الفصل 71 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وسبعون 71 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
13
كلمة
8,883
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

الفصل الثلاثون

أوصد قُصي الباب خلفه منقبض الصدر ومنكمش المعدة.. تقدم للأمام وكاد يتعثر بأحد الكراسي لولا سهر التي سارعت تدعمه بذراعها وتمسك به للحظة حتى يثبت ويتوازن في وقفته.. لتسأله باقتضاب وهي تنقل عينيها بينه وبين الباب

((ما بك؟ ماذا يفعل نور بالداخل؟))

في هذه اللحظة خرج نور من الغرفة منكس الرأس وقد عاد يرتدي ملابسه القديمة ليقول بوجه مثقل بالذَّنب

((أنا آسف يا سهر لم أقصد أن ألبس ما يخصك من ملابس دون أخذ إذنك))

تناولت سهر منه الكيس الذي يحتوي أغراضها بفظاظة وراقبته بازدراء وهو يسير ببطء نحو خارج المطعم بخطوات مثقلة.. لكن استوقفه صوت قًّصي المتأجج بالغضب

((لحظة يا نور! تعالي هنا وأخبريني لماذا لم تقولي بأنك فتاة من البداية؟))

فغرت سهر شفتيها وعسر عليها أن تتفوه بكلمة وكأنما انعقد لسانها أما نور فاستدارت على الفور لقصي تقول مذعورة باضطراب

((غير صحيح!، غير صحيح!))

زوى قُصي ما بين حاجباه دانيا منها ثم قال بخشونة

((لقد رأيتك وأنتِ ترتدين قميصا عاري الأكمام ولست أحمقا إلى الحد الذي لا أميز فيه جسد الأنثى عن الذكر))

كانت لا تزال الصدمة تلف سهر فاندفعت بلا وعي منها نحو نور تفتح قميصها مما جعل الأخرى تصرخ وهي تدفعها عنها بقوة

((ابتعدي يا سهر، ماذا تزيلين عني!؟))

أطلقت سهر شهقة مدوية وهي ترفرف بعينيها وتناظر نور بطريقة غير منطقية قبل أن تضع يدها على صدرها هاتفة

((لن أقسم لكن كنت أشك بذلك أيضًا، أحيانا تحتلين عقلي بصورة فتاة، لماذا كذبتِ بجنسك!))

عندما رأت نور نظرات الشّك والتوجس موجهة نحوها من الاثنين انتفضت من مكانها تجري باتجاه باب المطعم الخارجي لكن قُّصي كان أسرع منها وهو يصد المخرج ويغلق الباب عليهم..

استحكم غصة حلق نور ولم يعد هناك بُدا من المواجهة فنكست رأسها بذنب وقالت بخفوت

((لقد جئت عند السيدة فريال حتى توظفني بعد أن فشلت في إيجاد عمل آخر، فظنت هي بسبب شعري القصير وملابسي الفضفاضة وجسدي الهزيل أني فتى، لم أصحح لها هذه المعلومة فقد نوهت أنها ستوظفني عندها رغم أني قاصر لأني ذكر وبالتالي ستكون المساءلة عليها أقل))

قطب قصي حاجبيه بغضب.. وشكّ أن أمرأه ثاقبة البصر كفريال تخطئ جنس نور.. ثم هتف بها بسخط

((ولماذا لم تخبرينا من البداية!؟ هل أعجبك أن أدفعك أكثر من مرة بقوة وأهينك بكلماتي عن مظهرك!؟))

رفعت عينيها ببطء ثم قالت ببراءة

((لا بأس أنا لا أحمل أي ضغينة، فأنت لم تكن تعرف حقيقتي، المهم.. سأرحل الآن لمنزل أمي))

تنهد قصي وهو يتطلع بسهر التي كانت ملامحها محتارة هي الأخرى.. فأغلق قصي إنارة المطعم وقبل أن تبارح نور المطعم إلى طريق آخر هتف قصي بها

((نور تعالي معي أنا وسهر، سأذهب بسياراتي المركونة أمام الفندق الذي أقطن به وأريد تواجدكما))

عادت سهر لواقع حقيقة علاقتها التي يجب أن تكون مع قصي فتوحشت ملامحها الجميلة وقالت بعدوانية تقطع أمامه أي وسيلة للتقارب

((أنا لن أذهب معك))

هزّ قصي كتفه يقول ببساطة

((أريد أن أشترى لها شيئًا فإذا امتنعت عن مرافقتي لن أستطيع أخذها أو اصطحابها معي))

تقوست شفتا نور للأسفل وطالعت بهما سهر بتوسل صامت مما جعلها تشتم نفسها ألف مرة لأنها خرجت من بيت عائلتها قبل أن تأخذ سيارتها هي على الأقل حتى لا تحتاج قصي أبدًا لا أثناء مغادرتها المطعم ولا في هذا الوقت.. ثم تنهدَّت خاضعة لرغبة نور..

قاد قُصي بهم طوال الطريق لتقول نور أثناء ذلك بانبهار وهي تحوم بعينيها السيارة الرهيبة من الداخل

((هل هذه لك؟ تبدو فخمة جدًّا.. لحظة))

ثم ازداد الانبهار المنبعث من عينيها عندما نظرت للخارج حيث أوقف قُصي السيارة لتردف بتساؤل

((واو.. ما هذا المبنى الضخم الذي أوقفتنا أمامه!؟ هل هو مول تجاري!؟))

خرج قُصي من باب سيارته وهو يقول بمرح

((ترجلا من سيارتي سأدعوكما على حسابي على العشاء))

.

.

في إحدى مطاعم المول الراقية..

رغم الألم المبرح المعتاد الذي كان يشعر به قصي يجتاح معدته إلا أنه ابتسم كلما ناظرت عيناه نور تأكل بنهمٍ محبب.. بدت له سعيدةً وأكثر حياةً من ذي قبل وقد طلب لها الكثير من الحلوى اللذيذة برفقة العشاء الفاخر..

غمغمت له سهر بامتعاض وهي ترشقه بنظرات الازدراء

((لماذا لم تطلب لك شيئا؟ هل انتهت نقودك!؟ لماذا اخترت هذا المكان الباهظ من بين كل المطاعم في هذا المبنى!؟ كفَّ عن لعب دور الشاب الثري فهو يتسبب لك بمتاعب أنتَ في غنى عنها))

أغمض قُصي عينيه للحظة من أثر ألم معدته المتأجج ثم قال بصوتٍ مختنق

((الأمر فقط أن ألم معدتي لا يهدأ رغم أني توقفت عن تناول الطعام من مطعم فريال، أنا بحاجة لعيادة الطبيب))

لكزت سهر كتفه بيدها رادعة

((كفاك التصرف كشاب مدلل، هذه الفترة كل الطعام الذي أتناوله من مطعم الفريال ولم يحدث شيئا لي، يفترض لشاب مثلك مفتول العضلات ألا يتأثر حتى لو دخل إلى معدته طعام مسموم))

شهقت نور عند كلام سهر هذا كمن تذكرت شيئا ثم قالت ببراءة

((عضلات معدتك جميلة، ذات مرة شاهدت السيدة فريال تتلصص عليك عندما كنت تنظف المطعم عاري الصدر وتتساءل كيف قمت بنحتهم، إذن كيف قمت بنحت عضلات معدتك؟ بالسباحة؟ لقد قلت سابقا أنك تشتاق للسباحة!))

رغم الإعياء الذي كان يشعر به قصي إلا أنه شمخ ذقنه بذكورية مفتخرة

((نعم ساعدتني السباحة فيها قليلا فأنا كنت أقضي الكثير من الوقت أمارسها في مسبح النادي ومسبح فناء منزلنا الخلفي))

اتسعت عينا نور وهي تتساءل بدهشة

((هل عائلتك غنية للحد الذي تتمكن فيه من شراء سيارة فخمة وبناء بركة سباحة في فنائكم الخلفي!؟))

صدر من سهر صوتًا ساخرًا وهي تحرك الثلج في عصيرها ثم تشدقت

((إنه منبع للكذب يا نور فلا تصدقيه! بالكاد يقدر على تحمل نفقات الفندق الرطب الذي يركن سيارته أمامه))

تغضن جبين نور بالحيرة وهي تتساءل

((إذن كيف بنيتها إذا لم يكن بالسباحة يا قصي؟))

رمى قُصي نظرات الامتعاض على سهر ثم ابتسم بتكلف لنور مجيبا

((بنيتها بفعل كثير من الأمور غير السباحة.. أساسا وظفت لدي مدرب رياضي ليساعدني فقط في..))

عضَّ قُصي شفته ثم سارع يصحح حتى لا يكشف أمره

((أقصد كنت أواظب على حضور نادي رياضي مختص بهذه الأمور))

هكذا يبدو كلامه أكثر منطقيا!

همهمت نور باستدراك وهي تعود لتأكل من طبق الحلوى اللذيذ أمامها بنهم مما جعل قصي يناظرها بحنو منبها

((على مهلك يا نور قد يصيبك عسر بالهضم إذا بقيت تأكلين من الطبق بهذا المقدار))

.

.

بمجرد أن انتهت نور من تناول طعامها حتى غادروا المطعم وتجولوا بأجنحة المول التجاري..

سهر تتقدم قصي بالمشي.. ونور تسير خلفه قبل أن تهرول للأمام وتدركه لتقول له بفضول خالطته غيرة بريئة

((قصي لماذا أحببت سهر وخطبتها؟))

ذهُل في البداية من سؤالها ثم رسم ابتسامة رجولية ولمعت العاطفة في مقلتيه.. فالحقيقة أنه كان مجرد فضول لرؤيتها لأنها كانت حديث المجتمع الذي تعيش فيه من شدة جمالها الشبيه بلعبة الباربي والفضائح التي تفتعلها لأمها.. لكن ما جعله يتمنى قربها أنها لم تكن تهتم كثيرا بكونها جميلة، بل جُل اهتمامها بصحتها واستجمامها، فكانت لا تحب المشاحنات، ولا المنافسات النسائية الحمقاء الخاصة بالمجتمع الراقي، بل تعرف كيف تحيا حياتها بشكل صحيح.. كانت ملمة عن فن العيش بهدوء وراحة نفسية.. باختصار سهر هي أجمل مثال للأنوثة والاستمتاع بنعم الحياة..

كان قصي ضائعا بشروده العاطفي قبل أن يهز رأسه ليتخلص من الحب الجارف المطل من عينيه.. ثم يقف فجأة أمام أحد المتاجر يقول لنور

((الحقيني إلى الداخل))

استدارت سهر نصف استدارة للخلف لتنتبه أنه دخل هو ونور لإحدى المتاجر.. زفرت باقتضاب ثم لحقتهم لتجد قصي يأمر إحدى موظفات المتجر بصوتٍ رخيم يدل على أهمية صاحبه ونفس النبرة التي كان يتحدث بها على الهاتف أمام من يدعي أنهم موظفون بشركته في الماضي

((أريد ثوبا بأحدث صيحات الموضة بقياسات تناسب الفتاة التي أمامك وأريد حذاء بكعب متوسط لها))

شهقت نور بصدمة قبل أن تهمس بقلق عارم

((قصي!؟ أنا لا يمكنني قبول مثل هذه الهدية منك!))

رماها قصي بنظرة صارمة تخبرها ألا تناقشه فيما يفعله أما سهر فاقتربت منه متذمرة

((من أين لك هذا المال يا منقب الذهب؟))

أخرج قُصي النقود من محفظته ببساطة وأجاب

((إنها أجرتي التي استلمتها اليوم من فريال، وهناك بعض المال الذي كان بحوزتي سابقا من البقشيش))

عرفت سهر أن معظم هذا المال كان من البقشيش المزعوم الذي يحصل عليه من الرجل أخضر العينين يوسف!

خرجوا جميعا من المتجر ونور تمسك بكلتا يديها العديد من الأكياس والعبرة تخنقها من السعادة التي تحتلها

((شكرا لك على كل هذه الهدايا، لكن ماذا سأخبر أمي لو سألتني عن مصدرها؟))

هزَّ قصي كتفه بإشارة "أنه لا يعلم" فقالت سهر

((بما أنها تعرفني قولي لها أنها مني فأنا وقصي واحد))

أومأت نور رأسها بادراك ثم رسمت ابتسامة متحمسة وهي تقول لقصي بلهفة

((لقد قالت لي سهر في وقت سابق أنها ستفسخ خطبتها منك أي أنك ستصبح أعزبا بعد أن تتركك))

قطبت سهر حاجبيها بتوجس فبرقت عينا نور البريئتين بتلاعب وهي تكمل

((إذن ما رأيك أن تنتظر لأربع سنوات فقط قبل أن تفكر في الزواج والارتباط مجددا؟))

كادت سهر أن تتميز غيظا وكتفت ذراعيها وهي تقول

((ولماذا أربع سنوات بالذات.. أوه الآن فهمت، أنتِ بحاجة لأربعة سنوات قبل أن تصلي للسن القانوني الذي يسمح لك بالزواج منه!))

صدرت من قصي ضحكة منطلقة فحدجته بنظراتٍ قاسية أسكتته قبل أن تغمغم

((من حق ذكوريتك أن تشعر بالانتشاء ففتاة قاصر بعمر أبنائك لو كنت متزوجا، وأخرى بعمر والدتك واقعات في غرامك! هذا كله قبل أن يعرفن حقيقتك!))

تصاعد غضب نور من سهر وثارت حميتها لأجل قُصي..

وفكرة واحدة حانقة سيطرت عليها وهي أن سهر لا تستحقه..

=============================

شقة مُعاذ..

جلس أمام شقيقه مُؤيد الذي لا يكف عن التردد إلى منزله بين الوقت والأخر مؤخرا منذ شفاء قدمه..

نكس مُؤيد رأسه ثم قال بصوتٍ مجهد وهو يشبك أصابع يديه

((أريد يا أخي فقط البوح بما يقبع في قلبي مؤخرا لأرتاح، ولا أحد غيرك أستطيع التحدث معه، فليس من المعقول أن افضح زوجتي أمام أصدقائي))

رحبّ مُعاذ به ببشاشة

((يمكنك القدوم لشقتي بل والمكوث فيها متى ما أردت))

أسدل مُؤيد جفنيه وزفر نفسا عميقا كأنه يحث نفسه على البوح وإفراغ ما يكتمه في قلبه ولو القليل منه.. ثم قال بصوتٍ ميت خالٍ من الحياة

((أنا لا زلت مصدوما مما اكتشفته عن زوجتي، خاصة أني كنت أعاملها كما لو كانت امرأة غبية وساذجة لا تعرف شيئا عن صداقاتي في المدينة))

تشدق مُعاذ متهكمًا وقد تلاش الود من على وجهه

((واتضح الآن أن لا أحد ساذج بينكما سواك أنتَ يا مُؤيد))

نطق مُؤيد بمرارة حنظلية

((نعم لقد اتضح أني من كنت طوال سنوات زواجي بها مغفلا وأخرقا لا أعرف شيئا عنها))

أطلق مُعاذ نفسا طويلا قبل أن يقول بجدية صارمة

((دعنا من الحديث عنها جانبا ولنتحدث عنك أنتَ، ألا تعتبر حديثك مع نساء أجانب عنك وخروجك معهم حتى لو كان لأماكن عامة هو خيانة لزوجتك التي كنت تحرمها من كل شيء؟))

لم يرد مُؤيد في البداية على سؤال أخيه عن حرمانيه ما استحل.. مما جعل الآخر يكرر عليه مزمجرا

((أجبني يا مُؤيد، ألا تعد ذلك خيانة؟ ألا تعد أنتَ خائن يا مثال الشرف؟ قر بحقيقة أنك الخائن والسبب الرئيسي في تدمير عشك الزوجي))

فاضت ملامح مُؤيد بمشاعر ثائرة وارتجف عرق جبينه ليقول من بين أسنانه

((هل أنتَ معي أم ضدي؟))

قال مُعاذ بحيادية وتأنيب خشن

((لست مع أحد، أنا أوضح لك حقيقتك التي يجب أن تزعجك))

أطبق مُؤيد فكيه جازا على أسنانه بعصبية قاتلة من اتهامه الصريح له.. ففي الماضي مهما أخطأ كان يجد من مُعاذ التفهم والهدوء والمجاراة لكن الآن في موضوع زواجه اختلف الوضع معه.. فنطق بعذاب

((حتى لو كنت خائنا، هذا لا يبرر ما كانت تفعله هي))

فضل مُعاذ أن يتخلى عن واجهة الرجل العسكري الصارمة والتنازل لعقل أخيه معه والتحدث بروية أكثر لعله ينجح في أن يصل إلى تفكيره.. فقال بهدوء مخادع

((بالتأكيد لا شيء يبرر ما فعلته هي.. لكن عليك أن تعترف أنك كنت السبب في جعلها تبحث عن احتياجاتها خارج البيت.. وابتهل لربك أنها كانت تبحث عنهم مع امرأة أخرى تظنها صديقة مخلصة لها لا أحد آخر، لذا عليك أن تعرف خطأك كاملا حتى إذا ما تزوجت مرة أخرى لا تكرر نفس الأخطاء مع زوجتك الجديدة))

شددَّ مُعاذ على جملة "الزوجة الجديدة" كأنه يريد أن يعرف رأي مُؤيد في هذا الموضوع، فرد الآخر عليه بصوتٍ حانق خيب ظنه

((زوجتي الجديدة لن تختلف معاملتي معها عن أم فهد))

حاول مُعاذ التحلي بصبر جميل قبل أن يعقب

((أرى أن عليك ألا تفرض حياة جافة عليها كما كنت تفعل مع أم فهد وتسكنها في بيت العائلة وتغيب عنها بالأيام والأسابيع بحجة العمل، فقد يتكرر الأمر))

اعترض مُؤيد من بين أنيابه بصوتٍ متصلب

((هل تريد مني أن أعيش في القرية؟ مستحيل، لن أستطيع التخلي عن شقتي في المدينة لأنها المكان الوحيد حيث يتاح لي أن أفعل فيها كل ما أخفيه عن عائلتي وأهل القرية، هي المكان الذي أخفي فيه جوانب شخصيتي التي تتجذر في أعماق ذاتي وأتصرف فيه براحتي حتى أستطيع عند ذهابي لبيت العائلة أن أتصرف مع زوجتي بجدية وبرود))

تهكَّم مُعاذ منه ساخرا بلا مرح

((مُؤيد أنتَ تخيفني، هل عندك انفصام أو تعدد شخصيات مثلا؟))

بدا مُؤيد مترددا قبل أن يقول بمنطقه

((أنتَ لا تفهمني! أنا لدي مكانتي بين أهل القرية وأصدقائي وزملائي ولا أحب أن يعرفوا حقيقة ما أحب من اهتمامات وهوايات حتى لا أقلل من هيبتي وواجهتي كرجل جاد ورزين أمامهم، كنت أخشى لو عرفت رتيل عن رغباتي وحياتي أن تلومني أو تخبر أحدا ويعرفوا بتناقضي، تخيل أن يعرف أحدهم أني أحب أن أقود دراجتي النارية بشوارع المدينة في الليل، ستختلف نظرتهم بي وسيظنونني رجل عابث أو سطحي يمتلك رغبات تسيء لهيبته أمامهم))

حاول مُعاذ مجاراة أخيه الذي لا يحب أن يظن أحد عنه إلا بأنه رجل راكز جدي.. فهذا هو عقله.. وهكذا هو يفكر.. لذا قال بهدوء

((إذن أنتَ تخشى نظرة الناس عنك من أصدقاء وأقارب، ولن ألومك فجميع الناس في مجتمعنا يعيشون بأقنعة، لا أحد يوضح تماما ما يريد أو ما هو عليه، لخوفهم من ردة فعل المجتمع والذي يتكون منهم أنفسهم.. لكن لماذا تعتقد بأنك لو أخبرت أم فهد بما تحبه وما تكرهه ستفضح أمرك ولن تبقيه سرا بينكما؟ بل..))

بتر مُعاذ كلماته وتذكر أمر سرقة غنوة لدراجة مُصعب وقيادتها مع رتيل في شوارع المدينة! فأردف متسائلا

((ألم تفكر يا مُؤيد ولو لمرة أن رغبات زوجتك مشابهة لرغباتك أنتَ؟ لماذا لم تقترح عليها مرة أن تشاركك بها بدلا من التفكير بفتاة أحلام أخرى تشاركك إياها؟ لا تنكر أنك اخترت زوجتك بكامل إرادتك حتى لو كانت بتزكية من أمك))

شعر مُؤيد أنه تائه ومشتت ولا يعرف كيف يصيغ أجوبته ويشرح نفسه قبل أن يرد بتذبذب متعثر

((من المستحيل أن أقول لأم فهد عن حقيقة رغباتي هذه، هي شخصية تقليدية جدًّا وتحب القيل والقال وإصدار الأحكام.. ثم فتاة أحلامي عليها أن تكون من خارج مجتمعي.. وعندما أجدها وأتزوجها لم أكن أفكر بالإنجاب منها بل لم أكن لأسجل زواجنا أو أعلنه! لأني أريدها فقط..))

أكمل مُعاذ عنه بشفافية

((لأنك تريدها يا مُؤيد فقط من أجل مشاركتك كل ما تحبه في عيش حياة مفعمة بالحرية في المدينة في حين تبقي زوجتك طي الجدران وخلف الكواليس، فأم العيال تناسب حياتك في القرية كواجهة أمام الناس عكس فتاة الأحلام التي لن تعلن زواجك منها فهي غير ملائمة كواجهة اجتماعية أو لإنجاب أطفالك!))

لم يعقب مُؤيد شيء على كلامه لكن اضطربت ملامحه فأكمل مُعاذ

((ولكن يا أخي هذا كله هو عين الخطأ! نعم خطأ أن تقوم بالسر بكل ما يلبي احتياجاتك وأهواءك المرضية، ثم تأتي في النهاية وتستنكر ما كانت تفعله زوجتك بالخفاء أيضا لتلبي احتياجاتها وتحصل على حريتها مثلك!))

حاول هنا مُؤيد التبرير والهروب قائلا بحجة واهنة

((ولكن أنا رجل ومن الطبيعي أن أبحث عما يلبي احتياجاتي بينما هي امرأة وعليها أن تتحمل كما تفعل باقي النساء في مجتمعنا.. هنَّ يتحملن أكثر منها دون التفوه بأي كلمة تذمر..))

قاطعه مُعاذ الذي كان له بالمرصاد

((ومن قال لك أن كل النساء عليهن تحمل التعاسة والجفاء؟ وحتى لو كان هناك من تتحمل ذلك، فزوجتك ليست مجبرة على أخذها كمقياس لها وتتحمل الحياة الجافة والبعيدة عن المودة والرحمة، التي تفرضها أنتَ عليها.. ثم إذا كنت أنتَ الرجل القوي الصلب لم تتحمل هذا النوع من الحياة الرسمية الباردة وتذهب للمدينة وتتكبد شراء شقة والخروج مع نساء أخريات لتعوض ذلك فكيف بها هي زوجتك المرأة العاطفية المحتاجة للحنان والحب أكثر منك؟))

حاول مُؤيد أن يرد لكن واصل مُعاذ كلامه بحزم

((غير تفكيرك هذا وإيًّاك أن تورثه لأولادك الاثنين))

تسرب احمرار لعيني مُؤيد.. لكنه لم ينطق بشيء وحاول السيطرة على مشاعر لا يريد لها أن تخرج منه.. كان يقاوم تهدج صوته قبل أن يقول أخيرا

((على العكس ولديّ الاثنين شخصيتهما مختلفة تماما عني، خاصة فهد فهو مستعد أن ينقلب كليا عليّ لو أحزنتُ أمه))

قال مُعاذ تعقيبا على كلامه

((هذا لأنه لا زال طفلا ولكن عندما يكبر سيفقد إحساسه بألم والدته وفي المقابل سيصل بمعتقداتك وأفكارك أنتَ ليبرر ما كنت تفعله مع أمه كردة فعل من عقله الباطني للتغلب على الشعور بالألم لأجلها، ومع الوقت ستتحول هذه المبررات إلى قناعات، وحجج، ومعتقدات تقود شخصيته.. لذا تغير يا مُؤيد وغير من نفسك في زواجك الثاني، ظلمت أم أولادك فلا تظلم التي ستتزوجها هي الأخرى))

كان لا زال مُعاذ يتعمد ذكر الزواج لأخيه أكثر من مرة حتى يستشف منه ما يريد أن يقدم عليه فثار مُؤيد فيه بحنق وانزعاج بالغ

((مُعاذ لا تظل تفتح لي سيرة الزواج بين اللحظة والأخرى مثل أمي التي لا تنفك عن تزكية النساء لي.. أنا لا أريد الزواج مجددا.. بعد أن كنت أسخر من مُصعب الذي اعتزل الزواج بعد هروب ابنة عمنا منه.. جاء اليوم الذي أقع أنا في نفس العقدة.. تبا لكل شيء))

تهكم مُعاذ قائلا بسخرية خبيثة

((إذن لن تتزوج وستبقى عازبا للأبد؟))

ازداد انعقاد حاجبي مُؤيد ضيقًا واستياءً وهو يرد

((لن أتزوج، لم أعد أثق بامرأة من جنس حواء إطلاقا.. باستثناء أمي بالطبع..))

قهقه مُعاذ عاليا وهو يردد ((مجنون))

لكن عينا مُؤيد كانتا حمراوين كجمرة وهو يهتف بانفلات أعصاب

((أنا أتحدث بجدية يا مُعاذ.. لقد تزوجت رتيل ليس تزكية من أمي وحسب بل لأني كنت متأكدا أنها جاءت من بيت عُرف عنه في قريتهم التزمت والتشدد والانغلاق.. فإذا كانت رتيل المعروفة بانغلاقها عن العالم الخارجي وانطوائها على نفسها فعلت ما فعلته من أمور لا تخطر على بال بشر ماذا ستفعل امرأة أخرى غيرها؟))

غمغم مُعاذ بخفوت

((اهدأ يا مُؤيد..))

انفعل مُؤيد به قائلا بمحاولة صعبة في السيطرة على اختناق صوته

((لا أستطيع.. أشعر أنى حقا أريد الموت..))

صمت مُعاذ قليلا قبل أن يقترح

((لماذا لا تفكر يا مُؤيد في العودة لرتيل؟))

نخر مُؤيد ضاحكًا بقهر.. يشبك أنامله بخصل شعره يجذبه بعنف ثم رد بكبرياء مزيف

((مستحيل لا يمكنني مسامحتها بسهولة على خيانتها لثقتي، إذا كنت قد أخطأت في حقها فحقها ألا تسامحني وأنا لن أسامحها.. لأني لن أقدر..))

نبهه مُعاذ بفطنة

((حتى بعد ما عرفت أن ما كنت تبحث عنه وكل ما حلمت بوجوده في المرأة التي تريدها قد كان بين يديك متمثلا بزوجتك؟))

عقد مُؤيد حاجبيه متمتما ((ماذا!))

فكر مُعاذ لبرهة ثم قال في محاولة للتدرج

((نعم يا مُؤيد.. المرأة التي كنت تحلم بها كانت تعيش معك لكن بشكل متخفي رغما عنها وبشكل خارج عن إرادتها، لذلك كانت مضطرة أن تذهب للمدينة وتفعل كل ما كنت تفعله أنتَ بشكل متخفي عنها في المدينة، حتى دراجة مُصعب تلك بعد أن سرقتها صديقتها كانت تقوم بالتجوال فيها بالمدينة، مشكلتها هي الأخرى أنها لم تحاول معك وتطلعك على شخصيتها ورغباتها.. لكنها تمثل في حياتها في المدينة نموذجًا للمرأة التي تحلم بها))

عقب مُؤيد بخفوت يطفح منه الذنب

((الحقيقة أنها كانت دائما ما تطلعني على هذه الأمور بل تحاول استمالتي ولكن أنا.. أنا.. من كنت أحبط كل محاولاتها لتكسب ودي..))

ازدرد مُؤيد ريقه الجاف وازداد اضطراب وجهه فأخرج مُعاذ أنفاسا كانت تجيش في صدره قبل أن يقول

((عليك أن تعي يا مُؤيد أن الزواج مسؤولية مشتركة وعلى كل طرف أن يشبع احتياجات شريكه.. تعلم أن تتحدث عن رغباتك، تحاور، تتكلم، تصارح.. تعلمْ أن تكون أكثر انفتاحا مع زوجتك، أن تقبل فكرة أنها إنسانة جاءت تحمل ثقافة مصغرة خاصة بها وبكيانها.. لا تضطهدها، فالاضطهاد لن يغيرها ولكنه سيغير طريقة معاملتها لك.. وأنت من سيدفع الثمن لاحقا..))

صمت مُعاذ ليترك أخيه يفكر بكلماته فظل الأخر متسمرا في مكانه لدقائق طويلة يحدق بعينيه في نقطة وهمية في الغرفة قبل أن يودعه ويغادر شقته..

قاد مُؤيد بسيارته الطريق شارد الذهن برتيل.. لم يسبق وأن فكر بأنها كانت تلعب من خلف ظهره وبشكل خفي دور فتاة أحلامه.. وبأنها كانت تمارس مع صديقتها المزيفة غنوة كل النشاطات والهوايات التي كان يحلم بفعلها مع فتاة الأحلام.. حتى الدراجة النارية كانت تتجول فيها راكبة خلف غنوة بالمدينة..

وهو.. ربــــــاه! كم من مرة حلم أن يقود بفتاة تجلس خلفه وتتشبث به بحذر شوارع المدينة!

لف بؤس اشتد على ملامحه المعذبة..

لطالما منعها من أن تضع زينة على وجهها وترتدي ملابس تكشف مفاتنها حتى أمام نفسه.. لكن بالنظر مجددا إلى تلك الصور لها في منزل غنوة في ملابسها الضيقة القصيرة التي تظهر رشاقة قوامها.. لا ينكر أنها كانت تبدو فيها خاطفة للأنفاس..

سحب مُؤيد عدة أنفاس باردة ليخمد البركان الذي يثور في جسده.. وما إن شعر بالسكينة تجتاحه قليلا حتى انتبه في آخر لحظة الى سيارة كادت أن ستصطدم به لو لم يستدير في اللحظة الأخيرة الحاسمة ويرتد جسده للأمام!

أوقف محرك سيارته وبدأ صدره يتنفس بعنف لدقائق طويلة..

أبعد يده المرتجفة عن المقود وارتجل من سيارته نحو إحدى البقالات لشراء مرطبات تهدئ من روعه.. فقطع الطريق العام المزدحم مضطربا دون أن يلتفت إلى جانبيه وهذه المرة لم يسعفه الحظ بتفادي سيارة مسرعة فوجئ سائقه بمروره وضغط على المكابح بسرعة لم تساعده بتجنب مُؤيد والتوقف كليا دون أن تلامس السيارة ساقه!

=============================

في غرفة المعيشة..

حانت نظرة من الحاج يعقوب تجاه مازن مدلل أمه الذي يريح رأسه على حجرها بينما يشاهد معهم إحدى البرامج على التلفاز.. كل إخوته الآن في عملهم إلا هو العاطل الوحيد بينهم..

هو الرجل العجوز ورغم مرض ضغط الدم لا يتوانى بين اليوم والآخر الذهاب لمزارعه ومتابعة المزارعين بل والعمل معهم أحيانا.. والأمرّ أن والدته لا توجه أي تقريع على الطريقة الفارغة التي يعيش بها بل تغمر أناملها في شعره في حركة محببة له!

قرر أن يغير الأجواء الهادئة فأغلق بغتة التلفاز من جهاز التحكم عن بعد وتحدث بجفاء

((متى ستبدأ يا مَازن بالبحث عن عمل؟ سأمهلك لنهاية الشهر حتى تجد عملا قبل أن أجبرك على العمل في إحدى مزارعي، عيب عليك أن تصل إلى هذا العمر وتظل تعتمد عليّ ماليا))

انزعجت ملامح زاهية وقد عرفت أن هذا الكلام المحتدم سينتج عنه شجار حتمي بينهما.. لكن الآخر رسم ابتسامة عريضة متأهبة وقال وهو يعتدل جالسا

((لا تقلق يا أبي سأبدأ بالبحث بالفعل عن عمل، لكن ليس عندك، لأني متأكد من أن ما سأقدم على فعله سيجعلك تطردني من البيت كله))

تجهمت ملامح يعقوب وقال بغضب مكتوم

((مَازن ما الذي تفكر بفعله وقد يستدعي غضبي إلى الحد الذي أطردك من هنا؟))

تجلت علامات التسلية على تقاسيم وجه مَازن مجيبا

((أفكر بطلاق ياسو والزواج مرة أخرى))

شهقت زاهية بصدمة وازداد تجهم يعقوب لينفعل بغضبها فقد لجماه

((توقف عن عبثك هذا! أنا لم أنتهي من مشكلة زوجة مُؤيد لتثقل كاهلي الآن بمشاكلك أنتَ وزوجتك!))

تمَطَى مَازن بيديه بكسل متثائب ثم قال ببساطة كمن يذيع النشرة الجوية

((أنا لا أعبث، ولكن حقا وصلت معها إلى طريق مسدود ولا سبيل لبقائنا معًا، ولأني متأكد مسبقا أنك ستأخذ صفها قررت أن أعتمد على نفسي واعمل حتى لا أسمح لك بالتحكم بي مقابل عدم إلقائي بالشارع مفلسا))

في هذه اللحظة دخلت ياسمين غرفة المعيشة وهي تمسك صينية الشاي الذي جهزته لهم بمحاولة منها لمعرفة ما يتحدث مَازن مع والديه بعد أن توقف كليًا عن رؤيتها صباحا أو المبيت معها ليلا..

لكن تفاجأت به ينهض ويتقدم منها بتلك الملامح الشقية قبل أن يميل ويلثم وجنتها ثم يقول متلذذا

((سأشتاق لقبلاتي لك بعد طلاقنا يا ياسو.. كثيرا))

غادر مَازن الغرفة تماما تاركا إياها مبهوتة مكانها لا تصدق ما سمعته.. شعرت بساقيها يستحيلان لهلام وبالكاد يحملانها.. نظرت لوالديّ مَازن اللذان لا يقلان بهوتا عنها وهتفت بصوتٍ متذبذب وهي ترسم ابتسامة متشنجة

((بالتأكيد مَازن ليس جدي بكلامه، نعم إنه يمازحكما، عمي إنه لا يعصي لك كلمة فكيف يطلقني فجأة!))

استعاد يعقوب رباطة جأشه وأشار بنظراته القوية لياسمين أن تجلس معهم..

ازدردت ياسمين ريقها بصعوبة وبالكاد سارت خطوتين ووضعت الصينية التي تمسكها بارتجاف فوق الطاولة..

جلست مقابل حماها الذي سألها مباشرة بنبرة مبهمة وهو يناظر أثر ذلك الخدش الطفيف على وجهها

((أخبريني يا ياسمين في ذلك اليوم لماذا قام بصفعك؟))

شعرت ياسمين بتبدد أي حنان أو دلال مألوف بصوت حماها عندما يتحدث معها.. وبدلا من ذلك هناك جمود واتهام بعينيه..

تغرغرت مقلتيها بالدموع.. يبدو أن مَازن كان صادقا بتهديده السابق في الطلاق وإلا لم يكن ليفتح هكذا موضوع أمام والديّه مهما فعلت.. والله أعلم ماذا باح لهما أكثر عنها.. فأقرت بالحقيقة بصوتٍ متهدج

((لأني صفعته..))

اتسعت عينا زاهية وكذا يعقوب الذي قال مستهجنا

((ولماذا صفعتيه؟ ما الذي فعله؟))

نكست رأسها وهي تجيب بنفس النبرة

((لأنه أحرجني أمامك في بيت الإسمنت))

احتقن وجه يعقوب بالغضب وقال ساخطا بضراوة

((هو من أحرجك! لو كنت ترين الأمر محرجا لماذا طاوعته من البداية، أعرف أن الأمور بينكما ليست على خير ما يرام لكن توقعت أن يكون هناك ولو شيء من الاحترام المتبادل بينكما))

أغلق يعقوب جفنيه.. ها هو أخيرا يواجه نفسه بالحقيقة التي شعر بها منذ لاحظ أن مَازن ينام خارج غرفته مجددا ولا يتعامل مع ياسمين أبدًا في الأيام الفائتة..

عكفت زاهية فمها ثم غمغمت بصوتٍ لاذع

((أي احترام متبادل يا حاج، قبل أيام فقط قامت برفع يدها عليه أمامي وأمام مُؤيد لأنه مازحها ببراءة.. ولا أريد أن أقول لك عن طول لسانها معه.. كل هذا تفعله أمامنا كيف عندما يُغلق الباب عليهما!))

كل كلمة تخرج من فم زاهية كانت ملامح ياسمين أثناءها تتفاقم خزيا بينما ملامح يعقوب تتفاقم صدمة! التفت يقول باستهجان يشوبه خيبة أمل

((كل هذا يا ياسمين يصدر منك أنتِ!؟ خيبتي ظني بك كثيرا! أنا عندما أقف بصفك ضد ابني فهذا لأني أعرفه معدوم المسؤولية وقليل هيبة لكن لم أخالك هكذا! خيبتي ظني بك كثيرا يا ياسمين.. للغاية))

لم تعد تتحمل ياسمين الموقف وانهارت باكية وهي تغمر وجهها بين كفيها.. لكن لم تأخذ زاهية أي شفقة حيالها وهي تتمتم باقتضاب

((والله يا حاج رجل آخر غير ابنك كان ليكسر رأسها عند أول كلمة سفيهة تهذي بها بحقه))

أطبق يعقوب شفتيه بغضب بينما دموع ياسمين تنحدر أنهارا.. حتى مرت دقائق وخفت صوتها تدريجيا ثم مسحت وجهها المبلل بالدموع بيديها بإعياء.. فغمغم حماها باسمها بجفاء جعل قلبها يخفق بقوة..

ضمت شفتيها المرتجفتين لتناظره بعينين لامعتين دمعا بينما يعلمها بازدراء

((بدلا من البكاء أخبريني إذا صدق الأهوج تهديده ورمى يمين الطلاق وتزوج من أخرى ولم يجد له مكانًا مع زوجته إلاَّ هنا ماذا أفعل؟ هل أبقيه منبوذا مشردا أم أجعله يعيش في نفس المكان مع زوجته السابقة!))

اهتزت حدقتا ياسمين وفرت كل ألوان الحياة من وجهها للكلام الذي يقوله حماها وقد يتحول لواقع.. خاصة وأن لسان حال حماها يخبرها بكل وضوح عن ندمه بجعل مَازن يتزوجها منذ البداية!

لم تجد أمامها إلا أن تنتفض واقفة وتفر من مواجهتهم نحو جناحها.. دلفت للداخل وصفقت الباب خلفها بعنف..

وبهستيرية سحبت وصلة البلايستيشن الذي كان يلعب مَازن به أمامه بتركيز من المقبس الكهربائي لتنغلق الشاشة فورا وتتحول لسواد تام.. ثم وقفت أمامه تصرخ به بجنون وقلبها يفور ويغلي

((ما هذا الذي قلته أمام والدك؟ هل تعرف شيئا عن التقريع الذي سمعته بسببك؟))

طالعها بهدوء تام ثم استقام واقفا وهو يقول

((لم أقل إلا ما سأفعله بالضبط، سبق وأخبرتك أن الطريق بيننا مسدود.. وأنا بكل صراحة أريد زوجة تريحني وأريحها))

توحشت ملامحها وهي تهتف به

((ألا يمكنك فعل ذلك دون جلب سيرة الطلاق!))

مرّ شبح ابتسامة على شفتيه وهو يجيب

((لا، أبدًا، قطعا، لن أستطيع، لذلك على الطلاق أن يحدث بيننا قبل أن أتزوج غيركِ))

شحب وجهها أكثر وأكثر وهي تستشعر جديته فتمتمت بصوتٍ متألم متقرح

((هل يمكن أن أعرف لماذا؟))

رفع حاجبيه وتشدق أمام مقلتيها المحتشدتين بالدموع

((السبب ببساطة هو كرهك الشديد لي، مهما أحاول أن ألطف الأجواء بيننا تتصورين هذا ضعفا منى ويزداد عنادك وتسلطك عليّ وتغفلين عن حقيقة أني لا أحبك أيضًا ولولا أنك الخيار الوحيد المتاح أمامي لما اقتربت منك حتى!))

خطت منه متقدمة وقالت بعينين زائغتين

((وهل تريد من ابنتك أن تعيش مشردة مثل أولاد مُؤيد؟ ألهذا تريد الطلاق؟))

هز كتفه ثم رد بهدوء

((أنا لن أفعل مثل أخي، سأعطيك هدى، وإذا رفضت عائلتك أن تأخذيها معك يمكنها أن تعيش هنا وتأتيك في الزيارات))

تقبضت يدها وهتفت به بغضب

((وماذا إذا رفضت عائلتي أن أعود لهم؟))

مط شفتيه للحظة تفكير ثم أجاب ببساطة

((لا يهم، اطلبي من أبي أن يستأجر لك منزلا ويخصص لك راتبا شهريا ثم ابحثي عن عمل لك..))

قطبت حاجبيها وعقبت من بين أسنانها المطبقة

((كيف سأجد عملا لي وأنا لم أنهي إلا تعليمي الثانوي؟))

قلب مَازن عينيه بالسقف بضجر من هذه المناقشة العقيمة ثم قال بنزق

((ألم تُعلمك أمي كل الأمور المتعلقة بالخياطة والتطريز وتلك المشغولات اليدوية؟ اعملي بها إذًا..))

سكنت ياسمين مصدومة ورغم فجيعتها مِمَّا يقوله بعزم وتوعد، تفوق غضبها وشموخها لتتساءل

((أخبرني بماذا أثقل عليك حتى تصر على الطلاق!؟ هل أطالبك بشيء يثقل كاهلك؟ بل هل طالبتك يوما بشيء ما؟ حتى حقوقك أعطيها لك في كل الأحوال ولم أقل لك "لا" قط مهما كنت كارهة لقربك))

كان هو من اقترب منها خطوتين هذه المرة ومال برأسه نحوها ليقول بحفيف ثعبان يلتف معتصرًا روحها قبل جسدها

((هنا المفارقة! أنا لا أريد من زوجتي أن تكون كارهة لي بل راغبة ومحبة))

كانت عيناه بعينيها عندما سألته بصوتٍ مختنق

((وهل بيد الإنسان التحكم بمشاعر الرغبة والكره!))

لم تنحسر عيناه عن نظرها ولم يظهر أي تعبير على ملامحه وهو يجيب

((قطعا لا يستطيع التحكم بها، لهذا سأختصر الطريق على نفسي وأبحث عن غيرك.. أنتِ يا ياسو طــ..))

بُترت كلماته عندما قامت برفع يديها فوق فمه وكتمت صوته تماما بهلع لتقول وقد تسارعت أنفاسها طردا مع دوي نبضات قلبها المتقارعة بين جنبات صدرها

((انتظر.. توقف..))

كان صدرها ينتفض بغير تصديق! هل كان حقا سيقولها لو لم تكبح كلماته بآخر جزء من الثانية! لا تصدق ما يحدث.. هذا ليس مَازن! أبدًا ليس مَازن الذي تعرفه ذو الطباع الودودة واللينة!

الرجل الذي تعرفه ما كان يفعل ما قد يتسبب بإلقائها خارج بيته عابثا بالسلام الذي يعم حياتها مع ابنتها مهما أساءت بفعل أو قول له كردة فعل لأفعاله الصبيانية غير الناضجة التي يستفزها بها بلا سبب!

أبعد مَازن يديها بفظاظة عن فمه لتشعر بالأرض تميد بها.. قبل أن يقول وهو يرفع إحدى حاجبيه

((ماذا هناك؟ هل تريدين شيئا أخيرا قبل أن أطلقك؟))

كان يتحدث بجدية جعلتها لا تشك للحظة بصدق تهديده عن الطلاق.. فقالت بخفوت بطيء وقد جفّ حلقها

((إذن.. يمكنني.. أن.. أتحكم بمشاعري.. وأحولها للرغبة بك.. والحب أيضًا إذا أردت))

همهم مَازن مفكرا باستمتاع ثم انفرجت زاوية ثغره بابتسامة ماكرة غريبة عليه وهو يقول

((ممممم...ولكن هذا ليس كافيا لأتراجع عن الطلاق، أريد منك أمورا أخرى خارجة عن المعتاد، ولكن بالطبع لن تخرج عن واجباتك كشريكة فراش لي))

ارتجفت أنفاسها بغضب مكتوم وهمست

((ماذا تريد؟))

هنا انتقل مَازن إلى الجزء المثير بالنسبة له وقال بهمس مغوي

((أمور كثيرة.. لكن لأسهل عليك سأبدأ من الأقل تعقيدا.. أريدك أن ترقصي لي..))

ابتلعت غصة مسننة في حلقها لتدمدم باختناق

((أنا لا.. لا أعرف.. لا أعرف كيف أرقص..))

أسبلت أهدابها بعذاب وقهر وهو يدقق النظر مفترسا ملامحها ليقول بخشونة

((ها! أرأيتِ أنك لا تستطيعين أن تكوني ولو ربع ما أريد وأتمنى!))

همّ بالمغادرة لولا أن هرعت تمسك ذراعه وتمنعه هادرة

((لحظة.. سأرقص لك.. سأفعل..))

نكست وجهها بعدما قالته بخضوع فدنا منها وأعاد شعرها للخلف ثم مال إليها وأنفاسه تحرق وجهها.. ليهمس بصوتٍ خافت جعل قلبها ما بين ضلوعها ينتفض بقوة

((سأنتظرك إذن في الليل..))

كان جسدها يرتجف من فرط الذل والهوان الذي يجتاحها جراء طلبه لكنه أمسك وجهها بكفه بغتة ورفعه ثم قال وهو يحدق بأعماق عينيها الكسيرتين

((أداؤك في الرقص الليلة سيكون الحكم في مسألة طلاقنا))

سرت رجفة على طول ظهرها وهو يردد على مسامعها تلك الكلمات القاتلة.. حتى نظراته لها كانت نظرات خالية من اللين المتأصل فيه والذي يغمره على كل من حوله..

انسابت دمعة من عينها لتصل لإصبعه فمال طرف ثغره بابتسامة غريبة عنه قبل أن يغادر..

=============================

كان مُؤيد يتكئ على عكازه وهو يتقدم للداخل بقدم مجبسة قبل أن يسمع والده يغمغم باقتضاب

((حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل يا مُؤيد))

جلس مُؤيد على أريكة وقالت زاهية بصوتٍ مفجوع

((يا حاج قدم ابنك أصيبت مرة أخرى وأنتَ تحسبن!))

كان صدر يعقوب ينتفض بعنف وهو يقول بإجهاد منفعل

((لم يمضِ الكثير قبل أن حل الطبيب جبس قدمه وها قد تسبب بحادث آخر على نفس قدمه المصابة مرة أخرى))

تمتم مُؤيد بمرارة حنظلية

((يا أبي أنتَ تتحدث كأني وقفت عمدا أمام تلك السيارة المسرعة وجعلتها تلامس قدمي))

قالت زاهية وهي تطبطب فوق ظهر ابنها

((الحمدالله أن السيارة وقفت في اللحظات الأخيرة فلم تصب إلا قدمك، قدر الله وما شاء فعل.. الطبيب قال لمُصعب أن الوضع ليس خطير حتى لو كانت الإصابة أبلغ من المرة السابقة))

غمغم يعقوب بصوتٍ خافت وهو يهز رأسه

((الحمدالله دائما وأبدًا، الحمدالله أن الحادث اقتصر فقط على قدمك.. ولكن حادثين على نفس القدم لا يفصل بينهما إلا أسابيع ليس هينا.. الله أعلم أن سبب تدفق المصائب فوق رأسك هو ذنب زوجتك.. متى ستعيدها لك يا ولد؟))

تضايقت ملامح مُؤيد وحاد بوجهه بعيدا، فعاود يعقوب يحسبن مرارا.. ثم استقام مغادرا المكان لا يتحمل البقاء معه في نفس الغرفة مِمَّا جعل مُؤيد ينظر لوالدته قائلًا بصوتٍ معذب

((أمي أخبري أبي أن يتوقف عن التحسب عليّ.. قلبي يؤلمني كلما سمعته يقولها لي وأنا من كنت أقرب أبنائه إلى قلبه ومن يضرب بي المثل))

ضج الألم على ملامح زاهية ولم تعرف ماذا ترد عليه.. فتناول مُؤيد عكازه يتكئ عليها ذاهبا لغرفة ابنه المريض منذ الأمس.. وتبعته والدته بقلة حيلة..

جلس مُؤيد على سرير فهد يساعده على الاعتدال جالسا ففعل الصغير وهو ينهت بإعياء قبل أن يضع داخل فمه حبة الدواء ويساعده على تجرع الماء لابتلاعها..

ثم أغلق فهد عينيه بألم وعاد يتمدد على سريره بجسده المنتفض قليلا..

انتبه كيف أن حرارة طفله المرتفعة جعلت شفتيه بيضاوين متشققة..

قالت زاهية بصوتٍ حزين لابنها المهموم

((لقد أخبرت فهد ألا يقترب من أخيه المريض ولكنه لا يسمع الكلام وها قد أصابته العدوى، سأنبه على يزيد مرة أخرى ألا يقترب من أولاد عمه حتى ينعموا بالشفاء إن شاء الله))

لعق مُؤيد شفتيه وهو يتنهد ببؤس وإرهاق.. ومواقف كثيرة وأصوات أكثر تتداخل برأسه..

في الماضي.. عندما يمرض أحد ولديه رتيل هي من كانت تسهر عليهم طوال الليل وتبعد الابن عن الآخر حتى لا يصيبه بالعدوى وتجعله ينام في غرفتهما وهو لا يقوم بشيء سوى التذمر منها.. وكانت دائما تضع منبهات على الهاتف بحيث لا تنسى مواعيد أدوية المريض حتى لو كانت بأوقات متأخرة في الليل..

قالت زاهية بمراوغة انتشلت ابنها من دوامات الشرود

((والله ما تفعله يا مُؤيد بأولادك لا يرضي الله، هل يعقل ألا يأخذك بحالهم أي شفقة أو رحمة! هل يعجبك أن يظلا هكذا كالمنبوذين من مربية لأخرى))

تحفزت ملامح مُؤيد ليتساءل ببطء

((هل تقصدين بكلامك إذن أن أعيد رتيل إلى ذمتي وأتنازل عن كبريائي المزيف من أجل الولدين يا أمي؟))

استنكرت زاهية استنتاجه الذي وصل له من كلامها لتهتف به موبخه بمقت

((أيها الديوث تريد فقط من يشجعك على إرجاعها لتفعل، لكن على جثتي، لن أسمح لها أن تعود لك بل سأزوجك امرأة أخرى ولكن تنازل حضرتك ووافق))

امتعضت ملامح مُؤيد لكلام أمه التي بارحت الغرفة غاضبة.. وظل صامتا في ذلك التيه الذي يضرب رأسه..

كل ما يسمعه من جهات مختلفة يشوشه ويرسم له ألف تصرف بعقله بمسار متعرج لا يستقيم.. لا يوصله لأي قرار.. فقط ضجيج عنيف يعصف بعقله ليرديه صريع التعثر.. التشوش.. التيه..

ومن دون لحظة تفكير إضافية وجد نفسه ينتشل هاتفه من جيبه ويطلب رقما ما وسرعان ما جاءه الرد بصلف وجفاء

((نعم يا صهري.. أوه أقصد أن أقول نعم يا سيد مُؤيد الكانز بما أنك طلقت أختنا المسكينة من أجل زلة الله أعلم كم هي صغيرة وبسيطة حتى تتزوج من أخرى))

لم يعقب مُؤيد على تهكم صهره واتهامه بتطليق رتيل من أجل امرأة أخرى، ثم قال بصوتٍ واجم

((بعد أن يتحسن حال ولديّ المريضين سأرسلهما عند والدتهما ليقضيا بعض الوقت معها))

صدرت من شقيق رتيل شهقة مستنكرة ساخرة قبل أن يقول بجلافة

((نعم يا حبيبي نعم! ما أتقاضاه أنا بالكاد يكفي عائلتي وأمي، هل تريد مني أن أنفق على أولادك وأربيهم بنفسي!))

صحح له مُؤيد وهو يشدد على كلماته من بين ضروسه

((قلت سأرسلهم لكم ليقضوا بعض الوقت مع أمهم ولم أقل بأني سألقي رعايتهم على عاتقك، إنهما مشتاقين لرتيل وتلك المكالمات بينهم لا تسمن ولا تغني من جوعهما لها شيئا، ثم أنا سأرسلهما مع مصروفهما كاملا حتى لا يضطر أحد أن ينفق فلسا عليهما))

هتف به شقيق رتيل بامتعاض

((حبيبي لا نريد منك مالا ولا غير ذلك، الأولاد بعد الطلاق من مسؤولية أبيهم، وهذا ليس كلامي بل كلام الشرع، لقد طلقنا الأولاد من اخني بعدما طلقتها))

انفلتت أعصاب مُؤيد ليزمجر به

((أيها المنحط سأرسلهم لرتيل ليوم واحد بل لساعات، لا أكثر ولا أقل، سأوصلهم لبيت أمهم وأنا بنفسي من سأرحل بهم))

أصدر شقيق رتيل صوتا معترضا قبل أن يقول بمنطقه المثير للاستفزاز

((هي في البداية تكون زيارة لساعات ثم تصبح زيارات ليوم ثم لأسبوع ثم الأولاد يريدون الإقامة عند والدتهم ثم تنسى أولادك وتبلينا نحن فيهم، ولكن لا يا حبيبي لم تحزر، لسنا نحن من نربي أطفال رجل غريب عن عائلتنا بل عن قريتنا كلها))

تغضنت ملامح مُؤيد نفورا من دناءة صهره.. وعرق أخضر بجبهته ينبض بشكل بارز بينما يسمعه يكمل

((مُؤيد لآخر مرة سأعرض عليك، يمكنك إرجاع أختي لذمتك ولو صوري من أجل الأولاد، المهم أن تحويها في بيتك وبعدها تزوج، سافر، افعل ما تشاء لن يحاسبك أحد، لكن طالما ترفض أن تعيدها لذمتك فانسَ أنها كانت زوجة لك وأُمًا لأولادك في يوم من الأيام، رتيل ستنساك أيضًا أنتَ وأولادك وستنشغل بالأطفال الذين ستنجبهم من الرجل الذي ستتزوجه بعدك))

انفلتت شتيمة خافتة من شفتي مُؤيد ما إن انتبه أن صهره أغلق الخط في وجهه بعد أن أفضى ما لديه من كلام أجج الدماء المغلية في عروقه.. بالكاد تحكم بأعصابه الفائرة حتى لا يرمي الهاتف أرضا ويحوله إلى قطع متناثرة..

شبك مُؤيد أصابع يديه واتكأ بذقنه فوقهم وهو يفكر ما الذي دهاه! لم يكن يوما بهذا الضعف وعدم الاتزان وعدم الاكتمال.. ليضحي الآن كأنه حُطام رجلٍ لم يعد يقوى حتى على التألم..

هو مُؤيد مَن فؤاده رصّ من صخرٍ جندل ويَكسر ولا يُكسر يتأثر مِمَّا عافر به مؤخرا إلى هذا الحد؟

والأمرُّ أن كل ما حصل له في الحياة ليس لأنه فقد تلك الزوجة الصالحة التي ظنها عليها بل لأنه.. فقد حياة.. حياة لن تعود له كسابق عهدها..

طُرق فجأة باب الغرفة لتدخل والدته منه ولكن بملامح بشوشة أثارت توجسه خاصة وهي تقول له بينما تنظر بتردد لأحد ما يقف في الخارج

((مُؤيد عزيزي غادر من هنا فصبر ابنة جارتنا أم أحمد تريد الاعتناء بالولدين))

اتسعت عينا مُؤيد وهو يناظر فتاة صغيرة في العمر يلحظ توترها وخجلها، غاضّة بصرها عنه، وعندما لاحظ استغراقه في النظر لها سارع هو الآخر يغض البصر عنها بينما تتابع والدته

((صبر ما شاء الله تدرس التمريض وعندها خبرة في التعامل مع الأطفال وتطوعت أن تمرضهم طول الليل))

قوس مُؤيد حاجبيه لتكمل والدته

((المربية السابقة التي جلبتها لهما كانت قاسية بعض الشيء ولم يكن عليّ أن أسمح لها أن تصرخ عليهم كيفا تشاء خاصة في فهد فهو طفل حساس))

أومأ مُؤيد بهدوء لوالدته بينما يده تمتد ليتناول عكازه ويتكئ عليه للمغادرة وإحراج قميء يجتاحه من نظرات صبر المختلسة لقدمه المجبسة خاصة وأنها بهذا الجمال الملفت الناعم..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...