأملها ورغم كل الإنهاك البادي على وجهها إلا أنه أراد أن يشبع هذا الشوق العارم في داخله.. نعم لقد لسماع صوتها المحبب لقلبه.. اشتاق للتمعن بملامح وجهها الزاهي الذي فقد الآن حيويته.. اشتاق لعينيها اللتان بدتا كأنهما لم تتذوقا طعم النوم للحظة خلال ليالي مضنية سابقة، بل حتى أن عينيها الذابلتين بدتا مختلفتين لأنها لا تضع الكحلة الثقيلة التي كانت من طقوسها الدائمة.. فهي تضع الكحلة في كل الأوقات.. في أي ساعة وأينما تريد الذهاب.. وتراه جزءً مهما جدًا مـن جمال عينيها.. فقال أخيرا بصوتٍ فاتر

((رغم يقيني من براءتك لكن رجحان ارتكابك لتلك الحادثة هو احتمال حقيقي حتى لو كان لا يرتقي الى رتبة الاحتمال المنبثق عن الأدلة، ولا أدري كم سنة سيطول أمر بقائك هنا، لكن يجب التحفظ عليك والبقاء في السجن هنا احتياطيا خشية صدور حكم الإدانة ضدك))

أغمضت عينيها للحظات غير قادرة على الرد بعجزٍ قبل أن تقول بصوتٍ مهتز

((غير صحيح أنا متأكدة أن مدة توقيفي لن تزيد عن ستة أشهر وبعدها سيتم الإخلاء عني..))

قاطعها ببرود وملامح جامدة

((وربما يتم إحالتك للمحكمة المختصة لمحاكمتك بإصدار قرار بتجديد التوقيف لأكثر من ستة أشهر))

راقبها وهي تزدرد لعابها بصعوبةٍ تومئ برأسها دون كلام مما جعله يزم شفتيه برضا عن إتلاف أعصابها وقتل أي أمل فيها ليقول بعد فترة صمت بحذر

((شيرين في الحقيقة جئت لأخبرك أني استطعت حفظ واستخراج ذلك الفيديو على الأنترنت الذي وُثق من خلاله حديثي معك عندما وقع الموظف طه من الشرفة))

تدريجيا أشرق وجهها وهي تتساءل بأمل

((ما الذي تقصده؟))

قال لها ببساطة وهو يتململ بجلسته

((ألم أكن أتحدث معك بمكالمة صوتية ومرئية أثناء وقوع ذلك الحادث؟ الفيديو الذي قمت بحفظه يثبت أنك كنت تتحدثين معي أنا وجمان عندما كنت في داخل مكتبك حينما قام أحدهم بدفع طه من الشرفة، كما يثبت أنك عندما دخلتي تلك الشرفة خرج منها شخص يدعى فائق تحدث معك))

بدأ صدر شيرين يعلو وينخفض فرحًا بالفرج قبل أن تقول بارتجاف صوتها وهي تومئ له وقد تذكرت آخر ما حدث معها قبل تلك الحادثة المشؤومة

((صحيح.. نعم صحيح، نعم فائق، فائق.. هو فائق الذي قام بدفع طه لا أنا.. لكنه أنكر تواجده هناك وشهد أصدقاؤه وزملاء معه من بينهم معتز طول فترة الحادثة ولم تجد الشرطة أي تطابق بين بصماته وبصمات الأصابع على ملابس وجلد طه))

شقّ فاهه عن ابتسامة متلاعبة وهو يقول

((لا تقلقي يا كحيلة العينين الفيديو الذي امتلكه هو دليل قوي كما ستكون شهادتي أنا وجمان لصالحك))

سقطت دموع شيرين أنهارا وهي تستبشر

((كنت واثقة أن ظهور براءتي لن يطول فالله لا يخذل محتاج يناجيه))

أظلمت عينا وليد للحظة ثم قال بنبرة ذات مغزى

((ولكن هناك مشكلة قد تمنعني من إبداء شهادتي والدليل الذي أمتلكه))

تخشَّبت ملامح شيرين ليكمل وليد

((لقد سبق ورفعتي عليّ طلب الطلاق، لذا لا يعقل أن أحاول إخراجك من هنا لتستكملي إجراءًت خلعك لي))

اكتسحها غضب لتقول من بين أسنانها

((وليد هذا ليس وقتا مناسبًا لدناءتك، حررني من سجني أولا ثم لكل حادث حديث))

وضع وليد عينيه في عينيها وهو يقول ببرود

((شيرين سأقدم لك عرض الأحلام بما أن إنتقامي منك انتهى وأشعر أننا متعادلان، تنازلي عن دعوى خُلعك لي، تعهدي أمامي بأننا سنعود زوجين طبيعيين محبين كما كان يجب أن يحدث في الماضي.. بالإضافة إلى تسجيل كل شبر من ممتلكاتك ورصيدك البنكي بإسمي لأضمن أنك لن تتراجعي عن العهد الذي ستقطعينه وبعدها لن أتوانى ولو لدقيقة عن إخراجك من هنا))

احتقن وجهها بغضب متصاعد وتقبضت يديها وهي تقول

((أيها الشيطان هل صور لك خيالك الواسع المريض أن جنوني قد يصل إلى الحد الذي يدفعني أن أوافق أو أقبل على نفسي ولو واحدًا من شروطك هذه!؟ سبق وأعطيتك فرصة ثانية وتزوجت منك ليس من أجل والد سهر وحسب بل لأني ظننت أنني سأجد معك حياة زوجية مقبولة في ظل قلة الفرص وندمت، ولن أخوض غمار هذه التجربة مرة أخرى))

أغمضت عينيها متأوهة غير قادرة على السيطرة على حدة انفعالاتها المؤلمة أكثر.. تنهد وليد ثم سألها بهدوء شاعرًا بالتعاطف إزاء قرب انهيارها النفسي الواضح

((للمرة الأخيرة، اختاري السجن أو الشيطان العاشق الذي أمامك والذي سيجعلك تحبينه بقلب الفتاة العشرينية التي كنتيها))

قالت بشبه هيستيريا جذبت انتباه الشرطية التي كانت تقف جانبا

((لن أختارك مهما حدث، أغرب عن وجهي قبل أن أقتلك))

هز وليد كتفيه ثم قال

((على ما يبدو ستبقين طويلًا على ذمة التحقيق وستُودعين ليالٍ طويلة السجن..))

رفع يده ملوحا ببرود مستفز ثم غادر مبتعدا عنها تاركا إياها تحترق مكانها قبل أن يتوقف فجأة ويقول ملتفتا لها

((بالمناسبة.. ليس وليد الكانز من ترفع زوجته قضية خلع عليه.. شيرين.. أنتِ طالق))

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...