الفصل 90 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التسعون 90 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
15
كلمة
6,679
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

الفصل التاسع والثلاثون

قبل أسبوع.. في ثنايا الليل البهيم..

أنهت نجوم تطريز اسمها الثنائي المتمثل باسمها واسم والدها على الغطاء الناعم أحمر اللون لطفلها القادم وابتسمت بحنو..

بعد أن تنتهي شهور الحمل الثقيلة المؤلمة والمنهكة سيأتي طفلها للدنيا وسواء أكان ذكرا أو أنثى ستعطيه إحدى الأسماء التي اختارتها له وتطرز اسمه بجانب اسمها على هذا الغطاء..

اكتسحها شعور مقيت بأن ابنها سيكون طفل سفاح لا أب ينسب إليه ودون ذنب منه وكل من سيعرفه في المجتمع حوله سيشعر بالنفور..

أسرتها نجوم في نفسها بحرقة قلب وحثت عقلها أن يتذكر وعد أمها بعملها على تسفيرها للخارج بعد إنجابها الطفل حتى تؤمن له مستقبلا أفضل، وهناك لن يحكم عليه أحد لذنب اقترفه أحد أبويه..

لم تكن قد همت بالقيام حتى تشنج جسدها ثم اغرورقت عينيها بالدموع وتسارع ألم اجتاحها كتيار كهربائي بصعقات مفاجئة.. حتى بالكاد تمكنت من الهتاف بكلماتٍ متداعيةٍ منهارة

((خالتي.. خالتي.. أشعر أني سألد.. الآن.. أين أمي؟))

.

.

تململت منال النائمة في سريرها بانزعاج من رنين الهاتف المتصاعد واعتدلت جالسة ترد عليه لكن قبل أن تخرج الكلمات منها فتحت مقلتيها بقوة تسمع صوت بكاء عنيف مكتوم صادر من ابنتها بجانب همس أختها الهلع

((هيا يا منال أسرعي إلى هنا، جاء الطلق ابنتك، قد تلد بأي لحظة))

جحظت عينا منال حتى كادتا تخرجا من محجريها ثم همست والذعر يعتريها

((يا إلهي! يا إلهي! سأتسلل خارج مرفق قصر الحاج حتى لا يراني أحد وآتي عندكم بكل ما يلزم لولادتها، عليها أن تلد في صمت شديد))

أغلقت أخت منال الهاتف وتابعت تمسح بالمنديل حبيبات العرق عن وجه نجوم المحتقن شديد الاحمرار والغارق بالدموع..

ضغطت نجوم على شفتيها بشدةٍ تكتم آهات مغصوبة لكن تأوهت دون إرادة منها عندما فاجأتها ضربات الطلق مجددًا كأنها قنابل تمزق جسدها وتقصم ظهرها فوضعت لها خالتها قطعة قماش في فمها حتى لا يفضح الجيران أمرهم ومن يقطنون في البيت..

عضت نجوم بشراسة فوق قطعة قماش كي تدفن الألم المتزايد والعنيف في جسدها بشكلٍ متسارع جنوني، بدون أن تملأ المكان بصوتٍ هتافها.. حتى أن خالتها أشفقت عليها وهي تراها تكابد وتصابر نفسها في كتم أوجاعها رغم الألم الفظيع الذي تمر به..

حضرت منال وبعد ساعات قلائل بدأت ولادة نجوم التي نجحت أخيرًا في دفع الطفل بآخر قوة أخرجتها وهي تحاول التنفس بإنهاك وعنف حتى خرج المولود لتتلقاه خالتها بيديها..

ما إن التقطت أذنا نجوم صوت بكاء الطفل الأجش المختنق حتى همست وهي تلهث بأنين من شدة الألم

((هل الجنين أنثى أم ذكر؟))

لكن قبل أن تنال إجابة متلهفة لها منذ وقت كانت قد خارت قواها وفقدت الوعي..

لم تهتم منال بها وقالت بقسوة إنسانة فاقدة لكل معاني الإنسانية

((لقد اتصلت بابن أختي وها هو قادم على الطريق، أخبرته أن يضع هذا الرضيع أمام أحد الجوامع البعيدة عن قريتنا، لو فقط لا زلت بشبابي لكنت أنا خرجت في هذه الساعة للقرية المجاورة ودون الحاجة لمعروف من هذا الوضيع ابن أختي!))

تطلعت شقيقة منال للكتلة الوردية الملطخة بالدماء الذي يصدر هدير أجش وقالت

((بنية هذا الطفل ضعيفة جدًّا، إذا تركه ابن اختنا أمام الجامع في هذا الجو البارد سيموت، بل حتى تنفسه مختنق، كأنه في حاجة للمساعدة على التنفس قبل أن يتمكن من الاعتماد على نفسه))

حدجتها منال بنظرات شيطانية مخيفة كأن لا صبر لها على سخافة وترهات أختها.. فرضخت الأخرى لها وتطلعت بعينين متألمتين لنجوم فوق الفراش فاقدة الوعي ومتعرقه الجسد بعد أن استنزفت آخر ما تملك من قدرة لإخراج وليدها إلى الحياة.. ثم أطلقت تنهيدة طويلة مستسلمة لإرادة أختها التي وصلت الأمور معها إلى حد متدنّي من الإنسانية والأمومة.. بل إلى حد معدوم.. نظفت الجنين ثم ألبسته من الملابس التي جمعت نجوم ثمنها من المال الشحيح الذي تعطيه لها أمها رغم أن الحاج يعقوب يعطيها راتبا كاملا كما لو ما زالت تعمل عندهم.. ثم قالت أخيرا

((انتظري حتى ألفه بالغطاء الثاني الأحمر، لقد صنعته نجوم بكل حب له، من الحسرة ألا يمتلك ذكرى بسيطة من أمه))

تناولت منال منها الطفل بلفته الحمراء بفظاظة بينما عادت أختها تلح عليها بحزن يكتنف ملامحها لعل قلبها القاسي يرق

((لا أتوقع أن هذا الطفل سيعيش طويلا، إنه ضعيف، حرام عليك، اتركيه لابنتك وتراجعي عما تخططين له، لا أظن أن نجوم ستقتنع بكذبة موته لو لم ترى جثته))

أظلمت ملامح منال بشر كامن وقالت بصوتٍ قاتم

((بل سنقول لها أنه خرج ميتا إلى الحياة ودفناه أثناء نومها وهي ستصدق رغما عنها، ليس بمزاجها))

طرق ابن أخ منال الباب بعنف بينما يلفحه الهواء العاصف في الخارج وجسده يرتعش بصقيع لا يوصف.. بحركة مقززة ذكرتها بأشرار أفلام الكرتون فرك ابن أختها يديه ببعضهما يمد لجسده الدفء.. ازدرد لعابة بصعوبة يجلي غصة اعترضت حلقة المتقرح ثم استعجل خالته هامسا بصوته المخنث

((هيا يا خالة منال ناوليني الطفل، يجب أن أسارع الوقت لأصل لذلك المسجد البعيد عن قريتنا وأضعه هناك قبل أن يحين موعد أذان الفجر))

تقدمت منال من ابن أختها، تناظر بوجه طفا عليه الاشمئزاز عينيه المشقوقة كالأفعى ووجهه القميء إلى قلبها إذ أنه السبب بمصيبة ابنتها.. ثم ناولته الطفل داخل اللفة.. فرسم ابتسامة شريرة لاحت على شفتيه الغليظتين لتسمعه يقول بفحيح قشعر جسدها بقرف ومقلتيه تلمعان بالدناء والخبث

((أخيرا سنتخلص منه ولن يبقى دليل لإدانتي))

راقبته بينما يغادر ثم أوصدت الباب خلفه بإحكام قبل أن تفاجئ بأختها تمسك الهاتف وتطلب رقمًا ما قائلة وسط هيستيريا الذعر التي أطاحت بكيانها

((علينا أن ندخل ابنتك المشفى، إنها في حالة إعياء شديد وقد تتعرض لنزيف حاد بسبب الولادة، أنا لن أسمح لابنتك أن تموت في منزلي))

فرت الألوان من وجه منال ولطمت على صدرها بفجيعة

((سأفضح، سأفضح هكذا! كل مجهودي خلال أشهر حملها والتستر على ما حدث لها سيضيع هباء))

ثم هجمت على أختها تنتزع منها الهاتف وترميه في الجدار هاتفة بصوتٍ مرعب

((إذا كُشف أمر ولادة نجوم ستخبر الشرطة عن ابن أختي وهو في المقابل سيخبرهم عن مكان الطفل وسيقومون بإعادته لنا وسيكون عندي حفيد ابن حرام!))

.

.

في الخارج..

ضم ابن خالة نجوم الطفل تحت سترته السوداء كما لون باقي ملابسه وقبعته التي يتشح بها.. وفي حلكة الظلام بدأ يمشي على قدميه قُدما نحو قرية مجاورة لهم والهواء البارد يصفع وجهه فيتصبب جسده المرتعش بعرق بارد..

شتم في داخله خالته منال وابنتها نجوم، لم يكن ليقبل في عتمة هذا الليل القدوم لها وأخذ هذا الطفل لرميه في قرية أخرى لولا تهديد خالته الشديد ووعيدها أن تشكي عليه للشرطة.. وهنا لن يكون أي مفر من سجنه بعد فحص إثبات النسب له وللرضيع.. لذا عليه الآن التخلص من هذا الطفل ووضعه أمام أبعد مسجد عنهم حتى لا تمسك خالته أو ابنتها أي دليل يثبت تهمته بانتهاك نجوم!

تفاقمت برودة الأجواء من حوله وبدأت تأكل أطرافه بلا رحمة وتنخر أوصاله حتى شعر أنها ستشله.. فقد كانت البرودة تكتسحه من الداخل والخارج.. إذ كان يرتعد خوفًا.. وحتى يخلص من مصيبة هذا الطفل لن يرتاح قلبه..

اقترب من إحدى المساجد الذي كان ينوى أن يضع الطفل في لفته أمامه لكن انصدم من وقوف الإمام أمام باب المسجد بنية فتحه.. تراجع يهرول مبتعدا خوفا من انتباه إمام المسجد له إلى مسجد آخر قبل أن ينصدم من توافد بعض المصلين لذلك المسجد..

تبا! ما حال المصلين يتهافتون للمساجد ولم يؤذن الآذان الأول بعد!

توقيت ولادة نجوم تلك الغبية مريع! ألم تقدر أن تخرجه للحياة قبله بوقت!

أظلمت ملامحه بالشر والحقارة.. لطالما اعتدى على أعراض الكثير من الفتيات قسرًا وأحيانا برغبتهن ولم توقعه إحداهن بالمتاعب كنجوم التي حملت ببذرة منه!

لعق شفتيه الغليظتين والجنون يقطر من حدقتيه المحمرتين.. الخوف يتآكله من أن يتم إمساكه برفقة هذا الرضيع! أين عليه أن يضعه الآن!

ضُج صوت الصغير تحت معطفه بهدير أجش، فجحظت عيناه المرتعبتان وجال بهما المكان المظلم بخوف وهو يهمس بارتعاش وتذبذب بينما يطبطب فوق الرضيع

((اخرس أيها المسخ الصغير، اخرس، حافظ على هدوئك..))

وتدريجيا بدأ صوت الصغير المختنق يخفت حتى اختفى تماما كما حركته بطريقة أثارت استهجانه وقلقه..

رفع ابن خالة نجوم يده ووضع إبهامه أمام أنف الرضيع الصغير الشاحب للحظات لتسري صاعقة على طول جسده! لقد انقطع تنفس الصغير!

مات بسبب البرد القارص أم بسبب بنيته الضعيفة، لا يدري.. لكنه مات.. لقد مات!

انسحب الدم من وجهه كليًا وازداد ذعره الآن أكثر بوجود هذه الجثة بيديه..

بدأ يلهث ويفكر ما عليه فعله.. هل يلقيه أرضا ويفر هاربا أم ماذا!

لكن قفزت في ذهنه فكرة دفنه داخل الأرض فركض في أرجاء القرية التي كان يجهل أماكنها جيدًا يتطلع على جانبيه يبحث عن أرض واسعة مهجورة خالية من البيوت السكانية ليدفن جثة الصغير متجردًا من معاني الرحمة والشفقة..

كان يبحث بتشتت ونزق وعندما لم يجد أرضًا بالمواصفات المطلوبة عاد للمكان الأول الذي كان واقفا فيه قبل موت الرضيع.. دخل الأرض وبدأ ينبش من تربتها..

كان الوقت يداهمه والشمس قد بدأ قرصها يطل بالأفق..

أمعن النظر للحفرة السطحية التي تمكن من حفرها بأصابعه.. وازداد اكفهرار وجهه، فالحفرة صغيرة وسيكشف أي أحد ما تحتها.. عليها أن تكون أعمق..

وبسرعة صاروخية زاد من نبش التراب بغية أن تكون أعمق لكن توقف نبض قلبه لدقيقة وكادت أن تصيبه ذبحة صدرية عندما شعر بحركة ما بالجوار خلف الأشجار.. وكأن أحدهم خلفها..

فوضع مخطوف الأنفاس جثة الطفل الهامدة بالحفرة وغطاها بالتراب كيفا كان ثم أطلق أقدامه للريح يفر هاربا من المكان قبل أن يراه أحد ما.. غافلا عن وجود من يراقبه بأعين متربصة وإمعان من بعيد منذ بداية قدومه في الظلام الحالك حتى هروبه الآن وقد أشرقت شمس الصباح..

تطلع الصبي في وجه أبيه يقول وهو يشير بتحفز لأثر الطريق الذي هرب منه

((أبي، أبي، هل سنسمح له أن يفر بعد ما دفنه في أرضنا!))

شدد الرجل من إمساك يد ابنه وقال محذرا بنظراته الرزينة رغم ما يعتليها من خوف وتوجس

((إياك اللحاق به، قد يكون خطيرا، دعنا نرى ماذا حفر بأرضنا، علينا معرفة ماهية ما كان يخبئ هناك!))

قال الصبي بتأكيد وهو يضيق من عينيه

((لقد سمعت صوت بكاء طفل، لكن عند مجيئه للمرة الثانية كان صوت الرضيع قد اختفى))

اتسعت عينا الرجل بلا تصديق مما تفوه به ابنه! هل يعقل أن يكون ما دفنه ذاك الرجل هو طفل!

انطلقت قدما الرجل نحو تلك الحفرة وبدأ بحذر بالغ يبعد التربة عنها ولم يأخذ منه وقت حتى تمكن من إزاحة التراب وتبين له لفة حمراء فاستخرجها وحلها ليكتشف أن في داخلها جثة طفل حديث الولادة حقا!

هتف الصبي بذعر وتعابير الصدمة لا تفارق محياه الذاهل ولا يظن أنه سينسى مثل هكذا مشهد

((يا إلهي إنه ميت! أكاد أقسم أنه كان يبكي في أول مرة جاء الرجل به إلى هنا.. هل يعقل أن يكون قد ذهب لقتله قبل أن يعود مجددا!))

كان المشهد مؤثرا وصادما للأب بشكل اقشعر بدنه له، لا يصدق كيف يقوم أحد بقتل روح طفل خرج للحياة باكيًا ويستنشق الهواء ثم دفنه بطريقة لا إنسانية!

أظلمت عيناه لا يفكر إلا بتلقي ذاك المجرم عقابا لخطيئته التي تعاقب عليها شريعة السماء وقوانين الأرض.. ثم هتف بعزم قاتم

((علينا الاتصال بالإسعاف والشرطة على حد سواء..))

وسرعان ما أبلغ قوات الشرطة وحضرت هي والأجهزة الأمنية وبدأوا بتفتيش المكان والتحقيق في الحادث، وإجراء تحرياتهم في المنطقة مع مراجعة الكاميرات الأمنية القليلة جدًا في القرية وجمع معلومات من المواطنين المقيمين هناك لتحديد هوية القاتل ووالدي الطفل والبحث عنهم لإيداعهم لدى القضاء..

أما بخصوص الطفل فقد أكدوا وفاته ثم قاموا بإرساله إلى الطب الشرعي لغاية تشريحه والوقوف على أسباب وفاته، فيما حضر فريق من المخبر الجنائي إلى مسرح الحادثة لالتقاط العينات اللازمة وفحصها..

انتبهوا لاسم المرأة الثنائي الذي يبدأ باسم نجوم ثم اسم والدها والمكتوب على الغطاء الذي تم لفه حول الطفل..

ولمدة أسبوع بقيت التحريات في القرية قائمة للبحث عن هوية هذه المرأة قبل أن يقول أحد الفلاحين للشرطي بعد أيام قضاها يعتصر عقله محاولا تذكر أسماء رجال بالقرية والقرى المجاورة ممن لديهم بنات يدعون ب"نجوم"

((سيدي اعرف رجلا من القرية المجاورة رحمه الله كان يعمل في وقت من الأوقات في قريتنا، بعد وفاته ترك أرملته وابنته نجوم، قد تكون نجوم هذه هي التي تبحثون عنها))

تحفزت ملامح الشرطي للرجل الذي أدلى عليه هذا الكلام، مقررا أن يوسعوا البحث في القرية المجاورة..

.

.

في منزل أخت منال..

داهمت دورية ضباط المنزل بشكل مرعب وتحت مرأى أهل بيتها ثم انفردوا بجناح شقيقة منال حيث قذف الضابط الغطاء الأحمر بمنال وشقيقتها لتنصدم كلاهما لمرآ الغطاء وكأن الصاعقة نزلت على رؤوسهما.. وسرعان ما رفعت شقيقة منال وجهها تقول برعونة وخوف شديد يكتسحها من أن تأخذها دورية الشرطة

((هذا الغطاء لابن نجوم ابنة شقيقتي، أنا ليس لي أي علاقة، والله كانت خطة أختي أن تأخذ ابن نجوم وتعطيه له))

بهتت ملامح منال وجحظت عيناها وهي ترى شقيقتها تدلي عليها فورا وتفضح أمرها في حين رفع الضابط حاجبيه محاولا قدر الإمكان ألا يظهر صدمته، إذ لم يتوقع أن تقر إحداهما بأي شيء بمجرد أن ترى هذا الغطاء الأحمر.. إذن هنا تقبع نجوم التي يبحثون عنها..

حافظ الضابط على ملامحه من ألا تنحسر بينما جلجل صوته مهيبًا وهو يتابع قوله بقوة ودهاء

((ابنتك نجوم متهمة بالزنا والشروع في القتل، إذا كان لها يد في إرسال رجل لقتل ابنها بلا ذرة إنسانية قبل أن يدفنه))

شهقت منال مفزوعة لا تصدق ما يتفوه به الشرطي وقلبها يتزلزل وشحوبها الظاهر للعيان يزداد ليحاكي الموتى.. لكن جاهدت نفسها النطق لتقول بصوتٍ يتقطع من الخوف

((يقتله! قتله! مستحيل! لقد أخبرناه أن يضعه أمام أحد المساجد، والله لم أطلب منه أن يقتله، فقط قلت له أن يتحمل مسؤولية ابنه..))

ثم وبكل هلعها هزت أختها التي فر الدم من وجهها وترتجف هاتفة بها بلوعة

((أختي.. أختي.. هل قلت له شيء غير أن يضعه أمام إحدى المساجد!))

كانت شقيقة منال تلعن وتشتم نفسها على التدخل بمسألة نجوم وهي التي لا علاقة لها بالأمر.. لا تصدق أنها دمرت مستقبلها من أجل حفنة دنانير! آخر ما توقعته أن يصل التجبر بهذا الشيطان إلى حد أن يقتل الطفل ويدفنه..

انتفضت ورغم كل ما فيها من خوف وارتجاف صوتها إلا أنها قرت بالحقيقة وهي تلوح بيديها

((أقسم لك أيها الضابط أنه لا ذنب لنا، حتى نجوم بريئة، لقد قام ذلك المتوحش بانتهاكها، فحملت بجنين منه في أحشائها وعندما طالبناه أن يعترف بالولد ويتزوجها بالعلن رفض بتاتا فاضطرت المسكينة إخفاء حملها طوال التسعة أشهر))

مر شبح ابتسامة على فم الضابط.. هو الآن متأكد مئة بالمئة من أن هذه هي نجوم التي يبحثون عنها! إنها والدة الرضيع الميت الذي وجد في ارض قابعة في قرية مجاورة لهذه القرية! لم يعرف هوية الأم وحسب بل ونجح في استدراجهن وانفلتت ألسنتهن الرعناء ليثبتوا أن لهم يدا في وفاته..

فيما تابعت منال وشقيقتها الباكيتان الهتاف بدفاعية عن أنفسهن بوجوه تنضح بالرعب

((أنجبت طفلها فجرا وسلمناه إياه مؤكدين عليه أن يضعه أمام مسجد بعيد عنا، لم نتخيل أن الحال قد يصل به أن يقتله، نقسم لك أيها الضابط))

ظلت منال تقسم على كلام أختها بأغلظ الأيمان..

فبقي الشرطي جامد الملامح لدقائق حتى خفت تماما ضجيج وصخب كلامهما.. وقال أخيرا ببرودٍ سافر

((إذن هل ستساعدان الشرطة في معرفة هوية والد الطفل والإمساك به؟))

ثم أردف رافعًا سبابته وهو ينذرهما بالنظرات الجادة والوعيد الذي ينطقه

((إذا بقي والد الطفل مجهول الهوية أنتما من ستتحملان مسؤولية موت الرضيع))

لفت الصدمة المرأتين واتسعت أعينهما ثم ناظرت كل واحدة فيهما الأخرى!

إذن هو لا يعرف والد الطفل ولم يمسك بابن أختهما متلبسًا مع الرضيع بل..

وقبل أن ينفلت لسان شقيقة منال باعتراف أرعن أخر سارعت منال تقول مندفعة بما على طرف لسانها رغم تلعثمها

((إنه.. إنه.. إنه مَازن ابن الحاج يعقوب الكانز..))

ثم عادت تلك الخطط الغير محبوكة تتقافز في ذهنها!

لماذا وبدلا من الاعتراف بابن أختها والتورط معه لا تقول بأنه مَازن وحسب للم الفضيحة من جهة ومن جهة أخرى تحقق حلمها في زواج ابنتها من أحد أبناء الكانز!

ابتسمت الشياطين في رأسها إذ أنها شعرت أن فكرتها العبقرية هذه ستنجح لا محالة! وبالفعل تابعت منال تتمسكن وتلطم على صدرها بانهيار تام ظاهري وتقول من بين عويلها

((نعم.. نعم إنه مَازن الكانز.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك أيها المنتهك دمرت حياة نجوم، قولي شيئا يا أختي.. هل أكذب فيما أقوله؟))

ودت شقيقة منال أن تكذبها وتعترف بابن أختها حتى لا تتورط أكثر إذا ما افتضحت الحقيقة وتقضي باقي سنين عمرها خلف قضبان السجن، لكن مرغمة كبحت كلامها وابتلعت لسانها ولم تنبس ببنت شفة بل اكتفت بهز رأسها مؤكدة على كلام شقيقتها وهي تستند على الحائط.. أختها مصرة على خططها الإجرامية بل تقدح عيناها بالحقد والاتهام الظالم والله فقط من سينقذهم من هذا الموقف..

كانت منال ما تزال مصرة على إكمال مسرحيتها في الظلم والتجني على مَازن هاتفة أمام الشرطي ورفاقه الذين تحفزت حواسهم

((يا سيدي هذا هو حكم القوي على الضعيف، لقد تزوج ابنتي رغما عنها بعقد عرفي ثم انتهكها وعندما حملت منه رفض أن يعلن الزواج لعائلته، العائلة كلها مشهورة بالزواج العرفي، له توأم فعل نفس الشيء ببستانية مسكينة تعمل عندهم لكنها كانت أذكى وأجبرته أن يعترف بها وبابنها))

تجهمت ملامح الضباط بينما أفلت حقد منال أكثر لتقول إمعانًا في أذية مَازن فتتابع زورا وبهتانا

((وغالبا يا سيدي والد مَازن يعرف بالأمر فبعد حمل نجوم أجبرها أن تترك العمل عنده مع بقاء راتبها، كأنه بهذه الطريقة يبعد أصابع الاتهام عن ابنه، يمكنك السؤال عن الوقت الذي تركت نجوم العمل ببيت الحاج))

لاحظت منال أن رجفة فك الضابط المسؤول، فظنت خطتها ستنجح وعليها أن تتابع مسرحيتها.. فتهاوت ساقيها وتداع جسدها أرضًا تدعي كتم صرخة تظهر فيها بزيف العجز والقهر والظلم.. بينما تضرب صدرها وتهتف عاليا

((ماذا أفعل وماذا أقول! نصيبنا.. نصيبنا أن نعمل كخدم في بيت ناس متجبرين من أمثالهم لا يخافون الله من أجل قوت يومنا بعد أن تركنا زوجي في هذه الحياة وحيدتين.. نصيبنا أن تقع ابنتي في براثن هذا الجاني مَازن ابن الكانز الذي لم يتركها بحالها وحاول كثيرا باستماته غوايتها وعندما لم يجد منها إلا الصد تهجم عليها أمام عيني وهددنا بالقتل لو لم تتزوجه عرفي وأخيرا قتل طفلهما.. قتل حفيدي..))

ساد صمت بليغ في الغرفة لا يسمع منه إلا صوت بكاء وعويل منال.. والضابط المسؤول يصدق كذبتها وما وقع عليها من ظلم وبهتان فتنكس نخوته ويقسم أنه لو ظهرت إدانة مَازن وصدق كلام هذه المرأة سيحرص على أن ينال مَازن أقسى العقوبات حتى وقت المحاكمة..

وهكذا سارعت الشرطة بإعداد مذكرة ضبط لإحضار ابن صاحب البيت الذي تعمل عنده ليخضع للتحقيق.. ولكن قبل ذلك اقتادوا نجوم ووالدتها وخالتها عندهم لأخذ أقوالهم بالضبط وتفصيلا بشأن ما حدث، ثم عينة من دمها لتثبت لاحقا أن الرضيع هو ابنها..

.

.

في قصر الحاج يعقوب..

((أخيرا يا مَازن حللت النقود التي أنفقتها عليك في جامعة الغرب هناك))

اعترض مُصعب بتفكه لكمّ السعادة والفخر في عيني والده

((أبي كل هذا من أجل وظيفة لمَازن في الشركة! لم تفرح ولو ثلث فرحة حصول أحدنا على وظيفته!))

لوح يعقوب بيده وقال والفخر يغزو قلبه تجاه أصغر أبنائه

((هذا لأني لم أتوقع أن يعمل مَازن يوما بوظيفة محترمة))

قطب مَازن حاجبيه لكن سرعان ما قال بشقاوة

((حسنا يا أبي شكرا لك، سأعتبر هذا إطراء))

رمقه يعقوب بنظرة قوية وغمغم

((هو كذلك بالفعل))

لم يعقب مَازن وعيون والديه الاثنين التي تطفح منها نظرات الفخر والاعتزاز والسعادة تكفيه.. حتى ياسمين كانت تشعر بفيض من البهجة في داخلها تجاه مَازن ووضعت يدها فوق بطنها تفكر باهتمام متى ستخبر مَازن أنها حامل!

ما إن مدّ مَازن يده بشهية مفتوحة لطبق طعامه حتى صدح صوت ضجيج ناجم عن طرق الباب الخارجي للمنزل..

نظر الأخوة الثلاث إلى بعضهم بتوجس قبل أن يهرولوا باتجاه الباب الذي سبقهم إليه مُصعب ووجد ضابط يطل عليه بهيمنته قائلا

((أين هو مَازن الكانز؟))

تطلع مُصعب ومَالك نحو مَازن الذي هتف بشيء من الارتباك

((أنا.. أنا هو مَازن الكانز..))

وقتها قست ملامح الضابط بشكل وحشي وقال وهو يرفع مذكرة اعتقال

((مَازن الكانز أنتَ رهن الاعتقال بجريمة اغتصاب عاملة كانت تعمل عندكم وقتل رضيعها.. يحق لك الالتزام بالصمت))

جحُظت أعين كل من في المكان خاصة يعقوب وزاهية الواقفان في آخر البهو.. وقبل أن يستوعبوا ما يحدث التفت الضابط آمرا بقية رجاله باعتقاله فتقدم مَالك نحوهم للحيلولة دون أخذ توأمه لكن أحد الضباط دفعه بقوة نحو الجدار.. فسارع مُصعب يكتفه هادرا بحزم

((إن الضابط يحمل مذكرة اعتقال رسمية تمنحه الأذن باعتقاله، إذا قاومتهم ستؤذي مَازن))

وعند هذه الكلمات لم يجد مَازن المفجوع كما حال الباقي إلا أن يستسلم للضباط الذين قيدوه بالأصفاد..

وما أقساه من مشهد على الجميع وهم يقتادونه نحو سيارة الأمن تحت بكاء والدته وصراخ إخوته..

=============================

رفع مَالك كفه ليغرز أصابعه في شعره، يضغط رأسه كأنه يريد تحطيمه..

كان مصرا على الذهاب برفقة مُصعب مع مَازن لقسم الشرطة لكنهم منعوه جميعا وطلبوا منه أن يبقى هنا خوفا من أن يتهور ويتصرف بما لا يحمد عقباه..

كانت وجوه جميع في المنزل مكفهرة وشاحبة.. خاصة يعقوب رغم صلابته التي تعبر عن صلابة أهل القرى في الشدائد وتدل على مواطن القوة والصبر والجلد..

لم تتوقف عيون زاهية عن ذرف الدموع ببكاء يقطع نياط قلبه..

بالكاد تمكنت سمية من إخبار مدبرة المنزل نعمة لأخذ الأطفال بعيدا عن هنا..

أما ياسمين كانت جالسة وعيناها شاخصتان في الفراغ لا تطرف ويشوبها خوف عظيم! نبضات قلبها الذي يقطر دما كانت كأنها تحتضر من صدمة المشهد الذي حدث قبل وقت ليس بالكثير..

تيقظت حواس الجميع بمجرد حضور مُصعب للبيت.. لكن ملامحه المريعة المتجهمة لم تكن تبشر بخير..

اندفع مَالك لشقيقه يسأله بقلق بالغ وقلب مقبوض

((ما الذي توصلوا له يا مُصعب؟))

ببعض التوتر وكثير من الحذر خوفا من أن يُسمع والديه ما قد يؤذيهما أجاب

((إن منال تتهمه بالاعتداء على ابنتها ثم الزواج منها عرفي..))

قاطعه مَالك هادرًا بغضب رهيب

((لا، لا يمكن أن يقوم مَازن بذلك، على العكس لقد باح لي ما يمر به مع منال التي لا تتوانى في أي فرصة من تقريب ابنتها له لإغرائه))

هنا فقط أظلمت ملامح يعقوب الذي كان يتصبب جبينه عرقًا وفتح شفتيه صارخا على ابنه بصوتٍ كاد يصيبه بالصمم

((اصمت يا مَالك! أخاك ليس بحاجة لأن تغريه نجوم حتى يفعل ما فعله! منذ قدومه إلى هنا من الخارج، وأنا أراه بنفسي كيف يتربص بها بالكلمات والنظرات الآثمة..))

تزايد توتر الجالسين في البيت من اتهام يعقوب الصريح بثورة واهتياج لا يناسبان الموقف إطلاقا..

حاول مُصعب قول أي شيء لتدارك الموقف ولكن خرج صوته مثقلا بالهم القابع في داخله

((المشكلة أكبر من اتهامه في هتك عرض نجوم، إنه متهم بقتل طفلها قبل أسبوع مضى!))

جحُظت أعين الجميع بمشهد لا يوصف بينما يتابع مُصعب بوجهه المحتقن بالعذاب

((قادته الشرطة للقسم وهناك واجهته بأقوال منال وما أسفرت عنه التحريات والمعلومات، فقد قالت بأنه تزوج من نجوم عرفي رغما عنها ثم بدأ كل ليلة يتسلل إلى القسم الملحق بقصرنا حيث تنام ابنتها للاعتداء عليها حتى حملت منه، وعندما أنجبت وليده قتله بيديه ودفنه بأرض قرية مجاورة لنا..))

ارتفعت يد زاهية فوق فمها من هول التهمة التي قد تلبس ابنها بنظرة مفجوعة ونفت بصوتٍ مرتجف هلع

((مستحيل، مستحيل، مَازن أشرف من كل هذه الاتهامات الباطلة، قل ماذا رد عليهم في القسم؟))

أجابها مُصعب بصوتٍ منهك

((دافع عن نفسه بالتأكيد بتشبث وصلابة، لكن الشرطة طلبت حبسه على ذمة التحقيق وأودعته الليلة في السجن ريثما تردهم تحريات المباحث الجديدة حول الواقعة، علينا أن نسرع في تعيين محامي له..))

تجمعت الدموع في عيني ياسمين لتقولها بحشرجة البكاء المكتوم

((مَازن.. مستحيل أن يفعل هذا))

ضجت زاهية معاتبة بصوت مخنوق مقهور على وليدها

((وكيف سمحت لهم يا مُصعب أن يودعوا شقيقك السجن ظلما! تحرك أنتَ وإخوتك وافعلوا شيئًا، مَازن مظلوم ولا يجب أن يبقى هناك!))

مال مُصعب بفمه يقبل رأسها وهو يشدد من احتضان كفها ويهمس بمواساة ودعم

((سيكون بخير، لا تقلقي))

في حين وقف يعقوب يزيح عن كتفيه العباءة الصوفية لتسقط خلف ظهره ثم هتف في زوجته مهتاجا بمزيد من الكلام اللاعقلاني

((اصمتي! كل الأدلة تشير أي شيطان ابنك ولا زلت تدافعين عنه!))

استنكر الجميع مجددا صراخ وزمجرة يعقوب في حق مَازن.. بل واستهجن مُصعب كلامه ولمح المزيد من قطرات العرق تتجمع على صدغيه بينما وجهه يحمر في إشارة خطيرة لانفعال قد يضر به فهدر بضبط أعصاب

((أبي لم يثبت شيء على مَازن، وأنا متأكد من كذب ادعاءات منال، قد أصدق أنه تزوج من نجوم عرفي، لكن أن يعتدي عليها ويقتل طفله منها هذا مستحيل، مستحيل يا أبي))

صمت يعقوب دون أن تختفي تعابير الاهتياج والسخط من وجهه وظل يبادل ابنه النظر ليقول أخيرا وشرارة تقدح في عينيه

((سنرى نتائج التحقيق النهائية وهي ستكون الفيصل لشكوكنا، وسأتبرأ منه للأبد لو أقيمت عليه الحجة.. وحتى ذلك فلا أريد واحد منكم يا مُصعب أو مَالك الذهاب عنده..))

هتف مَالك بعناد سافر باندفاع عنفوانه

((بل سأذهب يا أبي، لن أترك توأمي لوحده، يجب أن نعين من الآن محاميًا له))

وكان يستدير يهم بالخروج عندما صدح صوت يعقوب الجهوري وهو يشعل توعده

((أقسم برب السماوات إذا ذهب أحدكما يا مَالك أو مُصعب عنده قبل ظهور النتائج سأتبرأ منه أيضًا! لن أسمح لأحد منكما الوقوف مع مجرم ومعتدي على حقوق الناس حتى لو كان أخًا لكما..))

احتقن وجها الأخوين من تعنت والدهم العنيف والانفعالي بانعدام منطقية..

عادت زاهية للمكان المجتمعين فيه بعد أن ارتدت عباءتها وغطاء رأسها عندما صرخت بزوجها بدفاعية أم ورمقته بنظرات نارية

((مَازن ابني أنا ولا أسمح لأحد برميه بالشكوك والظنون.. حتى أنتَ يا يعقوب!))

هدر فيها بصوتٍ متكسر من امتعاضه وهو يراها تمضي بطريقها نحو الباب ليقول بنبرة خافتة كأن صوته لا يُعينه

((أم مُعاذ لن تخرجي من هذا المنزل!))

التفتت إليه ببطء وبملامح صلبة غريبة عنها ثم تقوس ثغرها بازدراء وتحدي سافر له

((بل سأفعل وإذا شئت ارمي يمين الطلاق..))

ماجت عينا يعقوب بالغضب وهو يرى زوجته التي لطالما كانت حذرة تماما من إثارة حنقه فلا تخالفه في رأي وتبدي على الدوام له السمع والطاعة على أوامره ترمي عليه هذا الكلام.. فشعر لحظتها بالانكسار.. وأنه فقد شيئا من عزة نفسه ووقاره وهيبته..

لكن زاهية رفعت قبضتها تطبطب بها على صدرها قائلة بحرقة أم مفجوعة بمصاب ولدها

((إنه ابني أنا وقطعة من فؤادي من تتلظى بالنار، إذا لم أقف معه فمن سيفعل!))

بدت كلمات زاهية أوجع من صرخة ثم أشاحت بعنف من جديد ناحية الباب خارجة وغريزة أمومتها سيطرت عليها لتوجه كل تركيزها وطاقتها نحو إنجاد فلذة كبدها، محاولة أن تستعيد رباطة جأشها وتمنع نوبة هلعها من التفاقم لتتصرف بموضوع ابنها بحكمة وتعقل..

تحجرت الكلمات في فم يعقوب واتسعت عيناه بهوان وهو يرى زوجته تغادر المنزل مخالفة أوامره بكل وضوح أمام أهل البيت وكان بصعوبة بالغة يحاول لملمة شتات نفسه..

همست سمية في أذن زوجها

((مَالك سألحق بأمك!))

أومأ مَالك لها مستحسنا فكرتها فوجدت سمية نفسها تجذب ذراع ياسمين التي كانت غائبة بذهنها عن المشهد لتحثها على مرافقتها..

وفي وسط هذا الجو المتوتر لم يبق إلا مُصعب ومَالك بجانب والدهم فهمس مُصعب لأخيه بصبر وتحكم بالأعصاب وهو ينتشل هاتفه

((علينا الاتصال بمُؤيد، أبي لم يحلف عليه هو، سأعلمه بما حدث لمَازن، ليعين له محامي من هذه اللحظة على الأقل..))

وافق مَالك رغم ثقته المعدومة بمُؤيد لكن لم يكن لديه حل آخر فمُعاذ في محافظة أخرى في شهر عسله.. ولكن وقبل أن يطلب مُصعب رقم مُؤيد شعر بوالده الذي كان يعتدل واقفا يفقد توازنه وكاد أن يقع لو لم يندفع هو ومَالك لإمساكه بقلق عارم

((أبي.. أبي هل أنتَ بخير؟))

بدأ يعقوب يتمتم بهذيان ومحياه يزيد إنهاكه بالعلة التي تؤرقه من تهمة مَازن

((لو ثبتت التهمة على مَازن سيعرف كل من في القرية الحقيقة، ستثار فضيحة كبرى عن ابن يعقوب الكانز، ستتمزق سمعة العائلة وستدمر حياتنا))

شعر مُصعب بجسد أبيه متوترا متشنجًا حد الألم، فأحس بالخوف عليه كما لم يحصل له سابقًا.. قال بنبرة ساطعة بالإيمان والطمأنينة

((كفى الشر يا أبي، سيخرج مَازن وستثبت براءته دون أن تثار أي أقاويل تكسر هامتك))

بدأ الاثنان يسندان والدهما ويساعدانه للوصول إلى جناحه..

تمدد يعقوب على فراشه وصدره يعلو ويهبط.. وهنا خانه صوته وخنقته العبرات واهتزت روحه كلها داخل جسده كأنها تئن

((عند أول شائعة تخرج للعلن يا مُصعب سأترك بيتي وكل أملاكي هنا وأرحل لمكان آخر لا يجد فيه أحد لي طريق، وسأطلب من الله المغفرة لفشلي في تربية أصغر أبنائي، لعل الله يرفع شيئا من حمل الذنوب عن كاهلي))

كان يعقوب يهتز حرفيا ويرعد ويجلد ذاته من جديد..

لم تسكن ملامح مُصعب إذ يعرف أن والده يصر دائما على وضع مَازن بواجهة الشاب الفاسق الذي يتمرغ في مستنقع اللهو والنساء، ولكن لم يتم تأكيد أي من التهم الموجهة نحوه حتى الآن فلماذا يتحدث عنه هكذا كأنه عدو!

هزّ مُصعب رأسه يبعد تأثير هذه الأفكار عن عقله، يؤكد على نفسه أن والده ورغم صرامته وحزمه وجفائه عندما يتعلق الأمر بمَازن إلا أنه من داخله سيطغى حب الأب وخوفه على أي شيء آخر ويدعو فرج الكرب عنه وأن تكون الاتهامات الموجهة له كاذبة!

فقال بصبر وهو يربط على قلبه

((ستظهر براءة مَازن يا أبي، لو تم أخذ العينة منه اليوم فبأقل من خمسة عشر يوما ستظهر براءته..))

أشعل مَالك نار الحطب في المدفئة مستشعرا أن جناح والده بارد جدًّا.. ثم ظل جالسا قريبًا من أبيه المتحفز تحسبًا لأي شيء قد يطرأ عليه وهو يربت على صدره بأصابعه يحاول تهدئته فالانفعال يضر به.. تاركا لمُصعب أمر إعلام مُؤيد عما حدث..

=============================

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...