لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الحادي والثلاثون
ولم يكمل مَازن جملته حتى انتشر الظلام من حوله تدريجيا وأغمض عينيه ليفترش الأرض بجسده..
فغرت نجوم شفتيها الجافتين مدركة أنه فقد وعيه قبل أن يستسلم لها وينالها بسبب مفعول عقار أمها! ولم تعرف السبب..
ما هي مكونات عقار أمها؟ هل هو مخدر أم محفز للاستثارة؟ أيا كان هو فعلى ما يبدو أنها قامت بمضاعفة الجرعة معتقدة أن رجلا بطوله وصلابته لن يؤثر عليه المعيار القليل المحدد استعماله.. لكن جاءت النتائج مغايرة على ما خططت له..
انهارت ملامحها.. لماذا كان عليه ألا يكون مثل ابن خالتها لا يُفكر إلا بشهوته الهائجة التي لا يمكنه كبحها!
لماذا لم ينجح العقار الذي تجرعه في الشراب في جعله يفك لجامه لنيل رغباته!
أطلقت نجوم أنفاسا كانت تجيش في صدرها..
الآن بعد أن فقد وعيه عليها أن تبقى هنا حتى توهم أمها أنها نجحت في إغواء مَازن وارتكب فاحشة الزنا معها.. وإلا فإنها قد تجبرها على فعلها مع غيره..
بدأت تلهث وهي تحاول بيدين مرتجفتين أن تحرر مَازن من قميصه وبنطاله الجينز المحكم على الجزء السفلي من جسده.. ثم أضجعت على الأرض بمئزرها الذي بالكاد يسترها، تحدق في سقف القبو ودموع حارقة جديدة تلمع في عينيها تكافح حتى لا تسيل على خديها.. فيما مضى، كانت تحب أن تنام في هذا القبو الذي كان مرتعا حرا لأحلام صباها الوردية الأولى.. قبل أن يلوثها ابن خالتها كانت مجرد فتاة هانئة خالية البال تتورد لمجرد همسة غزل بريء تداعب أذنيها من مَازن تجعلها تسهر طوال الليل تبتسم لخيالات رومانسية بريئة..
أسدلت جفنيها، تغور أنفاسها للموت بالحياة وروحها تنضح وجعا..
الآن تغير كل شيء، سيصبح هذا القبو بالنسبة لها مكانًا تسوده العتمة الكئيبة والظلال الثقيلة التي تطبق على صدرها، ستذكرها بالفاحشة التي كانت ستقدم عليها بفعل وساوس والدتها..
لا تصدق أن الشيطان وبعد رفض طويل منها زين لها عملا مشينا وانتصر على نفسها الضعيفة بعد أن استغل رغبتها في الخلاص من عذاب القهر ومصيبة حملها التي تثقل ظهرها ولا مفر منها..
ليتها لجأت للحاج يعقوب المعروف بمكانته وهيبته في القرية.. كان ليضغط على المجرم ابن خالتها للزواج منها! لكن لن الآن لن تستطيع بعدما فعلته بابنه.. بل لو باح مَازن لوالده كيف تصرفت كامرأة رخيصة أمامه لتغريه لن يصدق بأن ابن خالتها اعتدى عليها وسيتهمها كما فعلت أمها بأنها هي من سلمته نفسها بمليء إرادتها!
تغرغرت دموع أخرى في مقلتيها كأمطار توشك على الهطول على أرض يابسة.. تبكي ألما.. تنزف بكرامة ضائعة.. تئن بكبرياء متصدع وجمال لم يبد له معالم.. قبل أن ترفع يديها المرتجفتين لتكمم فمها وتكتم نحيبها خوفا من استيقاظه.. إذ أنها لن تستطيع الخروج قبل منتصف الليل حتى تصدق والدتها بنجاح خطتها..
.
.
بعد ساعات..
وقفت منال أمام القبو الذي يقبع فيه مَازن مع ابنتها بتردد تعتصر كفيها ببعضها.. تقدم خطوة وتؤخر أخرى.. منذ ساعات تحمحم حول باب القبو.. بمجرد أن تحرك مقبض الباب وخرجت نجوم منه حتى هرعت منال تتساءل بقلق
((ماذا حدث؟ أبشري؟ هل استجاب ونام معك؟))
هزت نجوم وجهها لها بصمت علامة إيجاب ثم أجابت
((هو الآن نائم في الداخل من آثار العقار الذي تجرعه))
دلفت منال لداخل القبو وبعينين قد جُحضتا تكادان لا ترمشان وهما تحدقان في مَازن المستلقي أرضا شبه عاري الجسد مغيبا.. ظنت أن خطتها قد نجحت وسرعان ما اهتز صدرها بضحكة مكتومة بشعة وكأنها قهقهة مجلجلة لشيطان زميم ينتشي بشرب دماء الفانيين..
=============================
كانت نورين تجلس في سيارة مُصعب تهز ساقيها بعصبية بينما تنفلت منها شهقات خافتة رغما عنها..
لقد قال لها أنه سيذهب بها عند عائلتها لكن هل حقا سيفعلها؟ وماذا سيترتب على الأمر لو عرف أحد أفراد عشيرتها أنها عادت وطلبت الطلاق؟ هل سيفهمون أن الصُلح قد فُض وحان موعد عودة النزاعات وأخذ الثأر؟
فالطريقة الوحيدة لعودتها لبيت عائلتها ونيلها الحرية من هذا العرق القميء هي إنجابها خمسة ذكور وإبقائهم عند عائلة الكانز..
ازدردت ريقها الوهمي وهي تتماوج مع الأفكار السلبية لتفكر بأن عليها أن تخبره بأنها ستتراجع عن الذهاب لعائلتها..
رفعت يدها فوق بطنها البارزة قليلا ثم أمسكت مقبض السيارة لتترجل منها قبل أن تفاجئ به يضع حقائب أخرى غير حقائبها داخل السيارة من الخلف.. ثم يضع دراجته النارية في الصندوق الخلفي لها..
استقل مُصعب السيارة وجلس في مقعده خلف المقود لتسأله بتلهف قلق
((لماذا أحضرت دراجتك النارية؟))
تجهمت ملامحه وأجابها وهو يشغل المحرك
((أريد أن أعيدك لأبيك مع هدية، المهم أن يريحني من شكك المتزمت))
اختلجت شفتاها ووجدت الكلمات تنساب منهما بحنق ناسفة ما كانت تفكر به قبل قليل
((إذن سارع وأرسلني عنده سيفرح لرؤيتي وانفصالي عنك، فأنا لم أرَ أحدا من أفراد عائلتي على أرض الواقع منذ زواجنا))
لم يعقب على كلامها وأمرها بهدوء فقط أن تربط حزام الأمان حولها.. فرضخت له بتوتر.. وعادت تضيع بالتفكير بدواماتها قبل أن تجفل على صدوح صوت ضحكاته عاليا فتساءلت باستهجان حانق
((ما بك؟ لماذا تضحك كالمجنون؟))
خفتت ضحكاته بعض الشيء وقال متشدقا
((لا أجد الأمر منطقي.. أقصد تريدين أن الانفصال والعودة إلى بيت أبيك وأنا من عليّ أن أوصلك))
كست ملامحها حُمرة الخجل وفركت يديها ببعضهما وهي تغمغم
((وهل كنت تريد مني الذهاب لبيت أبي في هذه الساعة المتأخرة من الليل لوحدي!))
هز كتفه وقال بمرح لا يناسب الموقف
((بالتأكيد لا.. لكن هل يفترض أن أوصلك لبيت أبيك ثم تقدمي لي واجب الضيافة قبل أن أغادر؟ أو..))
نظرت له بحيرة وقالت بارتباك
((نعم.. ربما.. الحقيقة لا أدري.. عندما نصل لبيتي هل عليّ أن أدعوك أن تتفضل لبيتنا.. أم أتركك فقط عند الباب لتغادر؟))
أشاح عن الطريق أمامه للحظة يعاتبها بمشاكسة
((وهل يهون عليكِ يا عفريتة أن تتركيني أغادر بلا ضيافة بعد كل هذه المسافة التي سأقطعها من أجلك؟))
تقوست شفتاها عابسة كالأطفال وتمتمت
((لا.. لا تهون عليّ))
ظلت منكسة وجهها للحظات قبل أن ترفع وجهها وتنظر للطريق باهتمام من نافذة السيارة قائلة
((إلى أين ستهذب بي؟ طريق قريتنا ليس من هنا))
التمعت عيناه بالإثارة وهو يقول
((إلى مكان غير مأهول.. حيث أستطيع دفنك من دون أن يعلم أحد بفعلتي))
حانت منها نظرة للخلف للحظة ثم قالت بحماس وإثارة مماثلة له
((وهل للدراجة النارية التي أحضرتها علاقة بدفني هناك؟))
همس بلا صوت
((نعم.. فالحب بالحب.. والبادئ.. أحب))
وطوال الطريق حافظت نورين على الصمت وهي تشاهد الطريق من زجاج نافذة السيارة وشعرت بتعرق جسدها رغم برودة الجو قليلا.. تسرب لها القلق ثم ناظرت جانب وجهه لتقول
((مُصعب بدأتُ أشك بأن كلامك عن دفني لم يكن مجرد مزاح، هل تريد أن تقتلني ثم تدفنني هناك حتى تتزوج من رشا دون معيقات؟ لكني أحمل ابنك في أحشائي!))
تشدق ضاحكا على ما تقوله فتجهمت ملامحها وأردفت متسائلة
((منذ أكثر من ساعة وأنت تقود السيارة، هل نحن الآن في محافظة أخرى؟))
لكن لم تمر دقيقة حتى أوقف سيارته على جانب طريق صحراوي وهو يقول
((ها قد وصلنا هنا))
نظرت إليه بعينين واسعتين وهي تراه يترجل من السيارة ثم يدور حول مقدمتها ليفتح باب مقعدها ويقابل ذهولها بصوتٍ مرح
((لسنا وحدنا هنا، بل هناك العديد من الأشخاص من عشاق النزهات والرحلات البرية جاؤوا للتخييم))
مد مُصعب يده لها يعينها على الخروج من السيارة والوقوف.. ابتعدت قليلا عنه لتطالع الامتداد الأبيض لمخيمات المتنزهين ثم قالت بذهول يأسرها
((للتخييم؟ تريدنا أن نخيم هنا؟))
ابتسم متجها لفتح صندوق السيارة الخلفي ينتشل منها بعض الحقائب هادرا بصوت مثخن بالشجن وقد تيقظت فيه ذكريات الزمن الماضي
((كنت أخيم كثيرًا في القِدم متى ما سمح لنا الوقت مع يحيى برفقة أصدقائنا والفرحة تعمنا، حيث نقضي اليوم بكامله هنا نتسامر ونلعب كرة الطائرة..))
ترققت ملامحها وسألته بتردد متألم
((كنت تأتي مع يحيى إلى هنا؟))
غامت عيناه بلحن شجي ليرد بألم رغم حلاوة الذكريات
((نعم حتى أني أذكر بأنه في إحدى المرات التوى كاحله وكان لا يستطيع القيام إلا بمساعدة الآخرين لكن عندما أخبرناه أننا قد نذهب هنا فوجئنا به منذ الصباح الباكر يقف على عصاه وبحيوية تامة يتفقد لوازم التخييم))
أغلق مُصعب السيارة وحمل الحقيبة بيد وأحاط كتفيّ نورين بذراعه الأخرى هادرا
((لن أخرج معي الدراجة، لأننا سنركبها في مكان أبعد من هنا على طريق معبدة حتى لا ندهس عشب هذا المكان وندمر منظره الرائع))
ظلت نورين مأخوذة بالنظر إلى هذه المنطقة الخلابة التي بدت أشبه بواحة وسط الصحراء تعج بأعداد كبيرة من أشجار السمر والسدر البري فضلًا عن العديد من النباتات والشجيرات الأخرى.. لتقول مخطوفة الأنفاس
((ذهبت مع عائلتي إلى أماكن كثيرة شبيهة بهذا المكان لكن ولا أي منطقة بمستواه على الإطلاق، حيث لا يكاد عدد الأشجار القصيرة في تلك الأماكن يزيد عن أصابع اليد الواحدة كما أنها مسطحها العشبي فقير))
ضحك بخفوت ثم قال
((بالتأكيد هذا المكان هو الأفضل، فالأشجار كثيرة ووارقة وعالية وملتفة بطريقة تجعل هذا المكان يحفل بالكثير من الكهوف في مشهد أشبه بالغابات الإفريقية العتيدة))
اقترب أكثر من كهف صنعته الأشجار المتشابكة والملتفة فباتت كأنها غرف فندقية ترحب بهما وتدعوهما للاستمتاع بأجواء الطبيعة بين أحضانها بخصوصية..
ثم أخرج غطاء من الحقيبة وفرشه قائلا
((لا تقلقي بشأن الدوار الملازم لك بسبب الحمل فمن حسن حظك تم إنشاء دورات مياه هنا، لذا لا أجد أي عائق من ذهابنا إلى رحاب هذا المكان في عطلة نهاية كل أسبوع، فحياتنا لن تكون نفسها بعد إنجابك لطفلنا))
شدها من يدها لتجلس على الفراش ثم أخرج بعض العُلب من كيس كبير ليردف
((وجلبتُ أيضًا وجبات خفيفة معي))
قبّل وجنتها ثم انتشل كيس مقرمشات مملح يطعمها منه بأنامله.. بتردد فتحت شفتيها تأكل ما يقدمه لها ودون أن تنبس ببنت بكلمة..
تيقظ أنها لا تريد منه أن يغير الموضوع الذي كانت تتشاجر معه قبل قليل كما يفعل كل مرة.. فأسبل جفنيه بصمت طويل تسري فيه أنفاسهما حتى قال فجأة
((هل تشعرين بالانزعاج لمجرد ذكر رشا؟ لأني لامست فيكي هذا الأمر وهذا ما جعلني في آخر مرة تواصلت معي أتعمد ألا أخبرك به))
رفعت نورين وجهها تعانق عينيه بعينيها وأجابت بصوتٍ منهك
((أنتَ محق، ذكر رشا يزعجني، والأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل تراودني الكوابيس أنكما بصدد الالتقاء مجددا وتنتابني مخاوف من ألا تكون علاقتي الحالية معك عميقة بقدر تجربة زواجك منها رغم قصرها))
ابتسم وقال لها بعتاب مغلف بالمرح
((خيبتي ظنك بهذه الشكوك، خاصة بعد كل تلك المرات التي اعترفت فيها بحبك أنا الذي لم أظن أني سأعترف بالحب بلساني يوما لامرأة))
زفرت بضيقٍ بينما تنزع حجابها وتغمغم بنفاذ صبر
((قد تكون محبا لي بالفعل، لكنك في نفس الوقت لا تزال تحب ابنة عمك وهذا لن يرضيني لأني أعتبره خيانة، أريد بتطرف رجلا أكون في عينيه استثناء مدى الحياة، وأنت لا تتفهم كرجل كم هي الغيرة مؤلمة ولاذعة وقادرة على كسر شيءٍ بداخلي غير قابل للإصلاح، وتجبرني عنوة على الرحيل حتى لو لم أريد..))
رفعت نورين كفيها لتدلك رأسها بين خصل شعرها الناعمة عسى أن تخفف من صداع التوتر ثم تجلى عليها ضيق أشَّد وهي تعود وتنظر لوجهه هادرة
((مُصعب، أنتَ لا تتخيل كم أتوق لقضاء وقت جميل هنا.. ولكن علينا التحدث أولا))
ظل يبادلها النظر دون تعبير واضح، فتراجع رأسها للخلف مسترسلة
((نعم أعرف أنه لا يحق لي محاسبتك على الماضي كما لم تحاسبني أنتَ.. لكن أنا لم يسبق وأن تواصلت مع شخص غيرك، ولم أسمح لذرة شك أن تتسلل لقلبك من تواجد أحد غيرك في قلبي، لذا أريد منك الآن أن تخبرني ما حدث في الماضي والذي جعلك تفعل شيئًا منافيًا للأخلاق التي تتحلى بها، والمبادئ التي جبلت عليها وتُقدم على فعل النهوة لتحظى برشا رغما عنها))
ظلت عيناه تمتلئ بتفاصيل وجهها وشعر بخوفها من أن تكون أغضبته فرد عليها مبتسما بشحوب
((لا تقلقي لم أغضب ولن ألومك، فما تظنينه لا يختلف عما يظنه كل من في القرية عني، لكن بما أنك بالذات زوجتي عليك أن تعلمي بأني ما كنت لأستمر مع امرأة طالما هي وقلبها ليسا معي.. فلا رجولتي ولا كرامتي تقبلان ذلك مهما أوتيت من قوة أو تجبر))
فغرت شفتيها قليلا هامسة ((ماذا؟))
وبحركة فاجأتها وجدته يُعدل من جلسته وهو يسند رأسه ليضعه فوق حجرها بينما يتطلع بالفراغ أمامه بنظرة عميقة ويبدأ بسرد كل ما حدث في الماضي معها
((كل شيء بدأ عندما كنت في زيارة معتادة لأخيها يحيى في بيتهم..))
كل كلمة.. كل جملة.. وكل سطر كان يتفوه به بصوته المجروح كان يخترقها في الصميم بعمق ألمها بينما يخبرها حكايته مع رشا كاملة..
تهدج صوته في نهاية المطاف هادرا
((هل تعرفين ماذا قال الرجل الذي أراد والدها أن تتزوجه عني بعدما قمت بالنهو عليها؟ قال كذبا أني ساومته على مقدار كبير من المال لأتراجع بالنَّهو عنها، وعندما عجز عن تأمين المال وسد جشعي وطمعي اضطر أن يتركها حتى لا يعرض حياتها للخطر))
تقبضت يدا نورين بحمية عليه..
رغم أنه عادة ما يتم اتهام الرجل بأنه يتلاعب بالمرأة ها قد جاءت رشا لتؤكد أن هناك نساء محترفات من نفس الصنف في الواقع.. بل الحق يقال بأنها كانت داهية لا يستهان بها بعد أن عثرت على نقاط ضعف مُصعب وتلاعبت به تلاعب قائم على مبدأ الاستغلال وإلحاق الضرر به من أجل أن تنقذ نفسها..
وهنا تمنت نورين حقا لو كانت تلك الرشا أمامها لتوسع وجهها لكمًا لكل ما جعلت مُصعب يتعرض له بسببها ولو أن جزءً منها أشفق عليها لأنها كانت مضطرة أن تتزوج من رجل لا تحبه بسبب تعنت وظلم والدها المجحف..
تابع مُصعب يقول بنفس نبرته المتهدجة
((آثار العنف الذي كان جليا على وجه رشا في حفل زفافنا كان من فعل والدها لأنها رفضت أن تطيعه وتقول أمام الجميع أنها تفضل أن تظل عزباء لآخر عمرها على الزواج مني بالنهو))
رق قلبها له أكثر.. إنه يعلم ويسمع ويدري بما يُقال عنه من قبل أهل القرية عن نهوه على رشا حتى الآن بعد مرور كل تلك السنوات.. بهدوء اعتدل جالسا يتطلع لها ويقول بصوتٍ أجش
((أيقنت أن عليّ إخبارك بهذا السر وإلا سأخسر العفريتة المتواجدة في حياتي، فأنا لا أطيق الخصام معها، بل لا أتحمل فكرة كتمانها غضبها عليّ وضيقها حتى على أبسط الأشياء، أو أن تتأثر علاقتنا من فرط كتمانها أو التراكمات.. أخطأت عندما لم أطلعك على رسائل رشا لي رغم أن غايتي كانت حتى لا أضايقك، لكن لن يتكرر هذا الخطأ مستقبلا))
ذاب قلب نورين وهي تشعر بما يريد أن يوصله لها.. إنه يثق في نفسه كثيرا فرأي الناس لا يهمه للحد الذي رفض أن يكشف ولو جزءً من الحقيقة.. إلا أمامها هي كان مهتما بما تفكره عنه.. وخائف من رحيلها.. فقالت له بصوتٍ عميق وقد تلألأت عيناها بالعاطفة
((لطالما تمنيت أن أقابل شخصًا مثلك يُشبهني، سهل لين، يشق عليه قضاء وقت طويل دون أن يتحدث معي))
اقترب مُصعب منها وأحاط يداها الناعمتين بكفيه برقة مباغتة.. حتى هي اقتحمت حياته بقوة والغريب أنه لم يرفض وجودها بل سمح لها أن تتوغل فيه وتتسلل لقلبه دون صخب حتى أوقعته في حبها.. لقد استسلم لسطو هواها على قلبه بعد أن مثلت له كل ما كان يحلم به طوال حياته بل وجد فيها كل ما كان يتمنى أن يجده..
قال بصوتٍ يضج بالحب بين حروفه
((لطالما سألت نفسي كثيرًا وأنا أتعجب منها كيف سمحت لك وأنتِ قريبة من قتل ابن عمي يحيى بالاقتراب مني ولم أثر عليك أو أمنعك من أن تصلي إلى أعماقي! لماذا انجذب أنا إليك كأني أعرفك عمرًا طويلًا وتركتك تعرفين عنى كل شيء وحتى أدق تفاصيل وأسرار حياتي!))
مال برأسه نحوها حتى لفحها بأنفاسه مكملا
((ولكن.. الآن أعلم.. نعم أعلم أن القدر قد وضعك في طريقي لأنه قد كتب علىّ أن أحبك.. أنا أحبك.. ولأنك جئت في الوقت الَّذي كنت أرفضُ فيهِ الحبّ، أحببتكَ أكثَر.. ووعد وعهد عليّ الوفاء والصدق والإخلاص بيننا من الآن))
تراقص نابضها وبدأ يرفرف بين أضلعها فأغمضت عينيها بنشوة من تأثير كلماته عليها.. منذ دخلت حياته شعرت أنها تريد أن تكون كما يحب.. أن تذهله.. كانت مستعدة لأجل ذلك أن تفعل أي شيء.. كانت تقول في نفسها أنه لا ينقصها أي شيء لتكون هي السيدة الأولى والوحيدة في حياته.. وهذا ما شعر مُصعب أنها فعلته له هو الذي نشأ منذ صغره يشعر بحقه مهدور بين أبيه الذي يولي كل رعايته لأكبر أخويّه وأمه التي تسمح للتوأم أن يحتكرا كل مشاعر حبها..
ارتجفت نورين تتأوه بنعومة حين مست شفتيه بشرتها برقة وحنو أذابها قبل أن يتعمق برغبة جارفة جعلتها تستسلم له بكل جوارحها وتغوص بكافة حواسها معه.. مغيبة تماما عن العالم لحظات طويلة كانت كالنعيم بالنسبة لهما..
=============================
في غرفة رتيل..
حيث هي جالسة تتلو سورة البقرة التي صارت عادتها اليومية في مجابهة أيامها الصعبة التي تعيشها.. انكمشت فجأة على نفسها عندما سمعت أصوات ضرب فوق باب غرفتها بعنف وقوة تعلن عن نفاذ صبر صاحبها وفقدانه السيطرة..
توقف أخيها عن دفع الباب بجسده بعد أن فشل في كسره ووقف مكانه يلهث بإنهاك ويقول لوالدته
((ابنتك مجددا ترفض الخروج من غرفتها، إنها تستغل غيابنا في قضاء أمورها وادخار مونتها من شراب وطعام ثم تُحكم إغلاق الباب عليها قبل مجيئنا حتى لا نراها))
تجاهلت والدته الواقفة معه تذمره وقالت بصوتٍ مضطرب حزين
((ألا يمكن يا بني أن تحاول مع زوجها لمرة أخيرة لعلك تقنعه أن يعيدها لذمته؟ المسكينة بالكاد ستكمل الثلاثين من عمرها لتحصل على لقب مطلقة))
هتف شقيق رتيل بغضب واحتدام
((لو كان يريدها لطلب ذلك مع اقتراب نهاية عدتها بعد أيام، وأنا لن أكسر هامتي من أجل ابنتك اللعينة، اجعليها تدرك أنه وبمجرد انتهاء عدتها سأعلن في كل أرجاء القرية أنها باتت مطلقة لأفتح المجال أمام من يريد خطبتها التكلم معي، أول خطيب ومهما كانت ظروفه ستتزوج منه، فالحال عندي على قدره وبالكاد أستطيع الإنفاق على عائلتي الصغيرة وعليك ولا ينقصني عبئ إضافي))
في هذه اللحظة نفضت رتيل عنها الضعف وانتفضت واقفة خلف الباب مباشرة تصرخ به
((أيها الحقير لا أريد منك أي معروف، شهادتي بتخصص التاريخ معي وسأعمل بها كمعلمة ولن أحتاج منك فلسا))
صرخ شقيقها بجنون وهو يعود لدفع الباب بجسده
((لستُ أنا معدوم الرجولة من أسمح لأختي بالعمل لتنفق على نفسها))
استنكرت رتيل بغضب منبعه شعورها بالظلم
((تريد أن تزوجني رغما عني لأي عابر يطرق بابنا حتى لا تحمل عبئي المادي ثم تأتي الآن وتتحدث عن الرجولة! ثم ما أمتلكه في البنك والذهب الذي يزينني من رأسي لأخمص قدمي قادر على جعلي أعيش كالملكة لسنين دون منة أو حاجة لأحد))
توقف أخيها فجأة عن دفع الباب وعمّ الصمت في المكان لا يُسمع إلا صوت تنفسه اللاهث قبل أن يتحكم بنبرة صوته ويقول بتوجس
((نقود بالبنك! هل عندك حساب شخصي في البنك! وكم فيه؟ والذهب! كم يساوي مقدار ما بحوزتك الآن؟))
كانت رتيل في هذه اللحظة تضرب فمها براحة يدها شاتمة نفسها على بوحها بأمر كهذا! الآن شقيقها الدنيء سيطمع بنقودها! لكن لن تسلمه فلسا واحدا إلا على جثتها! لكن تابع أخيها سؤال والدته بتحقيق جشع
((أمي كم كانت تتحلى ابنتك من الذهب عند قدومها هنا!))
استاءت والدته من سؤاله فزجرته بتأنيب
((ولماذا تسأل عن ذهب وأموال أختك؟ لست أنت ابني الذي ربيته ألا يفكر بأخذ مال من امرأة))
تذمر شقيق رتيل بدناءة ودفاعية واهنة
((ضيق الحال الذي أعيشه الآن هو ما يجبرني على ذلك.. عليك إخبار ابنتك أني قد أتنازل وأبقيها هنا على راحتها دون أن أجبرها على الزواج فقط بحالة ساعدتني ماديا))
أغمضت رتيل عينيها بحسرة ودموعها البائسة تنساب على وجنتيها الباردتين حتّى تمنت أن تفقد وعيها لتتخلص من هذا الجحيم الذي تعيشه الآن ولا يبدو له نهاية.. لم يبقَ في حياتها معنى للحياة وهي بعيدة عن أولادها.. تتجرع دموع قلبها نهارًا كما تتجرع وسادتها دموع عينيها ليلًا.. فلا يهنأ لها بعيش ولا تتلذذ بشيء.. كأن هناك جزء منها يتجول في هذا العالم الفسيح بعد أن قرر مُؤيد استبعادهم عن حياتها!
=============================
في الصباح..
بدأت شمس منتصف الربيع الصباحية تدغدغ صفحة وجه مُصعب بإحساس دافئ.. فاستفاق على ذراعي نورين اللتان كانتا تشدانه من جديد إلى أحضانها..
رمق بعين واحدة مفتوحة ساعة يده التي تجاوزت الحادية عشرة صباحا فذهل.. لقد كانا تحت تأثير الإرهاق ومشاعر أخرى حتى ليلة البارحة.. فهل ناما كل هذا الوقت!
أخفض نظره للمرأة التي تنام في أحضانه وهالة الراحة التي تمده بها.. فهمس لروحها الغائبة في النوم
((كيف تعبثين بقلبي بهذا الشكل يا عفريتة!))
أيقظها برقة ثم ذهبا يغتسلان بعدها اشترى بعض اللحم ومستلزمات الأكل من الباعة المتجولين هنا..
جلسا في الخارج بين جموع الناس الذين يتناولون الفطور.. وضع مُصعب اللحمة والشاي برائحة أعشاب المرمرية فوق النار التي أوقدها.. وأخذ يأكل ويطعمها بين الوقت والآخر لقيمات صغيرة فيذوب اللحم الشهي شديد النضج في فمها..
بعدما امتلأت معدته شعر أنه بدأ يستفيق أكثر ومستعد للتعاطي معها فقال فجأة بحنق مصطنع
((الآن حان وقتي أنا لأعاتبك بما خرج من فاهك في لحظة غضب في الأمس، فأنا لا أنسى الكلمات القاسية في لحظات العتاب واللوم))
غصت نبضات نورين شاعرة بحجرة تسد حلقها وهي تذكر ما نطقت به بلحظة تهور بأنها ليست سعيدة معه، ثم تحدثت بصراحة إذ اتفقت معه ألا تكتم أي شيء عنه حتى لا تزيد التراكمات بينهما
((على العكس أنا سعيدة معك، ولكن في نفس الوقت أشعر أني على هامش الحياة، غدت حياتي مملة والأيام تمضي متشابهة، يأس واكتئاب ينتابني كل حين أن لا فائدة من وجودي عندما اقتصرت حياتي على تصفح الإنترنت وزيارة عائلتك فقط..))
كان ينصت بعبوس متفاجئا لما تفضي به مما جعلها تكمل له بشجاعة
((حاولت قدر الإمكان أن أدفن أحلامي في العمل وإكمال دراستي.. لكن أحيانا أشعر بأنه لا يوجد في حياتي ما أرنو إليه وأحبه باستثنائك أنتَ وهذا ما يشعرني بالضيق والحزن، فأنتَ تقضي ساعات طويلة في العمل، هذا يؤثر عليّ أحيانا فلا أستطيع حشد أي حماس عندما تحدث أمور لي مميزة، ولا أنجح دائما في توجيه نفسي وهدهدتها، لكن كما يقال اكتمال الحظوظ في الدنيا واستيفاء الحقوق ليس من طبيعتها))
ظل يحدق بها بنفس النظرة ليقول لها
((نورين ما تشعرين به من الإحباط والفراغ هي ردة فعل إنسانية نفسية طبيعية تجاه ما تعيشينه، ويمكن لأي إنسان في مكانك أن يشعر بما تشعرين به الآن ولكن إكمال دراستك العليا بنفس تخصصك لا يتحقق إلا في خارج بلادنا لذا هو صعب))
قاطعته نورين متفهمة مقتنعة وهي تهز رأسها
((نعم أعرف ذلك ولهذا لم أفتح السيرة لك سابقا فأنتَ بالتأكيد بعد يوم عمل طويل مرهق تريدني مرحة وبشوشة لأخفف عليك من ضغوط الحياة اليومية بدلا من الجلوس مستكينة شاكية على أمر لن تستطيع تحقيقه حتى لو أردت ذلك))
عقد حاجبيه يقول بجدية اكتنفته
((لحظة أنا لم أكمل كلامي، فما قلته سابقا يتعلق بالدراسة أما فالعمل لو وجدتِ عملا يناسبك، فلا بأس))
اكتسحتها الدهشة ورددت
((ولكن من الصعب أن أجد عملا يناسبني هنا في هذه القرية الصغيرة، لن أجد إلا في المدينة))
هز كتفيه ببساطة وقال بجدية يعنيها
((لا يهم أيا كان موقع عملك فقريتنا لا تبعد عن المدينة أكثر من مسافة ثلث ساعة، سأعطيك سيارتي لتذهبي لعملك وتعودي بها وأنا سأشتري سيارة خاصة لي ولو بالتقسيط))
تفجرت أساريرها فجأة لكن تجلى شيء من القلق وجهها وقالت
((ولكن ماذا لو عرفت عائلتك؟ أمك دائما كانت تنتقد المرأة التي تعمل! لن يروق لهم عملي))
رد عليها بما لا يقبل النقاش ((أنتِ زوجتي أنا ولا يحق لأحد آخر التدخل بيننا، عائلتي أعرف كيف أتدبر أمرهم))
لم تسيطر على لهفتها وسعادتها وهي تمسك بذراعيه بقوة وتسأله
((إذن بعد الإنجاب بفترة سأبحث عن عمل لأزاوله))
خالجه شعور قوي جعله يلامس بطنها بيده ويقول
((إذن حتى ذلك الحين فلا تنزوي، لا تنعزلي ولا تنغلقي أبدا على نفسك، وانخرطي فيما يملأ الوقت حتى تحافظي على صحتك النفسية))
تألقت ابتسامة عذبة على وجهها ثم تنفست بسعادة تلبست قلبها لتشاغبه
((ثمن السيارة التي ستشتريها لي سأعتبره قرضا وسأسدده لك فأنا أعرف أن راتبك أكثر تواضعا من أن تهديني سيارة))
=============================
في القبو..
فتح مَازن عينيه بتثاقل وهو وإرهاق.. لكنه عاد ليغلقهما بغتة وهو يجز على أسنانه بألم شديد ينخر رأسه.. يجد صعوبة في تحريك أطرافه.. تحامل على أحباله الصوتية لتخرج كلماته المتحشرجة بفيض من التوسل في نبراته
((هل هناك أحد ما هنا!))
عاد يفتح عينيه متأوها وهو ينظر للمكان بتشتت وما إن رأى ملابسه الملقاة بجانبه حتى سرت إلى ذهنه مشاهد مما حدث آخر شيء بينه وبين نجوم فشعر الجزع يهزه هزًا ويكاد يخنقه حتّى الموت وهو يفكر إذا ما كان قد نام معها!
رفع كفه المرتجف مثل ارتجاف قلبه على صدره يحاول بعفوية السيطرة على نوبة الخفقان الشديدة التي تنتابه..
تبا لجسده.. ماذا حدث له! ما هذه الاضطرابات والخدر الذي يكتسحه!
تشوش عقله عن استيعاب سبب وهن جسده وفشل في الحفاظ على رباطة جأشه!
استغرق الأمر منه ما يزيد عن نصف ساعة وهو على حاله حتى شعر أنه يستعيد سيطرته على جسده.. وتيقظ وتأكد من أنه لم يستسلم لها ولم ينم معها..
بصعوبة وتثاقل مصدره ارتجاف حركة يديه استطاع الاعتدال جالسا وارتداء بنطاله على الأقل..
هناك خطب ما بجسده لكنه يخفت تدريجيا!
جفل فجأة على صوت جهوري يدخل للقبو
((مَازن ماذا تفعل هنا؟ أين كنت منذ الأمس؟))
تطلع مَازن مصدوما في توأمه وهو يقترب أكثر منه بنظرات مستنكرة خلعه لقميصه.. فسأله بصوتٍ أجش مبحوح من أثر النوم
((منذ الأمس؟ ماذا تقصد؟))
تغضن جبين مَالك وقال
((أقصد أنك قمت بتوديع أصدقائك في ليلة الأمس ثم اختفيت تماما حتى هذه اللحظة، أبي لم يراك في المسجد في وقت أي صلاة وتأجج غضبه منك، أما أمي فقلقت لأنك لا ترد على اتصالاتها، كانت تريد أن تقلب الدنيا عليك لولا أن منال قالت بأنها لم تراك تخرج من القبو، هل هذا صحيح؟))
اتسعت عينا مَازن حتى كادتا تخرج من محجريهما ثم قال بذهول
((مَالك كم الساعة الآن؟ لقد نمت بعد مغادرة أصدقائي والآن فقط استيقظت))
تشدق مَالك ساخرا وقال
((مستحيل، هل نمت لأربع وعشرين ساعة؟ حتى لو خدرك أحدهم فلا يمكن أن تنام كل هذه الساعات))
لعق مَازن شفتيه الجافتين وقبض بيده على القميص الذي يمسكه كي لا تتضح ارتجافه لتوأمه ثم قال باضطراب
((مَالك هناك شيء أنا بحاجة أن أقوله لك، لن أستطيع أن أخبر غيرك ما حدث لي في الأمس))
تنهد مَالك بضجر ثم قال وهو يغادر
((لاحقا يا مَازن، سأصعد لأطمئن أمي عن حالتك ثم سأخرج مع زوجتي لأحد الأماكن))
.
.
بعد ساعتين.. في جناح مَازن..
وبعد أن قضى مَازن الصلوات التي فاتته ومارس بعض الرياضات التي ساعدت في تحريك عضلاته ثم أخذ حماما باردا، شعر بشيء من طاقته وقوته تعود له وذلك الارتجاف المريب بعضلات جسده يقل أكثر..
رجحّ أن سبب ما شعر به هو نومه ليوم كامل!
ولكن كيف استطاع فعلها والنوم طوال هذا الوقت! حتى مُصعب لم ينجح في هكذا أمر!
انتشل صوت فتح الباب مَازن من أفكاره لتطل عليه ياسمين التي ما أن رأته حتى انسحبت ألوان الحياة من وجهها ويكاد يقسم أنه انتبه لخضة جسدها كأنها رأت شبحا أمامها قبل أن تتمَالك نفسها وتتوجه إلى سريرهما تتوسده بهدوء معطية إياه ظهرها..
انزوى ثغر مَازن بابتسامة باهتة.. الآن فهم شيء من الذي مرت به ياسمين في الماضي بعد ما تعرضَ له من نجوم في الأمس.. لكنه كان أكثر حظا لتذكره ما حدث..
وجد نفسه يتسلل إلى السرير ثم يقترب منها ويحتضنها من الخلف بعناق جعل قلبها بين أضلعها يرتجف مكانه قبل أن تسمعه يقول بهمس مشاكس
((لماذا زوجتي الجميلة تعطيني ظهرها؟))
في البداية لم تجبه بشيء لكنها كتمت شهقة في أوج ضعفها لتقول بصوتٍ متذبذب مخنوق
((ألم تقل بأنك تريد أن تطلقني؟ إذن افعلها وابتعد عني))
لكنه فاجأها وهو يديرها إلى ناحيته ويضع عينيه في عينيها ثم يقول
((ياسمين هل سبق وشتمتك أو قللت من احترامي لك سابقا ولو من قبيل المزاح؟))
تمتمت له بخفوت وهي تنكس أنظارها بذنب ((لا))
رسم بسمة صغيرة على محياه ثم مدَّ أنامله يرفع ذقنها لتعاود النظر له فيهمس
((إذن لماذا لا تعامليني بالمثل؟ ألا أستحق بما أني زوجك أن تعامليني باحترام حتى لو لم تحبينني؟ على الأقل أمام ابنتنا!))
ابتلعت ريقها ثم قالت ((نعم أعتقد ذلك))
رفع احدى حاجبيه يتساءل وهو يزيح خصلة شاردة خلف أذنها بنعومة
((تعتقدين ذلك فقط؟))
ارتعش ذقنها ورغبة ملّحة بالبكاء تجتاحها لتتمتم
((أنا آسفة))
عبرة صغيرة هطلت على وجنتها فرفع إبهامه ليمسحها هادرًا
((ممتاز، هكذا ننسى أمر الطلاق))
اضطربت خفقات قلبها وقالت بعبرة مخنوقة
((هكذا لا طلاق بدون مساومة! كأن تطلب مني أن أجلب شالا وألفه حول خصري ثم أرقص لك من أجل إمتاعك وإذلالي؟))
لم يضحك على سخريتها المريرة بل همس بملامحه الودودة العفوية
((إذا كان الرقص يشعرك بالذل فسأمسك يدك ثم سنرقص معًا))
لم تحد عيناها المتلألئتين بالدموع عنه وهو يسترسل
((أيضًا أريد منك أن تتحملي طريقة استخفافي بالأمور وتحويلها لمزحة فهي أسلوبي في تجاوز محن هذه الحياة))
مال برأسه منها حتى لفحتها أنفاسه الحارة وهو يتابع
((وإن شعرت برغبة في تقبيلك، سأفعل أينما نكن فلا تتذمري أبدًا))
أومأت برأسها له متفهمة ومتقبلة أنه لا يشبه إخوته بتحفظهم شيئا، بل هو أكثر انفتاحًا وإقبالًا على الحياة ولديه حياة زاخرة وواسعة وسع السماء.. فأينما يحل يكون مقبلا على الحياة ومغمورا بأمور مبهجة تجعل من طاقته تتفجر بعروقه!
=============================
اتكئ مُؤيد على عصاه وهو يدخل غرفة المعيشة وسرعان ما داهمه الخجل وهو ينتبه لوجود دخيل في بيتهم وتوقف مكانه بتجهم مما جعل الحاجة زاهية تقول بلهفة وهي تحثه على الدخول
((تعال يا مُؤيد وسلم على ابنة جارنا أبي أحمد صبر، لقد تعرفت عليها سابقا))
بحذر وبطء رفع مُؤيد عينيه نحو صبر التي كانت تجلس على نفس الأريكة بجانب والدته وتضع ابنه باسم فوق حجرها وابنه الآخر بجانبها.. فاستغرب مُؤيد كيف يجلس ولديه الاثنين بجانبها باستكانة وألفة.. ثم جلس على أريكة مقابلة لهم بينما تقول والدته بود
((عرفت جارتنا أم أحمد أن زوجتك تريد الطلاق بعد أن تعذرت الحياة بينكما وأني أواجه وقتا عصيبا مع المربيات اللواتي لعدم قدرتهن على التواصل أو الانسجام مع الولدين فطلبت من ابنتها صبر التطوع لتجالسهما بما أنها في إجازة من جامعتها))
تصلب جسد الولدين من كلمة "الطلاق" التي قالتها جدتهما وكان باسم يريد أن يعقب ولكن سبقته جدته
((كيف هي صبر معك يا باسم؟))
تمتم فهد مندفعا
((نحن نحبها يا جدتي، لا تجلبي لنا غيرها))
لف الذهول مُؤيد وقال بلا شعور منه
((هل يعقل أن فهد المنتقي هو من يقول هذا!))
اتسعت ابتسامة زاهية تزهى بفخر
((نعم هو من يقول ذلك! بسم الله ما شاء الله يا صبر أنتَ كالنسمة الرقيقة على قلوب كل من يراك كبيرا كان أو صغيرا))
أشاح مُؤيد بنظره جانبا بضيق وقد وصل له معنى ما تقصد أمه بكلمة "كبيرا" التي شددت عليها.. في حين يزيد الذي كان يراقب الموقف مداريا على نفسه من خلف الباب ظهر أمامهم وقال بخفوت
((جدتي أريد فهد وباسم قليلا))
استغربت زاهية منه ولكن استجاب كل من فهد وباسم ليزيد ولحقا به إلى الخارج..
وقف يزيد في الصالة وقال لهم بجديته الطفولية
((سمعت أمي تقول لأبي أن أم احمد طار عقلها فرحا عندما كانت تشيد جدتي على أخلاق ابنتها صبر وحكمتها ورقتها في التعامل معكما وأنها تتمنى أن تكون كنتها))
عقد فهد حاجبيه
((ما معنى كنتها؟))
هتف يزيد بصرامة وحنق طفولي
((يعني أنها تريدها أن تكون زوجة لوالدكما لأنها استطاعت أن تنال قربكما وثقتكما))
تطاير الشرر من عيني باسم الطفولتين ما إن فهم ما يرمي له ابن عمه ثم أمسك يد شقيقه يقول وهو يجره خلفه
((فهد تعال معي، علينا أن نصحح لجدتي أن لا امرأة يمكن أن تحل مكان أمي))
وعاد باسم الصغير بخطواته المهرولة النارية نحو غرفة المعيشة جافلا المتواجدين بها ليقف أمام صبر ويكشر بوجهه أمامها ثم يصرخ بوجهها بفظاظة
((غادري الآن منزلنا لا نريدك هنا، لا يمكن أن نسمح لك بأخذ مكان أمنا))
شهقت صبر بصدمة فزجرته زاهية
((باسم أيها الشقي كيف تتحدث مع الخالة صبر بقلة الاحترام هذه!))
لكن اندفع أخيه الثاني بهتاف حانق
((لا نريدها هنا، غادري نحن لن نحبك أبدًا))
احتلت الصدمة زاهية لتتمتم بذهول
((باسم، فهد ماذا حدث لينقلب الحال بكما هكذا، أين ذهب بكما يزيد قبل قليل؟ هل كنتما تتحدثان مع والدتكما على الهاتف وهي من طلبت منكما أن تقولا ذلك؟))
لكن باسم وقف أمام جدته بصلابة طفولية ثم قال بعناد
((جدتي لا نريد مربية ولا أما جديدا، يمكنك تزويج أبي ولكن نحن نريد أن نتواجد حيث تكون هي))
قالت لهما بحزم مغيظ
((بل مكانكما فقط حيث يعيش والدكما))
تدخل فهد يقول بصوتٍ متحشرج نجح في اختراق مُؤيد
((لسنوات كنا نعيش من دونه، لا نراه إلا مرة كل أسبوعين وحتى في هذه المرة لا يخرجنا ولا يلعب معنا بل يُخرج بنات عمي بذريعة أننا مشاغبين فما الذي اختلف الآن؟))
عبست زاهية في وجه الصغيرين وقالت
((هذا في السابق، لكن اختلف الحال وها هو والدكم لم يبرح هذا القصر منذ أشهر))
برر باسم متشدقا بمنطقه الطفولي
((هذا بسبب كسر قدمه لكن بمجرد أن تشفى سيعود لشقته بالمدينة ونحن سنضحى بلا أب ولا أم))
ثم وجه نظره لصبر يطالعها بأهدابه بغيظ ويصرخ فيها
((وأنتِ غادري من هنا، نحن لا نحبك ولا نريدك هنا تريدين أن تسرقي مكان أمي))
تغرغرت الدموع في عيني صبر وجفلت من صراخ هذا الصغير الذي لم يكمل حتى السادسة من عمره مما جعلها تمسك حقيبتها قائلة بصوتٍ مرتجف وبالكاد تمنع دموعها من الانزلاق
((أنا سأغادر من هنا))
هرولت صبر للخارج فلمع بريق الانتصار في عيون الصغيرين أما زاهية فغمغمت بحسرة وقد تلاشى الأمل بزواج ابنها من أنسب فتاة له
((يا قليلا الأدب والاحترام انظرا كيف جعلتماها تفر من هنا باكية!))
قال مُؤيد الذي كان يراقب متجهما المشهد كاملا أخيرا
((أمي يكفي، لا تصرخي على أولادي، أنا سأتفاهم وأشرح لهما وضعهما الجديد بعد انفصالي عن والدتهم))
اتسعت عينا باسم فوجد نفسه يصرخ بوجهه
((لا نريد منك أن تشرح لنا شيئا نحن نكرهك، نكرهك، نكرهك))
عقبت زاهية بصوتٍ مرتجف لابنها وهي تشاهد الصغار يبارحان الغرفة
((أنا متأكدة أن والدتهما تغسل أدمغتهما بسوء الكلام عنا وهذا هو سبب انقلابهما الفظيع!))
أما مُؤيد فكان الضيق يستفحل في داخله أكثر وأكثر في كل يوم يمر عليه.. يعرف أن نفسية ولديّه متعبة وفي تراجع لكن ما يمر به هو أقسى وهو يراهما يتعاملان معه بقلة احترام وأدب ممزوجة بالجفاء..
هو متأكد من أن رتيل لا تطلب منهما ذلك فما يبوحان به هي مشاعرهما الحقيقة المكتومة تجاهه..
في الماضي.. بمجرد دخوله القصر في زيارته المعتادة لهم كل أسبوعين حتى يندفع الاثنين ويتسابقان على احتضانه وتقبيل رأسه ويديه.. وطوال فترة وجوده هنا يظلان فوق رأسه ويحومان من حوله.. يقلبان بهاتفه.. يسردان عليه قصصهما الطفولية.. يعبثان بشعره..
ويبقيان ملتصقان به إلى الحد الذي كان يختنق منهما فيطردهما من غرفته بجفاء ثم يذهب وينزه بنات إخوته سر عنهما فهن مهذبات وقليلات حركة عكس ابنيه..
أما الآن بمجرد دخوله نفس المكان المتواجدان به حتى يهربان من أمامه بعد أسطوانة عريضة تبدأ بتعبير فهد عن اشتياقه لأمه وتنتهي بتصريح باسم بكرهه الشديد له..
=============================
في المطبخ..
اختلست منال النظر لما تعده سمية في المطبخ ثم قالت بلهجة ممتعضة
((هل طلب السيد مَالك أن تعدي له هذا النوع من الطعام؟))
طالعت سمية منال ببشاشة وقالت
((الحقيقة لا، لكني أحب أن أصنعه له بنفسي لأنه.. أعني.. مشكلة مَالك أنه نحيف قليلا.. لكن لن أستطيع أن أخبره بذلك فكبريائه عالي، لذا أحاول أن أبحث عن بعض وصفات الطعام لأعمل على تسمينه..))
تشدقت منال بوقاحة
((تتصرفين كأنك أمه تماما))
تجهمت ملامح سمية فجأة بينما تكمل منال وهي تظهر حزنها المصطنع على اختيارها
((كنت أتوقع أن طموحك بالزواج أكبر من ذلك وأنك لن تقبلي الزواج من السيد مَالك، لا تفهميني خطأ، نعم هو رجل رائع لا مثيل له لكن المرأة تريد أن تكون زوجة مدللة تظهر عواطفها الأنثوية ولا تريد أن تقوم بدور الأمومة للزوج يا تعيسة الحظ))
توقفت منال للحظة تدعي التفكير قبل أن تكمل
((صديقة لي تطلقت ابنتها قبل عدة أيام وعندما سألتها عن السبب أخبرتني أن زوجها يصغرها بالعمر فانتهى الأمر بينهما بالطلاق.. قالت لي أن حياة ابنتها كانت في البداية ناجحة وتتسم بالهدوء والاستقرار مثل حياتك الآن مع السيد مَالك.. لكن بعد سنوات عدة بدأت المشاكل وتأزمت كثيرا علاقتهما فطلبت الطلاق منه لأنها لم تعد تحتمل تصرفاته وكذب مشاعره))
ازداد تجهم سمية من منال وكانت أكثر من تعرف بشاعة أخلاقها.. إذ أنها أكثر إنسانة ضعيفة الإيمان وقليلة المروءة وظالمة لنفسها ومعتدية على غيرها قابلتها في حياتها.. فاكتفت أن تقول لها بصوتٍ أجوف فاتر لتوقفها عند حدها
((أتمنى أن لا تتدخلي بيني وبين مَالك فأنا أكثر من سعيدة معه، سأغادر الآن يا منال))
أخرجت منال صوتا ساخرا مستهزئا وهي تلاحظ أن سمية لم تعد ضعيفة وهشة كالسابق رغم أنها لا زالت كما هي لا ترد على من يسيء لها.. فتمتمت بكلمات قميئة في داخلها تدعو فيها أن ينتهي ذاك الزواج ويطلق ابن سيد هذا القصر تلك البستانية بعد أن يمل منها ويعيدها إلى حيث تنتمي..
ثم ناظرت ابنتها الشاردة بإرهاق بعد أن خلى المطبخ من أحد غيرهما فخاطبتها بلهجة مستاءة
((ألن تخبريني يا مغضوبه بالتفصيل ماذا حدث خلال تلك الليلة التي قضيتيها مع مَازن حتى أعرف ما هي الخطوة التي سنقوم بها؟))
انتشل صوت منال نجوم من دوامتها الغارقة بهما وتطلعت لها بوجهها المنهك والذي لم يذق طعم النوم لتقول
((أمي جررته للنوم معي وانتهى الأمر، ماذا تريدين أن تعرفي أكثر؟))
تقبضت يد منال وقالت بملامح متكدرة
((أريد أن أعرف هل استمتع معك وبدا أنه راغب في المزيد؟ إذا كان كذلك فعليك أن تظهري أمامه أكثر ليطلب منك تكرارها))
ارتجف جسد نجوم وهي تتذكر نظرات مَازن المُحتقرة لها في تلك الليلة، فهزت رأسها معترضة بعنف
((أمي قلت لي ليلة واحدة وسينتهي الأمر، كيف تريدين مني تكرارها! ماذا لو توفاني الله وأنا أمارس تلك الرذيلة معه؟ بأي وجه سأقابل ربي؟))
مدت منال يدها تمسك حفنة من شعر ابنتها تحت الحجاب بقوة وتقول
((أيتها الحمقاء لقد جررتيه للنوم معك وصرت مدنسة وزانية فما الذي سيفرق إن كان مرة أو عشرة! عليك أن تكرريها كثيرًا حتى يقتنع أن الطفل له ولكن على الأمر أن يكون عفويا وغير مخطط حتى لا يتذكر أن يطلب منك تناول حبوب منع للحمل..))
بترت منال كلماتها واستدارت للخلف وهي تشعر بخطواتٍ تقترب من المطبخ قبل أن يتبين لها أنه مَازن الذي بدا أنه يريد التأكد بحذر وتوجس من في داخل المطبخ قبل دخوله..
ما إن لمحت نجوم جسد مَازن حتى ارتجفت كل خلية فيها ذعرا وانتفضت من مكانها تريد الفرار لولا هتافه العالي بعدوانية نحوها
((توقفي يا نجوم أريد الحديث معك))
ازدردت منال ريقها وشعرت أن هناك شيء خاطئ لكنها ادعت الجهل وتساءلت ببراءة مصطنعة
((ما الذي تريده يا سيد مَازن من ابنتي؟))
بخطوات حثيثة عازمة توغل مَازن للداخل أكثر.. لا ينفع أن يظل مختبئا بغرفته كالجبناء يتهرب مما حدث..
ازدرد ريقه ثم رفع وجهه يقول بثبات ظاهري
((أريد التحدث معكما الاثنتين.. منال هل لديك فكرة عما كانت ابنتك المصون تحاول عرضه عليّ؟))
بهت وجه منال وأدركت ما سيتحدث به مَازن أمامها مما جعلها تتوتر وتتحدث بأول ما خطر على بالها بتلك النبرة الهجومية دون أن تدرس كلماتها
((تقصد محاولتك إغواء ابنتي قبل أن تجرها للفاحشة معك؟ لقد سقطت من نظري، هل تكافئني على اهتمامي بك بجر ابنتي لعلاقة غير شرعية! لقد أفقدتها عذريتها وربما هي حامل الآن بطفلك، سيتم فضح ابنتي في أرجاء القرية بسببك))
تراجع مَازن خطوات للخلف بصدمة تلبسته، اضطربت ملامح وانعقد لسانه لوهلة وهو يرى منال تتهجم بهذه الوحشية.. تسرب الهلع إليه خوفا من أن تخبر منال والده عما تظنه قبل أن يشرح لها ما حدث..
وسرعان ما صوب نظره نحو نجوم وبالكاد تمَالك نفسه وهو يهمس لها بهسيس أرعبها من بين أسنانه المطبقة
((ماذا أخبرتِ والدتك أنك فعلتي معي أيتها الفاسقة؟))
ارتعدت نجوم من مظهر مَازن المخيف المظلم قبل أن تسيل دموعها بلا تحفظ مما جعل منال تصرخ به عاليا بصوتٍ مزلزل تأخذه بالصوت العالي
((خربتَ بيتي ودمرت حياة ابنتي حسبي الله ونعم الوكيل يا مَازن يا ابن الحاجة زاهية لكن أنا لن أسكت، والله لن أسكت سأذهب لأفضحك الآن أمام والديّك وإذا لم ينصفاني سأفضحكم في أرجاء القرية ولن أخاف في الله لومة لائم، هذه ابنتي وجوهرتي الوحيدة المصونة ولن أسمح لشاب منحل طائش مثلك بتدمير حياتها))
خشي مَازن أن يسمعهم أحد فسارع يغلق باب المطبخ وهو يهمس في منال بدفاعية
((أنا لم افعل أي شيء مع ابنتك، هي من خططت لإغرائي بتلك الملابس الشفافة وأغلقت الباب علينا، وعندما فشلت بخططها لجأت للكذب عليك))
بشيطنة اندفعت منال نحوه كالسيل الجارف تصرخ
((أنا لن أكذب ابنتي التقية التي تخاف الله وأصدقك أنتَ أيها المنحل الذي لم يسلم أحدا من شرك باعتراف والدك، هل تظنني كنت غافلة عن نظراتك القذرة تجاه ابنتي!))
جحظت عينا مَازن وازدادت وتيرة أنفاسه قبل أن يقول
((أخبري والدي وكل من في القرية لكن أنا سأدافع عن نفسي حتى آخر رمق، أنا لستُ غرا ولا أحمقا لأتحمل ما أنا متأكد أن لا يد لي فيه، ولو لم أشعر بالدوار وأفقد وعيي في تلك الليلة لكنت أدبت ابنتك.. أوه.. لحظة.. لحظة))
رفع مَازن يده وقطع كلامه ليفطن استدراك تدريجي
((لقد فقدتُ وعيي بعد أن شربت العصير الذي قدمتيه لي، لقد كنتِ مشتركة مع ابنتك، نعم يا منال أنتِ كذلك))
كانت يصوب نظره في نهاية حديثه إلى ملامح منال باشمئزاز واتهام صريح قبل أن يزمجر بوحشية شلت لسانها
((أنتِ شيطانة، ولا أريد أن أذكر لك ماذا يقولون على الإنسان الذي يدفع ابنته للعمل كعاهرة!))
بهتت ملامح منال عندما كشف مَازن خطتها.. افترقت شفتاها وارتفع نبض الخوف بقلبها لتهمس بعجز ووهن
((غير صحيح.. بل أنتَ.. أنتَ.. من أغويتها..))
احتدت أنفاس مَازن واستحالت ملامحه لأخرى همجية غير مألوفة فيه.. اتقدت النيران المندلعة من خضرة عينيه كعشب يشتعل وهو يقول
((منال! والدي لا يعرف أن نجوم تعمل هنا بعد أن نبهتها أمي ألا تظهر كثيرًا أمامه، لكن لو لم تقومي بإبعاد ابنتك من هذا القصر للأبد فأنا من سأفضح كل شيء أمام عائلتي، وقد أعذر من أنذر))
ثم اقترب مَازن من نجوم بخطوات بطيئة بينما هي تبدأ بالتراجع للخلف بخفر حتى اصطدم ظهرها بالجدار والتصق به..
بقيت تراقب بتنفس مضطرب لهاثه المشتعل بالحرائق حتى لوى فمه ساخرا بحدة كنصل سكين حادة..
ارتجف كل ما فيها وتمنت لو تنشق الأرض تحتها ولا تواجه ملامحه التي تحاكي عنفا حقيقيا في هذه اللحظة..
همس لها مَازن أخيرا مهددا
((فكري بذكاء واعرفي أن خلاصك من فضيحة محتمة يكون بأن لا تريني وجهك مرة أخرى هنا))
اندفع مَازن مغادرا المطبخ وهو لا يرى أمامه وجسده كله يرتجف في ظلمة مميتة..
التفت ذراعي نجوم حول بطنها ودموعها تنهمر أنهارا ولم تشعر إلا وأمها تتهجم عليها لتصفعها..
شهقت متوجعة ووجهها يحمر كالدم بآثار أصابع أمها على وجنتها المحترقة بينما تهمس فيها بصوتٍ مخيف
((هيا أخبريني هل نمت مع مَازن أم لا؟ أجيبي قبل أن انزع الطفل من أحشائك بيديّ))
حاولت نجوم الكلام لكن جف حلقها.. فقبضت والدتها على شعرها تحت الحجاب لتجيب أخيرا باختناق
((فقد الوعي قبل أن يسمح لي الاقتراب منه))
صرخت منال بها منهارة بتشوش
((يا إلهي.. يا إلهي.. لقد هدمت بيتي يا نجوم! وأنا أقول بيني وبين نفسي من أين جلب كل هذه الثقة قبل قليل! انتهى أمرنا ولن نستطيع إخراج أنفسنا من هذه الورطة، وأنا التي ظننت أنك ستسلبين لب عقله بمجرد أن يراك بذاك المئزر وستجعلينه طوع أمرك))
ارتجفت نجوم وهي ترجوها منتحبة
((أمي توقفي أرجوكِ))
هتفت أمها ساخطة عليها
((ماذا طلبت منك أن تفعلي أكثر مما فعلته سمية بمَالك! البستانية نجحت في ربط الشاب الأصعب وأنتِ الصغيرة الجميلة فشلتي في ربط توأمه المنحل))
.
.
خارج المطبخ..
وضع مَازن الهاتف بجانب أذنه وظل يهز ساقه بتوتر وما إن جاءه رد توأمه حتى قال برجاء ضمني
((مَالك أنا بحاجة للتحدث معك، أرجوكَ تفرغ لي الآن فأنتَ أخي الوحيد الذي يفهمني ومن اعتدت أن يكون مخبأ أسراري))
جاءه رد مَالك البارد
((شكرا لك على هذه المكانة لكن أنا الآن في عملي مشغول في تصحيح كومة أوراق الامتحانات ولست عاطلا متفرغا مثلك رغم أني بحسبة عريس جديد.. لكن إذا احتجت أي شيء مني في وقت لاحق فأرجوك تردد قبل أن تتواصل))
أغلق مَالك الخط بوجهه فضرب مَازن الجدار بيده بقوة أوجعت مفاصله حانقا عليه..
=============================
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!