الفصل 72 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وسبعون 72 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
10
كلمة
8,252
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

في الزنزانة المنفردة..

لم تعرف شيرين أن تنام جيدا على السرير فوضعت المرتبة على الأرض ولفت حول عينيها رباط أبيض..

لكن لم يكن قد جاء وقت النوم فبقيت اللمبة الكهربائية الملتصقة بالجدار الأسود فوق رأسها مشتعلة لتشعر بها كنيران مذابة تنسكب فوق الرباط ثم تتسرب إلى جفنيها قبل أن تصل إلى عينيها..

تململت مكانها وهي تزيل عنها الرباط عندما جاءها طرق على نافذة بابها الفولاذي قبل أن تطل منه حارسة أخرى سمحة الوجه وكبيرة في السن لتخبرها أن الرائد مُعاذ يريد التحدث معها..

حاولت شيرين أن تضع على عجل وشاحها كيفما كان وقد لفتها الحيرة بماذا قد يريدها مُعاذ الآن..

نهضت بعدها فاستقامت بتوتر أمام النافذة التي تعلو الباب الفولاذي حيث وقف هو بشموخ أمامها..

أمعنت النظر بملامحه وهو يسألها بصوته الرخيم

((كيف حالك يا شيرين الآن؟ هل اعتدت على هذا المكان هنا؟))

تلبكت وهي تناظر بعجب الحارسة التي تقف خلف مُعاذ ليبرر لها الآخر

((لا تقلقي، الحارسة أم محمود سبق وأخبرتها عنك وعما مررت به هنا، أنا أعرفها منذ زمن، إنها امرأة طيبة ولا تتأخر عن تقديم المساعدة لمن يحتاجها))

ابتسمت المرأة الكبيرة في السن لشيرين التي كانت تطالعها لتدعم كلام مُعاذ مما جعل شيرين ترد بعد لحظات

((صحيح أن الغرفة هذه تظل مكان في السجن لكنها أفضل من غيرها حقا، على الأقل يوجد نافذة وهي خالية من أي حشرات))

قهقه مُعاذ على كلامها بخفوت ثم عقب

((نعم أعرف كيف هي الحشرات، كابوس لجنس حواء))

لوهلة بقيت شيرين ضائعة في ضحكته الرجولية الجذابة القادرة على غزو قلب أي أنثى وامتلاكه في راحته مكتوف اليدين! ثم سرعان ما هزت رأسها تجلي تأثيرها عنها قبل أن ترد بخجل

((الحقيقة أنا لم أعد أخاف منها، لقد اتضح أني شجاعة وقد تبدد خوفي والوهم الذي كنت أعيشه من تلك الحشرات الصغيرة التي يجب أن تخاف هي مني لا العكس، لكن من اللطيف عدم رؤيتها))

هز مُعاذ وجهه لها بتفهم قبل أن يغمغم بصوتٍ أجشٍ عميق

((لا تقلقي لن يطول بقائك هنا في الانفرادي وسرعان ما ستعودين للعنبر الأول الذي كنتي فيه، وبعدها ستظهر براءتك لتخرجي من هنا.. أنا تحدثت مع المحامي الذي تم تعيينه لك))

صمتت شيرين تطالعه بامتنان لكن لم تقدر أن تتفوه بشيء.. بل عضت على شفتها السفلى.. لا تعلم لِمَ يعاملها مُعاذ هنا كما لم يفعل أحد حتى لو كان متأكدا من براءتها؟ هل يشفق عليها ويتعاطف معها أم يحمل نفسهُ مسؤولية ما فعله وليد بها لأنه لم يدرك ما تعانيه عندما استنجدت به منه!

ابتلعت شيرين ريقها بصعوبة وساد صمت طويل بينهما..

حتى أن الحارسة أم محمود ابتعدت عنهما وذهبت لتجلس في زاوية بعيدة.. كأنها تريد أن تتركهما ليتحدثا على راحتهما مثلا؟

صدح صوت رنين هاتف مُعاذ فانتشله من جيبه ورفعه ليقول عفوية

((إنه أخي مُؤيد مجددا، أحاول زيارتك والتحدث معك في وقت استراحتي لكنه يعرف هذا الوقت تماما فيتصل بي أثناءه!))

كان يناظرها بتساؤل أثناء حديثه كأنه يأخذ رأيها بالرد عليه! رفرفت شيرين بعينيها ولم تعرف ماذا تجيبه.. فقد ظل يطالعها يريد ردها مما جعلها ترفع يدها تمسح فوق وجنتها المحمرة بحرج وتقول بخفوت

((وهل تسألني حقا؟ بالتأكيد يمكنك الذهاب والرد عليه))

رد مُعاذ على اتصال أخيه لكنه لم يذهب بعيدا بل بقي بالبهو يسير فيه بينما يصل جزء من صوته لشيرين داخل زنزانتها..

تساءل مُعاذ بهدوء وهو يضع الهاتف على أذنه

((هل حدث شيء يا مُؤيد في البيت أم هو اتصال عادي؟ كيف هي إصابة قدمك؟))

كتفت شيرين ذراعيها وهي لا تزال تصغي وتمعن التفكير بذهن متيقظ بكلام مُعاذ مع أخيه طوال دقائق المكالمة..

لم تفهم كثيرًا مشكلة أخيه التي جعلته ينفصل عن زوجته إلا أنها بسبب تفكيره المتزمت..

قاطع مُعاذ أفكارها عندما أنتهى من اتصاله وهو يعود ليقف أمام النافذة مبتسما لها ويتحدث بهدوء متأصل فيه

((أخي مُؤيد هذا لا يرى الصواب والخطأ إلا بعينه دائما، كل المبادئ لها معايير مختلطة ومختلفة لديه، قاس المراس وصعب الإرضاء، وحتى بالمهادنة يصعب أن يصل أحد له.. لا يحب أن يخرج بزوجته أو تخرج هي مع الأولاد لتزور أحد أو تتخذ صديقات والى الآن لا يستوعب سبب فشل زواجه هذا))

فهمت شيرين أن مُعاذ يريد التحدث معها بموضوع أخيه دون الدخول بالتفاصيل فبادلته ابتسامة رقيقة وهي تقول

((لم أفهم تحديدا ماذا حصل لكن لو يعلم أخاك مُؤيد قدر الراحة النفسية التي تشعر بها المرأة بعد لقائها بصديقتها لحفز زوجته على لقائها.. هل يستطيع هو الاستغناء عن علاقاته الاجتماعية ولقاءًته بالأصدقاء مكتفيًا بزوجته داخل البيت وخارجه؟))

رفع مُعاذ عينيه يحدق بها بابتسامة مستمتعة بحديثها بينما يعيد هاتفه إلى جيبه..

فتوترت شيرين من ابتسامته تلك بسبب جاذبيته الرجولية.. لا بل ربما بسبب أنها ابتسامة تضج بالاحتواء والحنو وكأنها ابتسامة رجل لامرأة مميزة في حياتها.. عند هذه الفكرة تفاقم توترها فسارعت تكمل حديثها مؤكدة في نفس الموضوع

((أنا لا أمزح يا مُعاذ.. سهر مهمة جدًّا في حياتي.. هي بمثابة طبيب نفسي لي ولا أدري لو لم تكن موجودة كيف سيكون حالي، إنها بمثابة حلقة وصل بيني وبين أخوالي منذ دخولي هنا ولا تتوقف عن زيارتي))

صدرت منه ضحكة مبحوحة قصيرة.. ورغبة شقية أن يكون له في حياتها معنى ووجود مهم.. كتلك الرغبة التي كانت تجتاحه عند رؤيته لها في أيام والدها الأخيرة.. وهي شاركته ضحكة خافتة ملئ قلبها.. رغم الهموم الثقيلة الظاهرة على وجهها المرهق..

اقتربت أم محمود من مُعاذ تقول بصوتها الوقور تنبهه

((يا سيادة الرائد انتهت نوبتي الآن وسأغادر بينما ستحضر حراسة النوبة المسائية، تعال معي حتى لا تجلب أي انتباه إلى شيرين، لن يعجب أحد أن يكون هناك تواصل مستمر وطويل بينك وبين إحدى النزيلات))

طالعها مُعاذ بامتنان وعرفان على مساعدتها له ثم قال

((نعم بالتأكيد، هذا هو ما أحرص عليه))

ثم تطلع لشيرين يقول بثبات سرق نبضات قلبها

((إذا احتجت أي شيء لا تتردي بإخباري أو إخبار أم محمود))

بارح المكان ولحقته أم محمود الطيبة بعد أن ألقت السلام على شيرين وأغلقت النافذة عليها..

سمعته يلقي بعض التعليقات على ضابطات النوبة الحالية في الخارج بصوتٍ فيه رنة هيبة فطرية وقوة هائلة تبهر أيا من كان أمامه..

هل لا زالت تلوم نفسها أنها اتخذته من البشر مليئا لنفسها من وليد منذ البداية وكل شيء به ينفض كيانها نفضا ويهز عروش ضعفها هزا..

جلست على سريرها وهي بالكاد تمنع ابتسامة من أن تشق تغرها.. فمُعاذ يثير بداخلها مشاعر جميلة لم تكن تعرف بوجودها في هذه الحياة.. حتى عندما كانت واقعة في الحب مع وليد في الماضي..

شخصيته لا تقل جاذبية عن مظهره.. بل فيها تناسب طردي.. تناسب لذيذ..

حينما يتحدث معها برقة ثم تتبدل لهجته بغير لين مع موظفي السجن..

حينما يتعامل معها بحنان.. يتبدل لخشونة وحزم مع الباقي هنا..

=============================

ليلا..

وبعد أن تأكدت ياسمين من نوم ابنتها ولجت لجناحها وفتحت خزانتها تخرج منها أقصر قميص ترتديه..

أنهت تجهيز نفسها لتشعر بالتوتر يجتاحها..

بدأت تدور في الغرفة بغير هدى وهي تفرك يديها بعنف بانتظاره.. وعندما تأخر الوقت انسلت هاتفها لتتصل عليه لكن غلبها توترها فألقته بعيدا..

عادت تذرع الغرفة ذهابا وإيابا وهي ترتجف قبل أن تقرر أخيرا إمساك هاتفها مجددا وتكتب له باختصار

"هيا يا مَازن احضر.. لقد تجهزت"

وصلها أكثر رد مستفز تخيلت أن يكتبه لها يرد عليها

"أنا مشغول ولست متفرغا الآن"

تضرجت حمرة الإهانة بوجهها ووجدت نفسها تتصل به ثم تنفعل هاتفة

((مَازن هل جننت!؟ قلت لك أن تحضر هل سيطول هذا الذل قبل أن تفعل!))

تذمر لها باقتضاب

((انظري إلى هذه الفظاظة! كيف تريدين مني مغادرة سهرتي اللطيفة في تنظيف القبو والقدوم لرؤية امرأة مثلك!؟))

اتسعت عيناها عندما أغلق الهاتف في وجهها وبدأت دقات قلبها تخفق ألما وهوانًا..

ازدردت غصة مسننة ثم عادت تطلب رقمه من جديد وما إن جاءها رده حتى قالت بصوتٍ مختنق تصطنع اللطف والدلال بصعوبة

((مَازن.. أنا تجهزت.. هل يمكن أن تأتي الآن؟))

جاء رده باردا كالثلج

((ولماذا آتي؟ ماذا هناك عندك؟))

يبدو أن المهانة والإذلال هذه الليلة لن ينتهيا أبدًا..

عضت على شفتها في خزي، ثم نطقت بصعوبة واختناق

((مَازن لا تراوغ، تعال فورا.. لو سمحت))

تنهد مَازن بضجر ثم قال

((أنا لن أجلس طول الليل أسألك، إذا لم تريدي إجابتي سأغلق الهاتف..))

هرعت تقول بلهفة ورجاء

((لحظة.. لحظة.. لحظة يا مَازن أرجوكَ لا تغلق.. لقد جهزت لك نفسي))

شاب نبرته المكر والتسلية وهو يقول

((لا تتحدثي بنبرة مبهمة، اشرحي أكثر))

تقبضت يد ياسمين الحرة حتى ابيضت ثم قالت بصوتٍ متقطع

((أريد أن أرقص لك، هل يمكن أن تأتي يا.. يا..))

حثها أن تكمل بشقاوة لا يرحم عذابها

((يا ماذا؟))

بالكاد أجبرت صوتها المحتقن المكتوم أن يتلفظ

((يا حبيبي هل يمكن أن تأتي))

همهم مَازن للحظات تفكير أتلف فيها أعصابها ثم قال بعنجهية

((ممممم.. حسنًا سآتي لألقي نظرة لعلي أجد ما يسر الرائي))

ومرت دقائق حتى فتح باب الجناح عليها ثم توغل للداخل وهو يضع يديه في جيبي بنطاله ويقول باستياء بينما نظره مسددا عليها جالسة

((ما هذا الذي ترتدينه! ألم تجدي شيئا عندك يظهر مفاتنك أكثر من هذا! لا بد أن أمي العجوز ترتدي أمام أبي بعد أن يُغلق الباب عليهما ملابس أكثر إغراءً))

تنافرت عروقها وبرزت كأنها تهرب من السعير المتقد في داخلها جراء ما يقوله لكنها غضت بصرها عنه وقالت في حرجٍ مرير

((ليس عندي قمصان نوم تناسب العرائس!))

تنهد بضجر ثم قال وهو يلوح يده لها باستخفاف

((حسنًا هيا ارقصي وخلصينا، لي الجنة إن شاء الله على هذا التقشف الذي أعيشه معك))

بشق الأنفس أجبرت نفسها على الوقوف من مكانها فسمعته يزفر قبل أن يتبرم بضيق ممزوج بالحسرة

((يا إلهي! لقد بدا هذا القميص أقصر عندما كنت جالسة! رباه! حظي تعِس للغاية))

تدحرجت عبرة يتيمة على خدها ومع ذلك حدجته بعينين ناريتين.. أما هو كان يريد أن يمحي بوادر التمرد من عينيها فأشار لها بهوان أن تتقدم ثم أمرها بعنجهية

((حلي أول زرين من القميص الذي ترتدينه))

كادت أن ترتجف وتبكي من الطريقة المهينة التي يحدثها بها.. لكنها أطاعته وتحركت أصابعها نحو أزرار قميصها تحلها ببطء كان مقيتا له مِمَّا جعله يهتف باقتضاب ويقول كمن يحدث جارية أو مملوكة له

((لن نخلص هكذا إلا بالغد.. تعالي اقتربي مني أحله لك.. اقتربي.. خلصينا..))

برضوخ تقدمت منه فدنا لها قائلًا

((دعيني أحل أول زرين من قميصك.. أو ربما أول عشرة أزرار..))

وقام بحل كل أزرار القميص وحررها منه وعندما أرادت ستر مكامن أنوثتها ثبت ذراعيها إلى جانبي جسدها..

أغمضت عينيها عاجزة عن رؤية نظراته إلى جسدها..

استمر الوضع لدقائق قبل أن تفتح جفنيها ببطء وتنتبه أن عينيه لم تنحسرا عن وجهها.. كأنه لا يريد أن يمتع نظره بجسدها بل يريد فقط إذلالها..

أشاحت بنظرها عنه تخفي هزيمتها.. قبل أن تشعر بصدى أنفاسه الحارة وهو يقول

((والآن لأشغل أغنية تناسب الرقص.. هل لديك اقتراحات أغاني ستساعدك في عرض إمكانياتك التي قد تجعلني أتراجع عن طلاقك الليلة؟))

لم تجبه فترك يديها وأعاد رأسه للخلف هادرًا

((ابدئي الرقص من الآن ريثما أختار أغنية على ذوقي))

فغرت شفتيها تحدق به.. هل حقًا يريدها أن ترقص له.. هكذا.. شبه عارية لا يسترها إلا القماش القليل..

دمعة أخرى وقفت على حدود عينها.. لحظاتٍ مرت كالدهر عليهما وهي متجمدة مكانها.. وهو يمعن النظر إليها عن كثب.. مشيدا بينه وبين نفسه بقدرتها على الجلد والتحمل دون أن تثور أو تنفعل أو تتمرد!

ما إن أجبرت نفسها أن تبتعد عنه لتباشر ما طلبه منها حتى عاد يأمرها ببراءة منقاضة للعبث الذي يتجلى على ملامحه

((أوه مهلا توقفي يا ياسو.. لحظة.. هناك شيء أخر))

ثم أردف لها بما جعل الدماء تفور من وجهها

((تعرفين أني أعشق شعرك يا ياسو.. أطلقيه لي))

ازدادت تسليته وهو يراها تطبق على أسنانها تتميز غيطا قبل أن ترفع يديها وتحرر شعرها من الرباط المطاطي المحكم.. ولكن ببطء بسبب ارتجاف يديها..

تشدق بنزق بعد التنهيدة المئة

((لن ننتهي هكذا.. اقتربي مني مجددا لأفرده لك))

واجتذبها له ليسحب هو الرباط الذي يحتضن شعرها..

شعرت برغبة في الموت للتخلص من هذا الذل وهو يعاملها كجارية بين يدي سيدها الذي اشتراها بأمواله لتلبي رغباته الجسدية..

أغمضت عينيها حتى تمنع دموعها من الانهمار..

بعدما أطلق مَازن شعرها الطويل الكثيف صوب بصره إليها متوهجا بالرضا واتسعت ابتسامته ثم عدل جلسته يضع قدما فوق الأخرى وطفق يقول ببسمة لعوب

((هيا ابدئي الآن..))

صمتٌ أحكم قبضتيه على عنقها فأبى الهواء التزاحم لدخولها! فظلت متسمرة مكانها كمن شُلَّت حركته.. فعاد يلح عليها مستفزا جمودها

((هيا ارقصي.. إلى متى سأنتظر!))

كان ساخرا بحديثه بتهكم مجردٍ من الرفق أو الإنسانية فشعرت بتقلصات في معدتها وحتى رجفة جسدها تفاقمت..

احتشدت المزيد العبرات لتتجمع بعينيها وتلسع مقلتيها بألم من الإذلال الذي تتعرض له..

وهو لا يرحمها وهو يردف بنبرته المتهكمة بحدة راسخة

((كم سأنتظر حتى ترقصي! تحركي وافعلي أي شيء آخر لتغويني.. أريدك أن تزلزلي روحي المتقشفة الجافة أيَّما زلزلة))

تراجعت خطوات للخلف وحانت منها نظرة لانعكاس صورتها على مرآة منضدة الزينة قبل أن ترى نفسها كلها..

ورباه كم شعرت بنفسها محطمة وجدرانها هشة.. وكرامتها المتعرية ممزقة إربا.. إربا..

شعرت بالبرودة تكتسحها وتسري في أجزاء جسدها.. إنها حرفيا أمامه كجارية سقيمة تحاول إرضاءه.. كل هذا فقط حتى لا يرميها في الخارج ويفسد أمانها مع ابنتها!

تهالكت ركبتيها تحتها وانثنت على الأرض راكعة بضعف يمزقها وملأت السكون بدوي نشيجها وقد سالت دموعها على وجنتيها بحارا وأنهارا وهي تحتضن نفسها بذراعيها وتشعر بالامتهان وذل يحكم قبضته جيدا على قلبها وعقلها وروحها..

ظل مَازن للحظات بلا تعبير واضح عليه يسدد نظره إلى مظهرها المنهار.. كالشاة المساقة إلى الذبح..

شهقاتها المذبوحة صدعت جدران قلبه الذي حاول تغليفه بالحديد المسلح.. فتقدم منها وأمسك بوجهها بين كفيه يمسح دموعها الجارية تارة بإبهاميه وتارة بشفتيه.. يخفف عنها بصوته المبحوح

((يكفي يا ياسو.. يكفي..))

مال ليغمر شفتيها بقبلة لكنها امتنعت عنه وقالت من بين شهقاتها بارتعاش شعورها العارم

((فقط ابتعد عني وبارح المكان))

في أي مرة اقترب منها قبلا لم تكن تحاول التمنع ظاهريا أو الرفض صراحة لكن بعد دقائق الذل هذه التي جرعها لها شعرت أنها لن تتحمل قربه أو لمساته أبدًا لذلك نهرته أن يبتعد..

تصلبت ملامح مَازن وقال بثبات وكبرياء

((حسنًا سأغادر المكان وأعود للقبو لأكمل تنظيفه، أخاف إن بقيت هنا أن تظن عائلتي أني تراجعت عن طلاقك))

=============================

بيت مُصعب ونورين.. غرفة النوم..

تململت نورين التي لم يغمض لها جفن طوال الليل مكانها.. سارحة تفكر وتشعر بمُصعب المتمدد جوارها غارق هو الآخر في التفكير، معتقدًا أن ظلمة الغرفة الدامسة ستخفي قلقه وألمه على حال ابنة عمه..

شعرت أنها تتألم لردة فعله التي تجرحها رغم أنها شعرت بشيء من الألم لأجل رشا.. لا بد أنها عانت حتى تغلبت على المرض الخبيث ولعلها عانت أكثر من نهو مُصعب في الماضي عليها وهذا ما دفعها أن تهرب منه ومن البلاد كلها إلى أمها التي تمكث في الخارج..

لكن هل مرضها الذي شفيت منه قد يجعلها تسمح لمُصعب أو لرشا التلاعب بحياتها ومصيرها لتدفع ثمن ماضيهما؟

التفتت نورين لمُصعب تهمس مناديه إياه في الظلام، لكنه لم يجب كأنه يريد أن يتظاهر بالنوم..

نادته هامسة من جديد وهي تمد يدها له لتلمس وجهه تريد أن تتأكد من أن عينيه لا تدمعان أثناء استغراقه في شروده.. لكنه شعر بها فأمسك بيدها قبل أن تصل إلى وجهتها، هامسًا

((أريد النوم يا عفريتة، اخلدي للنوم))

لكنها أحست برغبة ملحة في الاقتراب منه، فعادت تمد يدها إلى عينيه ليردعها وهو يكرر بإصرار حازم

((أريد النوم يا نورين.. لو سمحتي))

همست له بصوتٍ متحشرج

((لكني مشتاقة لحضنك، لا أعرف النوم بعيدًا عنك، أنتَ شارد بعقلك منذ أيام وتهملني))

قال لها بعد لحظات صمت

((كان اليوم متعبا وطويلا في عملي بالمشفى، نامي وسأعوضكِ لاحقًا، أعدك))

كان صوته الحزين المبحوح واضحًا، ومتألمًا أكثر مما تخيلتْ هي أو توقعتْ.. كل هذا الألم لأجلها هي رشا!

هل عليها أن تعطي نفسها الحق في محاسبته على مشاعره وأشجانه وذكرياته تلك التي يحاول أن يخفيها احتراما لها ويفشل؟ خاصة وأنه تزوج منها بشكل فجائي ولم يعطَ وقت ليتخلص منها قبل الزواج؟

اعتدلت نورين جالسة في مكانها وهي تضع يدها فوق بطنها البارزة قليلا وفتحت إنارة المصباح الخافت قبل أن يختضّ جسدها وتجهش بالبكاء..

شلة حركة مصعب من بكائها الفجائي وانتفض جالسا يحاوط كتفيها ويقول بلهفة قلقة وعيناه تتجولان على وجهها المُحمر قبل أن يجتذبها إليه يثبط خوفه هو عوضًا عن خوفها

((ماذا هناك يا نورين؟ لماذا تبكين؟))

لم تجبه نورين بل ظلت تبكي وتبكي بانهيار.. ينتفض جسدها كله بالبكاء.. تهز رأسها وهي تقول بحشرجة

((أنا لا أستطيع التحمل، منذ أن عرفت بعودة ابنة عمك هنا ولا يهنأ لي نوم، ألتزمُ الصمت حتى لا أزعجك بأفكاري السخيفة لكني أشعر أنك تغيرت عليّ، تغيرت كثيرا))

ما إن فهم ما ترمي إليه حتى حقّر من مخاوفها

((هل هذا سبب بكائك الشديد؟ نورين.. قلت لك ألف مرة أني لم يسبق وأن أحببت رشا لا قبل ولا أثناء ولا بعد زواجنا، لكن من الطبيعي أن ينشغل تفكيري بها قليلا هنا فهي ابنة عمي وكانت مريضة ومع ذلك أحاول أن أكون حليفكِ ضد نفسي وضد ماضيَّ))

عند هذه النقطة ومع هذه الكلمة انفجرت هي بالبكاء أكثر والنحيب لتقول بلوعة

((هل انشغال تفكيرك بها فقط لأنها كانت مريضة؟ لأني في الماضي كنت أقول لنفسي أن كل ما تكنه لرشا هو فضول طبيعي عند أي شخص لتعرف كيف تعيش وماذا لديها لتفضل السفر على البقاء معك فهي من تركتك وربما أنتَ لا تزال تشعر بالإهانة والقليل من الغضب على ما حصل.. لذا قررت أن أعطيك مساحتك من الحرية فأنتَ إنسان قد مررت بتجربة كانت مؤلمة بالنسبة لك حتى لو كنت أنتَ المخطئ فيها وحاولت أن أعوضك عن تلك التجربة السيئة بالمحبة والتقبل والتفهم ولكن..))

لم تكن ترغب بالبكاء العنيف قدر رغبتها بالصراخ النابض انفعالا.. الصراخ بوجهه هو.. فكان جسدها لا يزال يرتعش بقوة وشهقاتها تعلو وترتفع وبلا وعي منها تزيد بالبكاء لعلها تفرغ هذا الاختناق المريع بداخلها..

وهو.. حيث حاله.. ظل بلا كلمة.. فاغر الشفتين وقد ترققت ملامحه قليلا..

وما إن هدأت قليلا همست له بتوسل

((أريد التحدث لك بشفافية وصراحة حتى لا أفترض الأشياء ولا أتصرف بناء على محض أوهام من نفسي))

أثّر بكاؤها عليه ولوهلة عرف فداحة خطأه لأنه لم يستطع احتوائها الفترة السابقة التي عادت فيها ابنة عمه.. ازدرد ريقه قبل أن يقول لها بحنو وعاطفة

((أنا لا أخدعك، أنا لم أحب امرأة في حياتي غيرك، زواجي برشا لم يكمل السنة ولم أشعر فيها تجاهها بالحب.. لكن يا عفريتتي الحبيبة لا تطالبيني بالبوح أكثر من ذلك، ففتح دفاتر الماضي لن نكسب منه شيء إلا إفساد حاضرنا فلننساه ولنتركه في طي الكتمان..))

قاطعته تقول بإصرار وعناد صلب

((عدم صراحتك في إفراطك بالتفكير بابنة عمك لن يحسن من الأمر.. عليك أن تخبرني بكل شيء يتعلق بماضيك معها طالما أنه الشيء الوحيد الذي سيجعلني أثق بك وبحاضري ومستقبلي معك، كل مرة تفتح معي السيرة أغلقها هنا، لكن هذه المرة لن يحدث هذا أبدًا..))

نأى مُصعب بوجهه عنها وقد عرف أنه لا سبيل لإقناعها وإمدادها بشعور الأمان إلا ببوح الحقيقة لها وهذا ما لن يستطيع فعله فقد أعطى لرشا كلمة بعدم إخبار أحد..

هو لا يقبل أن يفضح ولو تلميح من بعيد على أي فتاة فماذا لو كانت الفتاة هي ابنة عمه وشقيقة يحيى!

عندما رأت نورين إصراره على عدم البوح هتفت به بغضب حارق

((لقد أخطأت بحبي لك وحمل طفل في أحشائي.. أخطأت بجعلك تجتاح حياتي بهذا الشكل العميق في حين أنك في المقابل لم تبادلني نفس الشيء، لم يكن عليّ أن أشعر بالأمان العاطفي معك أبدًا..))

كانت تهم بالابتعاد عن السرير وهي تسترسل

((لا أصدق أني امرأة بلهاء مغفلة سرعان ما أحست بالأمان والحب معك بعد الزواج..))

أمسك بيدها يجتذبها لصدره معانقا إياها بقوة رغم تعنتها ورفضها في البداية.. وتسرب له بوجدانه ألم مبرر على ما تسبب به لها..

دفنت نورين وجهها في صدره تبكيه وتبكي حبها له.. لدقائق..

خفتت شهقاتها إلا من نشيج خافت لتدرك بصدمة أنه يضمها إليه كأنه يواسيها فتراجعت بملامح منقبضة وعيون زائغة وهو تركها دون مقاومة.. فتطلعت له باضطراب.. إنه يريد غمرها بعض الحنان عن قصد حتى يُسكتها وتستلم لهذا الحنو الغادر بخنوع ليعود إلى شروده في ابنة عمه..

هذا بالضبط ما فعله بها في الماضي في كل مرة كانت تفتح له سيرتها.. لكنها من الآن وصاعدا لن تسمح لهرمونات ضعفها أن تتحكم في عقلها وتسلبها القدرة على التفكير المنطقي لتتقبل خداعه بكلِ نفسٍ راضية للعودة إلى نعيم حنانه..

فتحت شفتيها تقول بصوتٍ مختنق

((أتعلم ما هو الحب؟ هو أن تضع نفسك تحت من تحب متأكدا أنه لن يستغل ضعفك وعجزك أبدًا، لكن الآن بت لا أشعر بهذا معك، لأني أظن أنه في أي لحظة قد تخبرك ابنة عمك أنها تريد العودة لك لن ترفض، وأنا سبق وأخبرتك حتى لو كنت متأكدة من حبك لي فأنا لن أقبل بك كرجل مشترك تمارس البطولة في حكايتين ومنزلين، لن أتحمل أن تشاركني بك امرأة لها فيك ما لي أنا))

كان لازال بوجه صلب يمعن النظر فيها بينما هي نشجت بقوة وهي تشهق بهمسها المختنق

((أنا نادمة لأني لم أستغل تلك الفرصة التي خيرتني بها بين البقاء عندك برغبتي أو العودة لعائلتي مع تحملك كامل مسؤولية كل شيء، مع الأسف لم أكن ذكية بما يكفي لأعلم أن عليّ أن أرحل قبل أن يربطني بك طفل..))

قامت من مكانها تنظر حولها بتشتت قبل أن تفتح خزانتها وتخرج ملابس لها وهي تكمل هاتفة

((أنا أساسا لا أشعر معك بسعادة وراحة كلية فأنا هنا أعيش بلا هدف، فلا أكملت دراستي كما كنت أحلم، ولا أعمل بمجال قريب أو بعيد من تخصصي))

هنا فقط استطاعت أن تنجح بجعل ملامحه تضطرب إلا أنه لم يعقب عليها بل غادر مرقده يقف مقابلها هاتفا

((لماذا تحزمين أغراضك في الحقيبة؟))

أجابته وهي مستمرة بانتشال ملابس تخصها من الخزانة

((سأذهب عند عائلتي ولن أعود))

ولوهلة توقفت يدها عما تفعله خوفا من أن يعايرها بطريقة زواجهم.. بأنها كانت عروس ثأر ولا يحق لها ما يحق لغيرها ممن تزوجت زواجا طبيعيا.. إلا أنها سمعته يقول بصوتٍ واجم قبل أن يبتعد عنها

((حسنا إذن أكملي حزم أغراضك وأنا سأوصلك!))

ما إن بارح الغرفة حتى شعرت بقلبها ينغزها صراخا كأنه استيقظ فجأة فاعتصر نفسه يتضرع الرحمة..

أفرج ثغرها عن شبه ابتسامة تتقاطر منها الأوجاع وهي تتابع بحركات لا حياة فيها ارتداء ملابسها..

=============================

في الطابق الأرضي في القصر حيث القبو الذي كان عبارة عن مخزن كبير حوله مَازن إلى مكان صالح للجلوس فيه بعد أيام من سلسلة تنظيف منهك..

دعا مَازن جميع أصدقائه إلى هذا القبو لمشاركته في ألعاب الفيديو وبعض الألعاب القديمة بنكهة الطفولة كما كانوا يفعلون في الأيام الخوالي..

تواجدوا عنده من الصباح يلعبون جميعا في منتديات الألعاب ويتنافسون في الدورات الإلكترونية التي يتواجد بها عدد ضخم من اللاعبين.. كانوا جميعا يستمتعون بوقتهم وهم منعزلين بأنفسهم في عالم آخر كليًا..

تكفلت منال بصنع كل وجبات الطعام اللذيذة له ولأصدقائه كما وعدته بعد أن أخبرها برغبته بدعوتهم هذه المرة عنده..

عند حلول الليل غادر أصدقائه المكان ورافقهم مَازن للخروج قبل أن يعود أدراجه للمخزن وبطريقه قطع والده عليه السير وهو يسأله بتجهم

((هل غادر جميع أصدقائك؟ ماذا كنت تفعل معهم منذ الصباح؟ ألا زلتم مدمنين على تلك الألعاب الإلكترونية التافهة؟))

رسم مَازن ابتسامة عريضة وقال

((أبي ألعاب الفيديو ليست تافهة بل تساعدني في الاندماج مع التطور التكنولوجي الهائل، والذي يعتبر بدوره سمة من سمات العصر الحديث والمستقبلي))

رماه يعقوب بنظرات الازدراء وهو لا يراه إلا سفيها تافها قبل أن يقول بخشونة

((انظر لمَالك كيف نضج بمجرد أن أنهى الثانوية وتوقف عن هذه الألعاب السخيفة.. لماذا لا تصبح مثله؟))

عبست تقاسيم وجه مَازن واعترض

((مَالك يحب كرة القدم وأنا أحب ألعاب الفيديو، نفس الشيء باختلاف نوع الهواية))

أصدر والده صوتا ساخرا محتقرا له قبل أن يستدير مبتعدا.. غير راضيا أبدًا عن طريقة عيشه لحياته..

لم يهتم مَازن بنظرات أو أفكار والده عنه السلبية فهي لن تتغير أبدًا مهما فعل..

ذهب لجناحه يخرج من خزانته كيسا فخما يحتوي سوارا ذهبيا كان قد اشتراه لياسمين مع بيت الدمى لابنته هدى بالمال الذي أخذه من مُعاذ بذريعة تحسين علاقته معهما..

أعطى بيت الدمى لهدى وكسب قلبها لكن ياسين فلا امل لهما سويا، ويستحسن منه أن يعطيه لامرأة أخرى لم تتوانَ مؤخرا في بذل جهدها من أجل سعادته..

أحكم إمساكه بالكيس خاصته ثم توجه نحو المطبخ يهتف ((منال العزيزة، أين أنتِ؟))

وكانت فعلا منال الوحيدة في هذا الوقت من اليوم لتنظر له بتوتر يتقدم منها.. فتساءلت بصمت عن سبب مجيئه وقد كانت تريده أن يبقى في القبو حتى تنفذ خطتها مع ابنتها.. لكن مَازن انتشل السوار الذهبي من الكيس وهو يقول لها بصوتٍ مبحوح

((لا تتصورين مقدار امتناني للجهد الذي بذلتيه اليوم في إعداد تلك الولائم والحلوى لأصدقائي، لقد قضينا وقتا لا ينسى بفضلك))

تناولت منال السوار منه مخطوفة الأنفاس قبل أن تقول بانبهار وهي تتفحص السوار

((لا تبالغ يا سيد مَازن هذا واجبي))

تنحنح مَازن قبل أن يقول بجدية وعرفان يثمن مجهودها

((لا ليس واجبك، فأنتِ تعملين هنا في المطبخ لإعداد وجبات العائلة والمزارعين ولست ملزمة بأصدقائي خاصة وأنك منذ الصباح لم تتوقفي عن طرق باب القبو وتزويدنا بأطباق الطعام والحلوى والمقرمشات، أنا أقدر لك ذلك جدًّا))

كانت منال لا تزال تتفحص السوار بينما يردف مَازن بابتسامته الآسرة

((سوار الذهب هذا بسيط، ولكن أتمنى أن ينال إعجابك))

ادّعت منال التأثر وشكرته بامتنان على هديته الغالية.. ثم شهقت كمن خافت من نسيان أمر مهم.. وبتوتر حاولت إخفاءه ذهبت لتجلب كوبا من الثلاجة وتناوله إياه بلهفة

((مَازن لقد أعددت قمر الدين لك هيا اشربه الآن))

وضع مَازن يده فوق معدته واعترض بلطف

((أنتِ تعرفين أني أعشق قمر الدين لكن لن أستطيع أكل أو شرب أي شيء آخر))

ألحت عليه منال برجاء خبيث

((ماذا لو قلت لك أني مصرة أن تشربه كاملا أمامي ولن أسمح لك بالمغادرة قبل أن تفعل ذلك))

إصرار منال المستميت جعل مَازن يرضخ لرغبتها ويتجرع كأس العصير المنعش البارد كاملا قبل أن يشكرها عليه..

وبمجرد أن غادر المطبخ حتى تتبعته منال من الخلف تتأكد من أنه ذهب فعلا للقبو.. وحينها فقط تشقق فمها فجأة عن ابتسامة خبيثة متلاعبة كالأفعى السامة على وجهها..

هرعت نحو غرفتها في نفس الطابق الأرضي حيث تتواجد ابنتها فيها تقول

((نجوم.. نجوم انظري ماذا جلب مَازن لك!))

كانت نجوم تغمر وجهها بكلتا يديها وتبكي بحرارة لأنها لا تريد تنفيذ خطة أمها الحقيرة لكنها رفعت وجهها المحتقن بألم لترى والدتها تقول بصمت قميء بينما تلوح بالسوار الذهبي بيدها

((لقد أخبرني بأنها لك كشكر منه لك وكان يتدفق الحب من عينيه))

طالعت منال ابنتها ترتدي مئزر الاستحمام القصير الشفاف كما أمرتها وحتى أن جسدها الرطب من الاستحمام لا يزال يقطر بالماء.. ثم كالشيطان مالت إليها بمرونةٍ تنفث في أذنها هامسة

((الوقت والمكان مثاليين لخطتنا، علينا تنفيذها الآن، وإلا ستتأجل لمدة أطول وستبرز بطنك، وقتها لن يصدق مَازن أو غيره أنه ابنه!))

اضطربت حدقتي نجوم بعذاب وكانت في حالة يرثى لها من الضغط العصبي والنفسي لتكمل والدتها بشيطنة

((الآن افعلي ما أمرتك به.. أغلقي باب القبو عليكما.. اقتربي منه أكثر من مرة مهما أبدى اعتراضا.. أخبريه أنك تعرفين أنه يهجر زوجته ويريد طلاقها.. أخبريه أن شاب مفعم بالرجولة مثله لا بد أن عنده احتياجات ومن حقه أن يسمح لأنثى جميلة ومهتمة مثلك أن تقترب منه وتواسيه وتشبع حاجته.. أخبريه كم أنتِ مجنونة بحبه وبطلته المثيرة وشجعيه على التعبير عن مشاعره وأن يعيش حياته ولا يدفن نفسه مع تلك المرأة الكريهة المعقدة التي أتهمته بالاعتداء عليها لتتزوج به طمعا بثروة عائلته.. بمجرد أن تنجحي في أخذ موافقته واستسلامه من جديد جريه للنوم معك.. لن يركز بعذريتك لأن الشراب الذي تجرعه سيكون قد بدأ مفعوله))

كان لا زال جسدها متشنجا تحت يد أمها التي حثتها على السير هناك وهي تردف

((بعد العلاقة بينكما عليك أن تخبريه أنك تريدين تكرار الأمر معه فهو رجل ساحر ولا تستطيعين الاستغناء عنه وإذا أبدى ترددا من تكراره أخبريه أنك أيضًا تخافين الله لذا عليه أن يكلل هذه العلاقة بالزواج حتى لو كان عرفيا المهم أن يقضي الليالي معك.. شهر آخر أو شهرين وستخبرينه بحملك وضرورة إعلان الزواج، وبعدها لكل حادث حديث))

خرج من نجوم أنين خافت إلا أن منال تداركت الأمر ومسحت وجهها وهي تقول

((لا تبكي يا نجوم، إذا نجحت خطتنا سيكون أمامك أملا كبيرا في حياة جديدة، ومستقبل مختلف))

بمجرد أن اقتربتا من القبو حتى تركتها منال فشعرت نجوم بنفسها ترتجف بشدة وأنها في حاجة لشيء يهدئ أعصابها.. فأحكمت ربط مئزرها الأسود الحريري حول خصرها وسارت نحو القبو بخطواتٍ متعثرة.. تحاول الاتكاء على الجدار من فرطِ انفعالها وذعرها مما هي مقدمة عليه..

دخلت بخفة وهدوء للقبو الذي كان يتكون من غرفة صغيرة وأخرى كبيرة في الداخل يربطها ممر صغير..

سمعت صوت جلبة من الداخل فعرفت أن مَازن في الغرفة الداخلية الكبيرة وبخفوت شديد أغلقت الباب خلفها بالمفتاح وبدا أن صوت إغلاق المفتاح بالباب كان أكثر من كافٍ ليتناهى إلى سمع مَازن ويصدح صوته

((من هذا الذي أغلق الباب بالمفتاح؟))

انتفض مَازن من مكانه نحو الباب خوفا من أن يكون أحد غفل عن وجوده هنا وأغلق الباب عليه لكنه تفاجأ بنجوم تقف أمام الباب دون حجاب بل دون ملابس تغطي كل هذه المفاتن التي يظهرها روبها الحريري..

ورغم فرط التوتر الذي كانت نجوم غارقة به إلا أنها صرخت من مكانها عاليا مدعية الصدمة

((يا إلهي سيد مَازن ماذا تفعل هنا!؟ ألم تغادر أنتَ وأصدقاءك القبو!؟))

شحب وجه مَازن شحوبا يحاكي الرخام الأبيض وعلى الفور استدار للخلف يعطيها ظهره وصدره يرتفع وينخفض بعنف قوي..

وبالكاد وجد صوتا ليقول باضطراب مبررا موقفه

((لقد عدت قبل قليل لأنظف الجلبة التي أحدثناها.. ألم تسمعي صوتا في الداخل عندما دخلت القبو؟ ماذا تفعلين أنتِ هنا؟))

ازدردت نجوم ريقها وقالت بصوتٍ خافت متذبذب وهي تشير إلى خزانة داخل القبو

((أنسيت أني أنا وأمي وبعض العاملين نقطن هنا في الطابق الأرضي! وأنا معتادة على وضع بعض الأغراض الخاصة بي هنا في الخزانة هذه))

أخذ الذعر كل مأخذ بمَازن ووجد نفسه يتلعثم مبررا

((أنا لم أكن أعرف بأنك تضعين أشيائك في الخزانة هنا، منال لم تعلمني إذا كان عليّ مغادرة هذا القبو في وقت محدد بعد أن قلت لها أني سأدعو أصدقائي هنا))

اقتربت نجوم بحذر من مَازن ترفع يدها له هامسة

(إذن أخبرني ماذا سنفعل؟))

لكن ما إن لمست بيدها كتفه حتى انتفض بعيدا عنها وقال بعصبية

((وماذا سنفعل برأيك؟ بسرعة افتحي الباب وغادري قبل أن يأتي هنا أحد ما ويراك بهذه الملابس))

بدأت الدموع تترقرق في مقلتيها وهي تجد أن الأمر أصعب مما تتوقع.. فقد ظنت أنه بعد أن يراها بهذا المئزر الذي يكشف أكثر مما يظهر سيُسلب عقله وهو من سيقترب منها منصاعًا بحركة غريزته.. كما حال ابن خالتها الذي سلبها أعز ما تملك رغم أنها لم يسبق وأن ارتدت أمامه إلا ملابس ساترة وفضفاضة..

للحظة كانت تريد فتح الباب والخروج فعلا لكنها ألقت نظرة على السوار الذهبي حول معصمها الذي ألبسته أمها لها بعد أن أخبرتها أن مَازن أحضره لها..

كان مَازن لا زال يعطيها ظهره فعقدت حاجبيها بتصميم.. وبخفة بدلت مفتاح الباب بالآخر الذي تخبئه بجيب مئزرها الرقيق.. ثم وضعت المفتاح الأخر في مكانه داخل مقبض الباب وبدأت تحركه وتدعي أنها تحاول فتحه..

وعندما مرت دقائق دون أن ينفتح كان صبر مَازن قد نفذ فاستدار ناحيتها ليقول بغضب متأجج

((ساعة لتفتحي الباب!؟ أين المفتاح؟ هاتيه، لأفتحه أنا))

انتبهت نجوم كيف لا يزال يحاول التحدث معها دون أن يضع نظره عليها فابتعدت جانبا عن الباب تترك له المجال للمحاولة..

أمسك مَازن المفتاح وبدأ يحاول تحريكه وتدويره داخل مكانه لكن دون فائدة تُرجى.. حتى أنه أخرجه عدة مرات وأعاد إدخاله لكنه لم يدر ولا دورة واحدة حول مكانه

((رباه إنه لا يفتح، إنه لا يفتح، رباه! كأن هذا المفتاح مختلف تماما ولا يخص الباب!))

أغمض عينيه وهو يخفض رأسه بإنهاكٍ حتى أسند جبهته على الباب وهو يهمس بخشونة متحشرجة

((هل يعقل أن أكون كسرته أنا أو أنتِ قبل قليل من عنف التحريك! ماذا لو لاحظ أحد غيابنا وجاء يبحث هنا! لقد انتهى أمري))

تخيل بذعر مجيء والده للقبو ورؤيته يخرج منه مع نجوم التي ترتدي هذا المئزر الفاضح! لن ينجح هو ولا أحد في العالم بأسره بإقناعه أن الأمر ليس كما يعتقد..

إذا لم يقتله والده أو يتهمه بمحاولة إغرائها بالتأكيد سيطرده خارج القرية ولن يمده بالمال أبدًا..

بينما عقله متوغل في أطنان هذه الخواطر السلبية اقتربت نجوم ببطء وحذر ومدت يدها تلامس كفه.. ما إن شعر بملمس جلدها الناعم حتى انتفض مبتعدًا عنها وغض طرفه مما جعلها تقول بصوتٍ مبحوح خافت يتقد بحمرة الخجل

((دعني أحاول فتحه مجددا..))

ابتعد مَازن قليلا عن الباب يحاول مجددا تدوير المفتاح بعنف حتى أنه قال بغضب مكتوم

((هل أنتِ متأكدة من أنه نفس المفتاح! إنه حتى لا يتحرك ولا يبدو مكسورا من الداخل.. آه))

تأوه مَازن وهو يغمض عينيه بقوة ويدلك جبينه بعنف ويترنح هادرا

((يا إلهي لقد تصاعد الصداع الذي يخترق رأسي فجأة))

عرفت نجوم أن العقار الذي وضعته أمها قد بدأ عمله.. رمش مَازن برموشه البنية مرارًا يستوعب قربها هذا منه..

تجولت أنظاره على ملامحها باستنكار ثم هبطت ليرى مئزرها المغري العجيب.. ومع ازدياد الدوار والوهن الذي يجتاحه حاول أن يقنع نفسه أن ما يراه هو محض خيال.. لكن عندما كاد أن يختل توازنه وسارعت نجوم تسنده متسائلة بهمس أبح إذا ما كان بخير عرف أنه واقع.. فضغط بأصابعه على ما بين عينيه هادرًا وهو ينفض يدها عنه

((سأحاول كسر الباب.. ثم سأتفقد المكان وإذا كان البهو خاليا من أي أحد ستهربين بعيدا من هنا لكن إيّاك أن تخبري أحدا بما جرى))

بمحاولة واهية قام بدفع الباب بكتفه لكنه بدلا من كسره تأوه متألما وقال بصوتٍ متثاقل

((يا إلهي ألم رأسي والدوار يتفاقم!))

اقترحت نجوم ببراءة غير نقية

((هل أتصل بأمي لتحاول البحث عن مفتاح بديل؟))

انتفض مَازن فجأة يزجرها بذعر

((لا...لا.. لا إياكِ أن تتصلي بأحد، ستفهمنا بشكل خاطئ لو رأتنا بهذا الشكل، أنا سأتصل بأخي مَالك ليبحث عن مفتاح بديل، لكن عليك الاختباء داخل الخزانة وعدم الخروج منهما أمامه مهما حدث..))

انتشل مَازن هاتفه من جيبة يفكر بتردد إذا كان عليه أن يتصل بمَالك أو لا.. فلا خيار أمامه غير ذلك ثم إن مَالك لطالما كان حافظ أسراره وأكثر من هو بصفه من إخوته ومن يأخذ اللوم عنه عندما يصنع هو المشاكل..

كان يريد الاتصال به لكنه شعر في هذه اللحظات بألم مضاعف يقصم رأسه لجزأين وتشويش وطنين يحيط به من كل جانب.. وبينما هو غارق في دوامات الألم أعاد الهاتف لجيبه وتأوه وهو يدلك رأسه

((أنا غير قادر بالفعل على فتح عيني أكثر من ذلك))

ما هذا الذي يحدث بجسده ورأسه الآن.. لماذا هناك سخونة تجتاح وجهه!

أصدر أصوات تأوهات خشنة أما نجوم كانت تفكر كيف كان ينظر لها ولجسدها الغض بتوتر قبل قليل..

هل يمكن أن تنجح خطة أمها؟

عادت تدنو منه ومالت بوجهها أكثر منه حتى أنها رفعت نفسها على رؤوس أصابع قدميها وبدأت أنفاسها الحارة تلفح وجهه.. وهي تتساءل

((هل أنتَ بخير يا مَازن؟))

مدت نجوم أصابعها الحادة بجرأة لترفع غُرة شعره الحمراء عن جبينه.. أغمض عينيه مجددا.. قبل أن ينتفض ويتراجع خطوات للخلف حتى أن توازنه اختل وتهالك أرضا..

شهقت نجوم وهي تقترب منه لتتأكد من أنه بخير..

رغم الإعياء وعدم التركيز فتح مَازن عينيه بغير استيعاب بينما تهمس له بابتسامة مرتجفة وهي ترفع يدها التي تحيطها بالسوار الذهبي

((أنا لك الليلة كشكر على هديتك يا مَازن))

اهتزت عينا مَازن الزائغتين بصدمة.. يصوب بصره بحيرة إلى رسغها ثم يهمس بلا تصديق

((أنا لم أجلبه لك.. بل.. لمنال!))

تراجع رأس نجوم للخلف بارتباك ثم قالت

((لا داعي للإنكار فأمي أخبرتني الحقيقة))

تلجم لسانه للحظة ثم قال بخشونةٍ مضطربًا

((يا إلهي، أنا لا أتوهم، عقلي القذر لا يجعلني أتخيل أمورا غير حقيقة أو أظن السوء بك.. أنتِ حقا تحاولين فعل ما أفكر فيه في هذه اللحظة!))

احتشدت الدموع في عينيها لتنزلق على وجنتها ثم شفتيها لتقول بصوتٍ واهن بالكاد خرج مسموعا

((أنا فقط أحبك وأريد أن أكون ملكك))

قصف بها بصوتٍ مرتفع شديد

((ناوليني حالا مفتاح القبو الحقيقي ودعيني أخرج، هذا المفتاح اللعين ليس مخصصا لهذا الباب!))

نظرت له باضطراب.. ولعينيه المتعبتان بلمحة الصرامة ترفضان الانجرار معها للقذارة..

وقبل أن تتراجع حثت نفسها على تذكر حملها الذي لو كشف أمره سينتهي أمرها ظلما! وجدت نفسها تقول بتلقائية منتحبة

((لن أفعل قبل أن تقربني))

ازدرد لعابه بصعوبةٍ والصدمة تتجلى على قسماته ثم قال بصوتٍ مضطرب واهن

((نجوم! هل هذه هي حقيقتك؟ عاهرة مغوية! كيف يمكن أن يقبع شيطان خلف وجهك الملائكي! هاتي المفتاح حالا قبل أن أفعل بك مالا يحمد عقباه))

هل هذا صوت تمزق أم تهشم؟ بل هو صراخ قلبها الملتاع وكأن كفا حديدية تعتصره لتتخبط دماءه ممتزجة بالخيبة من نفسها..

احتقن وجهها من الكلمات التي يرشقها في وجهها باشمئزاز.. لكن هزت وجهها برفض ألا تنصاع لكلامه أو تتراجع عما أقدمت عليه.. أمها محقة.. عليها أن تفعل كل ما تستطيع لتجبره على النوم معها والاعتقاد أنه والد الطفل وإلا ستخسر كل شيء..

ساد صمت ثقيل بينهما لا يقطعه سوى صوت تنفسهما اللاهث.. حتى منهكة توسلت له بهذيان وهي تبدأ بإرخاء الحزام حول مئزرها بمحاولة أخيرة

((إذا أردت يمكنك اعتباري عشيقتك.. منفذ طاقتك الثائرة.. رغبة عابرة.. لا أكثر ولا أقل.. ولكن لا ترفضني.. أرجوك))

اتسعت عينا مَازن مِمَّا تفعله وتتفوه به وقبل أن يفقد آخر ما تبقى من عقله غمغم فيها مشمئزا

((هات المفتاح قبل أن أبرحك ضربا وأفضحـ..))

ولم يكمل مَازن جملته لأن الظلام كان ينتشر من حوله تدريجيا.. فيتهاوى فاقد الوعي ومغمض العينين يفترش الأرض بجسده..

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...