الفصل 91 | من 181 فصل

قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وتسعون 91 - بقلم Hya Ssin

المشاهدات
16
كلمة
12,481
وقت القراءة
63 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

لا تنسو التصويت ❤️❤️

ساعدت رتيل مُؤيد في تغيير معطفه وعندما غادر الغرفة ليغتسل جهزت ملابسه وأخرجت ما في جيوبه من أوراق قبل أن تضعهم بالغسيل لكنها تفاجأت بوجود صورة منكمشة لها في جيب معطفه..

عاد مُؤيد بعدما اغتسل ليجد رتيل تحدق بشيء، عقد حاجبيه وهو يقترب منها يطالع ما تمسكه قبل أن يأسره الذهول..

رفعت رتيل وجهها الخالي من أي تعابير وسألته

((هل هذه الصورة لي، هي التي حصلت عليها من دموع وغنوة؟))

أخذ الأمر منه لحظات قبل أن يقول بصوتٍ أجش.. عميق

((نعم، إنها منهما، أنا لا أتوقف عن التحديق بها بين الفينة والأخرى، أعني أنا لا أتقبلك بزينة الوجه المبالغ بها وهذه الملابس المكشوفة كثيرًا، لكن أحيانا تنتابني رغبة ملحة للنظر إلى شيء جميل فاتن فأجد نفسي امسك هذه الصورة وأحدق بها فهي صورة زوجتي حلالي..))

شهق باترا حديثه وهو يراها تمزق هذه الصورة إلى قطع واستنكر هاتفا

((ماذا فعلت؟ لماذا مزقتها؟))

رمت رتيل قصاصات الصورة أرضا ثم جابهته بنظرات مترفعة مغمغمه

((من الآن فصاعدا متى ما شعرت برغبة لرؤية الجمال بدلا من التطلع لهذه الصورة سيئة الجودة، عزيزي اطلب مني ذلك مباشرة!))

اضطربت ملامحه بهمس ساخط وهو يشيح بنظره عنها

((ولكن هل تريدين أن يتكرر ما حدث آخر مرة؟ سأتأجج رغبة وأتمتع في وقتنا الحميمي لكن ما إن تنتهي سكرة الانتشاء وأفيق حتى أجد نفسي في حالة ذهول ممزوجة بالاشمئزاز، كأني جعلت زوجتي وأم أولادي تتصرف كالغانيات بين يديّ))

رفعت يدها وأمسكت ذقنه بأصابعها.. ثم أدارت وجهه ناحيتها تقول بنظرات نارية

((هذا لأنه عليك أن تعدل مفاهيمك العقيمة، وتغير هذا التفكير اللامنطقي من عقلك، فأنا حلالك))

لاحت أمام عينيه خيالات متقطعة لتلك الأستاذة عندما كانت تتحدث معه بذاك الإغراء ممزوجة بخيالات أخرى من تلك الليلة بينهما.. ثم حدق بوجهها بذات الرهبة التي تجعل قلبها يخفق بجنون داخل أضلعها لكن سرعان ما تحولت ملامحه للحزم ليرفع يديه ليمسك كتفيها هادرا بصلابة وتصميم

((سأفعل.. لأني كلما أتذكر صورك تلك في بيت غنوة أشعر.. أشعر.. بالغيرة الشديدة.. وأتساءل لم لا يجب أن تظهري بهذه الهيئة الجميلة الجذابة أمامي.. وكأني لا أقلل من شأن نفسي وأرى أني رجلًا لأستحق من زوجته أن يراها بما يسر الناظر، وهذا غير صحيح، إطلاقا))

نعم غير صحيح.. لا يعقل أن ينجذب للحرام وينأى عن الحلال ويشمئز منه.. فهمست بكلمات حب عميقة لروحه

((أريد أن يتغير كل شيء بيننا، أريد أن أصبح صديقتك لا زوجة تلد وتربي.. أريد أن أتوقف عن الحديث عنك بكراهية وأن أهيم في حبك.. أريدك أن تعاملني كرجل نبيل.. أريد منك أن تبوح لي كل ما يجول بخاطرك وبالمقابل أنا سأثني عليك وأشجعك، ولن أحكم عليك.. لن أدينك.. لن أشعرك بالازدراء..))

علقت نظراتها بتلك العينين المتيمة التي تحيط بها الأهداب الداكنة وبدأت تتقد بالرغبة بمزيج من الرهبة..

رست ابتسامتها المخملية على شفتيها ودون مقدمات بدأت نسائم أنوثتها تغشاه..

في البداية شعرت بتوتر جسده ويتصلب، كأنه تذكر كيف تلوت معدته في نهاية تلك الليلة.. فاجتاحها الخوف، لكن سرعان ما استردت ثقتها وأمسكت يديه تلفهما حول خصرها

((أنا لا أغويكِ.. أنا فقط أريد أن اتحد بك.. أن أتناغم معك.. أن أجرب الشعور بالكمال الذي شعرت به بين ذراعيكِ في تلك الليلة))

دون سابق إنذار كان يضمها، يجتاحها بعاطفة ثائرة، عنيفة، برية.. وهي تبادله عشقه العاصف بجنون مماثل وشراسة.. لم تكتم تأوهاتها وغنج كلامها كما كان يأمرها سابقا، ولم تخفِ شيئا من مشاعر تلذذها أو عواطفها أيضًا خشية أن يظن بها السوء..

ذابا وتمازجا روحا بروح، وانصهرا حتى وصلا لتناغم، واتحاد ليشكلا كيانًا ذابت فيه المعاناة، وتبخرت العقد بنار المشاعر المتأججة..

وبالنهاية كانت تستلقي على صدره منهكة عاطفيًا وجسديًا وقلبها الثائر لا تهدئ نبضاته.. كقطة مشاكسة استكانت وصارت وديعـة بعـد أن عثـرت عـلـى رفيـق لـهـا يـدثرها بحنانه ودفء مشاعره..

ضمها إليه محاصرًا إياها بذراعيه.. أنفاسه تهدر بالثورة، وتعبيراته امتلأت بالثمالة والرهبة.. قبّل جبهتها في محاولة منه ليثبت لها أن كل العواطف التي سكنته قبل قليل لم تتلاشى ولم تتبدل رغم بقايا صراع صغير يمكث في عقله..

رفع مُؤيد وجهه المنبهر لها وعيناه تشعان بجنون عشق سعى له طيلة حياته.. ولم يكن يدري أنه لم يشعرها بسعادة غامرة وحسب بل ملأ أي نقص كان فيها ولو كانت تنكر وجوده، لتشعر ولأول مرة أنها امرأة حقيقية كاملة الأنوثة وتمتلك كل ما يتطلبه الأمر بإثارة جنون رجل كمُؤيد..

همس باسمها ثم استرسل بنبرته الريفية الثقيلة

((أنا أحبك..))

أما هي فانطلق لسانها ليبادله بكلمات صريحة بالحب الذي اكتسحها اكتساحا وأتخم أنوثتها بالرضا مدغدغة أحاسيسه لأول مرة..

أطبق عليها بين حناياه يودُّ لو يدخلها بحبها إلى قلبه الذي عاش عمرا بلا حب.. والآن هو مغمور بها..

وهنا.. عاد سنوات للخلف.. منذ أن كان مراهق ثم شاب يافع.. كان هناك حلم عاش في وجدانه وزار أحلامه لسنوات بعذاب لا يوصف في أن يمتلك امرأة جميلة يشاركها عواطفه.. وتكون فتاة أحلامه.. تقتحم قلاعه بجنون..

انشق ثغره عن ابتسامة صغيرة وكان يميل لتقبيلها قبل أن يصدح رنين هاتفه، فتناوله وطالع المتصل باستغراب قبل أن يعتدل جالسا ويتشدق

((اتصال من عطوفة الممرض مُصعب! ما الذي طرأ على مزاجك يا أخي الحبيب لتتذكر شقيقك وتتصل عليه!))

استندت رتيل بذراعيها على السرير تضع أذنها على هاتف مُؤيد تتنصت على ما يقوله.. وسرعان ما انتفضا الاثنين بصدمة تملكتهما وهتف مُؤيد غاضبا

((وكيف لا تخبروني بكل ما حدث يا أوغاد قبل الآن! قل بأي قسم شرطة هو لأذهب له حالا))

شرع مُؤيد بارتداء ثيابه بشكل سريع مضطرب فسألته رتيل التي لم تستمع جيدا لباقي المحادثة

((أرعبتني يا مُؤيد على مَازن! لماذا هو بالقسم؟))

هرول للخارج هاتفا بعجل

((لاحقا، لاحقا، لا وقت لدي..))

أسندت رتيل وجنتها إلى كفها تتأمل أثر مُؤيد في قلقها الأقرب للخوف الحقيقي..

لم تفهم كثيرًا مما سمعته على الهاتف وإذا كان مَازن مذنب أو لا.. لكنه سيكون أخرقًا لو فعلا قد انساق وراء نجوم ضاربًا بكل شيء عرض الحائط ومغيبا عقله أمام تلاعبها هي ومنال التي عرفت من أي منفذ تصله، ومن أين تؤكل الكتف!

احتقن وجه رتيل بحنق.. لطالما نصحت ياسمين أن تنتبه لتلك القنبلة الموقوتة المتمثلة بنجوم وقربها من زوجها حتى لا يصبح مجرد خاتم في يدها هي ومنال.. لكن دون جدوى! زوجته لوح الثلج الخرقاء!

=============================

في حجز قسم الشرطة المتمثل في حجرة صغيرة مكتظة بالكثير من السجناء أطلق مَازن الذي لا يزال يرتدي بدلته نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى ساعة يده مجددا كما يفعل قرابة كل خمس دقائق..

ورغم أن عدد المحتجزين في تغير مستمر من دخول وخروج حسب ما تتطلب وضعياتهم من خلال نداء الشرطي على أساميهم.. إلا أن مَازن شعر أن الوقت لا يمر.. على الأقل ليس سريعا..

حانت منه نظرة إلى اثنين من الرجال يصوبان نظرات خطيرة له منذ دخوله إلى هنا.. انكمش قليلا على نفسه خاصة وأن الرجلين مفتولا العضلات ويفوقانه طولًا وعرضًا.. بل وحتى ملابسهم الرثة وذقونهم النامية تعطيهم مظهرا إجراميا..

عندما التقت عيون مَازن بأعينهم ازدادت ملامحهم شراسة وأحدهم مال جانب فمه بابتسامة خطيرة قبل أن يتقدم من مَازن بوقع له هيبة ويقف أمامه..

ظل نظر مَازن مستقر على وجه الرجل وتساءل ببرود سافر ((أمرك؟ ماذا تريد؟))

أخفض الرجل عينين تقدحان شرًا بمَازن الذي لا زال جالسًا ببلادة ملاحظا رقي مظهره وترفه وبالتالي لا بد أن يحمل الكثير من الأشياء الثمينة كما ساعة يده التي بقيت معه! فرفع كفه وأزاح بخشونة جانب سترته لينتشل حافة السكين ويقول بنبرة مهددة خطيرة

((اخلع ساعتك الثمينة واخرج من جيوبك كل ما تملك من مال.. وإلا..))

توتر كل الحضور في الحجرة خشية من نظرات الرجل النارية المصوبة على مَازن.. إلا أن الآخر رد بصوت فاتر بطيء غريب عليه

((على جثتي))

برقت عينا الرجل بفقدان السيطرة ليقول بنية إجرامية صريحة وعيناه تنفثان اللهب

((هل تتحداني يا ذا الأعين الخضراء؟))

عاد الرجل يكشف عن جزء أكبر من السكين التي يضعها في جيبه فزفر مَازن بامتعاض كأن من أمامه أتفه من أن يوليه اهتمامًا.. شعر أن لديه مخزون طاقة لا مبالاة رهيبة في هذه اللحظة! فأراح ظهره على الجدار وكتف ذراعيه أمام صدره هادرا بهدوء يكتنف نبرته

((أنا لا أتحداك، قلت فقط أنك لن تحصل على شيء مني إلا على جثتي، يعني ستأخذ ما تريده وزيادة لكن.. على جثتي..))

كانت كلمات مَازن تستفز الرجل أمامه وتفقده آخر ذرة تعقل أو تريث فيه، فأصبحت النظرة الإجرامية المخيفة التي تحتل حدقتيه أبلغ، تكاد تبتلع من ينظر إليهما بينما يخرج السكين كاملة ويرفعها عاليا هاتفا بهدير أعلى وضراوة أشد

((هل تريد منى أن أغرز السكين في صدرك؟))

لكن مَازن ظل على بروده بل بدا متقبلًا تمامًا ما يقوله بهدوء يثير التوجس..

وآخر شيء توقعه المجرم أو الرجال في أنحاء الحجرة ممن تغلب عليهم الهيئة القروية البسيطة أن ينتصب مَازن من مكانه واقفا وترسو ابتسامة تشتعل إثارة على ثغره ثم يقول وهو يرفع ذقنه

((نعم أريد منك أن تغرز السكين في صدري))

جحظت عينا الرجل أمامه بينما يرى مَازن يرفع أصابعه ويبدأ بحل أزرار قميصه ثم يكشف صدره له متحدي إياه

((((أرني كيف ستطعنني به..))

ولم يتردد الرجل في مسك مقبض السكين وتقريبها فوق صدر مَازن يهدده بشراسة مجنونة وسط شهقات من في الحجز المصدومة

(((اخرج كل المال الذي بجيوبك وساعة يدك خلال ثوان قبل أن أفعلها.. هذه آخر فرصة.. لا تستفزني أكثر..))

لم يتراجع مَازن قيد أنملة وهو يحفزه بنفس البرود دون أن يرف له جفن أو تهتز بوجهه عضلة

((قلت لك سأفعل، ولكن على جثتي أولًا.. الآن أنتَ من تستفزني يا هذا..))

تسرب شيء من الاحمرار إلى عينا الرجل وهو ينظر في عمق اللامبالاة في خضرة العينين أمامه ودون أن يشعر بنفسه كانت سكينه تنغرز بصدر مَازن حتى تسرب من صدره بقعة دماء بالفعل..

ما إن لمح الرجل قطرة الدماء تنساب من جلد مازن حتى شحب وجهه وتراخت السكين في يده لتسقط أرضا فيهمس بلهاث ((أنتَ مجنون..))

ازدادت وتيرة تنفس الرجل بطريقة تثير الذعر بينما العرق يتصبب على جبينه أنهارا ليقول متعثرا وهو يحرك يده المرتجفة

((تريد أن تستغلني في تخليصك من حياتك البائسة وتبتليني بمؤبد أو إعدام))

سارع صديق الرجل ينتشل السكين من الأرض ويخفيها ثم يمسك صديقه يبعده عنه هادرا

((هناك من تعمد إرسال هذا الحثالة إلى هنا حتى يبتلوك فيه ويتخلصوا منك لتخلو الساحة لهم، لكن خسئوا))

تقهقرا للخلف إلى ركن بعيد في الحجرة بينما رفع مَازن أصابعه يمسح قطرات الدماء الناتجة من الخدش الذي تسبب به الرجل له في صدره، وخدر رهيب يتسلل إلى كل أنحاء جسده..

كان متأكدا من أن الرجل يحاول فقط استعراض قوته حتى ينهبه وإذا لم يوافق هو على إعطائه ما يريد لن ينال منه أكثر من هذا، فأمثاله من أصحاب الخبرة ليسوا هواة حتى يسددوا له ضربة عميقة تزيد من سنوات المحكومية التي تنتظرهم..

خرج من مَازن صوت هازئ.. حسنًا.. الحقيقة هو لم يكن متأكدا مئة بالمئة من أن الرجل لن يؤذيه، خاصة بعد كميات الاستفزاز واللامبالاة التي أظهرها له بطريقة تخرج أي عاقل عن طور تعقله.. إلا أنه لم يهتم.. حقا لم يهتم.. فحتى لو خرج من هذه القضية براءة سيكون خسر وظيفة لن تتكرر مرة ثانية له! هذا إذا خرج..

عاد مَازن ذو القناع الجامد لشروده يحلق في عالمٍ بعيد وهو يجلس مكانه.. كأن لا شيء آخر في هذه الحياة عاد قادرًا على إثارته..

ماذا فعلت به الأيام؟ وكيف أصبح تقدم العمر مسيرا مرهقا للروح بينما تبتلعه نكبات الحياة لتقذفه بين نوائبها وهمومها!

عالم الكبار مرهق ولا يسعه إلا أن يتمنى العودة للطفولة البريئة الساذجة، لكن تصرخ في أعماقه ذكريات الطفولة الأولى وذكرى الصبا القديم وتخبره أن زمانها قد ولّى بلا رجعة..

شعر بالبرد القارص يجتاحه اجتياحا فكتف ذراعيه كأنه يعانق نفسه ويبثها الدفء.. لكن دون جدوى.. فالبرد يعتريه مِن الداخل لا من مكان سواه.. إنه يزمهر عميقًا في نفسه..

تقدم رجل في حجرة القسم بدا في مثل عمر مَازن بخطوات بطيئة لم ينتبه مَازن لوقعها ليجلس بجانبه قائلا بانبهار من رجولته ورباطة جأشه في موقفه قبل قليل

((يا هذا أنتَ رائع! لقد وقفت أمام أخطر رجل في هذه الحجرة بقلب أسد! هل صحيح أن هناك من أرسلك إلى هنا حتى تزيد في محكوميته؟ ولكن مظهرك النظيف المترف لا يظهر أنك تابع لإحدى العصابات.. هل مظهرك أيضًا جزء من الخطة..))

تطلع مَازن بعينين واجمتين ومظلمتين وقاطعه بصوتٍ ميت

((لست تابع لأي جماعة بل ببساطة أرسلت هنا لأن مشتبه به في جريمة قتل واغتصاب))

استحالت ملامح الشاب من الحماس المشتعل إلى الفزع حتى هرول مبتعدا من عنده.. تزامنا مع ارتفاع الأصوات الحديدية لمزلاج الحجرة لتعلن فتح باب الحجز..

صدح صوت أمين شرطة

((مَازن الكانز؟))

وقف مَازن من مكانه فهتف به الأمين بخشونة

((اخرج من هنا واتبعني))

تحرك حلق مَازن دليل توتره البالغ رغم تغلف وجهه باللامبالاة والعدوانية.. ثم تقدم أمام غرفة وكيل النيابة وسرعان ما لفه الذهول وتمتم باسم شقيقه مُؤيد.. قبل أن يعقد حاجبيه ويدمدم بعصبية

((مُؤيد! ماذا تفعل هنا؟ آخر ما ينقصني خبثك وتنظيرك الآن في هذه اللحظة! قال مُصعب أنه سيجلب المحامي ويعود!))

وقف مُؤيد الذي كان يجلس على كرسي أمام مكتب وكيل النيابة وتقدم من مَازن وهو يرمقه بنظرة توبيخ ثم قال بحزم يغلفه خوف فطري على أصغر أشقائه

((وهل نحن في موقف يسمح للتنظير يا مَازن! المحامي على الطريق، أخبرني الآن كل ما حدث معك!))

تشدق مَازن بسخرية ثم نكس بصره باستدراك مسبق أن مُؤيد لن يصدقه

((وماذا حدث؟ حاولت منال في وقت سابق وضع عقار مبهم لي ثم إرسال ابنتها لتغريني، وعندما فشلت وواجهتها بحقيقتها بل وتسببت بإبعاد نجوم عن القصر بأمر من أبي، أتفاجئ بعد أشهر وأنا في قعر بيتنا بالشرطة تعتقلني وتتهمني بالاعتداء عليها، بل وقتل رضيعها))

ضيق مُؤيد حدقتيه المتأججتين بغضب أثناء حديثه وكل ما فيه يشتعل بثورة عارمة لأخذ ثأر شقيقه ممن اتهمه ظُلما وكيدًا! وسرعان ما أمسك كتفيه بيديه يحاول التحلي بالقوة وضبط النفس ليطمئنه هادرًا بمؤازرة

((لا تقلق، طالما الأمر كذلك، علينا فقط انتظار نتائج التحليل التي تثبت أن الرضيع ليس ابنك، ثم ستخرج من هنا حتى لو بقيت التحريات جارية طالما ضمنوا محل إقامتك.. أهم شيء أن تسترخي))

قال وكيل النيابة الذي كان يقرأ محضر الشرطة بملل شديد يكسو وجهه

((الأمر ليس بالسهولة التي تتوقعها يا سيد مُؤيد، فقد جلبوا الصبي الذي شهد حالة دفن الرضيع وقال بأن الرجل الذي فعلها مشابه لهيئة أخيك!))

باغته مَازن القول بدفاعية عن نفسه استمدها من طمأنته من وجود مُؤيد

((لقد قال بأن مظهره مشابه لمظهري الخارجي فقط، وأن وجه المجرم لما يتبينه في الظلام!))

التقط وكيل النيابة ملف المحضر ليحركه ببلادة أمام وجهه كمروحة يدوية تخفف من الحرارة المتوهجة ثم تمتم بضجر

((حتى ولو، تشابه الهيئة الجسدية هو دليل خطير لإدانتك، في رأيي وضعك يعتبر حرجا جدًّا، وعلى المحامي الذي عينه أخاك لك أن يكون محترفا في الدفاع عنك حتى صدور نتائج التحليل فقد تأخذ وقتا أكثر من خمسة عشر يوما))

لم يبال مُؤيد بكلام الوكيل الذي ود لو يلكمه ليقفل فمه الثرثار.. فقط التفت إلى مَازن بملامحه المشوهة بالقلق يؤكد عليه

((مَازن عندما يأتي المحامي أخبره بالتفصيل ما حدث في السابق، وأقوالك التي وقعت عليها للنيابة، هل تفهم؟))

أومأ مَازن له رأسه إيجابا بصعوبة بالغة ولا شيء من حوله يبشره بالخير مما يقاسيه.. فعاد مُؤيد يردد عليه متسائلا

((هل تحتاج إلى شيء معين هنا؟))

تشدق مَازن بمرارة تثير شفقة السامع عليه

((وماذا قد أحتاج من هنا إلا الموت؟))

عاتبه مُؤيد بخشونته المألوفة، يدعمه بالأمل مؤكدا له أنّها شدّة وستزول بإذن الله

((لا تقل هذا يا مَازن؟ لقد أخبرني المحامي والذي حاليًا بطريقه إلى هنا أن مسألة إظهار براءتك مضمونة!))

صحح له مَازن بتشاؤم

((الوقت سيكشف فقط إذا كانت براءتي مضمونة!))

وجال عقل مَازن لبعيد بنظرات غائمة! ماذا لو حدثت أي تطورات على القضية وظهرت دلائل أخرى حتى لو ناقصة تدينه وبقي هنا أكثر؟ أو ربما ينتهي به المطاف في السجن للأبد!

امتقعت ملامحه برعب حقيقي من هذه الفكرة المفجعة..

حتى أنه تذكر قصة رجل الأمن الذي أخبره بها أخيه مُعاذ بحديث عابر.. حيث كان رجل الأمن هذا ينتظر الإحالة على التقاعد عندما اتهمه أحد الضباط الذي يعملون معه في السجن بتهريب مواد ممنوعة إلى النزلاء ظلما وزورا.. فتم زجه بالسجن، وبسبب طعن سنه أصيب بسكتة قلبية أودت بحياته ولم تظهر المحكمة براءته إلا بعد وفاته بأيام!

هل سينتهي الحال به إلى أمر مشابه ولا يخرج منه إلا مجرد أنقاض غير قابلة للترميم بأي وسيلة؟

تبا لهذا الحظ العاثر الذي لا يتوقف عن إيقاعه بالمشاكل بلا جريرة منه!

حدق مُؤيد بوجه أخيه الذي بدا عليه الإرهاق والعجز والاستسلام فقبض على كتفه يجتذبه له بعناق أخوي مغموس بلوعة خوفه عليه ومحمل بالكثير من الدعم..

وعلى صدره انهارت ملامح مَازن وخرج من قوقعة البرود التي كان يحتمي بها ليختضّ جسده..

يدرك مؤيد ما يقاسيه من ألم الإحساس بالظلم والقهر فهمس له

((اصبر يا ولد وتماسك! أنتَ لست مَازن الذي أعرفه! لا تتصرف كأنك مذنب ينتظر عقابه))

غصّ مَازن دون أن يعقب بشيء، لكن كان يشعر بمخاوفه تموج بجوفه ولا يعرف من أين أتته القوة ليكبح جماح رغبته بتوسّل مُؤيد أن يطمئنه أكثر من هذا فهو ليس مستبشرا بأي خير!

ظلا على حالهما أمام نظرات وكيل النيابة المستخف بالمشهد لدقائق طويلة قبل أن يهمس مَازن فجأة بصوته المرتجف

((هل تثق يا مُؤيد بكل كلمة خرجت من فمي؟ هل تصدق أني بريء من التهم الموجهة لي كبراءة الذئب من دم يوسف؟))

رد عليه مُؤيد بصوتٍ ثابت لا يحمل ذرة تشكيك

((نعم أثق بذلك يا مَازن، أنا متأكد، بل أكاد أقسم أنه لا يمكنك فعل أمر كهذا، وستخرج من هنا بأسرع وقت ممكن))

كلمات مُؤيد دعمته نفسيا في هذه التجربة المريعة التي يمر فيها إلا أن رأسه تحرك قليلا بتشنج، اشتدت شفتاه كالوتر وتساءل بقلب مقبوض

((كيف هو حال أمي وأبي؟ هل أبي خائب الظن بي؟))

كان مَازن يمعن النظر في عيني شقيقه يستشف صدق ما سيقوله.. استعاد مُؤيد رباطة جأشه وحاول أن يتحلى بشيء من العقلانية وحسن التفكير ليجيب

((هما بخير، يدعوان الله أن يفرج كربك، خاصة أبي، فهو واثق من براءتك، بل وحثني أن أرسل كل دعواته لك بالفرج القريب، وطلب مني أن أخبرك أن تتجلد حتى يأخذوا منك العينة ويثبتوا براءتك..))

هز مَازن رأسه نافيا يتمتم

((لا أصدق ذلك، أنتَ تكذب عليّ))

كان يعرف أن كلامه غير مقنع تماما لكنه كان بحاجة لإسناد أخيه بأي شيء ولو بالقول الطيب حتى لو كان كذبا فتابع بنفس الثبات المتقن

((والدي هو أول من وثق وأكد براءتك، قد يكون دائم السخط على أفعالك، إلا أنه في وقت الجد يعرف أصل ومعدن ابنه))

حاول مَازن أن يصدق كلام شقيقه عن والده ويجعله سببا ودافعا له للمحاربة لإثبات براءته حتى آخر رمق.. تشبّث بذراعيّ أخيه يدعوه ليتكئ عليه وهو لا يجد في قاموس الكلمات ما يعبر عن شكره وامتنانه.. حتى هدر بصوتٍ مثقل بالمشاعر

((لن أنسى لك يا مُؤيد صنعيك هذا ما حييت))

إلا أن مُؤيد لكزه بقوة هادرا

((أي شكر هذا بيننا! نحن الإخوة لو رمى أحدنا نفسه بالنار فعلى الآخرين اللحاق به))

ابتسم مَازن له بشحوب يحمد الله ويشكره أن سخر له إخوة يكونوا له سندا وعونا يشاركونه الأسى، حتى مُؤيد! داعيًا أن يديمهم الله له.. ووقتها فقط شعر بموجة تفاءل عالية لا نهاية لها تكتسحه..

نعم إنه بريء تماما ولا أحد يمسك شيئا ضده ليحاسبه، ونتائج فحص الأبوة ستكون ضربة قاضية ضد أي أكاذيب أو افتراءات عليه، تلك النتائج لن تأخذ أكثر من خمسة عشر يوما.. صحيح بأنه سيكون وقتها قد خسر وظيفته التي تعب للحصول عليها، وخسر سمعته عندما يستشعر أهل القرية غيابه هذا إذا لم يكونوا بالفعل قد شاهدوا سيارة الشرطة تقبض عليه.. لكن على الأقل سيخرج بريئا..

رفع مَازن وجهه لوكيل النيابة مستحضرا الموقف الذي حدث معه قبل قليل

((قبل أن يأتي المحامي أريد منك أن تدخل الحجرة لتأخذ السكين من أحد البلطجية في الداخل))

انتفض وكيل النيابة واقفًا يثور في وجهه

((أي سكين! أي موقوف هنا نقوم بتفتيشه بدقة وننزع منه أي شيء خطر قبيل أن ندخله حجرة الاحتجاز))

تشدق مَازن بسخرية لاذعة وهو يظهر الخدش الظاهر على صدره

((لو كان التفتيش دقيق لما كاد ذاك البلطجي أن يطعنني بالسكين لأني رفضت إعطائه ساعة يدي))

اتسعت عينا وكيل النيابة واضطربت ملامحه ثم هتف متلعثما

((ولماذا لم يأخذوا منك هذه الساعة، الخطأ عليك أنتَ.. سلمني الآن أي شيء ثمين بحوزتك))

=============================

في منزل عائلة منال..

كان ألم الكابوس المروع الذي تعيشه نجوم لا يطاق حتى أنها شعرت بغمائم رمادية ووجوه مقنعة أشبه بالهلوسات تحيط بها وتذكرها بآخر ما حدث قبل فقدانها الوعي بعد ولادتها للطفل، وكأنه كان بالأمس فقط..

بدأت ترتعد وتختض ودموعها تجري على وجنتيها مغمغمه

((لقد قتلتي طفلي يا أمي.. قتلتيه بدم بارد))

كانت نجوم كارهة لنفسها أنها اضطرت صباحا أمام الشرطة أن تؤكد على أقوال أمها التي اتهمت فيها مَازن بكل ما حدث لها، رغم أن ما خرج من شفتيها كان اسم مَازن فقط عندما سألها الضابط عن هوية الرجل الذي اعتدى عليها ووالد طفلها، أما باقي ما حدث نفت معرفتها به إذ أنهم عرفوا أنها قد غابت عن وعيها بمجرد أن أنجبت..

الشرطة راعت سوء حالها النفسي والصحي وهذا ما دعاهم أن يتركوها تعود لبيتهم ويذهبوا للقبض على مَازن بمجرد أن أثبتت الفحوصات الطيبة صدق ما تقوله وأقرت بأنها قد أنجبت بالفعل قبل أسبوع مضي.. مؤكدين على أمها وخالتها أن يزوروا القسم مساءً حتى يعاودوا أخذ أقوالهم أو أي إفادات أخرى قد يحتاجونها..

منال كانت تفرك يديها بعنف يغمرها خوف رهيب من الإمساك بها إذ شعرت الآن فقط أن معظم أقوالها هناك كانت شديدة التناقض وانعدام المنطقية وغير مترابطة بتاتا ولهذا طلبت الشرطة خصيصا منها هي وأختها أن يتقدما الى مقر القسم في المساء..

عندما تصاعد صوت نشيجها اندفعت نحوها تقول ببالغ الارتباك والدفاعية

((والله أخبرت ذاك الوضيع أن يضعه أمام أحد المساجد لا أن يقتله ويدفنه، لا ذنب لي أنا))

تقبضت يد نجوم هادرة بلوعة أم

((كيف وثقت بمغتصب انتهك شرف ابنتك وسلمتيه طفلي.. إنه طفلي أنا.. طفلي أنا..))

حاولت شقيقة منال أن تهدئ من فجيعة نجوم متوسلة

((توقفي عن النحيب على طفلك وركزي بالمصيبة التي أوقعتنا أمك بها.. لقد أقنعتها أن نقر بالحقيقة ونعترف بما فعله ابن اختنا ونحمله اللوم كاملًا إلا أنها أصرت حتى آخر لحظة على اتهام مَازن))

غمغمت نجوم بصوت مختنق

((وما ذنب مَازن ليسجن يا أمي؟))

شع الحقد من عيني منال بشكل كريه منفر وهي ترد

((وما ذنبك أنتِ لتتعرضي لانتهاك، ها أخبريني ما ذنبك لتحملي من مغتصب وضيع؟))

ردت نجوم عليها بمنطق واعي

((وهل تعرضي لظلم بيّن كالذي تعرضت له يخولني أن أظلم الأخرين وأتبلى عليهم لأجعلهم يقاسون كل ما مررت به، ما ذنبهم هم أيضا؟!))

ثم أشارت لنفسها مردفه والسخط ينهش صدرها لشهادة الزور ضد مَازن

((في البداية وافقت خطتك يا أمي وأقنعتُ نفسي بإغرائه والنوم معه لو لزم الأمر متجاهلة أن الزنا من أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل وكل هذا في سبيل أن يتزوجني بالنهاية ويبتلي بابني، لكن ما الفائدة الآن من التبلي على مَازن! ماذا سأجني من التجني عليه؟!))

هزت منال كتفها وقالت ببرود قاتم

((والده صاحب نفوذ وسيتمكن من إخراج ابنه من السجن وستنتهي القضية دون أي متاعب، على عكس لو اعترفنا بابن اختنا، فنزج في السجن معه ظلما!))

شهقن الثلاثة فجأة على صوت الضربات العنيفة فوق باب البيت بينما هتاف الحاجة زاهية يهدر عاليا

((منـــال.. منال.. افتحي الباب يا منال))

فرت الألوان من وجه شقيقة منال وقالت وهي تضرب رأسها

((هل هذه الحاجة زاهية؟ يا ويلي، يا ويلي، لقد انتهى أمري! كيف عرفت بأنكما هنا))

رغم أن منال كانت هي الأخرى خائفة منهم إلا أنها أبت إلا أن تستمر بتمثيليتها الإجرامية فهي وسيلتها الوحيدة للنجاة من هذه الورطة فتحلت بصلابة مزيفة وخرجت عليهم لتظهر لها زاهية وصدرها ينتفض بقوة.. لقد أمضت ما يزيد عن ساعة لتعرف بالضبط مكان منال! فقالت ووجهها المحتقن يكسوه الحمرة من فرط البكاء

((أنا مـتأكدة من أن ابني لم يعتدي على نجوم ولم يقتل طفلها! لكن هل كان متزوج عرفيا منها؟))

ازدردت منال ريقها بصعوبة ثم رفعت ذقنها تقول كاذبة

((نعم أجبرها ابنك أن تتزوج منه عرفيا، كان ابنك يرى في ابنتي منقذته من براثن زوجته الباردة التي كان يعاني المُر معها، فالجميع يعرف كيف كانت عصبية، باردة، وغير محترمة معه..))

في نهاية حديثها كانت نظراتها تسدد بقسوة إلى من تقف خلف زاهية، حيث ياسمين بجانب سمية بملامح متشنجة..

بدا كلام منال لزاهية منطقيا وشبه صحيح، فأغمضت عيناها تحاول استرداد توازنها الذي تشعر أنها على وشك فقدانه تماما.. بينما هدرت الدماء بعروق ياسمين غضبا من كلام منال وحتى أنها تقدمت خطوتين للأمام لكن عاجلتها منال وهي تصرخ فيها بعدائية بينما ترفع سبابتها

((وإياكِ أن تحاكمي ابنتي على زواجها من مَازن، فقد أخبر نجوم عن تقصيرك بحقوقه الزوجية، ماذا توقعت عندما تحرميه من حقوقه أن يفعل؟ يترهب بانتظار حضرتك حتى تشفقي عليه وتروي ظمأه؟ اصحي يا حبيبتي مَازن رجل وله احتياجات وطالما ترفضين تلبيتها له بالتأكيد سيلجأ لخيار آخر ليشبعها))

اختلجت شفتا ياسمين ونفت التهمة الموجهة نحوها وهي تهز رأسها

((ولو أن الأمر لا يخصك فيما يتعلق بيني وبين زوجي، لكن لم أحرمه يومًا من حقوقه الزوجية، صحيح حياتنا كانت تتخللها المشاكل لكن لم يسبق وأن قلت "لا" له مهما حدث بيننا))

زاهية كانت لا تزال غارقة بدوامتها.. ففتحت عينيها ببطء وتساءلت والتشوش يسيطر عليها بصوتٍ منهك بل ميت لا حياة فيه

((هل الطفل من صلب ابني؟))

شيء من الانتشاء تسرب إلى قلب منال لأن الشكوك اجتازت قلب وعقل الحاجة زاهية وباتت عجينة سهلة التشكيل بين أصابعها وحينها فقط وجدت القوة والمكر لتتابع مسرحيتها وتصرخ وتهتاج بثورة عارمة

((نعم هو من صلب مَازن، وهل تتهمين ابنتي بالرخص أو تعدد العلاقات؟ لا أنا لن أسمح لكم باستغلال فقرنا وقلة حيلتنا في توجيه مثل هذه الإهانة لنا، لا والله لن أسمح لك يا حاجة اخرجي من هنا!))

كانت تدفع زاهية للخلف وتطردها لخارج بيتها حتى كادت أن تقع أرضا وترنحت قدماها ثم صفقت الباب خلفها متنفسه الصعداء لأن هذه المواجهة انتهت بأفضل مما توقعت..

ولم تتحمل زاهية كم الصدمات التي عاشتها اليوم فكادت تنهار محمومة بالألم المبرح لولا أن تلقفتها سمية في آخر اللحظات تطلب منها الرجوع للقصر.. وساندتها لتجلس على الأرض بعد أن خذلتها قدماها..

بدأت زاهية تبكي كما لم تبك يومًا حتى أن سمية تفاجأت مما تراه كأن هذه المرأة ليست هي حماتها المتماسكة الصلبة.. حتى سألتها بصوتٍ مبحوح من بين بكائها

((سمية أخبريني هل يمكن أخذ عينة من الطفل الميت لإثبات أبوة مَازن له من عدمها؟!))

كانت شهقات البكاء تتقطع مع كلماتها الخافتة المخنوقة فلم يكن بيد سمية إلا أن تحاول تخفيف الأمر في هذه اللحظة وتطبطب بيدها عليها بينما تخذلها بالجواب

((لا أفهم بهذه الأمور يا عمتي، ولكني متأكدة أن لهم طرقهم التي ستثبت براءة مَازن))

أخذت زاهية تمسح شيئا من دموعها الجارية وتخرج هاتفها متمتمه

((أين هو رقم مُعاذ، عليه أن يعرف كل شيء..))

كان قلب سمية فعليا يتمزق لأجل حماتها بمصيبة ابنها، فوجدت نفسها تنهض من مكانها وترجع نحو بيت منال وتتسلل لخلفه التي زارتها عدة مرات من قبل..

نجحت سمية في الوقوف أمام نافذة نجوم فحاولت أن تدقها بيدها لتفتحها لها لكن لم تجد أي استجابة.. فأطلقت نفسا طويلًا محبطا..

وجلست أسفل النافذة.. لكن جفلت فجأة لصوت منال وأختها يخرجن من الباب الخلفي من منزلها، وتابعت النظر لهن حتى وقفن على الشارع المعبد بانتظار سيارة أجرة طلبنها والتي ما إن جاءت واستقلوها حتى تجرأت سمية على طرق نافذة نجوم بكل قوتها محدثة ضجة عالية..

نجوم لم تذهب معهم وهذه هي فرصتها للحديث معها ومعرفة كل شيء..

جفلت نجوم التي كانت مستلقية على سريرها شاحبة ضائعة على صوت الطرق فوق نافذتها، وبصعوبة ورغم إعيائها تقدمت منها وفتحتها لتتفاجأ شاهقة من رؤية سمية التي توسلت لها أن تفتح الباب من الجهة الخلفية حتى يتسنى لها الحديث معها..

.

.

في الخارج..

حاولت ياسمين المضطربة أن تقترب من حماتها إلا أنها دفعتها عنها ببغض وصرخت في وجهها بعدائية

((ابتعدي يا ياسمين ولا تريني وجهك! كل ما يحدث مع ابني بسببك أنتِ!))

تغرغرت الدموع في عيني ياسمين من اتهام حماتها المجحف إذ أنها لا تعرف أي شيء عن زواجهما أو ما مرت هي به من قبل.. ظلت متسمرة مكانها بملامح تثير الشفقة عليها بينما تعاود زاهية الصراخ فيها أن تغرب من أمام وجهها..

رد مُعاذ على اتصال الحاجة زاهية فانشغلت معه ولم تجد ياسمين أمامها إلا أن تهرول مبتعدة نحو القصر ثم إلى جناحها وتصفق الباب خلفها ودموعها تنهمر كالأنهار..

ظلت واقفة خلف الباب وقلبها يتلوى من الألم.. قبل أن تنهار جالسة أرضا..

مَازن كان الوحيد الذي أخرجها من ظلمات قد استنزفت روحها، وقسوة عيش لازمتها.. كان شغله الشاغل كيف يحسن مزاجها، ويجعلها تتعلق بالحياة.. فكيف يمكن أن يوجه له أحد مثل هذه الاتهامات!

ورغما عنها ذهبت ذاكرتها للماضي.. عندما رفعت شكوى على ذلك الشاب الذي كان يلاحقها أيام الجامعة، حينها جاءت خطيبته مندفعة تكيل لها الضرب والإهانات وتتهمها بالتبلي على خطيبها المحترم الذي لا يمكن أن يفعل أي شيء شائن معللة أن سبب شكواها هو عدم إعارة خطيبها اهتماما لها وصدها عنه.. ووصل الأمر بتلك الخطيبة أن تهددها بالفضيحة لو تم طرد خطيبها من الجامعة بسبب شكواها..

استمرت دموع ياسمين تجري على خديها أنهارا..

هي أكثر من تعرف أحكام المجتمع ونظرتِه القاصرة للنساء التي هي أبعد ما تكون عن العَدل، كأن الرجال لا يقترفون أي ذنوب وإذا ثبت الأمر عليهم لا ينظُر لفِعلهم ولا يأبه لجرمهم؛ لأنَّهم رجال، والرجل في فِكرهم الفاسد لا تَعيبه مثل هذه الأمور..

هل يجب عليها الآن أن تنتظر فقط نتائج التحقيق وإذا كانت تدين مَازن ألا تكون معه ضد نجوم كما كانت تأمل أن يكون معها أحد عندما وقعت في نفس موقفها؟ فآنذاك بسبب أولئك المتحرشين عاشت أياما مِن الذُّعر والهَلَع المستمر!

اتسعت عينا ياسمين.. ولكن مستحيل.. مستحيل.. لا يمكن لمَازن بعد كل عشرتها الأخيرة معه فعل شيئا بمثل هذه الشناعة!

عادت ملامحها تنهار ويشوبها الأسى.. ألم تكن تلك الخطيبة تثق ثقة عمياء في خطيبها أيضًا وتقول بأنه لا يمكن أن يؤذي نملة؟

هل يعقل الآن أن تصبح مثل تلك الفتاة التي استحقرتها وتدافع عن زوجها وهو الظالم وليس المظلوم!

أطبقت على عينيها مؤكدة على نفسها أنه لا يجب عليها أن تطلق أي أحكام قبل على الأقل صدور فحص الأبوة..

بدأت ياسمين ترفع يديها تمسح دموعها وتستوي واقفة بصعوبة وتتوجه بقدمين مترنحتين أمام مرآة منضدة الزينة تطالع انعكاس صورتها الذابلة والمكسورة..

شعرت بالاختناق، حتى الهواء حولها انعدم كي يزداد ضغط ألم الخنق حول رقبتها.. ولأن الألم في داخلها كان يتفاقم لم تجد أي طريقة للتخفيف منه ومن خيبة أملها إلا بالانتقام من نافسها بأبسط انتقام امرأة يعرفه التاريخ..

قص شعرها!

نزعت غطاء رأسها بعنف ورمته أرضًا.. نظرت للمرآة لحظات وكأنها تتوعد لنفسها بالثأر.. جمعت كل شعرها الكثيف الذي يصل إلى آخر ظهرها في قبضتها وبدأت تجدله ضفيرة طويلة.. ثم رفعت المقص بتمهل وثقل يثبطانها..

بدأت تقص خصلاتها، تنشد في الخلاص راحة غائبة، وحداد على حزنها.. وعتابًا قاسيًا للذات على حب حياتها..

حررت نفسها من الضفيرة بعزم وقوة حتى أضحت خصلات شعرها ما فوق كتفها.. فتسقط ضفيرتها راسمة حكايات شغف وحزن وانتقام لتحتضنها الأرض..

أخضت عينيها الغائرتين أخيرا تطالعها بقلب سكب فيه من كؤوس الأسى الكثير..

=============================

أمسكت سمية كلتا يدا نجوم متوسلة بعد دقائق صمت يشوبها صوت أنينها المكتوم

((ألن تتحدثي بشيء يا نجوم؟ أرجوك قولي وسأصدق ما تقولينه مهما كان.. هل مَازن هو والد طفلك؟ هل هو من قتل الطفل؟))

شعرت نجوم بنفسها تتردد أمام رجاء وفيض أسئلة سمية المُلحة والمتدفقة فشددت أصابعها المتشنجة القابضة على الغطاء وقالت مستسلمة أمام توسلاتها

((لا.. إنه ابن خالتي، هو والد طفلي ومن فعل كل هذه الخطايا))

اتسعت عينا سمية وظلت صامتة بانتظار مزيد من الشرح فأغمضت نجوم عينيها متابعة بصوتها الباكي المرتعش

((بسبب وفاة أبي وقسوة أمي وجوعي للحب كنت أبحث عنه هنا وهناك، كنت مجرد فتاة صغيرة في الإعدادية عندما انجررت وراء ابن خالتي وضعفت أمامه هو المعروف بمغامراته النسائية، لقد أحببته بعنف آنذاك وتطورت الأمور بيننا إلى حدّ أنه رَأَى مني ما يَرى الزوج من زوجته مع الاحتفاظ بعُذريتي بعدما غرر بي وأقنعني أن ما نفعله حلال لأنه سيتزوجني لاحقا، وكأني لم أنتهك عذرية ديني وشرفي وثِقة أبي الراحل بي، لكنه وبعدَ كلّ هذا خانني ومضَى في حياته كأن شيئًا لم يكن لأنه لم يعد يُحبني، وخطب فتاة متدينة.. ابتعدت عنه وتبت لله، وتجاهلت أي محاولة للتقرب مني أو الحديث معي، لكن ما لم أحسب له حساب هو قيامه بالاعتداء عليّ في إحدى المرات التي نمت فيها عند عائلة أمي))

شحب وجه سمية وظهرت الصدمة عليها جلية لتتساءل بخفوت من هول وجلل ما تسمعه

((وأمك تعرف ذلك؟))

فتحت نجوم عينيها الممتلئتين بالدموع تنتحب

((نعم، وهي من سلمته بنفسها ابني، وهو قتله بدم بارد ودفنه))

أبعدت سمية يديها عن قبضة نجوم وقد بدت مشوشة زائغة النظرات متسائلة

((ومَازن؟ مَازن ماذا فعل بك؟))

هزت نجوم رأسها نافية

((لم يفعل شيئا، لا ذنب له أبدًا ولا فكرة لديه عن خطط أمي الشيطانية..))

رفرفت سمية بعينيها قبل أن تقول برجاء محتوم

((نجوم هل أنتِ مستعدة الآن لتقولي كل هذا الكلام أمام الحاج يعقوب؟))

تطلعت نجوم بتيه لسمية وتردد فتظهر الإجابة بملامحها الخائفة.. لكن عادت سمية تلح عليها

((أرجوكِ افعلي ذلك، الحاج قد يموت كمدًا ظانًا أن ابنه مسؤول أو له علاقة بما حدث لك! ليس من العدل أن يحاسب هو دون جريرة ارتكبها فيما يبقى المجرم الحقيقي حرا طليقا))

تصاعدت مخاوف نجوم أكثر وأثقل الذنب ملامحها الهشة، فما لا تعرفه سمية هي أنها شهدت ضد مَازن أمام الضابط، وهذا سيوقعها هي وكل عائلتها بوضع أسوء لأنهم شهدوا زورا وأخفوا الحقائق..

عادت تبكي وتبكي.. ولكن.. وسط ضباب دموعها رأت ابن خالتها.. شيطانا معتديا خبيثا، مختالا بنفسه لأنه نجا بعد كل ما فعله من خطايا، ويخطط بتكرار الأمر مع بنات غيرها.. بل ولم غيرها؟ هي نفسها ربما يحاول الاعتداء عليها ثانية وثالثة وعاشرة، متأكدا أنها لن تجرؤ على الشكاية ضده أو قد يهددها بفضح ماضيهما وشهادة زورها ضد مَازن، وأهم شيء أنه سيحرص هذه المرة على أخذ احتياطاته قبل أن يجعلها تحمل بذرة منه في أحشائها!

هنا فقط قست حدقتي نجوم وأظلمت ملامحها!

لن تسمح لابن خالتها أن ينجو بعقابه.. ولن تسمح لأحد الآن أن يثنيها عن أخذ حقها منه..

هزت رأسها إيجابًا عازمة على البوح بالحقيقة تقول بصوتٍ متوعد رغم ارتجافه

((سأفعل، سأفعل وأبوح للحاج وللشرطة بكل ما حدث ثأرًا لابني من الجميع، حتى من نفسي))

=============================

جناح النوم..

كان يعقوب متمددا في جناحه وحيدا بسكون قاتم مريب، ووجهه مغطى بقناع صلب مخيف..

‏لم يغمض له جفن منذ أن صرخ بمَالك وأجبره على المغادرة ليختلي بنفسه بل بقيت عيناه جامدتين ساهمتين.. ذهنه كله يدور ويدور في طواحين أفكاره.. ذنبه كبير أنه قصر في تربية أصغر أبنائه ولم يتعامل مع أخطائه بصرامة أشد.. كان عليه بدلا من أن يفقد الأمل به ويرسله للخارج حيث هناك البيئة أفضل ما تكون لتصعد من انحرافه أن يقومه ويضعه صوب عينيه ويهذبه!

لا زال يذكر كيف في ذلك الوقت من الماضي تهللت تعابير السعادة على وجه مَازن واشتعلت عيناه حماسا لفكرة الدراسة في الخارج حتى أنه احتار من تغير موقفه وانقلابه للنقيض في الفترة الأخيرة من سفره على العودة لأرض البلاد!

ولكن في النهاية.. كيف فعل مَازن ما فعله.. هل يعقل أن يصل أحد أبنائه من صلبه أن يعتدي.. يغتصب.. ويقتل!

قطع يعقوب حبل تفكيره وجفل على صوت باب جناحه يُفتح فجأة بدون أي طرقات تزامنا مع ضجيج رنين هاتف مُؤيد الذي انتشله من جيبه.. ثم رد على المتصل باستنكار ما إن رأى اسمه يعلو شاشة هاتفه

((مُعاذ؟ يا إلهي من أخبرك! أنتَ في شهر عسلك ويفترض ألا تقلق نفسك بمشاكلنا))

وصله صراخ أخيه الذي تندلع فيه نيران الغضب

((أخاك سيسجن بقضية اعتداء وقتل متعمد وأنت تتحدث عن شهر عسلي؟ أعطني والدي الآن))

وقف مُؤيد أمام والده المتجهم مشتد القسمات يصلب طوله ثم رضخ لرغبة أخيه وناوله الهاتف فاعتدل يعقوب شبه جالس ليسترسل مُعاذ بقهر الرجال

((أبي لا أصدق ما فعلته اليوم! كيف شككت ببراءة مَازن؟ بل وأقسمت على إخوتي ألا يزور أحدهم مَازن بالمحامي، تتصرف كأنك راغب بترك فلذة كبدك في السجن دون دليل يدينه؟))

وضع يعقوب الهاتف على أذنه هاتفا بصوته الجهوري الباقي من طاقته

((سأتبرأ من شقيقك!))

استهجن من كلام أبيه اللامنطقي

((ما الذي تقوله يا أبتي؟))

هاج عليه يعقوب قائلا بانفعال مضطرب

((وهل تريد إذن مني أن أفتخر بأبوتي لشاب مغتصب وقاتل))

تدخل مُؤيد يقول هاتفا بحمية على أخيه

((لقد تحدثت معه وأقسم لي أغلظ الأيمان أنه لم يلمس نجوم أو يقترب منها.. بل هي من حاولت عدة مرات إغرائه))

رمقه يعقوب بغضب ثم رد عليه بنبرة ما سمعها أحد منه يوما وومضات من ماضي مَازن تتسرب لعقله مجددا

((ابنة المزارع تلك التي كانت في نفس فصله أتهمته ظلما وجورا بمحاولته التقرب منها، رغم أن والدها جاء بنفسه عندي يتوسل أن أسامحه لتركه العمل في ارضي وأتوسط له ليعمل بمكان في قرية أخرى.. ابنة الجيران التي جاء والدها يخبرني أن مَازن يهددها بصورها على إحدى حسابات مواقع التواصل الاجتماعي كانت تكذب.. ياسمين أيضًا زوجته كانت تكذب عندما قالت بأنه متعاون مع من خدروها واختطفوها.. ومنال الآن تكذب بما فعله بابنتها.. أخوك هو وحده الصادق))

لم ينتبه يعقوب أنه تحدث بمسألة ياسمين أمام مُؤيد الذي لم يكن لديه أي فكرة عن طريقة زواج مَازن، والآن فقط اتضح له القليل من الغموض الذي شاب مشهد زواج مَازن.. ولو كان لا زال مُؤيد القديم لم يكن ليهدأ قبل أن يعرف كل شيء بالتفصيل حتى يظهر بواجهة الشيخ ويبدأ بكيل الاتهامات لأخيه ليظهر لوالده بأنه الابن الوحيد البار بين إخوته، لكن الآن ولأنه يعرف تماما أن أول موقفين ذكرهم والده كان مَازن بريئًا فهو متأكد أنه أيضا براءته في أخر موقفين أيضًا..

أما يعقوب لم ينتظر أكثر قبل أن يغلق الهاتف على مُعاذ لا يتحمل أي عتاب منه..

كزّ مُؤيد على أسنانه هادرًا باعتراض

((أبي لماذا أغلقت الهاتف؟!))

أراح يعقوب جسده على ظهر السرير ليأخذ نفسا مرهقا ثم قال بصوتٍ ميت غريب عنه وهو يحملق فيه بنظراته الزاجرة

((مُؤيد اخرج من هنا، لا أريد رؤية أحد في مخدعي، سأنتظر فقط نتائج التحقيق لأعلمكم ما سأفعله))

كان يحملق بمُؤيد بنظرات مرعبة جعلته يخشى على أبيه من العصبية فهي ليست جيدة له، فاستسلم يتقهقر حتى لا يضطر أكثر لمجادلة أبيه، فبالنهاية لن يفيد شيء معه..

لكن ما إن خرج من الباب حتى وجد سمية تقترب منه وهي تسند معها نجوم التي كان الإعياء ظاهرا عليها بشدة بالغة..

تمتم مُؤيد بصدمة غلفت كلماته

((نجوم ما الذي تفعلينه هنا؟))

توقفت نجوم مكانها تطالع مُؤيد ثم أخذت نفسًا عميقًا وأطلقته وهي تتذكر توسلات سمية فتساعدها على الثبات على إرادتها بالإقرار بالحقيقة

((جئت لأخبر الحاج بكل ما حدث معي بالتفصيل..))

ازداد ذهول مُؤيد حتى أنه فغر شفتيه.. طالع سمية التي هزت رأسها له مطمئنة إياه ببسمة صغيرة.. حينها فقط تراجع للخلف يفتح مجالا لنجوم وسمية بالدلوف للداخل..

اشتدت نظرات يعقوب حدة مشوبة بالاستفهام من تواجد نجوم بهيئتها الواهنة الضعيفة.. والتي ما إن رأته حتى انهارت وقالت مباشرة

((مَازن لا علاقة له بأي شيء! إنه مظلوم، ابن خالتي هو المسؤول عن كل ما حدث لي))

صدمت ملامح يعقوب بشدة فأخذت نجوم مجددا نفسًا عميقًا مرتجفا وأطلقته، ثم أغمضت عينيها لدقيقة، تبحث عن طريقة تشرح كل شيء للحاج يعقوب..

فتحت عينيها بغتة وهما تلمعان لتهمس بخفوت رغم إنهاك صوتها

((سأخبرك كل شيء بالتفصيل من البداية..))

بدأت نجوم بسرد كل ما حدث معها أمام الحاج بدئا من اعتداء ابن خالتها عليها حتى معرفتها بالحمل وخطة أمها بإغواء مَازن لينتهي الأمر بأخذ ابن خالتها الطفل وموته بين يديه..

كانت نجوم تحكي وتحكي دون توقف ويعقوب ينصت بإصغاء وقلبه تدريجيا يقرع بالصدمة وتنسحب الدماء من وجهه حتى تجلى عليه مسحة عناء ملفتة جعلت ملامحه تتراخى وتتألم.. حتى أنه في نهاية حديثها اضطرب جفن عينه اليسرى لتبدو تقاسيمه غاية في البؤس كأنها تسرد الدوامات التي يعيشها بصمت جراء ظلمه المجحف والمتعنت بحق ابنه..

بعد ما أنهت نجوم ما بجعبتها خارت قواها وانهارت أرضا، لتضرب على فخديها وهي تشهق ببكاء حاد لا واعي..

وملامح يعقوب المفجوعة بخطئه تجاه ابنه البريء تزداد ألما ينحر القلب..

لقد ظلم ابنه.. أصغر أبنائه.. ظلما بينا لا يغتفر.. وفي أكثر لحظات عمره حاجة للدعم والمؤازرة..

مسحت نجوم عينيها المحترقة بالدمع المالح لتقول بحسرة ووجع وخزي

((هل يا تُرَى لي دعوة مظلوم عند الله أم أنَّ الله لا يعتبرني مظلومة كوني جاريت أمي بخططها في الإيقاع بمَازن، ولكني أشعُر بظلم شديد وإهانة وذُل، لا أعلم كيف أوصل كل ما أحس به، أنا مكسورة، وأدفع عمري كله مقابل أن يعودَ الزمن؛ لكي أخبرك يا حاج ما حدث لي منذ البداية ولا أطاوع أمي بأي شيء من خططها))

‏خفتت أنفاس يعقوب بتعب وذنبه بحق ابنه لكنه رفع عينيه الباهتتين لنجوم يخبرها بصوتٍ سحب منه الحياة

((ما تشعرين به هو نتيجة حتمية لارتكابِ الذّنوبِ وتعدي الحدود، وهو شُعور طبيعي للندم الذي يرافِق كل معصية، جددي التوبة والإنابة كلَّما شعرت بنوبة ندم تجتاح قلبَكِ، واهرعي إلى الله وأنتِ تذرفين الدمعَ))

‏انتظمت ‏أنفاس نجوم رغم أعصابها المتشنجة ثم نظرت لوجه يعقوب.. بينما يقف مُؤيد بجانبها هاتفا بحزم

((سأتحدث الآن مع المحامي ليسبقنا للقسم وعليك الآن أن تذهبي معي يا نجوم لتقري بكل هذا وتعترفي بما فعله ابن خالتك، طوله وعرضه الشبيه بمَازن كان سببا بلبس للصبي الذي رآه يدفن الطفل))

‏أطبقت نجوم شفتيها تغطيها بكفها تحارب وخز البكاء ثم قالت وهي تكتم شهقة مرتجفة بينما تحاول الاعتدال واقفة بوهن

((نعم سأذهب لأقر بكل شيء للشرطة، وسأفضح نفسي قبل أن يفعل ابن خالتي المغتصب والقاتل..))

هتف مُؤيد بها بصرامة شديدة

((أقري بالحقيقة ليخرج مَازن لكن لا تفضحي نفسك، الستر على النفس واجب شرعي..))

تطلعت له بتيه وضياع مغمغمه

((ولكن في كل الأحوال سأفضح فأنا قد أنجبت طفلا بلا زواج، ولو سجن ابن خالتي ستفضحني عائلته..))

هتف بها مُؤيد بصوتٍ رادع وحسن تفكير

((خوفك الشديد مِن أنْ يفضحوكِ لا مبرر له؛ فالمنحطين مثل عائلة ابن خالتك لن يكونَ لهم كلمة مسموعة عند الناس، ولو فعلوا، عليكِ الإنكار وإظهار التعجب من قولهم))

لمعت عيناها بالمزيد من الدموع لوجهه الثابت وهو يومئ لها ثم يقول

((اعترافك هذا مهم لمَازن، حتى يستطيع الخروج من الحجز قبل موعد صدور نتائج الفحص التي قد تزيد عن خمسة عشر يوم))

في الخارج كانت ياسمين تنصت بجسد متشنج على حديثهم من خلال الباب الموارب عند مرورها بجوار الغرفة صدفة.. وها هي تكتم نشيجها المنهار وأنينها بصعوبة.. لقد اتضحت براءة مَازن.. إنه بريء.. بريء تماما بلسان نجوم.. لقد تأكدت بأذنيها مما سمعت بأن مَازن مهما كان متهورا لا يمكن أن يقرب الأفعال السيئة.. فقط حظه العاثر وقلة إيمان من حوله عند وقوعه في المصائب هو سبب ما يعيشه الآن..

رسمت بشفتيها ابتسامة شاحبة وعينيها تذرفان المزيد والمزيد من دموع الفرح بينما ترفع يدها تلقائيا لتمررها فوق بطنها.. هدى والذي يقبع في أحشائها عليهما أن يكونا فخورين لامتلاكهما أبًا كمَازن..

لكن ما إن شعرت بهم يقتربون من الباب للخارج حتى هرولت مبتعدة..

أما يعقوب بدأ ألمه النفسي يصيب أعضاؤه بالوهن والإعياء فلا يستطيع صوته أن يخرج ويطلب من مُؤيد وهو يراه يفتح الباب على الأقل أن يطمئنه على مَازن المحتجز ظلما بمجرد أن يصل..

=============================

بعد أن باحت نجوم بكل ما عندها تم التحفظ عليها في مركز الشرطة لكنها لم تندم أبدًا على إدلائها بالحقيقة، خاصة بعد أن عرفت أن براءة مَازن كانت ستظهر بكل الأحوال إن هي اعترفت أو لا فلا دليل ملموس ضده، ثم كان اعترافها بالحقيقة نقطة لصالحها.. على الأقل حتى تخفف من ذنوبها..

وفي نفس الوقت تم إلقاء القبض على ابن خالتها وأمها وخالتها وهناك اعترف ابن خالتها بجريمته النكراء تحت الضغط وكانوا لا زالوا بانتظار اختبار الأبوة لكل من مَازن وابن خالتها حتى يتم إقفال هذه القضية نهائيا..

وما طمأن نجوم أن مُؤيد وعدها بأن ابن خالتها وقبل أن ينال أي جزاء سيعقد قرانه عليها ويشهروا الزواج ثم سيجعله يطلقها.. وأمام الناس ستكون ذريعتها للطلاق دخوله السجن..

.

.

وفي اليوم التالي..

غمغم المحامي لمَازن وهما يسيران خارج المركز بعد انتهاء الإجراءات الروتينية للخروج من الحجز

((نحمد الله الذي أعادك إلى بيتك وأهلك بالسلامة، ونسأل الله ألا تمرّ بهذه التجربة مرة ثانية))

أومأ له مَازن بامتنان بينما تداعب نسمات الشتاء الباردة جسده.. رفع عينيه ينظر للسماء الصافية بتعب رغم بهجة ونعمة تحرره وانكشاف براءته..

ففكرة السجن.. الحرية المسلوبة.. حدود لكل خطوة وتصرف.. وأن يصبح الشمس والهواء له بحساب في حد ذاتها فكرة قادرة على قتل روحه.. ولها وقع بشع على نفسه..

صحيح بأنه لن يبرأ تماما إلا بعد صدور نتيجة التحليل، إلا أنه كان سعيدا لأنه خرج في اليوم التالي.. على الأقل لن يتأخر هكذا على موعد أول يوم له في العمل بعد الغد..

اقترب مَازن من سيارة مُؤيد حيث يتواجد هو ومَالك ومُصعب وأمهم، الذين أتعبهم غيابه ولو كان قصيرا ولم يتنفسوا الصعداء إلا برؤيته يخرج من مركز الشرطة..

زاهية التي كانت عيناها تشتاقان متعة النظر لوجه مَازن هي أول من اندفع نحوه، تعانقه وكلها يشع شوقًا ولوعةً.. أمومتها تتحرر من مكمنها لتشعرها حقا بكل تلك المشاعر التي قمعتها لساعات..

غمغمت وصوتها يتعثر بالبكاء

((مَازن، ابني.. فلذة كبدي.. الحمد لله على سلامتك والشكر لله))

أخذت زاهية تشد نفسها إليه وتغمر وجهها فيه فتأثر مَازن من كم هذا الإحساس الفياض الذي اجتاحه وتطفلت الدموع الحارقة بعينيه من الألم الذي شعرت به أمه ولوعة قلبها عليه.. منذ صغره وهو يتسبب لنفسه بالمشاكل ووحدها أمه من كانت تأكل روحها في موقد الأمومة لتحميه من شقاوته وجانبه غير قابل للترويض..

كيف يحصى سعي أمه بل كيف يتدارك فضلها عليه؟ أبدًا لن يفعل..

أبعدت زاهية وجهها عنه فارتجفت كفاه وهما ترتفعان لتلامسا أعلى ذراعيها المتشنجين هادرًا

((أمي لقد اشتقت لك، أكثر ما خفت منه أثناء فترة سجني، هو حزنك عليّ))

قبل رأسها ويدها بلوعة فهدرت من بين فيض أمومتها المعذبة

((لا تقل هذا وقد أنعم الله عليك وأخرجك من السجن وأعادك لنا من جديد.. لقد ابتل قلبي وزال شوقي برؤية وجهك أمامي من جديد))

تأبط مَازن ذراع والدته بينما هذه المرة كان الدور لتوأمه أن يعانقه، ثم يربت على ظهره بيديه وعلى قلبه بكل ما انطوت عليه نفسه من أخوة هادرا

((نحمد الله الذي فرّج كربتك، الله برحمته ولطفه ساعدك على اجتيازها))

أبعد مُصعب مَالك عن مَازن بخشونة قبل أن يعانق هو الآخر شقيقه هادرا بفرح

((الحمدالله على عودتك إلينا سالمًا..))

أما مُؤيد الذي انفرج ثغره عن ابتسامة جانبية قال وهو يستقل السيارة خلف مقوده

((هيا اصعد السيارة..))

بادله مَازن بسمة صغيرة وعينيه تتوهجان امتنانا له.. لن ينسى معروفه أبد الدهر..

في السيارة جلست زاهية بقرب مَازن بالخلف وطوال الطريق كانت تقبل وجهه تارة وتمسح دموع السعادة تارة أخرى.. تمطره بالتهاني والمباركات بمناسبة خروجه بالسلامة وتؤكد

((يجب علينا إخراج صدقة.. شكرًا لله سبحانه وتعالى على إتمام نعمته عليك ورفقه بك..))

عندما ركن مُؤيد السيارة بالمصف ترجل منها مَازن وهنا وجد مُعاذ بانتظاره.. كان مُؤيد قد أخبره في الأمس كل شيء على الهاتف في وقت قيامه بإجراءات الخروج.. وما إن اقترب مَازن منه حتى أخذه في عناق رجولي للحظات قبل أن يربت على ظهره بخشونة أكبر ممن سبقه من إخوته مشيدا له بصوتٍ رخيم

((كنت أعرف أنك أقوى مما تمرّ به.. تجربة صعبة.. لكن الشدائد للرجال))

رماه مَازن بابتسامته المألوفة بينما تقترب زاهية منه هادرة بشيء من التردد

((أين هي زوجتك يا مُعاذ؟))

تعجب مُعاذ من سؤال أمه لكنه رد

((إنها في البيت مع دارين التي جلبتها من عند بيت أخي، أصرت أن تأتي ولكن طلبت منها أن تؤجلها ليوم آخر..))

ازدردت زاهية ريقها بصعوبة ثم قالت بنظر مشتت

((داهمتني أفكار والعياذ بالله أن الله ابتلى مَازن السجن ظلما حتى أعرف مرارة شعور زوجتك التي مرت بمثل هذه التجربة وألا أحكم عليها بقسوة.. أنا نادمة على ما قلته لك بخصوصها))

أخذت زاهية نفسا عميقا كأنها تجد صعوبة في الإكمال ثم أردفت بذقن مرفوع

((مُعاذ في القريب إن شاء الله سأذهب لبيتك وأقضي هناك أياما لأرحب بها كعروس))

أسره الذهول للحظات لكن سرعان ما قال ببهجة

((مرحبا بك يا أمي في منزلي بأي وقت إن شاء الله))

تراقص حاجبي مَازن الذي يحيط كتف أمه بذراعه وقال بما يشبه الدعابة

((إذن كان دخولي للسجن مزايا إيجابية))

زجرته والدته بحزم شديد

((اصمت فالسجن أمر ليس فيه أي سخرية يا مَازن!))

كانت لا تصدق كيف ينجح مَازن في كل مرة بتحويل ألمه وحزنه إلى مزحة، أما هو فزمّ شفتيه قبل أن يغضن جبينه بالحيرة قائلا باستغراب استبد به

((حسنا ولكن أين أبي! لماذا لا أراه))

أظلم وجه زاهية متذكرة ما حدث قبل ساعات فتلعثمت

((إنه.. إنه.. ربما يكون في جناحه متعب..))

لف الحزن ملامح مَازن متمتما بتأنيب ضمير بذنبه

((لقد ارتفع ضغطه من المؤكد بسبب ما حصل لي..))

لم تتحمل زاهية أن يؤنب ابنها نفسه لذنب ليس له يد فيه فهتفت ساخطة

((بل غالبا يشعر بالغضب من نفسه لأنه لم يصدق براءتك يا مَازن وظن السوء بك..))

تنبه مَازن بفطنة من كلمات أمه أن ما أخبره مُؤيد إياه عن عدم تصديق والده للتهم الموجهة ضده لم يكن صحيحا إطلاقا! وفي هذه اللحظة شعر بكم هائل من الحزن والوجيعة يداهم صدره حد الاختناق، فصمت وكأنه لا يجد الكلمات التي تعبر عن مشاعره..

فمدت زاهية كفها تطبطب على ظهره كأنها تواسيه بصمت، مشفقة عليه، بل دمعت عيناها.. فأقسى ما يمكن أن يواجهه المرء من محن وابتلاءات أن يقع عليه الظلم دون سببٍ ولا يَجد أبيه ينصره ويقف إلى جانبه!

أغمض مَازن جفنيه بقوة وهو يعيش الصراع بعقله ولا أحد يتكهن بما يفكر فيه هذه اللحظة..

لا يذكر أن أباه أنصفه يومًا بل كان أول من يلومه عندما يكون موضع اتهام.. لكن.. لكن.. رغم كل شيء يظل والده.. والده الذي تعب وكد ليؤمن له حياة كريمة له هو وأخوته ولم يقصر بتربيته أو تعليمه..

ولا بد أنه الآن غاضب على نفسه بسبب خطئه، وربما يشعر بالإعياء وبحكم السن ومرض الضغط سيكون الأمر شديدًا عليه.. في النهاية خلف شدته وتزمته معه يفيض قلبه تجاهه وباقي إخوته أولاده حنانًا وحبا..

تدخل مَالك يعقب محاولا التخفيف من توتر الموقف

((أمي اهدئي قليلا، عندما أخبرت أبي أن مَازن في طريق عودته إلى هنا طلب مني أن أخبره عند قدومنا ليخرج، سأذهب الآن لأعلمه ليأتي))

فتح مَازن عينيه فجأة يعقب بانفعال على توأمه

((هل تريد يا مَالك من أبي هو أن يأتي هنا! لا يجوز، أنا أحضر عنده في الحال))

أسر الذهول جميع الواقفين من كلمات مَازن وردة فعله إلا أنه أظهر حزما ليس فيه وهو يبارح المكان إلى داخل القصر..

توغل مَازن لمخدع والده المنعزل فيه ليغلقه خلفه بهدوء شديد..

خرج يعقوب شاحب الوجه باستكانة مرضه من شروده على اقتراب مَازن لتطل اللهفة من عينيه هادرا بصوتٍ ملهوف رغم إجهاده

((كيف حالك يا مَازن؟ كيف حالك يا بني؟))

اقترب مَازن من سرير والده العتيق ليجلس على طرفه ثم يمس يد والده برقة ويتبسم قليلا بألم

((أبي أنا بألف خير، هل ارتفع ضغطك؟ أرجوك اهتم بصحتك أكثر))

تجمد وجه يعقوب المرهق وملامحه بذاك الألم المطل من عيني مَازن حتى اخترقه إلى عمق الأعماق فيهمد جسده كله أكثر وهو ينظر إلى ولده هامسا بنبرة وجيعة

((أنا آسف يا بني على سوء ظني بك..))

رقت نظرات مَازن لوجه والده الذي بدا وكأنه بتجاعيد عمره زادته عمرا فوق عمره وبغمٍ ثقيل.. لا بد أن هناك ركن خفي داخل والده ورغم كل شيء سعيد أنه كان مخطئا بظنه به!

عقد يعقوب حاجبيه شاعرًا بتفاهة الاعتذار أمام هول ما قاله وفكر به بحق ابنه فضغط بكفه على عينيه مدركا حرقة روح مَازن عندما وصل له كلامه من إخوته إلا أن مَازن صدمه بما قاله مغايرا لتفكيره

((أبي لم أصدق مُؤيد عندما قال عن إيمانك ببراءتي، خاصة وأن سجل ماضي ممتلئ بما لا يشرف أي والد، أحمد الله أني كنت عند حسن ظنك ولم أكسر هامتك أبدًا، فعد يا أبي صلبا كالصخر الشامخ))

اعتصر الوجع قلب يعقوب لما يسمعه، إنه يدعي العكس ليجنبه الحرج الشديد.. ووقتها فقط عرف معدن ابنه..

تنهد دون أن يستطيع سكب شيئا مما بصدره لكنه مسح زاوية عينه من دمعة حارقة أبية هادرًا

((أنا أحسد يا مَازن نفسي عليك))

بدا يعقوب تائها بشكل يحطم القلب وصوته لا يتعرف عليه فكور مَازن شفتيه بحنق ثم قال بنظرات تضج بالشقاوة يلطف توتر الأجواء

((أنا نفسي أحسدني على نفسي ووسامتي وحسن أخلاقي))

ارتفع حاجبيّ يعقوب بدهشة ثم لم يستطع كتم ضحكته المتحشرجة المشوبة بالألم وهو يجذب مَازن لحضنه مربتا على ظهره وهو يدعو له ولباقي إخوته بالتوفيق والسداد..

دمعت عينا زاهية الواقفة عند عتبة الباب بتأثر لهذا المشهد الغير مسبوق.. بينما باقي أولادها في الخارج يجهزون حتى ينحرون الذبائح لإمداد الولائم اليوم والغد دون ذكر السبب..

تنهد مَازن ثم مد يده يحتضن كف والده ويرفعها لفمه يلثمها ثم يغادر ملقيا السلام..

ابتسمت زاهية لمَازن أثناء خروجه لكن ما إن أغلق الباب حتى عاد وجهها لبروده وصقيع مشاعرها وجليدية ملامحها أمام زوجها..

تحشرج صوته وهو يناجيها خجلا من ذنبه الذي يحمله

((زاهية..))

لم ينحسر جمودها ولم تبدِ أي تغير إلا أنفاسها هي التي تخبطت..

جلست على كرسيها المنجد قبالة منضدة الزينة تنزع وشاحها وتعيد مشط شعرها أمام المرآة البيضاوية بنظر شارد عن زوجها، لكن متيقظ لما قد يقوله..

ابتلع يعقوب ريقه وهو يشعر بحريق يلهب داخله من زوجته فأرخى أجفانه واشتد به الألم هامسًا بحشرجة

((لقد أخطأت بحق مَازن وأقر بذلك وسأعوضه عن جل ما اقترفته بحقه، فاعذريني، أدعو الله ألا يجعلني عبئًا لأحد ولا ثقيلًا على قلب أحد حتى أرحل من هذه الدنيا))

تبدلت ملامحها هنا وانهار ذاك الجليد لتردعه وهي تستدير له بعينيها الجميلتين الغارقتين بعشقه

((كفى الله أي شر عليّك يا حاج، لا تقل هذا))

ابتسم لها بشحوب هادرا بنبرة يكسوها الخمول

((الموت حق يا زاهية..))

تغرغرت الدموع في عينيها وهي تترجل واقفة وتتجه نحوه هامسة ((حفظك الله لي ولأولادك يا حاج..))

حبها له غلب في النهاية وحكمته في تسيير معظم الأمور شفعت له عندها هذه المرة وأطفأت كل حمم غضبها وعتبها عليه وهي تضمه إليها..

=============================

خرج مَازن من جناح والديه مفكرا أن هناك شيء ناقص!

ابنته مع إحدى العاملات فقد قالت أمه أنها لم تكن تريد للصغار أن يعرفوا بشيء.. لكن.. أين هي ياسمين.. ياسو.. ابنة قلبه.. ولوح الثلج فيما مضى!

لماذا لم تستقبله؟ هل هي عاتبة أو غاضبة عليه لما جعلها تمر به؟

في البداية ذهب إلى هدى ليقبلها ويتمنى لها ليلة سعيدة ثم ولج لجناحه وهناك ما إن فتح الباب واستقر نظره على ياسمين حتى صدر منه شهقة صدمة لا مثيل لها فهتف بغير تصديق كمن يرى أسوء كوابيس حياته

((لا، لا، لا، أين ذهب شعرك! إن ما أراه الآن كابوس أبشع من كابوس زجي في السجن ظلما!))

انتصبت ياسمين واقفة من على طرف السرير لتقول بلوعة وهي تبعد شعرها عن وجهها المبلل بالدموع

((لقد قصصته لأني شككت ببراءتك، أنا زوجة وحبيبة سيئة وأنت تستحق من هي أفضل مني يا مَازن..))

رفعت يدها إلى فمها تكتم شهقة منها، تجلد ذاتها بسياط من نار دون أن ترفق بنفسها.. ثم قالت

((بأكثر أوقات حياتك حرجًا لم أظن خيرا بك، أنا أستحق العقاب الذي ستلحقه بي أيا كان ما هو.. حتى الطلاق))

اتسعت عيناه بينما يراها تنسحب وتجرجر أذيال خزيها وهي تقول بصوتٍ استشعر من بين طياته خيبة أملها بنفسها

((سأذهب لأنام بالغرفة الملحقة))

توسدت الكنبة وهي تدثر نفسها تحت الغطاء من صفعات الذنوب التي تنغز قلبها..

=============================

انتهى الفصل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...