الفصل 74 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وسبعون 74 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
10
كلمة
8,023
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

في زنزانة شيرين المنفردة كانت جالسة على سريرها تحدق باستمتاع بمُعاذ من نافذة الباب الفولاذي بينما يحدث ابنته على الهاتف إذ أنه لا يواجه أي مشكلة بالرد على اتصالات عائلته أو حتى أصدقائه هنا أمامها فقط أثناء نوبة الحارسة أم محمود..

هل ستكذب نفسها إن قالت بأنها لم تعد تريد مغادرة هذه الزنزانة المنفردة بعد أن بدأ مُعاذ يخصص لها يوميا من وقت فراغه ساعة لا يريد خلالها أي أحد منهما أن تنتهي ليتجاذب معها أطراف الحديث دون الاقتصار على موضوع محدد كأنه فقط يحاول تقوية الأواصر بينهما.. فيعرفها على اهتماماته وأفراد عائلته حتى شعرت أنها تعرفهم منذ زمن بعيد..

وهي بدورها تحاول أحيانا سؤاله بعض الأسئلة العادية لكن في المجمل تكون منصتة جيدة.. حتى أنها وللسخرية فكل تفكيرها اليومي يكون منحصرا في ماذا سيحدثها في اليوم التالي أو ماذا سيسألها أو ماذا عليها أن تطرح أسئلة عليه..

أغمضت شيرين عينيها تصغي لنبرات صوته الرخيمة التي تنجح بفك حزنها وتضفي السحر على روحها فتشعر أنها تهفو فوق غيمة وردية جميلة مهما كان ما يتحدث به..

أما مُعاذ انتبه على شيرين وشرد ناظرا بها قبل أن تنتشله ابنته من شروده بحنق

((أبي هل تنصت لي أم أني أحدث نفسي؟))

تنحنح مُعاذ وقال لها

((أنا أنصت لك يا دارين ولكن مللت من الإصغاء لقصص إرهاقك في الاعتناء بأولاد عمك الصغار التي كررتها على مسامعي عشرات المرات))

تذمرت له دارين

((هذا يا أبي لأنها تكررت عدة مرات، وأنا مللت بحق الله.. تخيل في الصباح طلبتُ من نعمة أن تصنع الفطور لأولاد عمي فتذرعت بانشغالها بعمل آخر، أما منال زجرتني قائلة بأنها غير متفرغة.. حتى نجوم متعبة طوال الوقت ولا تقوم بشيء.. وخجلت أن أطرق الباب على زوجات أعمامي فاضطررت أن أصنع أنا لهم الفطور ودخلت قاعة الامتحانات متأخرة))

بدا أن مُعاذ يشعر بالضيق حقا على ابنته التي تحمل مسؤولية أكبر منها لكنه هون عليها بقوله

((حسنا ها قد انتهت المدرسة وبدأت العطلة وانتهت معها مشاكل التأخير الصباحي))

أطلقت دارين عدة أنفاس تجيش صدرها تشجع نفسها في الدخول بالموضوع الذي من أجله اتصلت به لتقول

((أبي على سيرة العطلة، هل فكرت بما قلته لك في المرة الأخيرة؟ صديقتي ستقضي العطلة كلها عند جديها في المدينة وستلتحق بإحدى النوادي، أريد أن أمكث في شقتك حتى يتاح لي الذهاب معها لنفس النادي))

عقد مُعاذ حاجبيه وقال بهدوء

((أعرف أني وعدتك أن أفكر في الموضوع لكن لا أعتقد أني سأوافق، لن أشعر بالأمان عليك وحيدة في الليالي التي أقضيها خارج شقتي))

ألحت دارين عليه متوسلة

((أبي ولكن أنا وعدت صديقتي! لماذا لا تتزوج فقط حتى أستطيع الانتقال والعيش معك أخيرا..))

تلبكت ملامح مُعاذ قليلا إذ أن شيرين غالبا سمعت ما نطقت به ابنته فقال مُسرعا ينهي المكالمة

((حسنا دارين سنتحدث لاحقا))

رفعت شيرين رأسها للنافذة لمُعاذ الذي يشرف عليها بقامته الهيفاء الشامخة كجبل صلب لا يتزحزح وقالت

((لم أرَ ابنتك قبلا لكنها تبدو لطيفة))

رماها بتلك الابتسامة التي تفيض جاذبية وقال

((نعم هي الشيء الوحيد المتبقي لي من زوجتي المتوفاة، لكني لا أوفيها حقها من الاهتمام والرعاية، هي مرتين أو ثلاثة في الشهر أذهب معها لزيارة قبر أمها كعادة صارت متأصلة فينا منذ أكثر من تسع سنوات))

اعتدلت شيرين واقفة وتساءلت

((إذا كنت تعرف أنك مقصر بحقها لم لا تحاول تعويضها؟))

غامت عيناه وهو يقول بشجن الماضي

((لقد تغيَّرت الدُّنيا عليّ عند وفاة سناء والدة دارين وأظْلمت في وجهي، رغم أن الوفاة كانت متوقعة بسبب تفاقم حالتها الصحية.. وبعدها تصرفت بأنانية ولم أفكر إلا بنفسي وكيف أتماسك أنا بالانشغال كليا في عملي))

أومأت له برأسها متفهمة ثم قالت

((لا شك أن موت الأم حدث جلل ومصاب أليم وفاجع، أنا أنهرت عند وفاة أمي ومن بعدها أبي رغم أني كنت في العشرينات من عمري.. أسأل الله أن يرحم زوجتك أَتمَّ الرحمة وأوسعها، وأن يُبوِّئها جنات النعيم))

تمتم مُعاذ لها ببسمة صغيرة

((اللهم آمين، ويهديني لأهتم بابنتي أكثر))

خيمّ الصمت بينهما، وبقي مُعاذ مكانه واقفا لا يريد المغادرة من أمام زنزانتها رغم علمها بانتهاء نوبة أم محمود كما وقت فراغه..

تركت أم محمود كتاب الله الذي كانت تتلو آياته ثم قالت باحترام

((سيادة الرائد بعد قليل ستأتي حارسة النوبة الثانية رجاء لنغادر الآن))

أومأ مُعاذ لها بشيء من الحرج ثم ودع شيرين وكالعادة سألها قبل أن يغادر

((هل أنتِ بحاجة لأي شيء؟))

شردت بعينيها بعيدًا قبل أن تسأله

((اليوم سأعود للعب الرياضة في وقت الفورة، هل لا زال الإقبال على كرة الطائرة كبيرا؟))

شابت نبرته المرح مجيبا

((نعم لا زال الإقبال عليها كبيرا، ويستوجب عليك الانتظار طويلا ليأتي دورك، لذلك أوصيت أن تكون متواجدة في كل الأقسام، وسيتم العمل على ذلك، لا تقلقي))

تألقت ابتسامة على وجه شيرين وهي تؤكد بامتنان عليه

((ممتاز فمنذ قدمت هنا أبقى في المكتبة، لأني أعرف أني لن أجد دورا للعبها قبل انتهاء وقت الفورة))

جاء طارف عين مُعاذ بالكُتب والقلم الموضوعة فوق سريرها فحذرها برجاء باطني

((خبئي تلك الكتب جيدا، لا يجب أن تعرضيها للقاصي والداني، كوني أكثر حذرا مع حارسات النوبة التالية فأنا لا أعرف أي واحدة منهن جيدا))

سارعت شيرين تخفي كل الكتب تحت وسادتها معتذرة

((معك حق سأكون أكثر حذرا من الآن فصاعدا))

أغلقت الحارسة أم محمود النافذة وغادرت ثم حاولت أن تجاري مُعاذ بالمشي لتسير بجانبه.. شعرت بشيء من التردد مما تريد التحدث فيه معه إذ أنه رغم ما يكنه لها من احترام شديد نابع من معرفته القديمة والعميقة بها إلى حد أنه أخبرها الكثير عن عائلته ويعرف بالمقابل الكثير عن عائلتها وأولادها، إلا أنه يظل هنا في مرتبة أكبر منها ومرؤوسها في العمل..

لكنها حسمت أمرها وقالت بصوتٍ هادئ يعكس وقارها

((اعذرني يا سيادة الرائد على تجاوز حدودي وتدخلي فيما لا يعنني لكن استمرارك طوال الفترة الماضية بالتحدث لأكثر من ساعة مع النزيلة شيرين هو بمثابة سيرك في طريق وعر عليك الخروج منه فلا طائل لك منه، فالعواطف عواصف، أتمنى أن تكون قد فهمت قصدي فأنا لا أريد إلا مصلحتك))

ابتسم مُعاذ بتفهم لها وقال بصوته الرخيم

((على العكس يا أم محمود أنتِ لا تتجاوزين حدودك بل كلانا يعلم أن كلامك هو الصائب، لكن أنا أخطط للزواج منها بمجرد أن يفرج الله عليها من هنا))

لم يبدُ على الحارسة أنها مقتنعة تماما بما يقوله فردت

((أعرف أن ما تتحدث به معها مواضيع عادية ولكن مع ذلك أنا آمل منك أن تحاول تقليل ذلك تدريجيا وتنقلها إلى عنبر مشترك قبل أن تتعلق هي بك، فلو لم ينته الموضوع بينكما بالارتباط الرسمي كما تخطط فإنه سيسبب ألمًا وحزنًا شديدًا لكليكما))

أفضت أم محمود ما بجعبتها فرد مُعاذ بثقة متأصلة فيه

((لا تقلقي سينتهي الأمر بيننا بالزواج بإذن الله، لكن بالتأكيد سآخذ حذري وأحاول ألا أفرط فيما أفعله قبل الارتباط الرسمي بيننا))

((إذن عجل من نقلها للزنزانة المشتركة))

((كنت أعمل على ذلك بالفعل لكنها عدلت من قرارها وطالبتي البقاء في زنزانتها المنفردة الجديدة لأن ظروفها أفضل وتتمتع بخصوصية أكبر، طالما تستطيع الخروج منها في وقت الفورة))

أومأت له أم محمود قبل أن تلقي عليه التحية العسكرية وتغادر أما هو وقف خارج المبنى يحدق في الظلام الذي يرخي سدوله قبل أن يرفع يده ويلاعب سلساله العسكري حول عنقه ويفكر بمسألة زواجه من شيرين التي يخطط لها.. ابنته.. وذكريات الماضي الحلوة المريرة..

=============================

في الصباح..

تقدمت من السرير حيث لا يزال مَالك مستغرقا في النوم.. جلست على طرف السرير تحدق به وقلبها يقرع بعنف مدوٍ يحارب خجلها حتى انتصر فلم تشعر إلا وكفيها الاثنين يحاوطان وجهه وتلامس بأصابعها لحيته النابتة وتداعب شعيراتها قبل أن تشهق على يده ترتفع وتمسك كفها بغتة ليقربها من ثغره ويلثمها..

وقفت من مكانها لتنزوي عنه إلا أنه قبض على رسغها يجتذبها نحوه لترتمي فوق صدره ليقول بصوتٍ مبحوح من أثر النوم وهو يعيد يدها الناعمة فوق قسمات وجهه

((أين تذهبين! اقتربي مني.. تلمسيني.. أريدك أن تشعري بي كما أفعل تجاهك.. أنا رجلك.. زوجك يا سمية))

توردت وجنتيها الرطبة بالماء وكساها الخجل وهي تُصر على سحب يدها لتقول على استحياء

((لم أعرف أنك كنت مستيقظا))

همس لها مداعبا وهو يتشبع بملامح وجهها

((وهل ظننتي أن الله قبض روحي))

يدها التي كانت تغطي صدرها رفعتها سريعا لتغطي فمه وتنهره بوجعة قلب

((اسم الله عليك.. حفظك الله لي ولابنك ولعائلتك من كل شر))

نظر مدلها لانعقاد حاجبيها ليقول بصوتٍ مشبع بالعاطفة

((أنا أحبك))

ازدادت حُمرة الخجل المتسربة لوجهها.. كأن الله لم يحرمها من والديها وكل من كانوا في حياتها إلا لأنه كان يدخر مَالك هو لها.. سمعته يقول بهمس خافت

((تبدين اليوم أكثر جمالا))

تسارعت أنفاسها وهي تغرق في عينيه بينما هو يرفع رأسه ويميل نحوها لكنها كانت أسرع وهي تحرر يدها منه قائلة بتهرب

((إذا لم أمنعك الآن سينتهي بي الأمر نائمة معك على الفراش.. أمك اتصلت بي قبل قليل وأكدت عليّ ألا نفوت اليوم أيضًا تناول طعام الفطور معهم))

ازداد انعقاد حاجبي مَالك ضيقًا واستياءً إذ كان يكره كيف تنجح بمعظم المرات من التهرب من الحميمية التي يأسرها بها لكنه لم يطل في الاعتراض وهي تحثه

((هيا قم من مكانك))

اغتسل مَالك وحلق ذقنه ثم فتح خزانته ينتقي قميص له وكالمعتوه وجد نفسه يميل إلى حيث تضع ملابسها يستنشق رائحتهم العطرية قبل أن يجفل على صوت سمية من الخلف كمن تتحدث مع مجنون

((مَالك! ماذا تفعل؟))

لكنه ظل على حاله والرائحة العطرية المُسكرة تساعده على الاسترخاء ليهدر

((أحب استنشاق رائحة هذا العطر الذي تضعينه على ملابسك بعد الكيّ))

اعترضت وبالكاد تمنع نفسها عن الضحك على مظهره

((أُبخر أيضًا ملابسك يمكنك أن تستنشق رائحتهم))

استدار لها ووضع جبينه فوق جبينها هاتفا بتذمر رقيق

((ألم أخبرك أن عليك المبادرة في تقبيلي كل صباح؟ لماذا عليّ دائما تذكيرك بذلك؟))

عادت تتعثر بالخجل مرة أخرى شاعرة اليوم بأنه متطلب على غير العادة.. لكنه حثها بعاطفة

((هيا بادري ولو مرة واحدة، أكره أن أكون مبادرا دائما))

ارتفعت على مشط قدمها لتقبل ثغره قبلة سطحية رقيقة قبل أن تتهرب منه وتتناول مشطا تبدأ تسريح شعره المموج كما تعودت أن تفعل منذ زواجهما..

وضعت القليل من عطر ما بعد الحلاقة في كفيها ورفعتهما تضمخ به ذقنه ووجنتيه.. وفي هذه الأثناء حام مَالك بنظراته على وجهها.. على الأقل هي تفرط الاهتمام به في باقي الأمور وتُصر أن تقوم بكل شيء بنفسها.. إنها تجمع بين الدفء والصداقة.. هي امرأة دافئة جدًّا.. كزبدٍ ذائبٍ فوق خبزٍ ساخن..

.

.

في غرفة المعيشة..

قالت الحاجة زاهية بصوتها المتعب لزوجها تشكو همّها

((مُؤيد ذاك العنيد طلب سيارة أجرة وذهب للمدينة يريد أن يحل مشكلة طرأت على عمله بحاجة لوجوده قائلا بأنه قد يعود في الغد..))

بترت زاهية كلامها عند حضور مَالك وزوجته ثم أردفت متذمرة بغير رضا وهي تنظر ناحيتهم

((الحمدالله أننا رأينا وجهك يا مَالك اليوم ولم تختفي عن الأنظار كما تفعل في أيام العطل))

ابتسم يعقوب بحنو على زوجته وطبطب فوق يدها يطلب منها بصمت أن تقلل من ضغطها على ابنها إلا أنها أكملت بإصرار

((لم نكن نرى يا حاج ابنك إلا في المناسبات قبل الزواج أما بعد الزواج فلم نعد نراه أبدًا))

عاد يخفف عنها الحاج يعقوب قائلا

((لا زال عريسا يا زاهية، لا زال عريسا.. غدا يمل من الاعتكاف بجانب زوجته))

قال مَالك باقتضاب وهو يمسك رغيف الخبر

((أبي أنا أمر هذه الفترة بضغط رهيب لأنني بفترة تصحيح أوراق الامتحانات!))

تدخل مَازن في هذه اللحظة يقول

((أمي محقة يا أبي، مَالك لم نعد نراه طوال اليوم، لا يتاح لي مؤخرا أن أتحدث مع جنابه قبل أخذ موعد وقد يُرفض الطلب!))

قام مَالك بحدج مَازن بتوعد وتهديد في حين تطلع يعقوب باستغراب لابنه الذي يشكي توأمه لأول مرة ليغمغم

((يبدو أن لا أحد راضي عنك يا مَالك بالفترة الأخيرة))

تكالبت أمه ضده أكثر وهي تشير ليزيد الجالس بجانبها

((حتى ابنه لم يعد يهتم به كثيرًا كالماضي، هل تصدق هذا!))

قام مَالك بتعبئة طبقه محاولا أن يتجاهل شكوى أمه وتوأمه لوالده فعاد مَازن يجتذب انتباه أبيه قائلا

((تخيل يا أبي بأني قصدته في أمر ضروري مؤخرا ولم يعرني اهتماما ولا لثانية واحدة))

انفلت هنا لجام صبر مَالك ليهتف عاليا

((مَازن اصمت، أنا لم أخلص من خبث مُؤيد لتظهر لي أنتَ))

حذره يعقوب باحتدام زاد من ضيقه

((مَالك لا تتحدث مع أخيك بهذا الشكل أمامي، واقضي وقتا كافيا مع عائلتك في يوم عطلتك))

اعترض مَالك على هذا التحامل الغير عادل ضده

((أنا أقضي معكم نفس الوقت الذي كنت أقضيه قبل زواجي تقريبا))

تمتم له والده آمرا بهيبة ملامحه

((مَالك اليوم بعد الغذاء لا داعي للصعود لجناحك واجلس معنا لمتابعة إحدى البرامج التلفزيونية))

تشدقت زاهية بعبوس

((لا ترغمه يا حاج فهو لا يملك أمر نفسه))

فهم مَالك أن والدته تلمح أن سمية هي من تمنعه عنهم فعبست ملامحه..

.

.

في المطبخ..

كانت سمية تعد الطعام لفهد وباسم فهما مؤخران يرفضان الانضمام لباقي العائلة عند وجبات الطعام..

تحدثت أثناء ذلك لمَالك الذي كان يجيء للمطبخ إيابا وذهابا بخطوات غاضبة نارية

((لا تنفعل يا مَالك كثيرًا من أجل لا شيء))

لكنه رفض الاستخفاف بما حدث قبل قليل وقال باحتدام

((ألم تسمعي الكلام الذي ألقاه أبي على مسامعي؟ مَازن هو من شحنه ضدي))

تنهد ثم وقف مكانه وكتف ذراعيه مردفا بما كان يجيش في عقله مؤخرا

((أتمنى لو أستطيع الانفراد بسكن خاص بنا بعيدا عن هذا القصر كما فعل إخوتي.. لأني لا زلت أشعر أني مراقب وتحت عيني والديّ، لا أشعر أبدًا بأن حالي تغير بعد زواجي، ولا أشعر أني أمتلك حياة خاصة ومنفردة.. بل لا أصدق أني سأكون مجبرا في المساء على الجلوس في غرفة المعيشة مع والديّ لساعات طويلة حتى لا يظنا أنك تتحكمين بي وتعزلينني عنهم! رغم أني قبل زواجنا لم أكن أمضي الكثير من الوقت معهم! لكن أمي باتت أكثر حساسية بعد زواجي))

تنهدت سمية قبل أن تقول بمنطق الحكمة

((حبيبي هدئ من روعك، أنا أتفهمك جدًّا.. لو كان كل إخوتك يعيشون هنا مع أبنائهم لخضعت لفكرة الانتقال لبيت مستقل، لكن لا أحد يقطن هنا بشكل دائم إلا أنتَ ومَازن لذا لا تفكر في الاستقلال عنهم! والديك مسنان وبحاجة لأحد أولادهم أن يسكن معهم حتى لو كان هذا القصر مليء بالرفقة من العاملين هنا))

في هذه الأثناء كان مَازن يواري نفسه خلف باب المطبخ يحاول التأكد من هوية الموجودين بداخله قبل أن يجفل وترتد خطواته للخلف ما إن وقعت عينيه في عيني مَالك ليتعثر بتلعثم

((من هنا في المطبخ.. أوه مَالك توأمي الحبيب))

ضيق مَالك عينيه مهددا وهو يقترب من مَازن

((أخيرا جاء توأمي الحبيب المستاء من شح اهتمامي به، اقترب مني..))

لكن مَازن كان أسرع منه وهو يطلق قدميه للريح ويخرج راكضا من باب المطبخ الآخر المطل على الحديقة الخلفية.. ظل مَالك يلحق به صارخا بتوعد وهو يحاول إدراكه

((أيها الخبيث سألقنك درسا لن تنساه))

أخيرا وبعد دقائق من الركض استطاع مَالك الإمساك بطرف قميصه ومن ثم إيقافه مكانه قبل أن يبطحه أرضا غير آبها لهتافه

((ابتعد يا مَالك، لنتحدث كأشخاص ناضجين بعيدا عن العنف))

جلس مَالك فوقه يقبله قائلًا

((العنف فقط ما ينجح مع أمثالك، كيف تجرأت وألبت والديّ ضدي؟))

اكتنفت الجدية ملامح مَازن وحاول إيقاف هجوم توأمه

((لا يا مَالك أنا جاد، لم أعد أراك أبدًا وهناك الكثير مما أمر به وأريد مناقشته معك))

بدأ يلهث مَالك وهو يقول بخشونة

((وبماذا تريد التحدث معي؟ هل قام أحد بضربك؟ هل سرق أحد منك صندوق طعامك؟))

نهت مَازن وهو يحاول إبعاد جسده توأمه الجاثم فوقه ليقول بصوتٍ مكتوم

((مَالك الأمر جدي فابتعد عني قليلا ودعني أتحدث))

أصر مَالك عليه هادرا وهو لا يزال قابعا فوقه

((لا أعرف التحدث معك إلا بهذه الطريقة، هيا قل ماذا تريد يا حبيب توأمك؟))

نطق مَازن وباح دفعة واحدة

((منال.. منال.. أنا لا أرتاح لوجودها هنا أبدًا.. لا هي ولا ابنتها..))

ترققت ملامح مَالك وابتعد قليلا عنه ثم مد يده يساعده بالوقوف وهو يتساءل بتوجس

((منال؟ منال التي نعرفها وتعمل هنا؟ ماذا فعلت؟))

بدأ مَازن ينفض الغبار عنه ويقول بصوتٍ مختنق

((نعم منال، تحاول تقريب ابنتها مني، بشكل واضح وصريح وجريء وفج دون خوف ولا حياء.. هل من حل لطردها من هنا دون أن اجلب انتباه أبي؟))

اتسعت عينا مَالك بذهول وقال

((أخبرني بالتفصيل كيف تقوم بذلك؟ عليك أن تخبر والدي مباشرة حتى لا تسكت عن هذه المهزلة))

بدأ الغضب بقلب مَازن يتصارع مع رفقه بألا بفضح فتاة ويلوث سمعتها.. فقال بتلك النبرة الأبية

((لا داعي لإخبارك بالتفاصيل، لكن أريد منك أن تساعدني لنجعلها تترك العمل هنا))

تغضن جبين مَالك بالضيق وعقب

((لقد سبق وقمتُ بطردها من هنا لكن أبي أعادها، قال بأنه مستعد أن يلقيني خارج البيت على أن يطرد أحدا من العاملين عنده فتقبلت وجودها صاغرا))

شردت خُضرة مَازن مفكرا أنه لو أخبر والده بأمر منال ونجوم فغالبا سيكذبه لأنه لا يملك أي دليل.. فتنهد قبل أن يقول بصوتٍ منطفئ

((على كل حال هددتها أني سأفضحها إذا لم تجعل ابنتها تترك العمل هنا، أتمنى أن ترضخ لتهديدي ولا تمتحن صبري، وإلا فأنا نفسي خائف مما سأقدم عليه))

=============================

في مطعم الفريال..

أخذ قصي حساب فاتورة إحدى الطاولات لكن توقف فجأة يضطر لرسم ابتسامة مهذبة بالرغم من غضبه الداخلي

((سيدي كان عليك توضيح أنك وضيوفك ترغبون في دفع الفواتير بصورة منفصلة، حتى أتعقب طلبك وأسجله منفصلا عن الآخرين منذ البداية))

تبرع أحد الزبائن الجالسين على الطاولة ليقول جهوريا

((أقسم عليكم يا رفاق أن تدعوني أدفع الفاتورة كاملة))

اعترض الآخر على رفيقه بنبرة قوية

((ولماذا تدفعها أنتَ! أقسم عليكم أنا أن تدعوني أدفعها))

وجاء صوت الأخير صارخا بوجه قصي ورذاذ فمه يصل لوجهه

((خذ النقود مني أنا من سأدفع))

كان قصي في موقف لا يحسد عليه وكل واحد منهم يعطيه أمرا بأخذ النقود منه ليدفع عن الباقيين الحساب..

لماذا عليهم أن يقحموه في هذه المشاجرة!

كظم غيظه بصعوبة وقال بابتسامة منمقة عملية

((أنا أريد شخصا واحدا ليدفع الحساب، وعندما تقررون من هو نادوا عليّ رجاءَ))

ابتعد قصي عنهم إلى طاولة أخرى يريد تنظيفها قبل أن يقول بنفاذ صبر

((سيدي هل يمكن أن ترفع الأشياء التي تخصك كالهاتف المحمول وسلسلة مفاتيحك حتى أتمكن من تنظيف الطاولة))

لوح زبون آخر يقف مع عائلته لقصي هاتفا

((منذ ساعة ونحن نلوح لك ألا ترانا!))

أنهى قصي التنظيف وجاء عنده يقول دون أن تنحسر ابتسامته المتشنجة

((سيدي لا يفهم الجميع لغة الإشارة، لا سيما إن كانوا يقومون بأداء مهمة أخرى، فلا تتوقع مني أن أترك طاولة أخرى لتلبية طلبك..))

صرخ به الزبون الكبير في السن يقاطعه

((توقف عن الفلسفة وجهز لنا طاولة، أنا وزوجتي وأولادنا ننتظر مند ربع ساعة هنا))

أغمض قصي عينيه للحظات يحاول التحلي بالمزيد من الصبر الجميل ثم قال بمهنية

((سيدي أتفهم انزعاجك، ولكن عليك أن تكون مرنا إلى حد ما، وتنتظر بضع دقائق إضافية))

صرخ الرجل وأشار للمرأة والأطفال الذين معه

((نحن جميعا نتضور جوعا، كيف تريد منا أن ننتظر أكثر؟))

فتح قصي يديه بقلة حيلة وقال بفتور

((سيدي الأمر عائد لك إذا كنت تريد الانتظار أم المغادرة في هدوء، فأنا في جميع الأحوال لا أعرف متى سيغادر رواد المطعم وأجد شاغرا لكم))

وقبل أن يتجه قصي نحو الطاولة التي ينتظره يوسف عليها بضجر ليتحدث معه في آخر مستجدات قضية شيرين ناداه زبون آخر فلجم قصي غيظه وهو يكرر على نفسه أن هذه هي طبيعة عمله وعليه التحمل..

ثم ذهب للزبون يتساءل بابتسامة مغتصبة

((هل هناك أمر ما يا سيدي؟))

تذمر الزبون له هاتفا

((لم يعجبني طبق الطعام هذا فهو مالح جدًّا، لن أدفع ثمنه))

رد قصي عليه من بين أسنانه المطبقة

((سيدي ليس من حقك أن تعيد الطبق بعد تناول نصفه بزعم أنه ليس على المستوى المتوقع..))

ثم مال منه يردف هامسا

((صدقني صاحبة مطعم الفريال صارمة وجشعة جدًّا، وحتى لو كان هناك فأر في الطبق الذي تناولته فلن تقبل أن تخرج دون أن تدفع ثمنه!))

اشمأزت ملامح الزبون وسارع ينتشل ما بجيبه ويغادر هذا المطعم القميء..

كان لا زال يوسف يتابع كل ما يحدث بنظر مشفق على حال قصي.. لا يصدق أن ابن القاني وصل به الأمر إلى هذا الحال المتدني في الحياة.. المسكين لو كظم غيظه مع ذاك العميل في الشركة كما يفعل الآن مع عملاء هذا المطعم الفظّين لما هدم بثلاث ثوانٍ عمله الدؤوب الذي استمر في شركة القاني لثلاث سنوات.. وتسبب بفقد ثلاثمئة شخص وظائفهم..

كان عليه أن يدرك بانه لا ذنب للعميل بمزاجه السيء وضغوطه الشخصية وأصحاب العمل الذين لا يرحمون من يعمل فيها..

أخيرا جاء قصي وجلس مقابله وهو يضغط على معدته بكفه ولا زال ذاك الألم يجتاحه من وقت لآخر ليقول

((يوسف أنا أشك أن سبب ألم معدتي هو طعام هذا المطعم، أريد منك نقودا ثمن كشفية الطبيب))

امتقعت ملامح يوسف وكان لا يعرف كيف يرفض إعطائه المال بأقل سخط سيناله منه، لكنه فجأة نظر في الأرجاء ثم قال

((كأن هناك زبون يلوح لك؟ أسرع لتتفقد طلبه قبل أن يغضب عليك))

أطبق قصي على أسنانه بعنف شاتما عمه ألف مرة.. فبعد أن كان سابقا يناضل لأخذ ورثته منه والعمل في موقع مرموق في شركة القاني، لم يعد الآن يريد أكثر من أن يسامحه ويعيده تحت ظله ويرجع له كل الامتيازات والرفاهيات التي سحبها منه..

فكلما تأخر عمه بمسامحته، تأخر هو بالبوح بكل شيء يضمره ويخفيه عن سهر لها.. وبالتالي سيخسرها للأبد..

أطلق قصي عدة أنفاس كانت تجيش في صدره بينما يحثه يوسف مجددا

((هيا يا قصي، اذهب وانظر لطلباتهم، فنفاذ الصبر سمة عامة لكثير من رواد هذا المطعم وكل واحد منهم يؤكد أحقيته في تقديم الطعام إليه قبل غيره))

=============================

كعادة مَازن بين الحين والآخر يراقب المطبخ من بعيد يتأكد من خلو نجوم منه وإذا ما كانت قد نفذت أمره بترك العمل هنا أو لا.. فدلف لداخله بحذر قبل أن يفاجئ بوجود ياسمين وابنته..

تشابكت يداه خلف ظهره وتقدم يقول باستغراب

((ياسو أنتِ هنا!))

كانت هدى جالسة على الرخام بحماس بينما تقف ياسمين على مشط قدميها تحاول الوصول لإحدى العلب فوق أعلى الرفوف.. فقال مَازن وهو يعبث بشعر ابنته

((ماذا تفعل ابنتي الجميلة هي وابنة قلبي؟))

توقفت ياسمين عن محاولاتها إمساك العلبة وقالت

((دعنا نستثمر طولك في أمر مفيد، ناولني علبة الزيتون الأسود))

رسم مَازن ابتسامة عريضة لطلب ياسمين ثم تنحنح وهو يشد قامته كأنه عسكري في الخدمة ليقول بنبرة استعداد

((حالا يا ياسو))

وقف جانبها يرفع من نفسه يتناول العلبة وهو يرمق ياسمين العابسة بنظراته المشاكسة بينما يضع العلبة الزجاجية على طرف الرخام قبل أن تهوي دون انتباه منه على قدمها..

شهقت ياسمين بألم شديد وهي تسحب قدمها وترفعها هاتفة

((قدمي تؤلمني.. قدمي..))

اتسعت عينا مَازن بصدمة لموضع الإصابة قائلا

((أنا آسف ياسو، بالتأكيد لم أقصد..))

قالت هدى بحزن وقلق على أمها

((لماذا ضربتها بالعلبة الزجاجية يا أبي؟))

صرخ مَازن بغضب على ابنته الذي لا ينقصه في هذه اللحظة أن ينشغل بها

((هدى اسكتي أنا لم أفعل هذا متعمدا))

قالت ياسمين بتحشرج متوجع

((لم تنكسر العلبة الزجاجية فقد وقعت على قدمي.. لكنها تؤلمني.. آه لا أستطيع المشي عليها))

مد مَازن ذراعه أسفل ساقيها وأخرى حول جذعها ليرفعها هادرا

((لا بأس، على رسلك))

حملها مَازن بخفة كأنها لا تزن شيئا ثم أجلسها على الرخام وتساءل بقلق عليها

((هل تؤلمك قدمك إلى الحد الذي يجعلك لا تستطيعين حقا المشي عليها؟))

هتفت به بملامح معذبة ((أظن ذلك))

تنهد مَازن يحاول استعادة رباطة جأشه ثم مدد ساقها فوق الرخام وبدأ يمسدها فوق الخُفّ وهو يطبطب عليها بكلمات مطمئنة

((لا تقلقي ستكون بخير..))

التهب وجه ياسمين بالخجل وهي تراه منهمك فيما يحاوله فحاولت سحب ساقها مغمغمه

((دعك مني.. اترك قدمي.. لربما يأتي أحد يا مَازن ويدخل المطبخ))

إلا أنه رفض أن يتركها وتابع يمسدها ويسألها بين الحين إذا ما كان قد خفت الألم.. حتى سمع شهقة مفاجئة تأتي من بعيد.. من نجوم التي كانت ستدخل المطبخ قبل أن تستوعب وجوده وتهرول مغادرة..

أما ياسمين فوزعت نظرها بين التي غادرت بصدمة وبين مَازن الذي بدا متلبكا للغاية فعاتبته

((هل رأيت ما حدث! دخلت نجوم فجأة ورأتنا! هل أعجبك مشاهدتها ما تفعله!))

احتقن وجه مَازن بالغضب لأن نجوم لم تغادر وتترك العمل كما هددها سابقا..

توعد في سره لمنال، سيجعلها تدرك جدية تهديده!

انتشل نفسه من التفكير وتطلع لياسمين يقول بثبات وهو يعود لتمسيد قدمها

((وما شأني فيها هي أو غيرها))

هتفت ياسمين به بحنق

((أسندني لأذهب لجناحنا الآن))

أنزل مَازن هدى من على الرخام أرضا ثم قام بحمل ياسمين ينقلها لجناحه..

اعترضت وطلبت منه أن ينزلها خوفا من أن يراهم أحد إلا أنه رفض باستماته وظل يسير متجها نحو جناحه..

أخفضت وجهها وهي تريحه على كتفه شاردة النظر..

أما مَازن أجبر نفسه أن يتحرر من التوتر والارتباك حول نجوم وأخفض نظراته يحدق بوجه زوجته وسرعان ما شابت نظراته العبث والشقاوة..

انتبهت ياسمين على نظراته فابتعلت ريقها وكلها يرتعش تأثرا بحرارته التي تلفحها وذقنه الخشن الذي يدغدغها..

همس لها مَازن يصارحها وعيناه تنطقان بكلماته

((تبدين جميلة وأنتِ مطيعة ومستكينة يا ابنة قلبي))

ازداد ارتباكها والخجل الذي يلفها وشعرت بقلبها ينبض في كل جسدها وهي تتذكر تلك الليلة التي كان يريد فيها الانفصال عنها..

أجلسها مَازن على السرير وانحنى قليلا يخلع خفيها عن قدميها على التوالي ثم يلف أصابعه حول قدمها المُصابة بينما هي تنزع عباءتها..

صوب مَازن بسرعة نظراته الحارة الى قميص نومها الكاشف الذي كانت ترتديه تحت العباءة.. فتضرجت وجنتا ياسمين بالحمرة القانية فأغمضت عينيها وهمست باسمه بتعثر.. مما جعل مَازن يضحك بخفوت ويتابع ما يفعله..

رفعت ياسمين عينيها بتردد له ومر شبح ابتسامة على ثغرها رغم الألم الذي يفترسها ولكن حنان لمساته التي يغمرها فيها كرفرفات الفراشة حين أجلسها كالأميرة وبدأ بتدليك قدمها.. شعور لا يقاوم.. يجعلها ترتعش بكمية الأحاسيس التي تجتاحها.. كالحلم..

فتحت ياسمين عينيها فجأة عندما وقف مَازن وقال فجأة

((سأذهب لأحضر لك زيتا وأعود فورا))

تسلقت هدى السرير قائلة بأسارير منفرجة وهي تقترب من أمها التي تناولت هاتفها لتتصفحه

((لقد حملك أبي من المطبخ إلى هنا لوحده بسهولة، إنه قوي، لا أريد منه أن يغادر بعد الآن، فهو ينزهني دائما، على عكس عمي مُؤيد الذي يظل يصرخ بقسوة في أولاده))

.

.

عاد مَازن بعد دقائق وانتفض ذاهلا نحو ياسمين وهو يراها تبكي بهيستريا ليعتريه القلق ويتساءل

((ماذا هناك يا ياسمين؟ لماذا تبكين؟))

رفعت ياسمين وجهها المحتقن من البكاء هاتفها وقالت بصوتها المتهدج

((لقد قام أحد أقاربنا بإنزال منشور نعي لأبي على مواقع التواصل الاجتماعي، لقد توفاه الله صباح اليوم بعد معاناته مع مرض القلب إضافة إلى أمراض أخرى))

=============================

كانت سمية جالسة في غرفة المعيشة تحادث رتيل على الهاتف بمواضيع عادية بجانب مَالك وتخبرها عن حال الأولاد قبل أن تجفل على صوت غليظ يطالبها

((أم يزيد أعطيني الهاتف لو سمحتي، سأعيده لك بعد خمس دقائق))

تطلعت سمية لمُؤيد الذي كان يدلف للغرفة متكئا على عكازه ثم نظرت لمَالك الذي أشار لها بوجهه أن تعطي الهاتف لأخيه فهو لا يريد مشاكل معه..

تناول مُؤيد الهاتف منها ثم خرج من المكان ووضع الهاتف على أذنه هاتفا بخشونة عدائية

((مرحبا يا رتيل))

وصله صوت رتيل المغلول والحاقد

((أهلا يا عريس، سمعت من الولدين أنك ستتزوج من صبر ابنة أبي أحمد))

انعقدت غصة في حلقه ابتلعها بصعوبة ثم أجاب

((هذا صحيح.. سأتزوج))

لوهلة عمّ الصمت من جهتها قبل أن تقول بصوتها المشحون

((ستتزوج؟ مبارك يا مُؤيد تزوج، أنا أتمنى لك السعادة من كل قلبي))

غامت عينا مُؤيد بالأسى ولمع شيء فيهما قبل أن يسألها مترددا بصوت يقطر بؤسًا

((هل حقا ما تقولينه يا رتيل؟))

أبعد الهاتف متأوها عن أذنه وهو يسمع هياجها الثائر

((بالطبع لا أيها الأحمق، أنا أتمنى أن تعيش بجحيم مع زوجتك الجديدة، أتمنى أن تفعل بك عجائب الله ولا تتقي الله فيك، أتمنى أن تنكد عليك حياتك ولا تقبل حتى بربع ما كنت أقبله مرغمة، أتمنى أن تنتقم لي منك وتنغص عليك حتى في أقل تفاصيل حياتك))

أطبق مُؤيد على نواجذه يقول مغتاظا

((انظري إلى لسانك الطويل، سأقصه غير آسفا يوما ما..))

قاطعته بصلف ووقاحة

((اخرس، لقد طلقتني ولم يعد لك أي إمرة أو سلطة عليّ..))

ثم تهدج صوتها واختلط بالبكاء بانهيار وبصوت مزقته الشهقات المتتالية طاعنة فؤاده بنصلها المسنن

((أيها الحقير أنا لم أرَ أولادي منذ أشهر.. أخي أعلمني أنهم سيزوجني لأول رجل يطلب يدي، مهما كان وضعه الاجتماعي.. تخيل! سأترك أطفالي للغريب وسأجتهد في تربية أطفال الرجل الذي سأتزوجه.. تبا لك يا مُؤيد.. تبا لك أنا أكرهك))

كانت تبكي بحرقة تمزق نياط القلوب فهي أم مكلومة على فراق ولديها منذ عدة أشهر وتشتاق وجودهم..

وبينما هي مستغرقة بشوقها وحسرتها اندلعت النيران المشتعلة في حدقتيه ليصدح صوته متشبعا بالغضب

((تتزوجين؟ جننتِ؟ ما زلت في عدتك وفي حساب أنك زوجتي، كيف يخططون من الآن لتزويجك! أنا الآن وفي هذه اللحظة أعدتك لي، أما أخويك الأخرقين أقسم أن أُعلمهما درسا لن ينسيانه أبدًا..))

اندلعت في أجواء كل منهما أنفاس مشحونة بجذوة عذاب.. لكن سارع مُؤيد يغلق الهاتف ويلقيه على سريره بقوة والحقد يتوحش في أعماقه تجاه إخوة رتيل.. وجذوة الغيرة في داخله تشتعل لتحرقه وتكوي أوردته بلهيبها لتضحي نيرانا محرقة تسري مسرى الدم في الشرايين لمجرد مرور خاطر في عقله أن رتيل يمكن أن تكون غيره..

تلاشت أنفاسه حتى كادت تخنقه بريقه وهو يعافر نقل الهواء الى رئتيه الضامرة.. أرجع رأسه للخلف مهدئا نفسه أنها قد عادت زوجة له هو وحده.. ولن تكون لغيره..

=============================

في مكتب مُعاذ..

كان مشغولا في عمله.. إذ أنه منذ جاء إلى هذا السجن النسائي وقد أصبح اليوم للنزيلات ورش عمل لا تهدأ.. حيث نجح في جعل العديد منهم ينخرطن في برامج إصلاحية، ومهن تؤهلهن لحرف يدوية تساعدهن بعد قضاء المحكومية دون أن تشعر الوحدة منهم بعدم قبول المجتمع لها.. وليكون منصفا فرغم أن مدير السجن هو إنسان مقصر ومهمل جدًّا في عمله هنا إلا أنه كان متعاونا معه في كل الأمور التي طلبها لتحسين حال السجن ووافق على تكثيف الدورات وانتهاج البرامج والوسائل التأهيلية التي تكفل إعادة دمج النزيلات مع المجتمع من جديد.. فهذا هو ما يحقق رسالة السجن كمؤسسة إصلاحية وتأهيلية..

وجد نفسه بعدما انتهى ينتشل هاتفه من جيبه ويطلب رقما ما وما إن جاءه الرد حتى قال مباشرة

((دارين بخصوص زواجي، أخبريني بعيدا عن المزاح ما هو رأيك به؟))

استغربت دارين اتصال والدها المفاجئ وسؤاله الصادم لكنها قالت ببساطة

((رأيي ما زال نفسه، الذي قلته لك سابقا عندما كنت تخطط قبل ما يقارب السنتين الزواج من امرأة ما، حتى أقدر أخيرا على العيش بجانبك))

شبح ابتسامة مر فوق ثغر مُعاذ وهو يقول

((إذن هل تحبين أن تلتقي بزوجة أبيك المستقبلية؟))

جاءه ردهها اللهف

((نعم، أجل، أنا متحمسة، متى سيكون لقائنا؟))

قال بصوتٍ مرح

((بعد أن تخرج من السجن إن شاء الله))

صمتت لدقيقة ثقيلة قبل أن تقول متشككة

((سجينة عندك؟ هل أنتَ صادق يا أبي؟))

شاب صوت مُعاذ الشقاوة المريرة وهو يرد

((ألن يكون من المثير أن تكون زوجة أبيكِ خريجة سجون؟))

وصله صوت ابنته الواجم

((يبدو أن عليّ أفكر مجددا قبل أن أعيش معك ومعها تحت سقف واحد))

تراجع رأس مُعاذ للخلف قائلا

((لا تقلقي فمسألة خروجها من السجن مسألة وقت، أتابع أمورها مع المحامي ولن يطول بها الأمر قبل ظهور براءتها، هناك حتى شاهدة لصالحها))

صمت مطبق خيمّ بينهما قبل أن تقول دارين بصوتٍ مبهم

((أبي دعنا نتحدث لاحقا))

أغلق الهاتف وهز مُعاذ رأسه بيأس دون أن تنحسر ابتسامته من ابنته.. لكنه متأكد من أنها ستحب شيرين!

ورغم أنه لم يحن وقت فراغه إلا أنه ارتأى أن يذهب عند شيرين قليلا ليتفقد إذا ما كانت بحاجة لشيء..

غادر مكتبه وتوجه نحو قسم الزنازين المنفردة التي تتواجد في داخل زنزانته شيرين فقط.. وفي هذا الوقت بما أنه كالعادة نوبة الحارسة أم محمود..

وجد نفسه كالعادة يطلب منها أن تعطي تنبيها لشيرين أنه قادم وما إن فعلت حتى فتح مُعاذ نافذة الباب متسائلا

((هل الحر شديد هنا في الزنزانة؟))

أجابته شيرين التي كانت تلوح بالكتاب أمامها كمصدر تهوية بالإضافة للمروحة المتحركة فوقها

((نعم ولكن المصيبة في الرطوبة، فهي شديدة جدًّا رغم أنه هناك نافذة، إذا كانت هذه الدنيا فيا رب أجرنا من نار الأخرة))

اقترح لها ((اجلبي الفراش الإسفنجي إذن وغطائك وافرشيهم في البهو))

قطبت حاجبيها بغير فهم ((ماذا تقصد؟))

وضحّ لها بصوته الرخيم الهادئ

((هناك نافذة كبيرة في البهو، ستمر عليك نسمات هواء عليلة لو نمت فيه))

ازداد انعقاد حاجبيها مستهجنة

((ولكن كيف يمكن للسجين أن ينام خارج سجنه!))

جاءت أم محمود لتقول لها بصوتها الحاني

((الحارستين في المناوبة الليلة للزنازين المنفردة معي متعاونات جدًّا وسأتحمل أمامهم مسؤولية أني من سمحت لك بالنوم خارج الزنزانة بعد أن أغلقتُ باب البهو))

ابتسم مُعاذ بشكر وامتنان لأم محمود ثم قال لشيرين

((أنا سأبقى هنا حتى الفجر، وأم محمود ستظل هنا طوال النوبة الليلة، إذا احتجت أي شيء اعلميها))

غادر مُعاذ المكان ولم تستطع شيرين مقاومة النظر إليه يغادر بشعور غريب عنها توقد بكيانها فأفضى في نظراتها لمعة مميزة..

.

.

في الفجر..

طلبت شيرين الاغتسال لتتوضأ لصلاة الفجر بعد أن حظيت بنوم مريح جدًّا وقد نامت في البهو أسفل النافذة الكبيرة..

قالت لها أم محمود وهي تتقدم منها

((يريد سيادة الرائد الدخول عندك قبل مغادرته))

ردت عليها شيرين ببشاشة

((أنا أضع غطاء الرأس، أخبريه أن يأتي))

بمجرد أن توغل مُعاذ للداخل حتى أعلمته

((سأصلي تحت النافذة ثم سأدخل زنزانتي، يمكنك إغلاق الباب خلفي قبل أن تأتي حارسات النوبة الصباحية))

همهم مُعاذ للحظات ثم قال بهدوء

((لا زال الجو حارا عودي بعد الصلاة للنوم هنا وأنا سأعلم حارسات هذه النوبة أني من سمحت لك بذلك))

انتباها الذهول ثم اعترضت

((هل جننت يا مُعاذ؟ هل تريد أن تقع في ورطة بسببي؟ ماذا إذا تم سؤال حارسات النوبة الليلة من قبل من هو أعلى منك مرتبة هنا عمن سمح لي بالنوم هنا!))

أفرج مُعاذ عن ابتسامة جانبية لما قالته ثم ردّ باستخفاف

((لا يهم أنا أستطيع الدفاع عن نفسي))

تعرف شيرين أن مُعاذ مهيب الطلة له حضور مخيف في نفوس الرجال العاملين في هذا السجن ولن يعترض أحد على أي شيء يصدر منه، لكنها لم تكن تريد أن يتضرر في عمله كما حدث في عمله السابق! فنهرته بحزم

((كيف ستدافع عن نفسك لمخالفتك القانون! نومي خارج الزنزانة من الأساس هو أمر غير قانوني))

نظر مُعاذ للحارسة أم محمود يطلب دعمها لتؤيده هاتفة

((لا تقلقي فكما قال سيادة الرائد باب البهو مغلق))

رفضت شيرين حتى الصلاة تحت النافذة وأمسكت الفراش الإسفنجي لتضعه داخل الزنزانة ثم أغلقت الباب عليها وقالت

((أغلقي الباب عليّ يا أم محمود لو سمحتِ قبل أن تغادري، لقد تم نقل مُعاذ إلى هنا ظلما، ولا ينقصه أن يحاسب إذا ما رآني أحد الآن جالسة في البهو بلا سلاسل حديدية، وبلا رقيب أو حسيب))

اتسعت ابتسامة مُعاذ حتى صارت ضحكة خافتة ليقول بسلطة وهيمنة فطرية في صوته دون أن يعير رأيها أي اهتمام

((غادري يا أم محمود معي وانا سأقول للحارسات القادمات أني من سمحت لشيرين المكوث في البهو بحرية))

همّ مُعاذ بالمغادر لكن صفقت شيرين باب الزنزانة بإصرار ومدت يدها من النافذة بصعوبة لتغلقه بالمفتاح الموضوع في مكانه في المقبض قبل أن تسحبه وترميه بعيدا في البهو..

فتسمر مُعاذ مكانه قبل يهز رأسه يمينا ويسارا بيأس منها وعدم رضا ويبارح المكان..

أما شيرين طالعت أم محمود تقول بصرامة

((لو سمحتي التقطي المفتاح وعلقيه في مكانه المحدد))

استجابت أم محمود لما قالته قبل أن تجفلا الاثنتين على عودة مُعاذ مهرولا يقول من بين أنفاسه المتلاحقة

((شيرين لن تصدقي ما عرفته الآن))

نظرات شيرين المستهجنة حثته على المتابعة ليكمل

((لقد اتصل المحامي الخاص بك وأعلمني أن طه استيقظ من الغيبوبة، مسألة خروجك باتت الآن أسرع من قبل))

ارتجفت شفتيها لا تصدق ما تسمعه وإدراك صاعق اكتنف حدقتيها مِمَّا جعلهما تدمعان.. فهي منذ دخولها السجن لم تخشَ الموت من الجوع أو الحر أو البرد أو الظلم الذي تلاقيه هنا بل خشيت أن تموت في انتظار براءتها..

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...