تحميل رواية «قلبي عدوك» PDF
بقلم رباب حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ قلبي عدوك بقلم رباب حسين.
رواية قلبي عدوك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رباب حسين
ن
لم تعد الأمور كما كانت؛ فخطوة واحدة متهورة كانت كفيلة بأن تُشعل نيرانًا في كل الاتجاهات.
داخل منزل زياد لم يكن الصباح عاديًا بل توتر يملأ الأجواء، نظرات مشحونة بالاتهام وغضب ينتظر لحظة الانفجار. لم يعد ذلك الابن المثالي في نظرهم بل أصبح لغزًا يهدد استقرار العائلة بأكملها.
أما في الجهة الأخرى، كانت أنين تقف أمام حقيقة لم تتخيل يومًا أن تراها، صدمة لم تكسر قلبها فقط بل هزت الصورة التي رسمتها له داخلها.
كيف يتحول من رجل ظنته مختلفًا إلى شخص غريب لا تعرفه؟
وبين هذا وذاك يقف زياد في المنتصف ممزقًا بين قرار أخذه بدافع اللحظة، وعواقب لم يكن مستعدًا لمواجهتها.
فهل يتحمل الجميع نتائج ما حدث؟
أم أن القادم سيحمل ما هو أقسى؟
وفي ظل تلك الصدمة التي احتلت وجه أنين؛ كان آسر ينظر إليها ويرى الألم يترسخ داخل مقلتيها.
يكفي ألمًا عزيزتي، فلن أستطيع ستر هذا العشق أكثر، دعيني أحمل عنكِ الحزن، فدمعتكِ تطعن ذلك القلب المهزوم بعشقكِ لغيره.
ليت هذا النبض لي فأجمّل لكي الحب من جديد، تتعلمين على يديّ معنى الهوى وأسطر مشاعري على أوتار روحكِ، دعيني أكمل لوحة عشقي لكِ في قلبي بوجودي معك، فاه لو تعلمين عذابي وأنا أرى قلبكِ ملكه، فمتى اللقاء حبيبتي؟
قاطع لحظات الصمت اتصال هاتفي على هاتف صافي، وحين رأت اسم سلوى ابتعدت عنهما سريعًا، وظلت تنظر إلى الهاتف وهي تمسك به بيد مرتعشة، ثم تنفست بقوة لتهدأ وتلقت المكالمة وقالت: نعم يا طنط.
كانت سلوى تجلس على مكتبها بهدوء وقالت: ها، عملتي إيه؟
صافي بارتباك: الحقيقة معرفتش أعمل حاجة، أنا معرفش حد يقدر يعمل اللي إنتي طلباه مني ده، حضرتك فهماني غلط.
ضحكت سلوى بقوة وقالت: ده أنا فهماكي صح جدًا، عليا الكلام ده يا صفصف، بقولك إيه؛ قدامك أسبوع واحد لو منفذتيش استعدي لمواجهة أبوكي وأمك بعد ما يعرفو خبر جوازك يا عروسة.
أنهت المكالمة والخوف يرسو على ملامح وجهها، حاولت أن تبتعد قدر الإمكان عن أصدقائها، وحين اختفت قليلًا عن أنظارهم لم تتحمل أكثر وبكت، وفجأة صدر رنين هاتفها مجددًا ففزعت وكاد الهاتف يسقط من يدها، ولكن حين رأت اسم حازم تلقت المكالمة سريعًا وقالت ببكاء: أيوة يا حازم.
حازم بفزع: مالك يا حبيبتي؟!
صافي: طنط سلوى لسه قافلة معايا وهددتني تاني، أعمل إيه؟
حازم: طيب إهدي، إنتي فين؟
صافي: في الجامعة.
حازم: طيب تعالي عندي على البيت عشان نشوف حل.
صافي: حاضر هجيلك دلوقتي.
خرجت من الجامعة، أما أنين فكانت شاردة منذ أن سمعت ما قالته صافي، وآسر لايزال يتحكم بمشاعره، ثم نظر إليها وهو يخفي ألمه وقال: أظن دلوقتي عرفتي إنه فعلًا مكنش يستاهلك.
أنين: أنا مش عايزة اسمع اسمه تاني، الحمد لله إن ربنا كشفه قدامي.
نهضت لتذهب فقال آسر: رايحة فين؟
أنين: مش هقدر أركز في حاجة النهاردة، هروح أحسن.
آسر: أنا عندي شغل مش هعرف أروح معاكي.
أنين: هو أنت بتشتغل إيه؟
آسر: عندي شركة برمجة كده أون لاين أنا وحازم، فا هروح لشركة أعملهم كده تاسك صغير وهرجع على البيت.
أومأت له بابتسامة وذهبت، وما أن والته ظهرها حتى اختفت بسمته، يعتق الألم في صدره أمامها ويتجرعه وحده في غيابها.
يلا العشق من طرف واحد فهو حقًا مقبرة للقلب.
عاد زياد إلى منزله يحمل جسده على المشي، يشعر بألم ضلوعه وحرارة جسده ترتفع مرة أخرى، وحين دخل المنزل وجد خالد أمامه يصيح بالجميع، فاقترب منه وقال: هما ملهمش ذنب.
انتبه خالد لوجوده فقال بغضب: أهلًا بالبيه اللي عشان فتح شركة وبطل ياخد مصروفه مني فكر نفسه كبر وبقى راجل ورايح يتجوز من ورايا.
زياد: الموضوع جيه غصب عني من غير ترتيب.
خالد: غصب عنك ليه؟ بتصلح غلطتك؟
زياد: أظن يا بابا إنك عارف ابنك أكتر من كده، أنا لا يمكن أوصل لمرحلة زي ديه، أنا فعلًا غلطت لما أتجوزت من غير ما أقولكم، بس صدقني فيه ظروف أجبرتني على كده، وعلى العموم الجوازة مش هطول، كلها فترة صغيرة واطلقها.
خالد: طيب فهمني، كنت بتستر عليها مثلًا؟
زياد بإرهاق: لأ، هفهمك كل حاجة بس مش دلوقتي.
خالد: يبقى لحد ما تطلقها متدخلش البيت ده.
فزعت حنان من مكانها نحوه، ووضعت تالين يدها على فمها بصدمة ثم قالت حنان: لأ يا خالد، عايز تطرد ابننا من بيته.
خالد بحزم: مبقاش بيته، بقى ليه بيت تاني أولى بيه، ولحد ما يطلق ملوش مكان هنا.
ثم صاح عاليًا: يا ناهد، اطلعي لمي هدوم البيه واديهاله.
نظر له زياد وابتسم، فهو كان يعلم أن خالد سيقوم بطرده من المنزل لذا لم يتفاجأ، فقال بهدوء: كنت عارف، بس المهم إني مش شايف إني غلطت في جوازي، أنا غلطت إني مقولتش من قبلها، بس الظروف هي اللي حكمت، وفي يوم من الأيام هتفهم كل حاجة.
تركه خالد وذهب إلى الطابق العلوي، ثم اقتربت منه حنان ودفعته في كتفه بقبضة يدها وهي تبكي وقالت: ينفع كده؟! إزاي تغلط غلطة زي ديه؟ أنا ربيتك كده.
أمسك زياد يدها بحنان وقال: حقك عليا، بس بجد غصب عني.
شعرت حنان بحرارة يده فقالت بفزع: إنت تعبان؟
زياد: شوية برد متقلقيش، أنا كويس.
تالين: اللي إنت إتجوزتها ديه هي السبب في إنك بعدت عن أنين؟
زياد: موضوع أنين مقفول من بدري، من ساعة لما حصل الموقف بتاع الديسكو ده، لما عرفت إنها بتروح الأماكن ديه إتأكدت إنها متنفعنيش.
تالين: مين اللي قالك إنها بتروح هناك؟
زياد: سالي.
تالين: أنا حاسة إن فيه حاجة ورا الموضوع ده.
زياد: مش فارق معايا دلوقتي بصراحة، المهم حاولي تهدي بابا شوية وأنا هبقى أكلمكم على طول.
اقتربت منه ناهد وقالت: الشنطة جاهزة يا زياد بيه، أخلي البواب يحطها في العربية؟
زياد: لأ، العربية مش معايا، أنا هطلب تاكسي لسه.
وبعد وقت غادر زياد المنزل ودموع حنان تودعه عند الباب، فربتت تالين على كتفها وقالت: إعتبريه إتجوز يا ماما وعايش مع مراته.
حنان بضيق: أنا عايزة أعرف مين اللي خلته يغلط غلطة زي ديه، لازم أعرف عملت كده ليه وإزاي.
تالين: كل حاجة هتبان في وقتها.
ذهبت صافي إلى منزل حازم، وحين رأها فتح ذراعيه أمامها فارتمت بين أحضانه تبكي، ثم قال بهمس: بس، متخافيش، أنا هتصرف معاها، المهم إنتي تهدي.
أبعدها عنه وأزال خصلات شعرها التي تمردت وغطت ملامح وجهها، ثم قال: مش بتثقي فيا؟
أومأت له بالإيجاب فأردف: يبقى بطلي عياط وادخلي ارتاحي شوية.
تطلع داخل عينيها بعشق ثم قال: إنتي وحشتيني أوي.
صافي: وإنت كمان.
أمسك يدها وجذبها خلفه نحو الغرفة وأغلق الباب.
عاد زياد إلى منزل قمر، وحين فتحت الباب خطى داخل المنزل، كان وجهه شاحب، فنظرت له قمر بفزع وقالت: زياد، شكلك تعبان أوي.
وقف أمامها بوهن وقال: مش قولتلك هيطردني.
اختل توازنه وأمسكت قمر به على الفور، فارتمى بجسده عليها فحاولت رفعه ثم جذبته نحو الغرفة بصعوبة، ووضعته بالفراش، لاحظت أنه يرتدي ذات الثياب، فخرجت سريعًا وأحضرت حقيبته، ثم أخرجت ملابسه واقتربت منه بخجل، تنظر إليه وهو فاقد للوعي وتشعر بالذنب تجاهه، فكل ما يمر به الآن بسببها، حتى طرده من منزله هي السبب الرئيسي في ذلك، فتجرأت وتقدمت منه وهي تقول: عادي عادي، هو جوزي مش هتكسف.
مدت يدها نحوه بتوتر، حاولت أن تنزع ثيابه ولكن لم تستطع، فأغلقت الأنوار واقتربت منه مرة أخرى وبدلت ثيابه دون أن ترى شيئًا بالغرفة.
بعد وقت، عادت إلى الغرفة وهي تحمل الطعام وبعض الأدوية، ثم وضعت كمادات على رأسه وأعطته الأدوية وتناول طعامه ونام، ظلت بجواره تنظر إليه بحزن، أراد أن يساعدها ولكن بالنهاية هي من أذته.
عاد آسر إلى المنزل، ووجدهم يتناولون الطعام، كانت أنين شاردة بحزن، انتبه إليها عادل فأومأ إلى سلوى، فربتت على يده حتى يطمئن.
اقترب آسر منهم وهو يسلط عينيه على أنين، وحين رأى حزنها شعر بالضيق أكثر، ثم قال: مساء الخير.
عادل: مساء النور، تعالى يا آسر نتعشى سوا.
جلس بجوار سلوى وهو لايزال يتابع أنين ويشعر أنها بعالم آخر، هي هنا فقط بجسدها ولكن عقلها وروحها معه.
بعد العشاء، عادت أنين إلى غرفتها وخرج آسر إلى الحديقة.
أخذ يفكر كيف يساعدها، ولكن قاطع تفكيره صوت همسات تأتي من بعيد، فعقد حاجبيه واقترب نحو الصوت، فوجد سلوى تتحدث عبر الهاتف بهمس وتقول: قولتلك قربت أجمع المبلغ، أول لما أجهزه هتصل بيك ونتقابل تاخد فلوس، ممكن تبطل تتصل عشان هتعملي مشكلة.
أنهت المكالمة وحين التفتت ووجدت آسر يتطلع بها من بعيد، ارتدت إلى الخلف بفزع، ثم ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: خضتني يا آسر.
آسر: بتكلمي مين؟
سلوى: ده.... ده واحد كان ليه عندي فلوس.
آسر: وليه طالعة تتكلمي هنا زي ما تكوني عاملة حاجة غلط؟
سلوى: ها... أصل لو عمك سمع إن حد ليه عندي فلوس هيسدهم، وأنا بصراحة مش عايزة أخد منه حاجة أو يدفعلي حاجة.
آسر: مفتكرش عمي عادل هيعمل مشكلة، إنتي عارفة إنه مش بيفكر في الفلوس.
سلوى: أنا مش مرتاحة إن يسدد ديوني قبل ما أتجوزه، على العموم هو مبلغ كده وجمعته خلاص وهسده.
نظر لها آسر بشك، إرتباكها غير مبرر، وأيضًا ما قالته لم يقنعه، فعادل كان يساعدهما من قبل الزواج، فلماذا ترفض مساعدته الآن؟
عادت سلوى إلى الداخل وهي تتنفس الصعداء. وتلقى آسر مكالمة من تالين، نظر إلى اسمها وتذكر ما قالته آخر مرة، تردد بأن يتسقبل المكالمة فهو لا يريدها أن تتعلق به وقلبه ملك غيرها الآن، ولكن حين اتصلت مرة أخرى استقبل المكالمة وقال: ألو.
تالين: آسفة لو بتصل في وقت مش مناسب.
آسر: لأ أبدًا، عاملة إيه؟
تالين: الحمد لله، أنا بس حبيت أقولك اللي عرفته من زياد، هو راح الديسكو اليوم ده بس عشان سالي قالتله إن أنين بتسهر هناك دايمًا، ولما راح وشافها أتصدم عشان كده بعد عنها، لكن أنا كنت متأكدة إن زياد لا يمكن يعمل حاجة غلط بالشكل ده.
آسر بتعجب: ثواني بس، إنتي بتقولي إن سالي اللي قالتله كده؟
تالين: اه.
شرد آسر قليلًا وتذكر اهتمام صافي بسالي اليوم، وصافي من أخبرت أنين أن زياد يذهب إلى هناك، ثم ضيق عينيه وقال: شكله كان اتفاق بينها وبين صافي، ديه تقولها إن زياد بيسهر هناك على طول عشان تشككها فيه وديه تقوله نفس الكلام، والنتيجة الاتنين سابو بعض وسالي ارتبطت بزياد، بس ليه صافي تعمل كده؟!
تالين: معرفش، بس هي صافي ديه معروف إن تصرفاتها غلط، حتى زياد مش بيطيقها خالص.
آسر: واضح إني بوظت الدنيا بينهم زيادة، على العموم شكرًا يا تالين، وأنا هشوف هعمل إيه في الموضوع ده.
أنهى المكالمة وتذكر ذلك اليوم الذي رأى به أنين أول مرة، تذكر ما قاله لزياد وهو ما شوه صورتها أمامه، والآن وضع بين شقيّ الرحى؛ أيخبر أنين بالحقيقة وتعود إلى زياد مرة أخرى ويفقدها إلى الأبد، أم يصمت ربما تحبه بيومٍ من الأيام؟
وضع تحت الاختيار بين مبادئه وقلبه الذي يتألم عندما يفكر فقط بأنه سيخسرها.
كان حبكِ له كافيًا ليكسر أي رجل إلا هو، فتعلقت بكِ على أمل ضعيف والآن لا يوجد أمل، ولم يعد لديّ خيار سوى التخلي عنكِ، فليت حبي كافيًا ليجعلكِ سعيدة.
سيتركها تمضي؛ لا لأنه لم يعد يحبها بل لأنه أحبها بما يكفي ليختار سعادتها حتى وإن كانت مع رجلٍ آخر، فذلك هو الحب الحقيقي؛ حين تختار أن تُضحي لا لتُثبت قوتك ولكن لأن قلبك ببساطة لا يعرف الأنانية.
وهكذا سيصبح هو الحكاية التي لم تُروَ والظل الذي مر في حياتها دون أن تلتفت إليه، لكنه كان السبب في أجمل نهاياتها.
لم يتردد كثيرًا، فقط كانت بعض خطوات ليقف أمام باب غرفتها، وطرقه معلنًا نهاية عشقه البائس، وحين فتحت الباب قال بدموع قلبه: زياد مظلوم.
نظرت له أنين بتعجب، كلمتين أعادا لها الحياة مجددًا، وانتفض قلبها بين ضلوعها من الصدمة، ولم تنتبه للحزن الذي رسى على ملامح آسر رافضًا الرحيل.
رواية قلبي عدوك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رباب حسين
ن
قلبي عدوك... الفصل الثاني عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
في تلك اللحظة، حين اختار آسر أن يضع سعادة غيره فوق ألمه، بدأت رحلة من العذاب، فكانت نظرة عينيها حين سمعت تلك الجملة منه كفيلة بأن تقتل كل أمل بداخله لها، فأصبح حزنه أضعاف، قلبه تمزق وعقله بدأ في العتاب: لما أحببتها هي دون الأخرين؟
وكأن قلبه وجد طريق الحب في العذاب، خلطهما جيدًا ووضعهما في أبعد مكان داخل قلبه، ثم أغلق قلبه عليهما ووقفت أنين أمام هذا القلب الممزق تمنع خروجهما وتأبى الرحيل.
أما هي، فنطرت له بصدمة، لم تعرف ماذا يعني بهذا الحديث، وكيف يكون زياد مظلوم بعد كل ما حدث، فقالت: مظلوم إزاي يعني؟!
ابتلع آسر ألمه وقال: أنا أتكلمت مع تالين في الموضوع، ولما عرفت مني اللي حصل في الديسكو بينك وبينه مصدقتش إن زياد بيعمل كده، ولما راحت سألته قالها إن سالي هي اللي قالتله إنك بتسهري هناك كل يوم، وهو كان رايح بس عشان يشوفك بعينه.... زيك بالظبط، واضح إن صافي وسالي اتفقو مع بعض عشان يفرقوكم.
أنين: وهيعملو كده ليه؟ وحتى ولو، زياد ارتبط بسالي بعدها بيوم، وكمان اللي سمعناه النهاردة معناه إيه؟
آسر: مش كل الناس بتعبر عن صدمتها بطريقة واحدة، ممكن زياد لما شاف اللي حصل هناك كرامته وجعته وارتبط تاني يوم وقدامك، عشان يثبت إنه قدر يتخطاكي، وبالنسبة للي قالته صافي النهاردة؛ مفتكرش إن المفروض تصدقيها بعد اللي عملته ده.
أنين: طيب سالي عملت كده عشان هي من زمان وهي معجبة بزياد، لكن صافي! صاحبتي تعمل فيا كده ليه؟
آسر: مفيش حد هيقدر يجاوب على السؤال ده غيرها هي، أنا بس حبيت أقولك عشان مش عايز أشوفك زعلانة كده، بكرة بس نروح الجامعة وتواجهي صافي بالموضوع وزياد هيفهم الحقيقة وساعتها... هترجعو لبعض.
أنين: إحنا مكناش مع بعض عشان نرجع، إحنا كنا معجبين ببعض من بعيد وبس، لكن محصلش بينا كلام، يعني العلاقة بينا كانت صداقة وبس وكل واحد فينا عارف اللي جواه من ناحية التاني، بس المهم إنه يعرف الحقيقة وأنا كمان أفهم ليه حصل كل ده.
آسر: إهدي بس يا أنين وارتاحي، والصبح هنعرف كل حاجة، يلا تصبحي على خير.
عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ظل آسر ينظر إلى ذلك الباب المغلق بحسرة، وبداخله يعلن استسلامه... انتهى كل شيء.
أما صافي، فكانت ترتدي ثيابها وحازم يجلس بالفراش يتابعها بهدوء، ثم قال: ما تخليكي معايا النهاردة.
صافي: مش هينفع يا حبيبي، بابا موجود في مصر وماما متضايقة مني من ساعة آخر مرة كلمتها وحش، مش عايزة أعمل مشكلة دلوقتي عشان وقتها مش هتسكت وهتروح تقول لبابا.
حازم: إنتي عملتي معاها مشكلة ليه؟
صافي: هو مش مشكلة بالمعنى الحرفي بس قلت اللي جوايا، كنت مخنوقة ومش قادرة استحمل، من ساعتها وهي زعلانة أو مصدومة من اللي قولته.
حازم بضيق: نفسي نفضل سوا على طول.
اقتربت منه صافي وجلست بجواره وقالت: أنا كمان مش عايزة أبعد عنك، بس دلوقتي صعب.
أمسك يدها وقبلها، ثم غادرت لتعود إلى منزلها.
استيقظ زياد بمنتصف الليل، وجد قمر نائمة على الكرسي بجواره، نظر إلى ملابسه، وابتسم بضعف حين تذكر ما فعلته قمر كي تبدل ثيابه، فهو سمع ما قالته حتى تقنع نفسها بأن لا حرج في ما تفعل، وعندما أطفئت الأنوار بخجل، وكأنها لم ترى رجالًا بحياتها قبله، فأعجب بحيائها، ثم نظر إلى الفراغ بشرود، هناك الكثير من الصفات التي تجذبه بها.
انتبه إلى وجهها الذي يظهر عليه علامات الألم من للنوم بتلك الوضعية، فنهض بهدوء وحملها بين ذراعيه، فزعت قمر وتشبثت به، وضعت ذراعها حول رقبته وأسندت رأسها على صدره، كانت تشعر بالبرد فاقتربت منه حتى تستمد الحرارة من جسده، وشعر هو ببرودة جسدها فوضعها بالفراش، وحين اقترب وجهه منها، تطلع إلى ملامحها الهادئة، وفقد الإحساس بالوقت حين تأملها بصمت، فهي جميلة تخطف الأبصار، ثم استلقى بجوارها وضمها إليه جيدًا حتى تدفء، تسارعت نبضاته حين اقتربت منه إلى هذا الحد، فنظر بعيدًا عنها حتى يهدأ قلبه، وبعد وقت عاد إلى النوم.
في الصباح، استيقظت قمر أولًا ثم شعرت بوجود أحد بجوارها، فتحت عينيها بفزع ونظرت إلى زياد، وجدته نائمًا ويحيط خصرها بذراعيه، ارتبكت بشدة وحاولت أن تنهض دون أن يشعر، وما أن تحركت حتى أحكم قبضته عليها، فجذبها نحوه بقوة وارتطمت بصدره، ثم فتحت عينيها بصدمة حينما اقتربت منه بهذه المسافة، وتأملت ملامحه وهو نائم، كان يبدو عليه التحسن، وحين شعرت بمشاعرها تتحرك نحوه، نهضت سريعًا، فاستيقظ ونظر إليها بفزع وقال: إيه حصل حاجة؟!
قمر بتوتر: لأ..
كادت تتحدث ولكن قاطعها اتصال هاتفي من العمل، فتلقت المكالمة وسمعها زياد تتحدث مع أحد الرجال، لا يعرف لما شعر بالضيق ولكن برر ذلك بأنها الآن حقًا زوجته وهو يرفض تلك الأوضاع، تبدلت ملامح وجهه، ثم انهت قمر المكالمة وقالت: أنا عندي إجتماع لازم أحضره، معلش هسيبك لوحدك شوية وهرجع على طول.
زياد: إجتماع مع مين؟
قمر: مع شركة تانية بنعمل شغل سوا بس لازم أحضر بنفسي.
زياد: هاجي معاكي.
قمر: هتيجي معايا بصفة إيه؟
زياد: يعني إيه؟
قمر: يعني هتقول إنك جوزي؟ أكيد لا.
زياد: مش لازم نقول صفة، متنسيش إن لينا شغل مع بعض فا وارد أحضر إجتماع معاكي.
قمر: بس إنت عيان وأنا مش عايزاك تنزل وإنت كده، أخاف تتعب تاني.
زياد: ولا خايفة تنامي على الكرسي تاني النهاردة؟!
قمر: لأ طبعًا، فداك يعني، المهم تقوم بالسلامة.
زياد: وأنا بقولك إني أحسن كتير، وهاجي معاكي.
وافقت قمر وذهبت لتبدل ثيابها واستعد هو أيضًا وخرجا معًا.
أما بمنزل عادل، فنزل آسر وتوجه نحو مائدة الطعام، وجد عادل وسلوى فقط، فاقترب منهما وقال: صباح الخير، هي أنين لسه منزلتش؟
عادل: لأ، مش المفروض عندكم محاضرات بدري.
آسر: اه.
عادل: هي شكلها مش عاجبني من إمبارح، حصل حاجة تاني وأنا معرفش.
اقتربت منهما أنين وقالت: لأ يا بابا محصلش حاجة، وياريت تيجي تسألني أنا بعد كده.
ثم نظرت إلى آسر بجانب عينيها، وتوجهت نحو الكرسي وشرعت بتناول الطعام. نظر عادل إلى آسر الذي ظهر عليه الحزن، فقالت سلوى حتى تنهي هذا الموقف: كنت بفكر أنزل أنا وأنين نعمل شوبنج سوا، فاضية يا أنين بعد العصر كده؟
أنين: اه يا طنط، هخلص جامعة وارجع على طول.
لمحت نظرات آسر إليها، يشعر بأنها تنظر إليه بنظرات مبهمة، وكأنها منزعجة من شيءٍ ما.
بعد وقت، ذهبا إلى الجامعة وكلًا منهما بسيارته ولم يتحدثا معًا.
وصل زياد وقمر إلى شركتها وهو يقود سيارتها، ثم توجها إلى غرفة الإجتماعات على الفور، كان هناك رجلان ينتظران في الغرفة، جلست قمر على رأس الطاولة وزياد بجوارها.
ثم بدأ الإجتماع، كان الحديث يسير في حدود العمل، حتى قالت قمر: يا أستاذ عمرو المفروض إن الأبلكيشن فيه فيتشرز تانية، لكن لما جربنا النسخة المبدئية لقينا أن الابليكشن مفيهوش جديد، مش بيقدم حاجة جديدة للأسف، والإتفاق اللي كان بينا إن أشوف اختلاف عشان أقدر أعلن عنه.
عمرو: بس الأبلكيشن شكله منظم أكتر وأسرع.
قمر: أسرع عشان لسه محصلش عليه ضغط، لكن اللي هيخلي المستخدمين يشتروه هو المميزات الزيادة مش الشكل، وطالما حضرتك ملتزمتش بالشروط اللي في العقد أنا مش مجبرة ألتزم بيه.
عمرو: أنا مش عايز العقد يتكنسل، بالعكس أنا بتمنى يبقى بينا تعامل أكتر من مره، ونشتغل شغل تاني مع بعد أكبر من ده.
ثم تبدلت نظراته وقال: وأحلى كمان، ولا إيه يا أنسة قمر.
لاحظ زياد نظراته فقال بحزم: مدام قمر، وبعدين هي بتتكلم صح، أنا هجذب المستخدمين إزاي ببرنامج جديد؟
نظر له عمرو بضيق وقال: مين حضرته.
لاحظت قمر نظرات زياد الحادة، فلم تترك له مجال يتحدث وقالت سريعًا: بشمهندس زياد، مستشار الشركة.
عمرو: أهلًا، يعني كده يا مدام مفيش أمل بينا؟
زياد بضيق: السؤال ده تسأله لصاحبتك في الكافيه، هنا تقول مفيش أمل في المشروع؟
عمرو بحدة: أنا عارف أنا بقول إيه.
وقف زياد وقال: لأ مش عارف، وافتكر إن العقد كده متكنسل وتقدر حضرتك تسوق للأبليكشن بتاعك في شركة تانية.
وقفت قمر وقالت بارتباك: زياد، إهدى لو سمحت.
لم ينظر إليها وقال بحدة: اتفضل حضرتك مستني إيه؟!
تحرك عمرو وخلفه مساعده وخرج من الغرفة، أمسكت قمر ذراعه وقالت: مينفعش اللي بتعمله ده.
زياد: هو إيه اللي مينفعش! إنتي مش واخدة بالك من طريقته في الكلام.
وضعت قمر يدها على فمه كي لا يصل صوته إلى العاملين بالشركة، وقالت: بس اسكت، تعالى نكمل كلامنا برا مش عايزة فضايح.
نظر لها بتعجب وقال: فضايح!
أخذت حقيبتها وجذبته من يده وخرجت من الغرفة وهو يلحق بها، دخلا السيارة ونظرت قمر إليه وقالت: إيه العصبية ديه كلها؟! حصل إيه لده كله.
زياد: هو إنتي متعودة الناس تتكلم معاكي كده وتسكتي؟!
قمر: لأ طبعًا، أنا معاك إن أسلوبه كان بايخ بس إنت مدتنيش فرصة أرد.
زياد: ولا كنتي عايزاني أرد أصلًا، أنا عرفت ليه جوزك شك فيكي.
نظرت له بصدمة وقالت: أنا هقدر إنك متعصب دلوقتي ومش عارف إنت بتقول إيه، وأنا مكنتش عايزاك ترد بس عشان متتخانقش معاه جوا الشركة والناس تبدأ تسأل وإنت جي معاها ليه وبتتخانق مع حد قالها كلمة مش حلوة ليه برده، ولو كنت استنيت كنت هتلاقيني أنا اللي بنهي العقد بينا، لكن اللي إنت قولته ده مش مسموح بيه.
زياد: وأنا مش مطلوب مني أقعد أتفرج وواحد بيعاكس مراتي واسكت، ولا أنتي مش عارفة إني جوزك دلوقتي!
ظلت تنظر داخل عينيه ترى نظرات غيرة جالية على وجهه، تذكرت حين أخبرها رفضه لعمل زوجته، والآن هو يشعر بالضيق من عملها، فقالت بهدوء: متحبنيش يا زياد، اللي بينا مجرد جواز مؤقت.
شعر زياد بأن مشاعره تغيرت بالفعل نحوها، وانتبه لما يفعل دون وعي، فحاول أن يخفي تلك المشاعر، وقال دون تفكير: ما أنا عارف إن جوازنا مؤقت، وأكيد مش هحبك يعني، إنتي أخرك معايا ساعة وكل واحد يروح لحاله.
نظرت له بصدمة، وتجمعت الدموع داخل عينيها، شعرت بأنه يراها نزوة، ولكن نزوة شرعية، ولهذا السبب تحديدًا كانت ترفض الزواج من محلل.
حين لمح زياد دموعها انتبه لما قال، فوضع يده على وجهه بضيق وقال: أنا آسف، مش قصدي أقول كده.
قمر: أنا عايزة أروح.
زياد بضيق: صدقيني يا قمر مش قصدي، أنا متعصب ومش عارف بقول إيه، حقك عليا.
قمر: خلاص يا زياد روحني لو سمحت.
زفر بضيق وقاد سيارته وهو يتابعها بهدوء، بكت، لا يعلم لما دموعها تضعف قلبه هكذا، قرر أن يتركها تهدأ ويتحدث معها لاحقًا.
أما أنين، فحضرت المحاضرة الأولى وحين انتهت، ظلت تتابع الباب تنتظر قدوم صافي التي لم تحضر حتى الآن، وأيضًا زياد الذي لم يأتي اليوم أيضًا، وآسر يجلس خلفها ويتابع ما تفعل، وما يشعره بالضيق أنها تتجاهل الحديث معه.
بعد وقت دخلت صافي، وحين رأتها أنين اقتربت منها سريعًا، أمسكت يدها وجذبتها خارج المدرج، ولحق بهما آسر على الفور، ثم انتبهت ماهي لما يحدث فخرجت خلفهم ووقف بعيد عنهم.
نظرت صافي إلى أنين بتعجب مما تفعل وقالت بدهشة: فيه إيه أنين؟! بتشديني كده ليه؟
أنين بغضب: ليه؟ إديني سبب واحد يخليكي تعملي فيا كده.
صافي بتعجب: عملت إيه؟!
أنين: ليه وقعتي بيني وبين زياد، بتتفقي مع سالي عليا.
صافي بارتباك: هو فعلًا حصل، بس عشان نكشفه قدامك، وطلع كلامنا صح أهوه.
أنين: لسه ليكي عين تكدبي، مش مكسوفة من نفسك وإنتي عاملة فيا كده؟! خليتي منظري قدامه وقدام كل الناس زي الزفت، سوءتي سمعتي في الجامعة، أصحابي بعدو عني، واللي مموتني بجد لما وقف قدامي وقالي إني شمال، حتى لو صدقت إنك عملتي كده عشان تكشفيه، مفكرتيش فيا؟!
صافي: أنا مليش دعوى بإن صورتك باظت قدامه، كلام آسر عنك الليلة ديه هو اللي بوظ الدنيا.
اقترب آسر منهما وقال: ولما سالي راحت قالتله إنها بتسهر كل يوم في الديسكو، واللبس الزفت اللي خلتيها تلبسه، ده يخلي أي حد يشوفها كده، مترميش تهمتك على حد.
دفعته أنين بذراعه وقالت: وإنت كمان غلطت لما حكمت عليا لمجرد إني لابسة بالشكل ده، ووقفت اتكلمت عليا وزودت المشكلة بينا، لولا كلامك كنت هرد على زياد وقتها وكل حاجة كانت هتبان، لكن إنت خربت كل حاجة.
ثم وزعت نظراتها بينهما وقالت بشك: ولا إنتوا كنتو متفقين مع بعض؟!
نظر لها آسر بصدمة وقال: إنتي بتقولي إيه؟
أنين: وأنا أثق فيك ليه؟! إذا كنت كل أخباري لسه بتروح لبابا، وإنت اللي وقعت بيني وبينه، وكل ده عشان مصلحتك، عشان ينقلك كليتي هنا بدل كليتك اللي كنت فيها، عشان يجيبلك عربية، وكل ده على حسابي أنا، كل واحد فيكو بيدور على مصلحته وبس، إنتي بقى كان مصلحتك إيه؟!
كادت تجيب قاطعتها وقالت: من غير ما تقولي، أنا عارفة إنتي عملتي كده ليه، إنتي كنتي عايزاني أبقى زيك، عشان الناس متقولش أنين محترمة، وهو ساعدك في ده، وأنا اللي ضيعت وخسرت كل حاجة، وإنتو السبب.
كادت تذهب فحاول آسر أن يمسك يدها كي يمنعها، ولكنها نفضت يده بغضب وغادرت الجامعة.
نظر لها آسر بصدمة مما قالت، لم يتوقع أن يسمع ذلك الحديث منها، كان كسهم مسموم اخترق قلبه على الفور، فظل يتطلع إليها بصمت، وماهي تترقب ما يحدث وهي تبكي حزنًا عليها على عكس صافي التي تنظر إلى أثرها بضيق، فحديثها كان أكثر ما تكره سماعه، وأيضًا شعورها بأنها في نظر من حولها ساقطة، فاشتعل الغضب بقلبها.
ترى... ماذا ستفعل كي ترد؟
رواية قلبي عدوك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رباب حسين
ن
سترت من العشق ما قتلني، لم أعد أتحمل وجودك داخل قلبي، ارحلي عني أتوسل إليكِ.
ضحيت لأجلك، أخبرتك بالحقيقة وأنا أعلم أنكِ سترحلين، تمنيت أن أراكِ سعيدة حتى لو كان المقابل هو ألمي، وأنا المبتلى بحبك شر ابتلاء.
والآن؛ تتهميني؟! أصبحت أنا الذي فرق بينكِ وبينه! أنا من فرق بينكِ وبين والدك! وبالأخير صرت طامعًا. لم أكن أعلم أن الكلمات تقتل، غرزتي سهم في قلبي ورحلتي دون حتى النظر إلى ضحيتك، ولكن يكفي، اصمت أيها القلب، يكفي نبضًا لها، هي لم تكن لك من الأساس ولن تكون.
كان يطالعها بهدوء ويعلم أن هناك قرار واحد فقط ينهي هذا الصراع، سوف يبتعد عنها، يجب أن يتخلى عن ذلك العشق الدامي.
دعيني أودع بهجتي وحياتي مع وداعكِ، وسيحيا هذا القلب وحيدًا بالألم، فأنا الآن قتيل عشقك.
في منزل خالد، كان الحزن يسيطر على كل من بالمنزل، برحيل زياد؛ أصبحت الأسرة مفككة.
كانت حنان تجلس بالبهو شاردة، حتى انتبهت إلى تالين التي تهبط الدرج، فوقفت سريعًا وقالت: رايحة فين؟
تالين بضيق: هروح اتدرب شوية.
حنان: بس إنتي معندكيش تدريب النهاردة.
تالين: ولا جامعة، بس مش طايقة أقعد في البيت، مش عارفة يعني هو اللي يغلط يطرد.
حنان: إنتي عارفة أبوكي، إدعي بس يهدى ويخليه يرجع، بس دلوقتي أنا قلقانة عليه، هو كان عيان إمبارح، شكله كان باين، اتصلي بيه واطمني، هو بيتكلم معاكي في كل حاجة.
أمسكت تالين هاتفها واتصلت به، كان زياد يدخل المنزل مع قمر، وتلقى المكالمة، فقالت تالين: أيوه يا زياد.
زياد: إيه الأخبار عندك، طمنيني.
تالين: مفيش جديد، بس قلت اطمن عليك، شكلك كان تعبان أوي إمبارح.
زياد: أنا بخير متقلقيش.
همست حنان بجوار أذنها وقالت: اسأليه قاعد فين وعنوانه إيه.
أومأت لها وقالت: هو إنت قاعد فين؟
زياد: في شقتها.
تالين: طيب أنا عايزة أجيلك، ينفع؟
زياد: هنا؟
تالين: مش عايزني أتعرف عليها ولا إيه؟
زياد بتردد: لأ طبعًا تنوري، هبعتلك لوكيشن حاضر.
تالين: خلاص، وأنا قبل ما أجي هقولك.
أنهى زياد المكالمة ونظر نحو قمر التي دخلت إلى المطبخ لتعد الطعام، دخل خلفها وتحمحم بخجل، ثم قال: أنا آسف، معرفش قلت كده إزاي بس أنا كنت متعصب جدًا من الراجل ده.
قمر: مش من حقك، مش من حقك تغير عليا ولا تقف تتخانق مع حد عشاني.
زياد: أنا جوزك.
قمر: مؤقتًا، إنت ليه مش فاهم ده؟
زياد: عارف بس حتى ولو إنتي دلوقتي مراتي، قدام ربنا والقانون مراتي، ولحد ما اطلقك ده حقي، حقي أغير واتضايق لو حد كلمك بالطريقة ديه، بلاش يا ستي، لو أي واحدة مكانك كنت هدافع عنها لو لقيت واحد بيلمح بالكلام بالشكل ده معاها.
قمر: هحاول استوعب اللي إنت فيه، لكن الكلام اللي قولته في العربية ده مش مقبول نهائي، وطالما إنت شايفني كده يبقى نطلق أحسن من دلوقتي.
زياد: بس ده شرعًا مينفعش، وإنتي عارفة ده كويس، ولو اطلقنا هترجعي لنقطة الصفر وهتدوري على محلل تاني.
قمر: مش عايزة محلل، أنا غلطانة إني وافقت على الموضوع ده من الأساس، مش مطلوب مني أصلح غلطة مش أنا اللي عملتها.
زياد: طيب ممكن تهدي ونتكلم بعدين، ولو سمحتي سيبي الأكل أنا هحضر الفطار، حاولي تهدي وهنتكلم تاني، بس ياريت لحد ما نتكلم تحاولي تستوعبي الموقف اللي كنت فيه.
تنهدت قمر بضيق ومرت بجواره لتترك المطبخ فقال: اه صح، تالين عايزة تيجي تتعرف عليكي.
قمر: الموضوع كده واخد شكل غلط خالص.
زياد: للأسف مش هعرف أصلحه دلوقتي، لو عرفو إننا إتجوزنا عشان محلل الموضوع هيبوظ أكتر، مش عارف بابا ممكن يعمل إيه، بس لو متضايقة من زيارتها أنا ممكن أقولها متجيش.
قمر: أكيد مش ده اللي بفكر فيه، بس لو شافتني وعرفت فرق السن اللي بينا برده المشكلة هتكبر.
زياد: مفتكرش إن تالين ممكن تعلق على حاجة زي كده.
قمر: المهم متقولش لمامتك أو باباك لأن أكيد هيعلقو.
زياد: هنبه عليها متقولش.
أومأت له وكادت تذهب، فأمسك ذراعها برفق وقال بهدوء: حقك عليا.
نظرت له بحزن وذهبت إلى غرفتها، وما أن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بثقل على صدرها، وقعت بين اختيارين هما الأسوء، عائلتها وكرامتها، وبداخلها تريد أن تنهي هذا الزواج ولا تسمح له بأن يعاملها كساقطة، فلن تسمح لأحد أن يجبرها على فعل ذلك.
أغمضت عينيها بضيق ثم سمعت رنين هاتفها، فإذا بمكالمة من ياسر، فتلقتها وقالت بضيق: نعم.
ياسر: بتكلميني كده ليه؟
قمر: أنا مشفتش بجاحة كده بجد، إنت بتوقع بيني وبين عيالي ومتضايق إني برد عليك كده؟! أنا بكلمهم بقالي يومين محدش بيرد عليا وإنت السبب.
ياسر: سافرنا شرم سوا يومين.
قمر: هو مش فيه مدارس؟!
ياسر: العيال نفسيتهم تعبانة، وأنا عندي أجازة يومين، الدراسة مش هتطير يعني، هما يومين وهنرجع.
قمر: وهو السفر يمنعهم من إنهم يردو عليا.
ياسر: ما هما متضايقين بصراحة، وبعدين أعمل إيه إنتي مسبتيش طريقة تانية غير ديه عشان أضغط عليكي ترجعي.
قمر: إنت بجد إنسان إناني مش بتفكر غير في مصلحتك وبس، توقع بيني وبينهم عشان أنف اللي إنت عايزه وخلاص، بس لعلمك بقى أنا مش هعمل كده، وولادي هعرف أرجعهم لحضني تاني.
ياسر: كفاية عند يا قمر، فيها إيه لو إتجوزتي وضحيتي بليلة عشان نرجع تاني.
صمتت قمر قليلًا وقالت بتعجب: هو أنت مش غيران عليا؟!
ياسر: لأ، هغير ليه، هيبقى جوزك يعني، وأنا أصلًا مش جوزك دلوقتي.
زفرت قمر وقالت بتهكم: صح، تغير ليه فعلًا، بقولك إيه أقفل، أنا مش طايقة نفسي أصلًا دلوقتي، فسيبني في حالي.
أنهت المكالمة وهي تنظر نحو الباب، عقلها يقارن بينهما دون شعور، زياد مختلف تمامًا عنه، برغم من أنها ليست زوجته ولكن يغار عليها، يراعي مشاعرها ويهتم بها في غضبها، يحاول أن يتناقش ويصل إلى حل للمشكلة، يعتذر لها بأسلوب هادي وراقي، على عكس ياسر تمامًا.
نفضت تلك الأفكر من رأسها، تخبره ألا يقع بالحب وهي من تنساق إليه دون وعي، حركت رأسها بعنف تبعد تلك الأفكار، ثم بدلت ثيابها.
أما تالين، فكانت تبعد الهاتف عن يد حنان التي تحاول أن تخطفه منها، بعد أن أرسل لها زياد إحدثيات الموقع الخاص بمنزل قمر، وتقول بضيق: لأ يا ماما، أنا قلت لزياد إن أنا اللي هروح.
حنان: يا بنتي وأنا لو رحت هعمل إيه يعني؟! أنا بس هشوفها، خايفة يكون الواد متورط ولا البت ديه تكون مش كويسة، أنا بس هروح اطمن عليه، مش يمكن تطلع بنت حلال واقنع أبوكي يرجعه.
تالين: لأ أنا مش مطمنة، بلاش يا ماما، أنا هروح وأقولك.
حنان: مش ههدى غير لما أشوفها بنفسي، ابعتي اللوكيشن دلوقتي وكفاية نقاش، هو أنا مبقاش ليا كلمة في البيت ده.
تنهدت تالين وقالت: طيب عشان خاطري إوعي تعملي مشكلة معاهم.
ضيقت حنان عينيها بشك وقالت: هو إنتي تعرفي عنها حاجة ومش عايزة تقوليها؟
تالين: أنا عرفت زيي زيك، مفيش أي حاجة زيادة، بس قلبي مش مطمن إنك تروحي هناك.
حنان: يعني إنتي مش عارفاني؟! أنا مش بتاعت مشاكل، خليني بس اطمن على أخوكي، ابعتيه بقى.
تنهدت تالين وأرسلت لها الموقع وقالت: ربنا يستر بقى.
أما ماهي فقصت ليزن ما حدث وهي في حالة من الحزن، تتذكر حديث أنين الذي أدمى قلبها، تعرضت لخدعة قاسية وخسرت كل شيء، ويزن يسمع ما تقول بصمت، ثم أردفت: أنا عايزة أروحلها البيت اطمن عليها.
يزن: أنا قلت مفيش أنين تاني يبقى مفيش أنين.
ماهي بتعجب: الكلام ده كان قبل ما أعرف الحقيقة، دلوقتي إيه السبب اللي يخليني أبعد عنها.
يزن: إنتي عرفتي الحقيقة لكن غيرك لأ، إنتي ناسية اللي حصل هنا في الجامعة، وبعدين كل أصحابي أنا وزياد عرفو، هيبقى منظري إيه قدامهم وإنتي رايحة جاية معاها.
ماهي بصدمة: وإنت عشان منظرك قدام صحابك أخسر أنا صاحبتي؟! بص يا يزن، أنا وافقت إني أبعد عنها عشانك أول مرة عشان مكنتش قادرة أدافع عنها، لكن المرة ديه مش هتخلى عن صاحبتي أبدًا.
يزن بغضب: يعني إيه؟! هتكسري كلامي وتروحي تكلميها؟! لو عملتي كده تنسي اللي بينا خالص.
وقفت ماهي بغضب وقالت: أنا زهقت من تهديدك ليا كل شوية إنك عايز تنهي الخطوبة، إنت بتذلني بالدبلة ديه يا يزن؟! طيب، أنا بقى هروح أكلمها ولو عايز تنهي اللي بينا إنت حر.
تركته وذهبت وهو ينظر إلى أثرها بتعجب، فلأول مرة تتحدث معه هكذا، وأيضًا تنفذ ما تريد رغمًا عنه.
________
جلست أنين داخل سيارتها التي صفتها بمكان لا تعرف ما هو، فقد قادت سيارتها دون وجهة محددة، عقلها شارد وقلبها يتألم مما حدث، كل ما تفكر به كيف تخبر زياد بالحقيقة؟
امسكت هاتفها تنظر إلى اسمه بتردد، ثم قررت أن تتصل به.
كان زياد يتناول الطعام مع قمر والصمت حليفهما، وقاطع ذلك الصمت صوت الهاتف، وقعت عين قمر على الاسم فنظرت إلى زياد على الفور تترقب رد فعله، نظر زياد إلى الهاتف وقام بالضغط على زر الصوت كي يصمت، واستأنف الأكل، فقالت قمر: مش هترد؟
زياد: لأ.
قمر: هو... إنتو أصلًا لسه بتتكلمو؟
زياد: مكناش بنتكلم من الأساس عشان نرجع نتكلم.
قمر: اه إنتو كنتو علاقة من بعيد، بس شايف إن ده يخليك تبقى متأكد من مشاعرك، أو تبقى عارفها أكتر؟!
زياد: هو باللي حصل ده معتقدش إني عارفها فعلًا.
شعور الغيرة بدأ ينبض داخل قلبها، وبرغم سيطرتها على مشاعرها إلا أن الفضول كان يزداد ويجعلها تسأل: طيب... وحبك ليها؟ لسه موجود؟
نظر لها زياد وكأن السؤال فتح عينيه على أمرٍ ما لم ينتبه له من قبل، إذا كنت حقًا أحببت أنين؛ فكيف ينبض شعور جديد بداخلي نحو قمر، بل لم أعد أشعر بالضيق مما حدث بالسابق، كيف هذا؟! وبدأ السؤال يطرق برأسه دون إجابة.
لاحظت قمر شروده، فخيم الحزن على قلبها، اعتقدت أنه لايزال يحبها وما يفعله معها كما قال سابقًا، فقط يدافع عنها مثل أي فتاة أخرى قد تقع بذات الموقف، فأخذت تردد داخل عقلها: لا تتعلقي به... فأنتي مجرد... نزوة.
نظرت أنين إلى الهاتف بحزن، يبدو وأن المواجهة هي الحل، وأخذت تدعي أن تراه بالجامعة وتتحدث معه.
أما العاشق المذبوح بتضحيته لأجلها، عاد من الجامعة باكرًا، وصعد إلى غرفته مباشرة، رعشة قلبه التي هزت كيانه عندما مر من أمام غرفتها؛ واختراق رائحة عطرها صدره جعلته يصر على قراره أكثر، يجب عليه الرحيل.
أحضر حقيبته ووضع أغراضه كاملة، ثم أمسك هاتفه واتصل بسلوى التي تجلس داخل سيارتها بمكان مهجور، فتلقت المكالمة وقال: أيوة يا ماما، كنت بكلمك عشان أقولك إني عندي مشروع كبير كده مع حازم وهضطر أقعد معاه شوية عشان نعرف نخلصه سوا، عشان الجامعة شغلاني وكده، ولو قعدنا مع بعض هننجز أكتر، فا أنا هاخد هدومي وأروح عنده.
سلوى: طيب يا حبيبي، بس ابقى طمني عليك وخلي بالك من نفسك.
آسر: حاضر يا حبيبتي، سلمي على عمو عادل بقى عشان مش هعرف أقعد لبليل.
سلوى: يوصل يا حبيبي.
أنهى المكالمة، ثم وضع مفتاح السيارة على المكتب، وحمل حقيبته وخرج من المنزل، وقف عند باب الحديقة الخارجي، ونظر نظرة أخيرة إلى المنزل من الخارج، وكأنه يودع قلبه الذي أبى الرحيل معه، ورحل مكسورًا يائسًا.
أما سلوى، فانتبهت إلى حسن الذي يقترب من السيارة ويبتسم لها ابتسامة تثير الإشمئزاز، ففتحت السيارة له حتى يصعد بها، وحين دخل قال: إوعى العربيات الجامدة، الله يرحم لما كنا بنكمل عشانا نوم.
سلوى بضيق: هشششش، إنتي هترغي، خد فلوسك أهيه، ومشفش وشك تاني.
حسن: لأ كده أزعل يا ستهم، إحنا قلنا الفلوس ديه برا الحساب القديم.
زفرت بضيق وقالت: بعدين مش دلوقتي، لما أبقى أخد الفندق.
قاطعها اتصال هاتفي من صافي، ابتسمت بسعادة وقالت: متتكلمش خالص.
ثم استقبلت المكالمة وقالت: أيوة يا صفصف.
صافي: أنا هنفذ اللي إنتي عايزاه، بس أنا فعلًا معنديش حد يعمل ده.
سلوى: يا ترى حصل إيه خلاكي توافقي بسرعة كده؟!
صافي: أنين عرفت حوار زياد، ومسحت بكرامتي بلاط الجامعة، وأنا مسمحش لحد يدوس عليا، عشان كده لازم أحطها عند حدها وأرد اللي عملته فيا قدام الناس كلها، أنا هخليها تعرف مين فينا المحترم، بكرة الناس كلها مش هيبقى وراها سيرة غير المصيبة بتاعتها، المهم شوفي حد يعمل الحوار ده وأنا جاهزة.
سلوى: تعجبيني، أنا هشوفلك واحد ونتفق سوا، تمام.
أنهت المكالمة نظرت إلى حسن وقالت: تصدق إن وشك ده بيفتح باب البلاوي كلها.
حسن: وأنا تحت أمرك في أي بلوة.
سلوى: تمام، اسمعني بقى كده وركز معايا كويس.
أخذت تخبره بما عليه فعله، وطلبت منه التنفيذ بأسرع وقت.
_________
ظل الصمت حليف زياد، حتى أنهى طعامه ونهضت قمر وحملت الصحون إلى المطبخ، طالعها زياد بعيون حائرة، في هذه اللحظة تمنى أن يخرج قلبه من بين ضلعوه ويسأله: من تحب؟ لمن تنبض؟! ثم أخذ يتذكر ما كان يشعر به تجاه أنين، تيقن أن الشعور كان مختلفًا، ربما لأن العلاقة بينه وبين أنين لم تتعدى حدود الصداقة، ولكن علاقته بقمر تتخذ شكلًا آخر، دموعها تضعفه، اقترابها منه تجعله ينفصل عن العالم، شخصيتها المختلفة تجعله يتعلق بها أكثر، ربما نضجها العقلي وفارق السن بينها وبين أنين يزيدها جمال وصلابة شخصية، أما ذلك النبض الذي يصدر فجأة وهو بجوارها؛ لم يستطع أن يحدد سببه حتى الأن.
قاطع شروده طرق الباب، فنهض وفتحه، واتسعت عينيه وتجمد مكانه حين رأى حنان تقف عند الباب، ثم نظر نحو المطبخ بتوتر، لاحظت حنان توتره وقالت: إيه يا زياد، مش عايزني أدخل بيتك ولا إيه؟!
زياد: ها... لأ طبعًا يا ماما إتفضلي.
انتبهت قمر لما يقوله زياد، وحبست أنفاسها من الصدمة، وقررت أن لا تخرج من المطبخ.
دخلت حنان وجلست بالبهو، ثم أخذت تنظر حولها تتفقد المكان وتبحث عنها، ثم قالت: هي فين العروسة؟
زياد: العروسة! مش هنا.
حنان: مش هنا؟! إزاي نزلت وإنتو لسه متجوزين جداد؟
زياد: الشغل مش بيرحم بقى، أنا كمان نازل الشغل فا هتقعد هي لوحدها؟
حنان: امممم، هي اسمها إيه بقى.
زياد: قمر.
حنان: ويا ترى قمر في الشكل برده؟
زياد: اه جدًا.
حنان بضيق: ده أنا جاية عشان أشوفها، تطلع مش موجودة.
زياد: معلش يا ماما، هي لو كانت عارفة أكيد كانت هتستناكي.
انتبهت إلى رنين هاتف في غرفة النوم، ثم رأت هاتف زياد على طاولة الطعام، فقالت: تليفون مين اللي بيرن جوا؟
زياد: تليفوني.
حنان: تليفونك أهوه يا زياد، هي مراتك جوا ومش عايزني أشوفها ولا إيه؟
زياد بتوتر: لأ طبعًا أنا....
نهضت حنان وتوجهت نحو غرفة النوم، وجدت الهاتف على الفراش والغرفة خالية، ثم مرت من أمام المطبخ ووقعت عينيها على قمر، توقفت بصدمة والتفتت إليها تتحقق من ملامحها، ثم نظرت إلى زياد وقالت: ديه.... مراتك؟
لم يحاول الهروب أكثر، بل الآن عليه أن يحمي قمر من أي حديث جارح قد يصدر من حنان، فقال زياد بثقة: اه يا ماما... مراتي.
اقتربت منه بغضب وقالت: وإنت متجوز واحدة أكبر منك ليه؟
زياد: النصيب بقى، وبعدين سنها مش عيب، ولا فيه حاجة تمنعني إني أتجوز واحدة أكبر مني.
حنان: إنت بتقاوح في إيه؟! ليك عين تدافع عن نفسك في موقف زي ده! تسيب كل البنات اللي حواليك وتتجوز واحدة أكبر منك!
زياد: ماما لو سمحتي نتكلم بعدين.
حنان: ليه خايف على شعورها أوي كده؟! ومش خايفة هي لما تظهرو قدام الناس ويقولو متجوزة عيل! يا ابني ديه لو كانت إتجوزت بدري شوية كانت خلفتك.
زياد بحدة: خلاص يا ماما لو سمحتي، مش هسمح لحد هيهنها وأنا واقف، وبعدين إنتي كده بتغلطي فيا أنا، أنا مش عيل صغير.
تدخلت قمر لتهدأ الموقف وقالت: بس يا زياد، والدتك معاها حق ومن حقها تضايق، براحة بس وخلينا نتكلم يا طنط بهدوء بعد إذنك.
نظرت لها حنان وقالت بتهكم: وزياد بقى أول بختك ولا إنتي خرج بيت؟
زياد: إيه خرج بيت ديه؟!
حنان: يعني إتجوزت قبلك يا حبيبي، ولا أنت أول بختها.
قمر: لأ تاني، أنا مطلقة.
حنان: كمان! وعندك عيال؟!
قمر: وعندي عيال، لو بس تقعدي وتسمعيني هتفهمي الموضوع صح.
حنان بغضب: اسمع إيه، هتحكيلي ضحكتي على ابني إزاي وخدتيه من بيته، هتقوليلي السبب في إنه اطرد من البيت عشان إتجوز حضرتك، ولا البت اللي سابها اللي زي الورد أنين عشان ضحكتي عليه وكلتي بعقله حلاوة، هتحكيلي إيه؟! هتقوليلي خيبة ابني وخيبة أملي فيه، وقال أنا اللي كنت جاية عشان أشوفك يمكن أعرف أدافع عنكو قدام خالد، ده أبوه طلع معاه حق وعداه العيب، اسمع يا زياد، يا تطلق الست ديه يا تنسى إن ليك أم من الأساس.
زياد: ماما متعقديش المواضيع أكتر من كده، أنا حر في اختياري، وحر اختار الست اللي عايز أعيش معاها، وقمر مراتي ومش هطلقها غير لو أنا عايز ده.
حنان بحزن: كده يا زياد، قستك على أمك.
تنهد زياد وقال: محدش يقسيني عليكي أبدًا، بس متحطيش العقد قدامي وتقوليلي نفذ اللي بقوله، يرضي مين اللي بتطلبيه مني ده، هي مراتي وإنتي أمي، وليكي حق عليا زي ما هي ليها حقوق، فلو سمحتي نأجل الكلام بعدين لحد ما تهدي ونتكلم بالعقل.
حنان: مبقاش فيها كلام، أشبع بيها.
تركت المنزل، والتفت زياد إلى قمر التي تتنفس بصعوبة، تقاوم بكائها حتى لا تنهار أمامه، فلم تعد تحتمل ما حدث اليوم سواء من حديثه معها أو من حديث حنان، وحين لاحظ حالتها تحولت ملامحه إلى الحزن، دموعها هو أقوى سلاح قادر على هزيمته، فلم يحتمل هيئتها وجذبها إلى أحضانه على الفور، تمسكت بملابسه وشرعت بالبكاء، فربت على كتفها، وضمها إليه أكثر، وتخلل عطرها داخل أنفه فداعبت حواسه، وتسارعت نبضات ذلك القلب، معلنًا عن عصيان جديد، وكأنه يصر على زيادة التخبط الذي يشعر به زياد، والآن بعد أن شعر بدفء جسدها بين أحضانه لم يعد يعلم الأجابة.
رواية قلبي عدوك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رباب حسين
ن
لم تكن النهاية سوى بداية لوجع جديد.
حين غادر آسر لم يترك خلفه مجرد خطوات بعيدة ولكن ترك قلبًا معلق على أعتاب المستحيل، يمضي بجسد راحل وروح تأبى الرحيل.
اختار الفراق رغمًا عنه وكأن التضحية أصبحت قدره الوحيد، فانسحب في صمت يليق بعاشق لم يُكتب له البقاء.
وفي الجهة الأخرى فلم يكن زياد بأفضل حالًا، فقد وجد نفسه عالقًا بين شعورين متناقضين، بين ماضٍ لم يُغلق بابه بعد وحاضر يطرق قلبه بقوة لم يعهدها.
أنين... الذكرى التي لم تنطفئ، وقمر... القرب الذي بدأ يربك نبضه ويعيد تشكيل مشاعره دون إذن منه.
وبين رحيل يُمزق وقلب يحتار تتأرجح المشاعر في صراعٍ لا يرحم، حيث لا أحد يخرج سالمًا من لعبة العشق.
حين نبض القلب نبضة خائنة اهتز لها ذلك الجسد، جعل العقل مشتت، ولكن للحظة خانته عيناه وأغمضهما وهي داخل أحضانه، استنشق عبيرها وكأنه عبق الزهور المتفتحة في الربيع، وحين أفرغت ذلك الألم الذي بداخل صدرها سكنت بين ذراعيه، لم يعد هناك تحذيرات بالبعد، فالروح تشتهي لمن يحمل عنها الألم، من يرفع عنا ذلك الهواء الثقيل الذي يحتل صدورنا يأبى الخروج، فهدأت أنفاسها، وحين شعرت بلمسته الحنونة على ظهرها انتفض عقلها يحذرها: ابتعدي عن عشقه فلن تنالي سوى الألم.
فا ابتعدت على الفور، خشت الوقوع بالعشق الممنوع، ونظرت له لترى تلك النظرة الحائرة على وجهه، نعم... لا يزال يعشقها هي، قلبه ينبض لها هي، فقالت بصوت يحمل هدوء الانكسار: لحد كده كفاية، الجوازة ديه غلط من الأول ولازم نصلح الغلط ده، طلقني يا زياد.
تنهد زياد وقال: أنا وإنتي عارفين إنه ده مينفعش، ولو طلقتك دلوقتي هترجعي لنقطة الصفر تاني وتدوري على محلل، بلاش قرار في ساعة غضب يخليكي تخسري.
قمر: مش عايزة محلل، وكده كده حتى لو وافقت على إني أعمل كده فا دلوقتي استحالة يبقى إنت بعد اللي قولته.
زياد: وعشان اللي قولته واللي خلاكي دلوقتي رافضة الموضوع أكتر مش هطلق، لأني بدل ما أحل المشكلة عقدتها زيادة، وفكرة المحلل بقت مستحيلة بالنسبالك، فكري في أولادك وخدي وقتك واهدي، وبجد أنا مكنتش قاصد كده أبدًا، الكلام مش من قلبي خالص، ممكن كفاية كلام وتروحي ترتاحي، وآسف على اللي ماما قالته.
تركته وذهبت إلى غرفتها، ما أصعب ذلك القرار، تسحق كرامتها فقط لأجل أطفالها.
أما آسر، فعاد إلى منزله القديم، نظر بالأرجاء بهدوء، فبرغم قلبه المتألم من الفراق ولكن الآن يشعر بأنه يفعل الصواب، وأخذ قرار لن يعود إلى ذلك المنزل ويسمح لأحد بإهانته.
أرسل رسالة إلى حازم وطلب منه أن يخبر سلوى أنه يقطن معه بمنزله لفترة بسبب العمل، حتى لا تعرف سلوى بما حدث بينه وبين أنين.
فتح حازم الرسالة وحين قرأها، نظر إلى صافي التي تجلس بجواره وقال: شكل آسر هربان من البيت.
صمتت صافي قليلًا، علمت أن ما قالته أنين اليوم له قد جعله يبتعد عنها، وهذا ما ستستفيد منه في تنفيذ مخططها، فكان آسر هو أكبر عقبة أمامها وذلك لأنه يحمي أنين ويلازمها بكل مكان.
ثم قالت: هي طنط سلوى صعب شوية.
حازم: مش عارف إتغيرت كده إزاي! آسر عمره ما اشتكى منها، بس الظاهر الفلوس بتغير الناس فعلًا.
صافي: فعلًا، الفلوس ساعات بتبقى لعنة.
حازم: هي كلمتك تاني؟
صافي: لأ، وبعدين شكلها ملقتش أمل مني، أصل أنا قولتلها معنديش حد ينفذ اللي هي عايزاه.
حازم: حاسس إن المفروض نحذر أنين.
صافي: لو عملت كده هكسب عداوة طنط سلوى أكتر، وده مش في مصلحتي دلوقتي.
حازم: بس برده قلقان، آسر شكله بيحبها بجد، ولو اللي طنط سلوى عايزة تعمله ده حصل هتبقى مصيبة.
صافي: مش هيحصل، مش هتعرف تعمل ده أصلًا، صعب جدًا.
صمت حازم وعقله يحذره من هذا الصمت.
أما صافي فقررت أن تنفذ الخطة دون إخبار حازم بالأمر حتى لا يعترض.
عادت أنين إلى المنزل ووجدت عادل يجلس بالبهو، فنظر لها بضيق ووقف أمامها وقال: إتأخرتي ليه كده؟
أنين: كنت متضايقة شوية ولفيت بالعربية.
عادل: لحد دلوقتي؟! من الصبح؟
أنين: محستش بالوقت يا بابا.
عادل: اممم، هو عشان آسر مبقاش موجود هنخرج ونرجع بمزاجنا.
عقدت أنين حاجبيها وقالت: ليه هو آسر فين؟
عادل: سلوى قالتلي إنه راح عند حازم يقعد عنده كام يوم عشان الشغل، سكت في الأول بس افتكرت إن شفت عربيته برا، طلعت أوضته لقيته سايب مفتاح العربية، إيه اللي خلاها يعمل كده؟
صمتت أنين تفكر، من المؤكد أنه فعل ذلك بعد ما قالته له اليوم، فقالت: معرفش.
عادل: على العموم أنا هكلمه وأعرف اللي حصل، اطلعي غيري هدومك وانزلي على العشا، وآخر مرة تخرجي وتتأخري من غير ما تاخدي إذني.
أومأت له وصعدت الدرج، التفت عادل نحو سلوى التي تجلس بالبهو وتراقب ما يحدث بحزن، اقترب منها وقال: هتفضلي زعلانة كده؟
سلوى: آسر شكله ضحك عليا، وبعد عن البيت بسبب حاجة حصلت مع أنين، لو مكنش ساب المفتاح كنت هصدق اللي قاله.
جلس عادل بجوارها وقال: البت ديه بتعمل حاجة من ورانا، عشان كده فضلت تكلم آسر بطريقة رخمة لحد ما ساب البيت، أنا لاحظت طريقة كلامها ونظراتها ليه الصبح، أعمل إيه يا سلوى؟
سلوى: راقبها، مفيش حل تاني، هي كده خلاص قدرت تخلص من حصار آسر عليها، وأديك شايف من أول يوم راجعة متأخر.
عادل: هراقبها، عشان وقتها هيبقى معايا دليل على اللي بتعمله، وهعرف أحاسبها كويس أوي على عمايلها، وآسر هرجعه مهما حصل، إنتي بس متضايقيش يا روحي.
سلوى ببكاء: أول مرة آسر يبعد عني.
عادل: إعتبريه مسافر يومين، وأنا هسيبه يهدى النهارده وبعدين هكلمه يجيلي.
بدلت أنين ملابسها وخرجت من الغرفة، توقفت ونظرت إلى غرفة آسر، ثم تذكرت ما قالته اليوم له، غضبها كان يتحكم بها ولكن لاتزال تحمله مسئولية ما حدث لها، ثم نزلت إلى الطابق السفلي.
لم تخرج قمر من غرفتها حتى المساء، وكان زياد يجلس بالخارج ينظر إلى الباب المغلق بضيق، حتى صدع هاتفه بمكالمة من تالين، فدخل الغرفة الثانية وأغلق الباب وتلقى المكالمة.
تالين: عامل إيه بعد الخناقة؟
زياد: بتتريقي؟
تالين: ما هو أحسن ما أتخانق معاك أنا كمان. زياد هو ده بجد؟! إنت روحت إتجوزت واحدة أكبر منك ومطلقة وعندها عيال!
زياد: ده أنا قلت إنتي الوحيدة اللي مش هتعلق.
تالين: ماشي أنا مش بفكر كده تمام، بس محتاجة أفهم ليه؟ أصل من فترة بحب أنين، وأكيد محبتش مراتك للدرجة ديه في الوقت الصغير ده يخليك تاخد قرار قاتل ومفاجئ كده.
زياد: الموضوع فيه حاجات كتير محدش يعرفها.
تالين: طيب فهمني.
زياد: إكرامًا ليها مش هقدر أقول حاجة، معلش يا تالين الموضوع يخصها أكتر ومش هقدر أتكلم فيه غير لو هي سمحت بده.
تالين: فهماك، بس عواقب الموضوع عليك إنت أكتر.
زياد: مش مهم أنا، كده كده هعرف أصلح اللي حصل، إنتي بس هدي ماما أرجوكي شوية وأنا هكلمها بعد ما تهدى.
تالين: ماما بس، بابا لما عرف ولع البيت أكتر، أنا خايفة يجوزني لأول عريس بسببك، أحسن أجي أقوله بحب واحد عنده ٧٠ سنة تبقى مصيبة.
زياد: إتريقي كمان.
تالين: لأ خلاص، بهزر بس، متقلقش معندوش ٧٠ سنة.
زياد بدهشة: إيه ده؟! معقول! مين اللي قدر يكسر حواجز كابتن تالين.
تالين: يوووه، هنتريق بقى.
ضحك زياد وقال: لأ بس عايز أعرف، بجد هنفرح بيكي قريب؟
تالين: لأ، هو مجرد إعجاب، بس معرفش بقى، المهم يعني خليك بعيد عن البيت شوية لحد ما الوضع يهدى.
تنهد زياد بضيق وقال: حاضر.
أنهى المكالمة وخرج من الغرفة، ثم غادر المنزل وعاد بعد وقت يحمل أغراض للمنزل، وبعض الطعام ووضعه على الطاولة، ثم اقترب من غرفة قمر وطرق الباب برفق، ثم قال: قمر، يلا عشان العشا.
فتحت قمر الباب بوجه حزين وقالت: مش جعانة.
أمسك زياد يدها وجذبها خلفه وقال: بصي أنا مش بعرف أكل لوحدي، يلا بقى عشان بجد جعان جدًا.
خرجت معه وهي ترفع عينيها بملل، ثم انتبهت إلى الأغراض التي اشتراها وقالت: إيه ده كله؟
زياد: عديت على السوبر ماركت جبت حاجات للبيت، معلش يعني ولو مؤقتًا أنا راجل البيت وأنا اللي هصرف عليه.
جلست قمر على الطاولة وقالت: مكبر الموضوع أوي بجد.
زياد: وإنتي شكلك زعلان أوي، خلاص يا قمر بقى، إنتي قولتي إن لا بابا ولا ماما هيتقبلو الموضوع، ومنقدرش نلوم عليهم، حقك عليا متزعليش.
قمر: أنا عذراها طبعًا، بس أنا كمان متضايقة من حاجات تانية، أحمد من ساعة ما كلمني آخر مرة وهو مش بيرد عليا، وياسر كلمني النهاردة وبمنتهى البرود يقولي أصلهم متضايقين وطلعو الغردقة معايا، ولا مدارس ولا مذاكرة، والولاد طبعًا مبسوطين معاه ولا أنا فارقة معاهم.
تبدلت ملامح زياد، وتوقف عقله عند حديثها عن مكالمة ياسر لها، ونظر لها بضيق وقال: ثواني، إنتي بتقولي ياسر كلمك النهاردة؟
قمر: اه، ليه؟
زياد: وياسر يكلمك ليه؟ مش المفروض إنه طليقك.
قمر: بس بينا أولاد وأكيد هيبقى بينا كلام.
زياد: ولادك مش صغيرين يا قمر، تقدري تكلميهم هما، وياسر لو فيه مصيبة أخرك تبعتيله مسدج.
قمر بتعجب: لأ بجد أنا مش فاهمة التحكمات ديه كلها ليه!
زياد بحدة: طيب بصي بقى، أنا طبعي وحش، وغيور على اللي مني جدًا، وإنتي مراتي، مش عارف أحلفلك بإيه عشان تصدقي ده، لحد ما اطلقك إنتي مراتي، فا لو سمحتي تحترمي ده زي ما أنا بحترم إنك ليكي حقوق عليا، لكن لو ده محصلش أنا همشي واعتبري الجوازة خلصت على كده، ومن بكرة هنزل معاكي الشركة، تقولي بقى المساعد بتاعي، جوزي، الجن الأزرق مش فارق معايا، فاهمة ولا لأ.
قمر: إنت بتزعقلي يا زياد.
زياد بحدة أكثر: اه بزعق، ولا عشان أصغر منك هتعامليني على إني عيل ومش من حقي ازعقلك.
قمر: أنا مقولتش كده، بس أنا متعودتش حد يتحكم فيا بالشكل ده.
زياد: تتعودي، وكلامي هيتنفذ يا قمر ومن غير نقاش.
ثم ترك الطاولة ولكن جذبته قمر من يده وقالت: لأ متقمش، أقعد كل إنت جعان، وحاضر هعمل اللي إنت عايزه، حقك مقدرش أتكلم.
زفر زياد بقوة يحاول أن يهدأ، ثم عاد ليجلس على الطاولة، فوضعت قمر أمامه الطعام وقالت: مش معقول كل شوية نتخانق ونغضب من بعض، حقك عليا مش قصدي اللي فهمته.
زياد: وأنا مش قصدي أتخانق معاكي بجد، بس فيه حاجات غصب عني مش بعرف اسمح بيها، ومش تحكم زي ما إنتي فاهمة بس ده حقي، ومش هعرف أتغير عشان بس الجواز مؤقت، وبعدين إزاي أصلًا مش متعودة على التحكم معلش، هو ياسر ده مكنش شايف إنتي حلوة إزاي مثلًا! وإن ممكن أي حد يبصلك أو كده، ده أنا عايز أخبيكي جوا الأوضة.
نظرت له قمر وهي تجاهد أن لا تضحك، وبداخلها تشعر وكأنها طفلة تتراقص على أنغام صوته الغاضب من شدة الغيرة عليها.
انتبه زياد لما قال، فتحمحم بخجل وتناول الطعام بصمت، شعوره يزيد التخبط الذي يؤرق عقله بقوة.
مضى الليل وكلٌ منهم يحمل فكر يؤرق نومه، سواء من عشق دون أمل، أو من تبكي لشعورها بالظلم، ومن يتخبط في مشاعره حتى جفى النوم عينيه.
وبالجانب الآخر هناك من يخطط بقلب لا يعرف الرحمة، والضحية لا تعلم الفخ الذي نصب لها.
في الصباح، ذهبت صافي إلى الجامعة، وحين صفت سيارتها ترجلت منها، ونظرت حولها تتفحص إن كان هناك من يراها أم لا، ثم فتحت الباب الخلفي وأشارت إلى حسن كي ينزل من السيارة، وقالت: ديه عريبة أنين، هتفضل مستخبي جنبها زي ما المدام قالت، وبعدين لما تقرب وتفتح الباب خدرها وسوق إنت العربية، ولو حد من الأمن قالك إنت مين، قوله أنا السواق بتاعها، فاهم هتعمل إيه بعد كده.
حسن: فاهم، بعد ما أخلص هرجعها تاني هنا الجامعة واسيبها جوا العربية.
صافي: وأنا هفضل هنا مستنياك لحد ما ترجع وأخرجك بعربيتي تاني.
حسن بإعجاب: ولما تصحى متعرفش اللي حصل، ستهم ديه دماغها ألماظات.
صافي: ركز، أهم حاجة تصور وتبعت الفيديو للمدام.
حسن: حاضر من عينيا.
صافي: إوعى حد يلمسها يا حسن، ترجع زي ما خدتها، إحنا عايزين نقرص ودنها بس، لكن محدش يأذيها.
حسن: متخافيش.
تركته يختبئ بمواقف السيارات وذهبت نحو المدرج، وحين دخلت بحثت عن آسر، فكانت تأمل ألا يحضر اليوم، وبالفعل لم تجده، ثم جلست بأحد المقاعد وقامت بإرسال رسالة إلى سلوى تخبرها بأن المهمة تسير بخطى ناجحة.
تُرى... ماذا سيحدث لأنين؟
رواية قلبي عدوك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رباب حسين
بين قلوب تحب بصمت وأخرى تنتقم ببرود تبدأ اللعبة الحقيقية، حيث لا مكان للبراءة ولا نجاة لمن لا ينتبه للطعنة القادمة.
كانت أنين على موعد مع قدر لم تختاره، خطوات بسيطة نحو سيارتها، لكنها تحمل في طياتها بداية لانهيار جديد، حيث تُحاك المؤامرات في الخفاء وتُرسم الابتسامات كستار للخيانة.
في الوقت الذي كانت صافي تبحث فيه بالأرجاء داخل المدرج عن آسر، وقع نظر أنين عليها وتحولت نظراتها إلى الأشمئزاز، ثم أدرات وجهها بعيدًا حتى مرت صافي بجوارها وجلست بالخلف، عادت أنين تتابع الأشخاص اللذين يدخلون المدرج، تترقب ظهور زياد أو آسر، كانت تتعجب من أنها تتمنى أن يحضر آسر اليوم، ربما لأنها تعودت على وجودها معها بالفترة الأخيرة، ولكن لم يحضر كلًا منهما.
دخلت ماهي المدرج وبحثت عن أنين أولًا، وانتبه لحضورها يزن الذي كاد يقترب منها على الفور ولكنها ابتعدت عنه وتوجهت نحو أنين، نظر لها يزن بضيق ثم تركها وعاد ليجلس مع أصدقائه، وحينها سأله محمود: إنتو متخانقين ولا إيه؟
يزن بملل: شغل بنات بقى إنت عارف.
محمود: اه، بس ماهي أول مرة تتعامل معاك كده، عملت إيه؟
يزن: ولا حاجة، هي عايزة تكلم أنين وأنا موافقتش، بتقولي طلع كل اللي حصل ده بترتيب من سالي وصافي عشان يفرقو بينهم.
محمود: مستبعدش بجد، خصوصا إن سالي عينها من زياد من زمان، إلا فين زياد مش بيجي ليه؟
يزن: هحاول أقابله النهاردة أفهم فيه إيه.
أما ماهي، فاقتربت منها بخجل وقالت: ممكن أتكلم معاكي شوية يا أنين؟
لم تنظر إليها وقالت: لأ، مفيش بينا كلام.
جلست بجوارها وقالت: أنا مصدقتش اللي أتقال عنك، بس يزن ضغط عليا ومعرفتش أدافع عنك وخصوصا إني مكنتش فاهمة إيه السبب إنك تروحي مع صافي هناك.
نظرت لها أنين وقالت: حتى لو مكنتيش تعرفي، كان بدل ما تاخدي قرار من غير ما تفهمي كنتي تعالي أسألي الأول، مش ماشية ورا البيه خطيبك وخلاص، بدل ما تدافعي عني قدامه وقدام زياد جاية تقطعي علاقتك بيا.
ماهي: ما أنا لما لقيتك مش بتنكري إنك رحتي هناك معرفتش أعمل إيه، ومن أمتى وإنتي بتروحي أماكن زي ديه يا أنين، ما كان الموضوع مش واضح قدامي.
أنين: ودلوقتي وضح صح، لما شفتي اللي حصل إمبارح وسمعتي الكلام اللي قولته لآسر وصافي جاية تصلحي غلطتك، أنا شفتك وإنتي واقفة بعيد وبتسمعي وكنت عارفة إنك هتيجي تعتذري عن اللي عملتيه، بس حاليًا كل اللي بيحصل معايا مخليني مش قادرة أسامح أي حد غلط فيا وأنا بمر بالظروف ديه، إنتي حتى لما وقعت قدامك ورحت المستشفى مفكرتيش تسألي عليا، إتخليتي عني في أكتر وقت أنا محتاجاكي فيه، وجاية دلوقتي تقولي معرفتش أقف أدافع عنك.
بصي يا ماهي، أنا لو كنت مكانك كنت هدافع عن موقفك لأني واثقة فيكي، ده الفرق اللي بيني وبينك، عشان كده آسفة، إعتذارك مرفوض.
التفتت أمامها وفتحت دفترها لتدون الملاحظات، فنظرت لها ماهي بحزن، فهي محقة بكل ما قالت، فلم تجد عذر لنفسها عما فعلت، نهضت من جانبها واتجهت إلى مقعد آخر تحت نظرات يزن الذي يتابع ما يحدث، وعلم من هيئتها أن أنين رفضت إعتذارها، شعر بالضيق لتلك النظرة التي ارتسمت على وجه ماهي، ولكن لم يحاول التحدث معها، ثم دخل الدكتور المدرج وبدأت المحاضرة.
______________
كان زياد يقود السيارة وقمر تجلس بجواره متجهان نحو شركتها، تنفيذًا لطلب زياد بالأمس بعد أن أصر على الذهاب معها إلى الشركة.
وقمر تحاول الاتصال بأحمد ابنها أو لوسيندا، وبعد عدة محاولات تلقت لوسيندا المكالمة.
فقالت قمر باندفاع: لوسي حبيبتي، كده مترديش عليا كل ده؟
لوسيندا بضيق: معلش يا ماما، مكنتش مركزة مع الموبايل.
قمر: مش مركزة ولا مش عايزة تكلميني وزعلانة مني.
لوسيندا: الصراحة زعلانة، وبابا لما حس إن إحنا متضايقين خدنا الغردقة نغير جو، بس برده مش عارفة أبقى مبسوطة من غيرك، يا ماما أنا عارفة اللي إنتي بتفكري فيه، وإن ديه مش غلطتك عشان تتحملي كل ده، بس مفيش حل للوضع ده غير إنك تنفذي اللي بابا بيقول عليه.
قمر: حبيبتي إنتي لسه صغيرة على الكلام ده، ومش عايزاكي تشغلي بالك بالمشاكل ديه خالص، متقلقيش قريب هنتجمع كلنا تاني، أهم حاجة متزعليش مني ولا تبعدي عني، قدرتي تبعدي عن ماما كل ده برده!
لوسيندا: لأ خالص، إنتي وحشتيني أوي، على العموم إحنا هنرجع قريب أوي.
قمر: ياريت يا حبيبتي عشان الدراسة.
لوسيندا: متقلقيش أنا وأحمد بنذاكر.
قمر: عارفة إنكم أد المسئولية، خلي بالكم من نفسكم واتبسطو، متفكروش في حاجة خالص، وقولي لأحمد يرد عليا.
لوسيندا: حاضر يا ماما، باي باي.
كان زياد يسمع المكالمة، وحين سمع وعدها للوسيندا بأنهم سيعودو كأسرة واحدة قريبًا انتابه شعور بالضيق، حاول أن يحاربه، فهذا هو الغرض الحقيقي من زواجهما، ولكن لقلبه رأي آخر.
انتبهت قمر إلى ملامح زياد، يبدو منزعجًا، فانتبهت إلى ما قالت وتذكرت غيرته المجنونة، لا تعلم لما تشعر بالسعادة بأنه يغار عليها بهذه القوة، ربما لأن ياسر لا يغير عليها هكذا، هو فقط يشكك بتصرفاتها، ولكن لم يحاول أن يحميها بهذه الطريقة الحنونة، وبدأ عقلها ينبها بأن تلك الفروق قد تجعلها ترفض رحيل زياد والعودة إلى ياسر مرة أخرى، ابتسمت من داخلها، فهي لا ترغب بأن تبتعد عن زياد حقًا، لذا عليها أن تبتعد عنه حتى لا يحدث بينهما شيء وينتهي هذا الزواج.
تحمحمت قليلًا ثم قالت: حلو القميص أوي.
انتبه زياد إليها وابتسم ثم قال: لسه واخدة بالك!
قمر: لأ واخدة بالي، بس إنت شكلك زعلان مش عارفة أكلمك.
زياد: لأ.... مش زعلان ولا حاجة.
قمر: طيب مش هتروح الجامعة ولا إيه؟ هتفضل كل يوم تيجي معايا الشركة.
زياد: لأ لازم أروح الجامعة، بس هخلص وأجيلك على الشركة.
قمر: طيب وشركتك؟
زياد: يزن متابعها، وأنا كمان بشوف الشغل أون لاين.
قمر: إنت قلقان عليا زيادة عن اللزوم.
زياد: أنا كده محجم نفسي كمان، لو عليا مش عايزك تروحي أصلًا الشغل، القعدة في البيت حلوة.
ضحكت قمر والتفت زياد ليرى وجهها المشرق بالابتسامة، فقال: لأ النهاردة إنتي أحسن بكتير.
قمر: اه بصراحة، مكالمة لوسي فرقت معايا أوي.
زياد: ربنا يرجعكم لبعض بالسلامة.
نظرت له قمر ووجدت نظرته حزينة، لا تعرف هل لديه شعور نحوها حقًا أما يزال عالق في الماضي مع أنين، لم تعد تعرف أين الحقيقة.
_____________
كان عادل يجلس بمكتبه وطلب من أمن الفندق أن يرسل له حارس ذو كفاءة، ثم طلب منه أن يلازم أنين ابتداءًا من الغد حتى يطمئن عليها، وحين غادر اتصل على الفور بآسر الذي يجلس في شرفة منزله ويشرب القهوة بشرود، قلبه في حالة عصيان تام، يرفض سيطرة عقله عليه، يصيح داخل صدره كطفل معاقب بحرمانه من ألعابه: أريد أنين.... أريد أنين.
تنهد بقوة، يخرج ذلك الألم القابع بداخله، يشتاق إليها، يتمنى رؤيتها، يود أن يخبرها بحقيقة ما يشعر، ولكن ما يؤلم قلبه أكثر الآن مجرد تفكيره بأنها قد تعود إلى زياد.
قاطع أفكاره التي تجلد عقله منذ أمس رنين هاتفه، فتلقى المكالمة وهو يحاول أن يخرج صوته بطريقة طبيعية وقال: أيوه يا عمي.
عادل: كده يا آسر، تسيب البيت وتمشي.
آسر: لأ هي فترة كده وهرجع.
عادل: متكدبش عليا، طالما سبت مفتاح العربية تبقى مش راجع.
آسر: أنا سبت العربية عشان مش عارف أسدد أقساطها دلوقتي، أول ما الأمور تتصلح وأقدر أدفع هاخدها تاني.
عادل: يعني محصلش حاجة بينك وبين أنين.
صمت آسر ولم يجيب، فأردف: طيب تعالى بليل نتكلم شوية في البيت، هستناك ماشي.
آسر: حاضر يا عمي.
________________
انقضى اليوم الدراسي، ولم يأتي آسر أو زياد، فقررت أنين أن تعود إلى منزلها، كانت تمشي شاردة بحزن، تتمنى لو ترى زياد ولو لمرة واحدة، فكرت أن تذهب إلى منزله وتسأل عن سر غيابه كل تلك الفترة، ثم توجهت إلى سيارتها، وحين فتحتها عن بعد واقتربت من الباب، امتدت يد من خلفها ووضعت منديل على فمها، حاولت أن تصرخ ولكن فقدت وعيها، حملها حسن ووضعها بالخلف وأوصد عليها حزام الأمان كي تجلس على الأريكة، ثم قاد السيارة وخرج من بوابة الجامعة دون أن ينتبه أحد إليه.
وبعد وقت عاد إلى الجامعة وحملها ووضعها خلف المقود، وأغلق السيارة واتجه نحو سيارة صافي واختبئ بالخلف، ثم غادرت صافي الجامعة.
وحين ابتعدت عنها أخرجت حسن من الخلف، وقالت: ها عملت إيه؟
حسن: الفيديو أهوه.
نظرت صافي على الهاتف، فإذا بأنين نائمة بالفراش مع أحد الرجال بدون ثياب، والكاميرا موضوعة أمام الفراش تصورهما معًا.
فقالت صافي: هو لمسها فعلًا.
حسن: لأ، الواد ده بينفذ المطلوب وبس وياخد فلوسه وتنسي تشوفيه تاني، يعني أبوها عمره ما هيعرف يوصل للواد ده خالص، وطبعًا هي مش فاكرة أي حاجة، ولا عارفة إيه اللي حصل، أول ما هتشوف الفيديو هتتفاجأ زيها زي أي حد، وزمانها دلوقتي فاقت وهتروح عادي جدًا، كل اللي هتحس بيه شوية صداع من المخدر وخلاص.
صافي: برافو عليك، دلوقتي عايزين رقم تليفون مش متسجل، نبعت منه الفيديو ده ويترمي.
حسن: بسيطة، تعالي نشتري خط، بس خلي ستهم تشوفنا في موضوع الفلوس.
صافي: نخلص بس وبعدين تاخد اللي إنت عايزه.
____________
استعادت أنين وعيها، ووضعت يدها على رأسها تشعر بدوار شديد، تعجبت أنها داخل سيارتها، تتذكر أنها كانت تقف بجوارها وهناك من وضع شيء على فمها، ثم عقدت حاجبيها وقالت لنفسها: ربما كان حلم.
قادت سيارتها وهي تشعر بإعياء، ثم انتبهت إلى الوقت، مر حوالي ساعتين وهي بالسيارة، هل نامت كل هذه المدة؟!
لم تعرف ماذا حدث حقًا، وألم رأسها يعصف بها، وبعد وقت، عادت إلى المنزل.
صفت سيارتها ودخلت، وجدت عادل يسأل عنها أحد الخدم، فأشارت نحوها وقالت: جت أهي يا عادل بيه.
التفت إليها عادل ولاحظ علامات الإعياء على وجهها، فاقترب منها وقال: مالك يا أنين؟ حاسة بحاجة؟
أنين: عندي صداع، مش عارفة من إيه.
كانت سلوى تتابع ما يحدث، ثم أرسلت رسالة من هاتفها إلى صافي كي ترسل الفيديو الآن.
عادل: طيب اطلعي خدي مسكن وتعالي نتعشى سوا، آسر جي كمان يتعشى معانا.
أومأت له بإرهاق وتوجهت نحو الدرج، وصلت الرسالة إلى هاتف عادل، وفتح الفيديو وتحولت ملامحه إلى الصدمة حين رأى أنين في ذلك الوضع المخل، تجمدت أوصاله، شعر بالدماء تغلي في عروقه، لم يصدق ما يرى، هل هذه ابنتي؟! لا لا، أنين تفعل ذلك؟ كيف؟
صاح بقوة زلزلت جدران المنزل قائلًا: أنين!
التفتت إليه أنين بفزع، وركضت نحوه سلوى على الفور وقالت: إيه يا عادل بتزعق ليه يا حبيبي؟!
نظر نحو أنين وعينيه تغرب بسواد مشوب بالإحمرار، جعل أوصال أنين ترتعش من هيئته، اقترب منها باندفاع وأمسك شعرها بقوة، صرخت على أثرها أنين وقالت: فيه إيه يا بابا؟!
ركضت سلوى نحوه وحاولت أن تبعد قبضته عنها وقالت: بس يا عادل، فهمني طيب حصل إيه ونتكلم سوا، مش كده.
رفع الهاتف أمام وجه أنين، وقام بتشغيل الفيديو أمامها، فالتفتت إليه هي وسلوى، وحين رأت أنين ذلك الفيديو فتحت عينيها بقوة، لا تصدق ما ترى، وضعت يدها على جسدها تخفي معالمه، تشعر بأنها عارية أمام الجميع، تجمدت الدموع داخل عينيها، انقطعت أنفاسها وكأن جسدها يتمنى الموت بكل ما فيه، ثم صاح عادل قائلًا: إيه ده يا هانم يا محترمة، بعتي شرفي بالرخيص، رخصتيني ورخصتي نفسك، إنتي لازم تموتي واخلص منك.
كانت أنين تنظر إليه كالمغيبة، لا تعرف كيف حدث هذا ولا من هو الرجل الذي معها، خاصة وأن وجهه لا يظهر بالتسجيل، وحين شرع عادل بضربها وقفت سلوى بينهما على الفور وقالت بخوف: لأ يا عادل، اللي اتكسر يتصلح، متضيعش نفسك وتموتها، اصبر بس.
ثم نظرت إلى أنين التي ترفع ذراعيها أمام وجهها خوفًا من أن يضربها عادل، وجسدها يرتعش من شدة الصدمة، ثم أمسكت سلوى بيد عادل بقوة حتى لا يضرب أنين وقالت: مين ده؟ انطقي خلينا نتصرف قبل ما تتفضحي، هو مين؟
أنين برعشة: معرفش.
سلوى: مش متجوزة عرفي زي صاحبتك ولا ده من غير جواز، قولي الحقيقية قبل ما يقتلك.
عادل بصدمة: عرفي! هي كمان صحابها متجوزين عرفي، يا زين ما خلفت وربيت.
أنين بتوتر: أنا... معرفش، مش متجوزة.... أنا مش متجوزة.
سلوى: ياريتك يا شيخة قولتي متجوزة، يعني صافي طلعت أعقل منك، على الأقل معاها ورقة تحطها في عين أي حد، لكن إنتي حطيتي راس أبوكي في الطين، هتموتي الراجل بعمايلك السودا ديه.
حاول عادل أن يبعد سلوى عن طريقه، ويحاول أن يمسك بأنين ولكنها تبتعد عنه بخوف، ثم قال: ياريت أموت وارتاح منك ومن عارك، حطيتي راسي في الطين، كنت بحلف بأخلاقك وأنا نايم على وداني، الهانم مقضيها بارات وشرب، وفي الآخر أشوف المنظر ده، من النهاردة إنتي لا بنتي ولا أعرفك، واطلعي برا بيتي، روحي للشوارع تلمك، روحي للي بتترمي في حضنه عريانة، براااا.
سلوى: استنى بس يا عادل نفكر بالعقل.
عادل: خليكي برا الموضوع ده يا سلوى، إنتي حاولتي معاها بكل الطرق، حتى آسر حاول يصلح من مشيها الزبالة، وفي الآخر طفشته عشان تعرف تمشي على حل شعرها، إنتي مبقتيش بنتي خلاص، اطلعي برا بيتي، مش عايز أشوف وشك تاني أبدًا، ولا حتى لو مت متجيش وتاخدي عزايا، تنسي إن ليكي أب.... برا بيتي.
وقفت أنين تبكي وتقول: اسمعني بس يا بابا.
دفع سلوى عنه واقترب من أنين بقوة، فركضت من أمامه وعادت سلوى تمسك به فصاح عاليًا: لو ممشتيش من وشي دلوقتي هقتلك، اطلعي برا بيتي.
عادت بخطواتها إلى الخلف متجهة نحو الباب، لا تصدق ما يحدث، لا تعرف متى تصورت بتلك الوضعية المخلة، قلبها يهوى بين قدميها من شدة الخوف من نظرات عادل، ثم خرجت من المنزل، وقفت أمام الباب تنظر حولها بتيه، لا تعرف أين تذهب، ثم نظرت إلى السيارة وانتبهت أن حقيبتها وقعت بالأرض حين أمسك بها عادل، فالآن لا تملك مفتاح السيارة ولا حتى هاتفها وليس لديها أموال، جلست على الدرج تبكي وتنوح، تضع يدها على جسدها تواريه حتى عن نفسها، صدمتها كانت قاسية قاتلة، وحين انهمرت دموعها تساقطت الأمطار من السماء، وكأن الكون يحزن على ما تمر به، والسماء تبكي على هذا الظلم الذي وقع بها.
اشتد المطر وابتلت ملابسها، وبدأت ترتعش من برودة الجو، تحركت من أمام المنزل تفكر أين تذهب، تنظر أمامها بخوف وخلفها بحنين، تاركة منزلها الآمن، ذاهبة للمجهول، حتى تعثرت ووقعت بالأرض، وحينها أخذت تصرخ وتبكي بانهيار، لم تعد تتحمل ما يحدث.
وفجأة، امتدت مظلة تحميها من مياه الأمطار، رفعت عينيها الباكية التي اختفت معالمها خلف دموعها، فإذا بآسر يقف أمامها، مد يده وساعدها على النهوض وعلامات التعجب جالية على وجهه، وحين شعرت بدفء كفه ارتمت بين أحضانه، تشعل نيران العشق داخل قلبه، وهي تستمد الأمان منه.
وكأن العالم كله قد انتهى وبقيّ هو فقط، فلا يوجد أمان سوى بأحضان من يملك قلبٌ ينبض لنا بصدق.
رواية قلبي عدوك الفصل السادس عشر 16 - بقلم رباب حسين
خسرت كل شيء، بل انقطعت صلتها بمن هو أقرب إليها، لم تكن تفكر بأن ذات يوم سوف تطرد من منزلها أو تسمع ذلك الحديث منه هو تحديدًا.
انهار عالمها بلحظة واحدة، وكأن العالم ينبذها عن الجميع؛ بدأت بخسارة حبيبها... أصدقائها واليوم والدها. تشعر بأنها اقتلعت من جذورها، مع شعور العجز والوحدة الذي ترسخ بداخلها فور خروجها من المنزل، غاصت في مكان مظلم لا أمل له ولا يوجد ضوء بنهاية الممر، أصوات تلاحق عقلها وأسئلة ليست لها إجابة.
جسد يرتعش... ليس فقط من حرارة الطقس أو الأمطار؛ بل رعشة روحها التي تعرضت لظلم قاسي، دموعها تنساب على وجهها وبرغم ذلك تشعر أن الألم الذي بداخلها لا يختفي.
وفي لحظة اليأس، بعد أن تأكدت بأنها ستظل بالشارع لما تبقى من عمرها، تفاجأت بيد تمتد لها تنتشلها من الظلام، عيناه التي طغى عليها القلق والحزن من هيئتها جعلتها تتمسك به، تاركة كل ما بها من غضب تجاهه، وحين استكانت بين ذراعيه تجمدت أوصاله، نظر إلى الفراغ بدهشة، ولم يعد يستطع المقاومة، من سلبت روحه وقلبه بين يديه، من تخلى عنها لأجل أن تعيش بسعادة تبكي على صدره، ينتفض جسدها داخله ليعلن عقله الاستسلام: لن نتركها ترحل.
وبعد ثواني، تذكرت أن كل ما يحدث معها الآن أيضًا بسببه، هو من أخبر والدها بالخطأ الذي ارتكبته، ومنذ ذلك اليوم وعادل يعاملها بجفاء، تذكرت أنه من سلبها والدها، فابتعدت عنه ونظرت له بغضب وبكاء، فعقد حاجبيه، لا يعرف ماذا يحدث معه، ثم تفاجأ بها تقول: إنت السبب، إنت عارف إنك دمرت حياتي، أنا بكره اليوم اللي شفتك فيه.
تنهد بحزن وقال: بعترف إني غلطت عشان حكمت عليكي بالمظهر وبس، وغلطت لما قولت عليكي كلام مينفعش أقوله، عارف إنك زعلانة عشان زياد، بس لو أنا كنت مكانه مكنتش هصدق إنك تعملي كده حتى لو شفتك بعيني، كنت هديكي فرصة تدافعي عن نفسك، أنا برغم إني معرفكيش سألتك ليه روحتي هناك، كان عندي فضول أعرف الحقيقة منك إنتي، لكن هو راح ارتبط بسالي تاني يوم، سيبك من إنه عمل كده عشان يرد كرامته زي ما قلت بس قدر يعمل كده إزاي؟ قدر يبقى مع واحدة تانية بالسهولة ديه إزاي؟! فكري مرة واحدة في غلطه هو بدل ما تفكري في غلطي أنا بس وتحمليني مسئولية اللي حصل كله.
أنين بغضب: وبابا؟! أحمل مين مسئولية علاقتي معاه اللي باظت لدرجة إنه طردني من البيت؟ مش إنت اللي رحت قولتله إني روحت الديسكو، وطبعًا قولتله نفس الكلام اللي قولته لزياد عني، خليته يفتكر إني كنت بمثل عليه وفي الآخر طردني من البيت، أتفرج على اللي أنا فيه بسببك، كل اللي خسرته في حياتي كلها بسببك إنت.
آسر بصدمة: ثواني بس، عمي عادل طردك من البيت؟! ده إزاي وليه؟
أنين: طالما الثقة بينه وبيني اتهزت بالشكل ده؛ أي حد هيقوله أي كلمة عني هيصدقها، وطبعًا دلوقتي حضرتك جي هنا عشان تاخد مكاني، عشان تقعد على السفرة جنبه زي ابنه وأنا مليش وجود، مش ديه كانت خطتك من الأول.
صاح زياد قائلًا: كفاية بقى، مش عشان أنا يتيم من يوم ما أتولدت أبقى بدور على أي أب يصرف عليا وخلاص، عمي عادل من وأنا عيل صغير وهو اللي كان بيسأل عليا، هو اللي خد باله مني في الوقت اللي عيلة بابا اتخلت عني فيه، أمي كانت بتشتغل طول اليوم ومش بشوفها غير ساعتين بس عشان تعرف تأكلني، من وقت ما اشتغلت معاه وهو واخد باله مني، يعني لو عايزة تقولي إني بعتبره أبويا فعلًا فا أنا بعتبره كده من قبل ما يتجوز ماما، عشان كده معترضتش على جوازهم أبدًا، الجامعة اللي إنتي بتقولي طمعت فيها بعد كده وطلبت منه ينقلني، كان عايزني أدخلها من زمان وأنا رفضت، العربية قالي هيجيبها من ساعة ما دخلت الجامعة ورفضت برده، حتى لما وافقت المرة ديه كان عشان أنا اللي هدفع أقساطها، كفاية ظلم بقى، أنا لا طمعان في أب ولا في فلوس.
أنين: وكل أخباري اللي بتروحله ديه إيه؟! مش إنت اللي قولتها.
زياد بإندفاع: مش أنا، أنا مقولتش حاجة أبدًا ليه، أنا حكيت لماما نبذة عن اللي حصل بس وهي اللي راحت قالتله، حتى الخناقة بتاعتك مع ماهي ويزن سمعنا وأنا بحكي لماما ومقولتش تفاصيل وهي برده اللي قالت، ومن بعدها محكتلهاش حاجة خالص، ممكن ماما كانت عايزة تحسسه إنها واخدة بالها منك عشان عارفة هو بيحبك أد إيه، وإن إنتي السبب في إنه مكنش راضي يتجوز أصلًا، عشان كده كانت بتحكيله عنك كل حاجة، لكن أنا عمري ما رحت قولت عنك خبر واحد ليه هو.
صمتت أنين، تنظر إلى نظرة الألم التي ترسخت داخل مقلتيه، فزفر بضيق وقال: أنا سبت البيت والعربية وكل حاجة عشان أثبتلك إني مش طمعان فيكي ولا فيه، لو طمعت في حاجة من ساعة ما دخلت البيت فا هي إنتي، ولو كرهت حاجة برده فا هي قلبك اللي مش حاسس بيا، عايزة تعرفي أنا ليه قلت كده لزياد يومها؟ عشان حبيتك من أول ما شفتك، برغم إن هيئتك أول مرة كانت مرفوضة بالنسبالي بس قلبي اتعلق بيكي، ولما زياد قرب منك اتجننت، قصدت أقوله كده عشان أبعده عنك، كنت أناني اه، ما هو اللي بيحب بيبقى أناني، ومع ذلك لما شفت حزنك عليه وتعلقك بيه بعدت، دوست على قلبي وسبتك ليه عشان أصلح الغلطة اللي عملتها، وفي الآخر اتهمتيني إني متفق مع صافي عليكي، طيب هتحسي بيا إمتى؟ هتعرفي إني بحبك إمتى يا أنين؟!
نظرت إليه بدهشة، إعترافه بالحب الآن كان صدمة أخرى تحتل عقلها المشوش بالعديد بالتساؤلات، لم تستوعب ما قال، وكأن عقلها توقف عن العمل، تنهد آسر واقترب منها ثم نظر لها بحزن وهو يضع أنامله على وجهها بحياء وقال: سامحيني، مش طالب منك حاجة غير إنك تسامحيني وتعرفي إني مكنش قصدي كل اللي حصل ده، ولو عايزاني أروح لزياد وأقوله الحقيقة بنفسي وارجعكم لبعض هعمل كده، أنا مش عايز حاجة في الدنيا غير إني أشوفك مبسوطة.
يضحي من جديد، يتركها ترحل لأجل سعادتها لتنظر إليه هذه المرة بنظرة مختلفة، ترى الألم داخل عينيه يقطعه من فراقه عنها، ومع ذلك لا يفكر سوى بسعادتها حتى لو على حساب نفسه، لم يفعل أحد ذلك لها من قبل.
وفي ظل ذلك الانكسار الذي تشعر به، والضعف الذي احتل جسدها الذي لم يعد يتحمل ما يحدث، سكن الحزن والوهن ملامحها، لتتمسك بذراعه بقوة وتقول بصوت مكسور: خليك معايا، أنا مبقاش ليا حد.
بعض الكلمات جعلت قلبه يصرخ بداخله، لم يتحمل انكسارها أمامه، فضمها بقوة إليه وعينيه تعترف بالهزيمة، ولأول مرة يدعو من قلبه أن تحبه ولو لوقت قليل.
شعر ببرودة جسدها، فرفع هاتفه وهو لايزال يمسك بها بذراعه الآخر، ثم طلب سيارة وأخذها إلى منزله.
______________
أما زياد فقد وصل عند منزل قمر بعد أن انتها من العمل معًا، ترجلت قمر من السيارة ولكن ظل هو بداخلها وقال: هروح مشوار وارجع تاني.
قمر: هتتأخر؟
زياد: لأ، اطلعي بس عشان اطمن وبعدين همشي.
ابتسمت له وظل يراقبها حتى صعدت إلى المنزل، ثم تحرك بالسيارة واتصل بيزن وذهب إليه، حين وصل كان يزن يجلس في انتظاره بأحد المقاهي، فقال يزن: عاش من شافك، إنت فين يا عم.
زياد: بابا عامل معايا مشكلة كده.
يزن: طيب الكلية ملهاش علاقة، حاول تيجي عشان المحاضرات.
زياد: هاجي بكرة، المهم أخبار الكلية إيه؟
يزن: ما هو أنا اتصلت بيك عشان حوار كده حصل ولازم تعرفه.
زياد: حوار إيه؟
قص له يزن ما حدث، وزياد يسمع ما يقوله بصدمة ثم قال: يعني سالي وصافي اتفقو عشان يوقعو بينا؟ استنى بس، أنا مش فاهم حاجة.
يزن: يعني أنين كانت رايحة المكان ده عشان تشوف إنك بتروح هناك فعلًا مع بنات ولا لأ، زي ما سالي عملت معاك بالظبط.
اتكأ زياد على الكرسي وشرد بما سمع، حاول أن يتفهم ما حدث ثم تذكر كل ما حدث بعد ذلك اليوم، فقال: وطبعًا هي صدقت اللي صافي قالته أكتر بعد ما كنت بظهر قدامها مع سالي كل يوم.
يزن: ده أنا سمعت كمان النهاردة إنها كانت بتبعتلها صورك وإنت بترقص مع بنات هناك.
زياد: مش ممكن! إيه الحقد ده كله، عملنا إيه أنا وأنين عشان يعملو فينا كده، كل ده عشان رفضت صافي.... اااااه هي عملت كده عشان أنا قولتلها لبسك واستايل حياتك ميناسبنيش، طيب وبعدين.
يزن: اعتقد دلوقتي المفروض تتكلم مع أنين وتحلو سوء التفاهم اللي حصل بينكم ده.
شرد مجددًا وتذكر قمر، فإذا تحدث مع أنين الآن عليه أن يخبرها بأمر زواجه من قمر، وهل ستسامح بأمر ذلك الزواج أم لا؟ وإذا طلبت منه أن ينفصل عنها فلن يستطيع فعل ذلك حتى يتم الزواج رسميًا، وقمر ليست مستعدة لذلك الآن.
تنهد بقوة وأغمض عينيه، لم يجد حل، وشعر بالضيق مما فعلت سالي معه، وحملها كامل المسئولية بما حدث معه حتى زواجه من قمر.
نهض بضيق وترك يزن الذي ينادي باسمه ولم يلتفت إليه.
حاول زياد أن يتصل بسالي ولكن رفضت مكالمته، فمنذ أن أخبرها خالد بأمر الفتاة التي كانت معه طوال الليل وهي لم تحاول الاتصال به وهو أيضًا.
______________
فتح آسر باب منزله وافسح المجال أمام أنين كي تدخل، نظرت بالأرجاء وجسدها يرتعش من البرد، وتجمدت عند الباب لم تستطع الدخول، فقال آسر: أدخلي يا أنين متخافيش، أنا عمري ما هأذيكي.
أنين: عارفة، بس.... حاسة إنه مش صح.
آسر: لو معايا فلوس كنت حجزتلك في فندق، أو كنت سيبت البيت ليكي تقعدي فيه براحتك وكنت رحت قعدت مع حازم، بس للأسف حازم أتجوز.
دخلت أنين وأغلق آسر الباب ، ثم قال: ثواني هجيبلك هدوم من عندي وتدخلي تغيري في أوضة ماما، وأنا هدخل أحضرلك حاجة دافية تشربيها.
أومأت له وركض نحو غرفته، أحضر الملابس وأعطاها لها وأشار نحو الغرفة، ثم دخل ليعد لها مشروب الشيكولاتة الدافئ. خرج من المطبخ ووجدها تجلس على الأريكة ولا تزال تشعر بالبرد، وضع المشروب بيدها، ثم ذهب ليحضر لها غطاءًا، ثم اقترب منها وجثا أمامها ووضع الغطاء حولها، ثم نظر لها وهي شاردة بحزن، قالت: أنا آسفة على الكلام اللي قولته إمبارح، كنت متعصبة وزعلانة من اللي عملوه فيا، بس إنت ملكش ذنب، إنت الوحيد اللي وقفت جنبي وحاولت تخرجني من الحالة اللي كنت فيها.
آسر: مش مهم اللي حصل كله أنا مش زعلان منه، ومتخافيش أنا هروح لعمي بكرة واتكلم معاه، هقوله السبب في اللي حصل والخطة اللي عملوها عليكي، ومش هسكت غير لما أرجعك البيت.
انسابت دموعها وقالت: مش هيرضى، بابا اتبرأ مني خلاص. عمره ما هيسامحني.
آسر بتعجب: ليه؟! حصل إيه لده كله؟
زاد بكائها وقالت: أنا اتفضحت يا آسر، معرفش إيه اللي حصل أو إزاي، بس حد بعت لبابا فيديو ليا وأنا.... وأنا يعني مع واحد.... في السرير.
انتفض آسر أمامها بفزع وقال: إيه! إنتي بتقولي إيه يا أنين؟
أنين ببكاء: أنا معملتش كده، ومعرفش مين ده ولا تصورت كده إزاي، أنا دماغي مشلولة عند الفيديو لحد دلوقتي، بابا كان هيقتلني لولا طنط سلوى اتدخلت بينا، وقالي إني مش بنته خلاص، صدقني يا آسر أنا معملتش كده، إوعى تصدق الفيديو ده إنت كمان، أنا مش كده وإنت عارف.
آسر: أكيد مش مصدق، بس مين عمل الفيديو ده، ما يمكن مش حقيقي.
أنين: حقيقي، أنا شفته بعيني، مش AI خالص، أنا كل أما أفكر إن ممكن الفيديو يتنشر.... بموت، أنا بموت بجد، يارب أموت أحسن من اللي أنا حساه ده.
جثا أمامها مجددًا وقال باندفاع: بس، متقوليش كده أبدًا، بعد الشر عليكي.
زاد نجيبها، فنهض وجلس بجوارها ثم جذب رأسها على كتفه لتفرغ كل ما تشعر به على عاتقه.
أما عادل، فأغلق باب غرفته على نفسه منذ أن غادرت أنين، كان غضبه لا يحتمل، ولم يتحمل أي حديث مع أحد، لذا عزل نفسه داخل غرفته، ظلت سلوى تتصنع البكاء أمام باب الغرفة وتطلب منه أن يسمح لها بالدخول، وتخبره كم تشعر بالقلق عليه، وبعد وقت، أخبرها بأنه يرغب بالبقاء وحده الآن.
نزلت إلى أسفل ودخلت غرفة المكتب، ثم اتصلت سريعًا بصافي وتحدثت بهمس: برافو عليكي، كده أنين برا.
صافي: أظن كده أنا عملت اللي عليا.
سلوى: تمام أوي، بكرة هبعتلك هدية حلوة وكمان هبعت الفلوس لحسن عشان يخرس، أنا عارفاه كلب فلوس.
صافي: كده محدش أحسن من حد، عشان بعد كده تبقى تتنطط عليا وتقولي إنها أحسن مني.
سلوى: ولسه، لما أخلي عادل يكتب كل سلسلة الفنادق باسمي عشان هي متاخدش منه ولا مليم، ودلوقتي هو عارف إنها مينفعش تاخد ولا مليم منه، اصبري بس يفوق من الصدمة والفندق ده هيبقى ليا، وساعتها هديكي الفرع اللي قولتلك عليه.
صافي: تمام أوي، وأي خدمة أنا معاكي.
انهت المكالمة وهي تنظر أمامها بانتصار، تنتقم منها فقط لأنها واجهتها بحقيقة ما تفعل، هي حقًا تخطأ ولا تتحمل أن يواجها أحد بخطأها، وكما انتقمت من زياد على رفضه لها لذات السبب، انتقمت من أنين لأنها أخبرتها بأنها أفضل منها.
______________
عاد زياد إلى المنزل ووجد قمر تعد العشاء لهما، تحمل الصحون بيدها وتضعها على طاولة الطعام، نظرت له بابتسامة وقالت: كنت لسه هتصل بيك أسألك هتيجي أمتى عشان العشا، يلا عشان ناكل سوا.
حين رأى ابتسامتها الهادئة ووجهها الجميل، أبعد ذلك الضيق عن صدره وقال بابتسامة: طيب هغير هدومي وأجي.
أومأت له قمر وهي تنظر إلى أثره، ثم عادت إلى المطبخ لتحضر الصحون.
بعد وقت، تناولو العشاء معًا وقمر تتابع شرود زياد، فقالت بقلق: فيه حاجة حصلت وإنت برا؟
زياد: لأ، متشغليش بالك، أنا كويس.
قمر: طيب إيه رأيك نتفرج على فيلم سوا، ولا عايز تنام؟
زياد: لأ، نتفرج سوا.
ابتسمت قمر ونهضت لتأخذ الصحون إلى المطبخ، وقامت بإعداد بعض المقبلات، ثم خرجت لتضعها أمام التلفاز، سمعت زياد يتحدث بالغرفة بصوت حاد ويقول: أنا مشفتش في بجاحتك، بعد ما وقعتي بيني وبين أنين واتفقتي مع صافي علينا، جاية بتحاسبيني وتقوليلي مين البنت اللي كانت معاك؟
_زياد: أنا غلطان إني صدقت واحدة زيك، وفي الآخر خسرت أنين بسببك، أحسنلك مشفش وشك تاني ولو شفته متزعليش من اللي هعمله.
سمعت قمر ما قاله والدهشة تملكت منها، إذًا أنين مظلومة، هل سيعود إليها الآن؟
أغمضت عينيها بحزن، فهي تعلم أن زياد لايزال يحبها، وحين شعرت بالألم داخل قلبها بدأت تلوم نفسها، تحدثه بألم قائلة: ألم أحذرك من الوقوع بحبه، الآن سنجني ثمار الألم وحدنا.
ثم أخذت قرار بأن تنهي هذا الزواج برغم ذلك الأمل الذي كان بقلبها كي يختارها هي.
رواية قلبي عدوك الفصل السابع عشر 17 - بقلم رباب حسين
نهاية لم تُكتب بعد لكنها بدأت تنبض بالألم.
بين قلب قرر أن ينسحب بصمت حتى لا يؤذي، وقلب آخر ما زال عالقًا بين ما كان وما قد يكون، تقف المشاعر على حافة قرار لا يعرف الرحمة.
قمر لم تكن الأضعف، بل كانت الأقوى حين قررت أن تتخلى... أن تُحب بصمت وتنسحب بكرامة، تاركة خلفها قلب بدأ يميل إليها لكنها اختارت أن لا تكون سببًا في كسره أو تشتيته أكثر.
أما أنين فقد سمعت أخيرًا ما لم تتوقعه، اعتراف جاء متأخرًا من قلب أحبها بصدق لكنه لم يصل إليها في الوقت الصحيح. ورغم ذلك لم يتحرر قلبها بعد فلا يزال أسيرًا لنبض آخر، لاسم لم تستطع محوه، لذكرى لم تُغلق أبوابها بعد... زياد.
وبين تضحية صامتة واعتراف صادق وقلب حائر؛ تبدأ خيوط العشق في التشابك أكثر، حيث لا أحد يعلم من سينتصر في النهاية: القلب الذي يحب أم القلب الذي اعتاد؟
ابتعدت قمر عن الباب وجلست أمام التلفاز بهدوء، ابتلعت غصة الألم داخل قلبها، وبدت على طبيعتها، قد قررت أن تبتعد عنه والآن عليها فقط أن تسقي قلبها بحبها التعيس، سمحت لنفسها بأن تسرق بعض اللحظات معه، ربما تكون الليلة هي آخر ليلة تجمعهما سويًا.
خرج زياد من الغرفة ومعالم الضيق على وجهه، وحين رأها تجلس أمام التلفاز وقد أعدت لسهرة بسيطة، والأهم من ذلك ابتسامتها الهادئة التي تزين وجهها، هدأت ملامحه واقترب منها ثم قال: ده موفي نايت على حق بقى.
قمر: كنت بعمل كده مع الأولاد لما برجع بدري من الشغل ساعات.
زياد: وياسر كمان؟
قمر: لأ، ياسر حتى لما كان بيقعد في البيت كان بيبقى قاعد لوحده.
زياد: هو إنتي وهو كنتو متجوزين عن حب؟
قمر: لأ خالص، كان جواز تقليدي يعني، بس بعد كده خدنا على بعض، ومع الأولاد الحياة كانت مستقرة، عدا بس تسرعه في الطلاق ده وشكه الغير مبرر.
زياد: أنا شايف إن الغيرة طبيعية لكن ليه شك؟
قمر: مرة كنا بنتكلم سوا والحوار كان فيه شد شوية، قالي ساعتها: "ربنا هيردلي اللي أنا بعمله. " فهمت وقتها إنه بيخوني، ولما واجهته والحوار كبر وبقى مشكلة كبيرة قعد يحلف إنه مش بيخون ولا حاجة.
زياد: وطلع بيخونك ولا لأ؟
قمر: طبيعة شغله متسمحليش إني أقدر أراقب أو أتأكد من حاجة زي ديه، هو كل يوم في بلد شكل، عشان كده صدقته، لأني لو فضلت أشك فيه من غير دليل أنا اللي هتعب مش هو، وساعتها قلت ربنا هيكشفه قدامي لو فعلًا بيخوني.
زياد: بس إنتي كده صدقتيه عشان عايزة تصدقيه بس، معقول كنتي بتحبيه للدرجة ديه؟
قمر: وقتها افتكرت زيك كده، بس عارف لما بعدت عنه عرفت إني صدقته لأنه مش فارق معايا، ويمكن الإحساس ده كان سبب تاني إني متجوزش محلل.
زياد: طيب ليه وافقتي تتجوزيني؟
نظرت له قمر داخل عينيه، قلبها ينبض بعنف، لا تصدق أن السبب الحقيقي وراء الموافقة على الزواج منه هي قلبها الذي مال إليه دون أن تنتبه، منعت عقلها الذي أخبرها بالسبب الحقيقي ولم تصدقه، واضعةً أمامها فارق السن الذي بينهما، حاولت أن توقف ذلك العشق الأحمق ولكن للقلب أحكام أخرى.
طال الصمت، وتحدثت العيون بما في القلوب، قلبها ينبض بحبه ويتألم من قرار فراقها، لم تعد تستطيع أن تبعد عينيها عنه، أما هو فكان متخبطًا، يعلم أن أنين الآن بريئة، تعجب من نفسه حين عرف حقيقة ما حدث، كان يجب أن يركض نحو أنين ويعتذر لها عما فعل، ولكن تفاجأ أنه لا يرغب بالذهاب إليها، وأخبر نفسه متحججًا أن عليه إنهاء زواجه من قمر أولًا، وبالرغم من ذلك فهو يتمنى أن لا ينهي هذا الزواج.
وحين انتفض قلبه من نظرتها الهادئة التي حركت قلبه نحوها أكثر أردف: مش عارفة إتجوزتيني ليه؟
سيطرت قمر على مشاعرها وقالت: عشان الولاد، ما أنت عارف إن ياسر بيوقع بيني وبينهم.
تنهد زياد وقال: اه صح. طيب هنشوف فيلم إيه؟
قمر: تحب تشوف عربي ولا إنجليزي؟
زياد: الاتنين عادي، خلاص نشوف الجديد ونتفرج عليه.
بدأت قمر تبحث عن فيلم جديد، ولكن انتبهت إلى رسالة من لوسيندا، فأعطت زياد جهاز التحكم وقالت: دور إنت وأنا هشوف لوسيندا عايزة إيه.
بحث زياد عن الفيلم وقام بتشغيله، ثم نظر إليها وجدها تفعل شيء بتركيز على هاتفها، فقال: فيه حاجة ولا إيه؟
قمر: لأ ديه لوسيندا عايزة فلوس تشتري حاجة، بس الظاهر ياسر مش معاه يكمل.
زياد: مش المفروض هو اللي بيصرف عليهم.
قمر: مرتب ياسر مش مكفي طبعًا، الشركة هي اللي مساندة البيت في المصاريف.
زياد: يبقى مكنش المفروض يطلع رحلة زي ديه مع الأولاد، ولا هو معتمد عليكي؟
ابتسمت قمر باستهزاء وقالت: أكيد يعني معتمد عليا.
زياد بضيق: قمر إنتي بتعملي إيه؟! ديه فلوسك إنتي وشركتك إنتي، المفروض يصرف هو على أولاده وبيته، ولو مش معاه يعيش على أد مرتبه، إنتي تساعدي اه بس مش تشيلي مسئولية البيت وكمان يطلع الغردقة وإنتي اللي تصرفي على ولاده من هنا.
قمر: أنا عمري ما حسبتها كده، دايمًا لما كنت بلاقي حاجة ناقصة في البيت كنت بجيبها وخلاص، والأولاد بيطلبو مني أو منه عادي، اه الأكتر كان مني أنا لأن الشركة دخلها أكبر، بس مفكرتش في اللي إنت بتقوله ده.
زياد: الكلام ده لو عايشين مع بعض زي ما بتقولي تمام، هو بيصرف وإنتي بتصرفي، مع إن هو يبقى عليه المسئولية الأكبر وإنتي تشاركي ذوقيًا، لكن إنتو دلوقتي مطلقين، وهو واخد ولاده ورايح بيهم الغردقة وإنتي اللي بتصرفي عليهم! شايف إن ديه حركة مش حلوة منه خالص ولا فيه آسف يعني ذرة رجولة.
قمر: طيب ممكن متتعصبش، إنتي عصبي أوي على فكرة.
زياد: أنا متضايق منه أصلًا عشان سايبك تشتغلي، بس دلوقتي فهمت هو سايبك تشتغلي ليه.
قمر: وأنا دلوقتي فهمت إنك مش هتمنع مراتك تشتغل تحكم وبس، إنت مسئول، غير ياسر خالص، كنت فهماك غلط الأول.
زياد: مراتي هتبقى مسئولة مني، يعني إنتي مسئولة مني، حتى لو مش هقدر أعيشها بنفس المستوى اللي عايشة فيه بس على الأقل مش هخليها تحتاج حاجة، أنا سايبك تنزلي الشغل بس عشان عارف إن جوازنا مؤقت.
ظهر الحزن على وجهها وقالت: صح، هو ساعة واحدة زي ما قلت.
زياد: لأ، وأرجوكي انسي الكلمة ديه، إنتي عندي أكبر من كده.
قمر: ولو نسيتها، هيحصل إيه؟
زياد: ساعتها مش هتحسي إنك نزوة، لأ إنتي مراتي فعلًا، ووقتها...
اقتربت منه ونظرت داخل عينيه، لم يعد بينهما سوى سنتيمترات قليلة، ارتبك زياد وازدادت ضربات قلبه، لم يستطع أن يبعد عينيه عنها، أما هي فكانت تعلم أن هذه بداية النهاية بينهما، وبدأت تقترب أكثر.
لم يدرك زياد ما يفعل، ولكن تذكر على الفور أنه إذا اقترب منها أكثر عليه أن يطلقها وتعود إلى ياسر، فدفعها عنه بهدوء، نظرت له بتعجب، كان يغلق عينيه بقوة، وكأنه يحارب نفسه بأن لا يقترب منها، فقال: ممكن... نأجلها بكرة؟
شعرت قمر بالخجل ونظرت بعيدًا عن عينيه، لم تتحمل أن تبقى بجواره وهو يرفضها، كادت تنهض ولكن قبض على يدها وقال: آسف، بس إنتي فجأتيني، متفهمنيش غلط.
قمر: لأ مفيش مشكلة، أنا بس هدخل أنام عشان الشغل الصبح.
تركته ودخلت غرفتها، أما هو فكان يتنفس بصعوبة، عقله يفكر بما يحدث له، ما هذا الضعف الذي أصابه حين اقترب منها، ولماذا قلبه ينبض بتلك القوة، لم يعد قادر على تحمل حيرته، عليه أن يقرر الآن، فإذا كان يحبها حقًا فلا يجب أن يطلقها.
_______________
مضى الليل قاسيًا على الجميع، بين أب ترك ابنته الوحيدة بالشارع لا يعرف أين ذهبت، وغضبه الذي يسيطر عليه، ومع ذلك قلبه يألمه مما فعل.
وبين التي ارتمت بين يديه ليثبت لها قلبها بأنه ملكًا له هو ولكن صفعها برفضه لها، وإن كان القدر لا يسمح لها بأن تنعم بأحضانه ليلة واحدة قبل الفراق.
وبين ذلك القلب الذي لم يعد يعلم لمن ينبض.
وبالجهة الأخرى، كان هناك قلب يترنح بين السعادة والحزن، حبيبته غفت على عاتقه وكأنه مصدر الأمان الوحيد لها، نعم حبيبتي.... فلن تجدي موطنًا كصدري أبدًا، ولكن هناك شرخ بقلبه يحاول أن يرممه بنفسه، اعترف بحبه لها ولم تبدي أي اهتمام، يعلم أن ما تمر به الآن لا يحتمل ولكن ما يضفي لهيبًا على جرحه هو قلبها الذي لايزال ينبض له هو فقط.
أشرقت شمس الصباح، ونزل عادل من غرفته بكل شموخ وهو يرتدي حلته التي أظهرت كم هو متماسك، لا يريد أن يظهر ضعفه أمام أحد، ثم جلس على الطاولة بجوار سلوى وقال: صباح الخير.
سلوى بقلق: صباح النور يا حبيبي، عامل إيه دلوقتي؟
عادل: أنا كويس متخافيش.
سلوى: طيب أفطر يلا، إنت مكلتش حاجة من إمبارح.
أومأ لها وشرع بالأكل، كانت تراقبه بصمت، وهو يلاحظ نظراتها، فترك الطعام من يده وقال: هسمحلك تتكلمي في الموضوع مرة واحدة بس، أكتر من كده لأ، اتفضلي.
سلوى: معقول يا عادل تطرد البنت برا البيت؟
عادل: يعني اللي عملته ده هو اللي في عقل، عايزاني أسيبها في بيتي لحد ما الاقيها حامل من واحد في الحرام، على الأقل لما توصل للمرحلة ديه يبقى الناس عارفين إنها مش بنتي.
سلوى: بس كل الناس عارفة إنها بنتك، يعني بدل ما تحاول تصلح منها ترميها، وفي الآخر هي وريثتك الوحيدة يعني هترجع هترجع.
عادل: حاولنا نصلح منها عملت إيه؟! طفشت ابنك من البيت عشان كاتم على نفسها، وبعدين مين قال إنها وريثتي الوحيدة، إنتي وآسر أولى بالفلوس ديه أكتر منها، ده أنا بحمد ربنا إن آسر موجود، على الأقل هيحافظ على مالي وشقى عمري، بدل ما الهانم تضيعوه، اسمعي يا سلوى، البت ديه مبقاش ليها وجود في حياتي، ومش هتطول مني ولا مليم وأنا عايش ولا حتى بعد ما أموت، وكل ثروتي هتتكتب ليكي إنتي وآسر بيع وشرا.
سلوى: لأ، أنا مش عايزة أي حاجة غير إني ابقى جنبك، ويارب يجعل يومي قبل يومك، أنا مقدرش أعيش من غيرك ومش هيكفيني مال الدينا يعوضني عنك.
عادل: وعشان حبك ليا وقلبك الطيب ده إنتي أولى بالفلوس ديه.
ابتسمت بخجل وبداخلها تتراقص فرحًا بنجاح مخططها أخيرًا، فمنذ أن قابلت عادل أول مرة وهي تتمنى أن تتزوج منه، الطمع زين بعينيها كل ما هو محذور، لم تعد تهتم للحلال والحرام، بعد أن عرفت الجوع والقهر على يد رجال لم يعرفو معنى الرحمة، بعد وفاة زوجها وسرقة أخواته لأمواله، لتجد نفسها على حافة الطريق تحمل طفل لا يعي بشيء، يبكي جوعًا وبردًا.
كانت تبحث عن عمل بشرف ولكن كل من رأها نهش بجسدها، حاولت أن تحمي نفسها من غدرهم، تحملت الجوع والألم والمرض حتى تحضر طعامًا قليلًا لابنها، وأصبحت تبحث عن المال فقط، وحين رأت عادل طمعت بأمواله، ظلت لسنوات بجواره تتقن دور العاشقة المخلصة، حتى وصلت إلى غايتها بالأخير، والآن لن تعود لذلك الفقر والجوع أبدًا.
_____________
استيقظت أنين ورفعت رأسها وهي تفتح عينيها بنعاس، وجدت آسر يجلس بجوارها ويغط بنوم عميق، ظل طوال الليل يحتضنها وأبى أن يتركها وحيدة، تذكرت اعترافه له، لا تنكر أنها تأثرت بكلماته، ولكن ما رأته أمس جعل عقلها في تشتت، ثم تذكرت ذلك التسجيل، عادت الرعشة داخل جسدها، ولم تتحمل ذلك الألم، فبكت حتى استيقظ آسر على صوتها، نهض بفزع وقال: مالك؟ بتعيطي ليه تاني؟
أنين: مش قادرة انسى الفيديو ده، هعمل إيه يا آسر، لازم الفيديو ده يتمسح، لازم أعرف مين عمل فيا كده، أنا مش هرتاح غير لما ألاقي الفيديو الأصلي عندي واتأكد إن محدش هيشوفوه.
آسر: حاضر، هعملك كل اللي إنتي عايزاه، بس بطلي عياط عشان خاطري، ثقي فيا، وبعدين أنا هراقب كل شبكات الأنترنت، لو نزل حاجة زي ديه همسحها فورًا، متخافيش.
أنين بصدمة: هو ممكن ينزل صح؟
آسر: أنا بتكلم في أسوء الظروف، لكن أعتقد إن اللي صوره غرضه بس يوقع بينك وبين باباكي، تفتكري مين ليه مصلحة إن ده يحصل؟
أنين: مفيش حد طبعًا.
آسر: مش عارف ليه شاكك في صافي.
أنين: صافي هتعمل كده إزاي؟
آسر: طيب بصي، أنا عايزك تحكيلي إيه اللي حصل بالظبط، وحصل إزاي.
أنين: معرفش، بس إمبارح حصلت حاجة غريبة مش قادرة أمنع دماغي إنها تربط الموضوعين ببعض.
آسر: حصل إيه؟
أنين: أنا خلصت محاضرات وكنت مروحة، أول ما فتحت عربيتي حد حط منديل على وشي ومحستش بأي حاجة بعدها، وبعدين فتحت عيني لقيت نفسي جوا العربية ومحدش جنبي وباب العربية مقفول عليا.
آسر: ما مش معقول الفيديو بالوصف ده يتصور جوا الجامعة.
أنين: بس فيه حاجة تانية، لما فتحت عيني كان فات ساعتين عن الوقت اللي كنت أصلًا مروحة فيه.
آسر: يعني ممكن يكون حد خدك ورجعك تاني، لو الموضوع كده يبقى عايزين ندخل نشوف تسجيل الكاميرات وكمان الأمن، ممكن نطلب ده من دكتور خالد.
أنين باندفاع: لأ، كده هتفضح.
آسر: ما لازم نعرف الحقيقة يا أنين، وبعدين إحنا هنشوف الكاميرات بس، ممكن نقوله أي سبب غير الفيديو ده.
أنين: اه ممكن، بس.... فيه حاجة خايفة منها.
آسر: إيه هي؟
أنين بخجل: تفتكر... هو لمسني فعلًا؟ يعني أنا دلوقتي إيه؟! بنت ولا...
حاول آسر أن يتمالك أعصابه أمامها، وقال: حتى لو ده حصل... ده مش عيب في حقك، إنتي مغلطيش في حاجة، ومحدش ليه حق يحاسبك.
بكت أنين، الخوف يعصف بقلبها، لم يتمالك آسر دموعه أكثر، مجرد تخيله أن هناك من فعل بها ذلك ادمى عقله وقلبه، روحه تصرخ من داخله، وقرر أنه سيظل معها مهما حدث، ثم جذبها داخل أحضانه وقال: طيب خلينا منفكرش وخلاص، تعالي نروح لدكتورة ونطمن.
أنين: مش متخيلة إني هعمل كده، مش قادرة استحمل كل ده، ليه بيحصل فيا كده ليه؟ أنا عملت إيه عشان حد يعمل فيا كده، لو طلع لمسني فعلًا هموت نفسي.
ابعدها آسر عنه وقال بغضب: نفسك مش ملكك عشان تموتيها، كل حاجة في الدنيا ليها حل، وأن جنبك ومش هسيبك، عمري ما هتخلى عنك مهما كانت النتيجة إيه، أصلًا مش فارقة معايا، وجودك هو اللي مهم، إنتي اللي مهمة عندي وبس.
أنين: متحبنيش يا آسر، أنا مستهالش حب حد، أنا مستاهلكش، أنا خلاص ضيعت، إنت طول عمرك بتدور على واحدة محترمة وبنت ناس، مش أنا، مبقتش أنا.
آسر: ممكن تسكتي، بطلي الكلام ده مش قادر اسمعه.
أنين: إذا كان مش قادر تسمع هتعيش فيه إزاي، هتعيش مع الحقيقة ديه إزاي، أنا مقدرة إنك بتحبني بس أنا منفعكش خلاص، خليك جنبي وساعدني عشان مليش غيرك دلوقتي، بس متحبنيش.
آسر: مش بمزاجي، حبي ليكي مش بمزاجي، لو كنت أقدر أمنع قلبي من إنه يحبك كنت منعته من زمان، إنتي مش عارفة أنا بحبك أد إيه، ولو سمحتي قومي غيري هدومك ويلا نروح للدكتورة، ولحد ما نطمن مش عايز اسمع منك ولا كلمة في الموضوع ده.
أومأت له ونهضت لتبدل ثيابها، ووضع آسر يده على رأسه بأرهاق، يطمئنها وهو من يحتاج أن يطمئن عليها، ولكن بداخله قرارًا لن يرجع عنه، لن يتخلى عنها مهما كانت النتيجة، بل سيذهب إلى المأذون على الفور إذا كانت النتيجة سيئة.
رواية قلبي عدوك الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل الثامن عشر
بات الخجل والندم يتناوبان على شغف قلبها، يضربان بكبريائها دون رحمة، وتسارعت اللعنات تلاحق قلبها، وعقلها يصفعها بحساب قاسي لا مهرب منه.
والدموع التي عصتها، تجمدت داخل مقلتيها تأبى الهروب، وكأن جسدها يعصي أوامرها عنوة حتى تتعلم من هذا الدرس القاسي.
وكلمة تتردد داخل عقلها؛ أحد من السيف، أقوى من النيران، تلتهم مشاعرها في إعصار لا يهدأ:" رفضني"
ليست مجرد كلمة، بل انهيار لأنوثتها ليخبرها دون حديث أنه ملك غيرها، تأكدت بأنه يحبها هي، وإذا كانت رأت نظرة الضعف في عينيه بعد أن اقترب منها؛ فما هي سوى نزوة بالنسبة له ليس أكثر.
لم يعرف النوم طريق لعينيها، ظلت طوال الليل تفكر كيف ستواجهه بالغد، حتى قررت بالصباح أنها لن تذهب إلى العمل.
أما هو، فكان بين شقي الرحى، مشاعره وضعته في هذا المأذق، يرغب بأن يعرف الحقيقة، يود لو أن هناك من يساعده ولكن من؟
يغلق عينيه بألم كلما تذكر نظرة الانكسار التي ارتسمت على وجهها، كيف يصلح هذا الخطأ الذي ارتكبه بحقها؟
وحين خرج من غرفته صباحًا لم يجد لها أثر، لم تخرج من غرفتها بعد، لذا انتظر قليلًا حتى تخرج وعندما تأخرت اقترب من الباب بخجل وطرقه بهدوء وقال: قمر... إنتي نايمة؟
نظرت إلى الباب وقلبها يرتعش، وكأن الموت يطرق بابها وينتظر أن تفتح هي الباب ليقبضها، هوى قلبها من الخوف وبدأت تنظر حولها تبحث عن مهرب، فتكرر صوته مناديًا باسمها مجددًا، فنهضت بخطى مثقلة وفتحت الباب، عينيها تحمل الكثير، الألم يعتصرها، ملامحها انطفئت والحزن قد رسخ جذوره بقلبها، لعن نفسه ألف مرة على ما فعل، هو يحارب تلك الرغبة التي تملكت منه بالأمس، يريد أن يبقى معها ولكن يتروى حتى لا يظلمها، والأصعب أنه ليس لديه فرص أخرى، يخشى أن تطلب منه الطلاق وهو لايزال متخبط، ويعيش مع الندم بعد أن تعود لزوجها وتتركه وحيدًا.
فأصبح القرب بداية البعد، والبعد أقسى من القرب.
برغم ما يشعر بها فلم يتحمل رؤيتها هكذا فقال بمزاح: طيب أنا عايز أسأل سؤال، هما الحلوين حتى وهما مش نايمين وتعبانين بيبقو حلوين كده إزاي؟
ابتسمت على استحياء وأشاحت بعينيها عنه، فأردف: لأ، ما هو الضحكة كمان حتى وهي خارج بالعافية بتدبح برده، ما تخفي على الغلابة يا ست قمر.
ضحكت قمر وقالت: معملتش حاجة.
زياد: لأ هو إنتي مش محتاجة تعملي حاجة، القمر قمر مفيش عليه اختلاف، يعني عمرك سمعتي حد بيتخانق مع حد ويقوله لأ ده مش القمر مثلًا؟! مفيش طبعًا، القمر معروف.
قمر: شكلك فايق أوي النهاردة.
زياد: الصراحة اه، ومش عايز أروح الشغل، وبما إن القمر زعلان كده فالعبد لله مش هيسكت غير لما القمر ينور تاني، فا إلبسي أحلى طقم عندك ويلا بينا.
ثم نظر إليها قليلًا وأردف: بلاش أحلى طقم، يعني مش عايز أتخانق مع حد، خليكي في الوسط.
ثم ضيق عينيه قليلًا وقال: لأ برده هتخانق، بصي إلبسي النقاب ويلا بينا.
ضحكت قمر فقال: أيوه كده، أنا بس أشوف الغبي اللي زعلك وأنا أعلمه الأدب.
نظرت له بتعجب وقالت: الغبي اللي زعلني!
زياد: عيب بقى، أنا أشتم نفسي بس، عيب تشتميني على فكرة، ويلا عشان أنا جعان وعايز أفطر برا البيت.
أومأت له ودخلت الغرفة كي تستعد، لا تنكر أن حديثه كان مهدئًا لطيفًا على قلبها، فمزاحه وابتسامته جعلها تنسى ذلك الخجل، عدا غزله بها ليعيد القليل من ثقتها بنفسها.
وفي ذلك الوقت، كان هناك من ينتظر خبرًا قد يكون الأسوء على الأطلاق، بعض الحروف التي فقط تخيلها داخل عقله تُهزمه، تشطر قلبه نصفين بسيف حاد مسموم، فماذا لو سمع تلك الحروف؟!
يقف أمام باب غرفة الطبيبة، يدعو بدموع قلبه ألا يسمع ذلك الخبر، وأصبح الوقت بطيئًا، الدقائق تمر كالدهر، عينيه تراقب الباب وأنفاسه تخشى أن تواجه الحقيقة، اختبأ خلف جموده وقوته الزائفة أمامها كي يصبح عونًا لها بما تمر به، ولكن بالحقيقة هو يبكي من داخله كطفل يواجه العالم بمفرده لأول مرة، يخشى الفقد، تائه الخطى، يبحث عن وجه مألوف يعيد له الأمان، وبالرغم من ذلك عليه إن يكون مصدر الأمان لها.
مرت الدقائق وهو ينتظر، حتى خرجت أنين وارتمت بين أحضانه تبكي، استجمع شجاعته الكاذبة وقال: عملتي إيه؟
ابتعدت عنه قليلًا وقالت بابتسامة ممزوجة بالبكاء: مفيش حاجة، محصليش حاجة خالص، أنا زي ما أنا.
تنفس، نعم هو فقط شعر بالهواء يدخل بصدره، وكأنه خرج من قاع المحيط للتو ليستنشق الهواء بكل ما فيه، ثم حملها بين ذراعيه وأخذ يدور وهو يحملها بسعادة، عادت ابتسامته التي أعادت السعادة داخل قلبها.
ثم توقف وأنزلها أمامه، نظرت له بامتنان، عينيها تشكره بكل ما فيها، فهو حقًا خير سند لها في كل هذه الظروف، ثم تذكرت ما قالته له سابقًا، شعرت بالخجل من نفسها فقالت: أنا قبل أي حاجة عايزة أعتذرلك عن أي كلمة قولتها في حقك، سواء العربية أو بابا اللي قلت إنك عايز تخطفه مني...
قاطعها قائلًا بسعادة بالغة: تعتذري إيه بس دلوقتي! أنا نسيت الكلام ده كله، الخبر اللي قولتيه دلوقتي نساني كل الحزن اللي شفته في حياتي كلها.
أنين: هو... لو النتيجة كانت عكس كده كنت هتعمل إيه؟
آسر: كنت هكتب عليكي فورًا.
فتحت عينيها بصدمة وقالت: ده إزاي؟!
آسر: أيوة وطبعًا، هكتب عليكي ومش فارق معايا حد غير إنك تعيشي راسك مرفوعة وسط الناس، محدش يقول عليكي كلمة واحدة.
أنين: أفرض الفيديو نزل بعد كده كنت هتعمل إيه؟!
آسر: كنت هرفع قضية تشهير على أي حد يرفعه، ولو بتتكلمي على كلام الناس فا مش فارق معايا أصلًا، إنتي عندي أهم من الدنيا كلها.
أنين بخجل: إنت إزاي بتحبني كده وإنت عارف إني بفكر في حد تاني؟
آسر: هو أنا المفروض أحب بس اللي ممكن تحبني؟! قلبي سابني وراحلك من غير تفكير وديه حاجة مش بإيدي، وحتى لو مبقتيش ليا وبقيتي مع حد بتحبيه عمري ما هقف في طريقك، أنا أهم حاجة عندي إنك تكوني مبسوطة.
داعب حديثه مشاعرها، حبه صادق لا يشوبه خطأ، يعشق دون مقابل، يعطي ويضحي فقط لأجل سعادتها، فهل هناك أمل لهذا العشق أم لا؟
أما هو فحاول أن يتماسك أمامها، يحبها ويرغب بأن تكون له هو ولكن ما باليد حيلة، فقال مغيرًا مجرى الحديث: إحنا مكلناش من إمبارح، ممكن نروح بقى.
أنين: عايزاك تروح البيت تجيب هدومي من هناك، محدش في البيت دلوقتي.
آسر: حاضر، وهتصل بعمي عادل أقوله إنك معايا، أكيد هو قلقان عليكي.
أنين بحزن: مفتكرش.
آسر: مش معنى إنه زعلان منك إن قلبه مقفول من ناحيتك، يلا بس نمشي وأنا هكلمه.
اتصل بعادل فتلقى المكالمة وقال: أيوه يا آسر، مجتش ليه إمبارح؟
آسر: لأ أنا جيت، بس قابلت أنين برا وعرفت اللي حصل، أنا بتصل بس عشان اطمنك عليها.
عادل بضيق: مش عايز أعرف عنها حاجة.
لم يحاول آسر أن يوضح كلماته أمامها فقال: طيب يا عمي متقلقش عليها يعني، مش هعطلك عن الشغل.
عادل: ابقى تعالى نتعشى سوا، لوحدك فاهم.
آسر: حاضر يا عمي أكيد إن شاء الله.
ثم انهى المكالمة ونظر إلى أنين التي تراقب باهتمام، ثم قالت: قالك إيه؟
آسر: ولا حاجة، قالي كويس إنها معاك، وخلي بالك منها، بس.
أنين: حاسة إنك بتكدب.
آسر: تؤ، إيه ده! عيب على فكرة، أنا كداب برده.
أنين: لأ مش قصدي كده.
آسر: بقولك إيه يلا بينا أنا جعان.
جذبها من يدها وغادرا العيادة، ثم ذهبا إلى منزلها.
انهى عادل المكالمة ونظر أمامه بشرود، لا ينكر قلقه عليها، فلم يكن يعلم أين مضت تلك الليلة، ووجودها مع آسر قد أراح قلبه قليلًا، ربما ما حدث معها جعلها تعود عن الطريق الذي مضت به من قبل، ولكن قد فات الوقت.
______________
أما زياد، فأخذ قمر إلى مطعم يطل على النيل، شمس الشتاء الدافئة أدفئت قلبيهما بعد كل هذا الصراع، ربما عليه الآن أن يسرق لحظات من الزمن ويقضي يومًا معها ينسى ما أرهق قلبه بالأمس.
ظل يطالعها وهي تنظر أمامها بشرود، قلبه ينبض بعنف، ومع ذلك يتروى كي لا يخسرها، ثم قال: هتفضلي ساكتة كده؟
نظرت له قمر وقالت: لسه بتحبها صح؟
تفاجأ زياد بسؤالها فتحمحم قليلًا وقال: هتصدقيني لو قولتلك مش عارف؟
قمر: أنا سمعتك وإنت بتتكلم في التليفون إمبارح، أنين طلعت مظلومة، ليه مروحتش عندها لحد دلوقتي؟ ليه مكمل في الجوازة ديه وإنت عارف إنها ممكن تنهي اللي بينكم المرة ديه بجد؟
زياد: براحة عليا يا قمر، ليه بتهاجميني كده؟
قمر: بحب ابقى واضحة.
زياد: طيب، بما إنك بتحبي الوضوح، هل اللي عملتيه إمبارح ده عشان تنهي الجوازة بسرعة وارجع لأنين؟
قمر: مش هكدب عليك، ديه حقيقة.
زياد: هو إنتي مش حاسة من ناحيتي بأي حاجة؟
توترت قمر ولم تجيب، فأردف: اللحظة اللي جمعتنا إمبارح تقريبًا فضحت كل حاجة، بس بما إننا فتحنا الموضوع فتعالي نتكلم بصراحة، إنتي فعلًا عايزة ترجعي لياسر؟
قمر: لأ، بص الصراحة أنا كنت دايمًا حاسة إن علاقتنا أنا وياسر فيها حاجة ناقصة، حاجة مش عارفة أكملها مهما حاولت، ولما أطلقنا كان كل همه إن إحنا نرجع وبس، لكن ٣ شهور العدة كانو اختبار حقيقي لينا، وأنا كنت رافضة جواز المحلل لأسباب كتير، وعلى فكرة فيه ناس كتير عرضو عليا الجواز قبلك ورفضت، ومكنش بغرض محلل كمان، بس لما إنت طلبت مني ده مقدرتش أرفض ومتسألنيش عن السبب لإني معرفش، لكن اللي أنا أتأكدت منه بعد ما عشت معاك الفترة البسيطة ديه إن اللي كان ناقص في علاقتي مع ياسر هو أنا، ياسر عمره ما حسسني إني حد مهم في حياته، عمره ما اهتم بزعلي ولا حتى فكر يراضيني، لكن إنت قدرت تعمل كده وفي فترة بسيطة جدًا.
ثم تنهدت وقالت بحزن: أنا طول الليل منمتش وقاعدة بفكر هواجهك إزاي بعد ما... رفضتني، لكن إنت بكلمتين وشوية اهتمام خلتني قاعدة قدامك دلوقتي وبتكلم بكل ثقة عن وضعنا، وحقيقي فيه راجل بيدي للست مساحتها وحقها إنها تعبر عن اللي جواها وراجل معندوش أوبشن إنه يسمعها أساسًا، فبرغم كل اللي حصل أنا بشكرك على إنك خلتني أعرف أنا فين ومين اللي يستحق إني أعيش معاه.
زياد: ويا ترى أنا أستحق ده ولا لأ؟
نظرت له وشردت قليلًا، هي تتمنى أن تظل معه ما تبقى من عمرها، ولكن فارق السن بينهما، وظروفهما الإجتماعية يمنعها من أن تطمع بأن يكون لها، أخفت ذلك العشق المهزوم داخل قلبها وكادت تجيب، ولكن قاطعها اتصال على هاتفها من الشركة، فقالت: ممكن أرد الأول؟
تنهد زياد وأومأ لها بأن تجيب، فتلقت المكالمة وسمعت المساعدة تقول: مدام قمر، فيه واحدة هنا عاملة قلق شوية وبتقول إنها عايزة تقابلك ضروري، فهمتها إنك مش موجودة بس مش مصدقاني ومش عايزة تمشي غير لما تقابلك.
قمر: طيب، أنا جاية.
نهضت قمر ووقفت أمامه فقال: فيه حاجة في الشغل؟
قمر: اه، هشوف فيه إيه لما اوصل، هتيجي معايا؟
زياد: هاجي، بس اسمع الرد الأول.
حاولت التهرب منه ولكن أصر فقالت: صعب أوي يا زياد نبقى مع بعض، أنا طمعت، اعترف إني غلطت لما طمعت في حبك، معرفش إزاي وافقت على الجواز منك بالسهولة ديه، يمكن السؤال كان في دماغي بس كنت بتهرب من إجابته، لكن دلوقتي مبقاش فيه مفر، أنا حبيتك بس عمري ما هعمل كده فيك، عمري ما هبقى أنانية وأقولك خليك معايا، إنت لازم تعيش حياتك مع واحدة من سنك تستحقك، وإنت بتحب أنين وطلعت مظلومة، يبقى ترجعلها، ولو على الجواز فا أنا مبقتش محتاجة محلل لأني مش هرجع لياسر، حبي ليك كان أكبر إثبات إن علاقتي بيه كانت فاشلة، وأنا مش هرجع لياسر تاني، متعقدش علاقتك بأنين بسببي أكتر من كده وروحلها، هي اللي تستحق تبقى معاها.
اعترفت بحبها، لم يعد للقلب سبيل في السيطرة عليه أكثر، كانت أشجع منه بأن تواجه الحقيقة كاملة، اعترفت بحبها وبذات الوقت تطلب الابتعاد عنه، كل ما عليه الآن أني نفي رغبته في العودة إلى أنين، فإن كان هناك تخبط بمشاعره تجاهها فهذا أكبر دليل على إن ما كان يشعر به نحو أنين لم يكن حبًا حقيقيًا، ولكن هذا النبض يعلن بصراحة لمن يعشق، زياد: مين قالك إني عايز ارجع لأنين؟ هو إنتي مش حاسة باللي جوايا، محستيش إمبارح إن مشاعري اتحركت ناحيتك.
قمر: إمنعها، وقف مشاعرك، ده الحل الوحيد.
كادت تذهب فأمسك يدها وقال: استني، الكلام مينفعش يخلص كده.
قمر: طيب ممكن نأجله لحد ما نروح الشركة؟
تنهد وأومأ لها ثم ذهبا معًا.
أما آسر، فقد أحضر ثياب أنين من منزلها ثم خرج وهو يحمل حقيبة الملابس، كانت أنين تنتظره بالسيارة الأجرة، وحين صعد بجوارها قال: خلاص، خليت الخدامة تلم كل حاجتك عشان مكنتش أعرف مكانهم.
أنين: شكرًا، بس... عايزة أطلب منك طلب كمان.
آسر: قولي.
أنين بخجل: عايزة أروح بيت زياد، لازم أقابله ضروري، فيه كلام كتير عايزة أقوله، متفهمش الموضوع غلط...
قاطعها آسر بجمود وقال: مش محتاجة تبرري، أكيد عايزة تثبتي برائتك، وتقوليله على اللي صافي وسالي عملوه، تمام نروح دلوقتي، قولي للسواق العنوان.
ثم نظر عبر النافذة، يجاهد ذلك الألم الذي يصفع قلبه، روحه تأن بل تصرخ بقوة، إلى متى سأتحمل كل ذلك؟ هل أوصلها بنفسي لرجلٍ غيري؟ يا لك من قلبٍ أحمق لا تعرف سوى التضحية.
شعرت أنين بأنه يتحكم بمشاعره لإجلها، ولكن عليها أن تخبر زياد بكل شيء.
بعد وقت، وصلت أمام المنزل، نزلت أمامه وهو يتابعها بقلب يتأوه من الألم، قبض على يده من شدة الغضب، يحاول أن يسيطر على مشاعره بقوة، وأخذ يتنفس ويربت على قلبه كطفلٍ يبكي بين أحضانه.
وقفت أنين أمام الباب ثم طرقته، فتحت تالين ورأتها تقف أمامها، فقالت بابتسامة: أهلًا يا أنين، إزيك؟
أنين: الحمد لله.
تالين: إتفضلي إدخلي.
أنين: لأ مرة تانية، أنا بس كنت عايزة أقابل زياد.
تالين: بس.... زياد مش عايش هنا دلوقتي.
عقدت أنين حاجبيها وقالت: أمال عايش فين؟
تنهدت تالين بحزن وقالت: زياد إتجوز وعايش مع مراته في شقة لوحدهم.
إن كان ما مرت به من قبل كانت صدمات؛ فتكاد تجزم أن هذا الخبر كان بمثابة إعلان هزيمتها، يلا السخرية! تزوج بتلك السرعة! نسيها وتزوج أيضًا؟ هل كان يحبها حقًا؟ أم ما هي حقيقة مشاعره تجاهها؟
وجدت نفسها تنظر خلفها إلى ذلك العاشق المجروح على يديها، يتألم بصمت من عشقه اليائس ومع ذلك يفكر فقط بسعادتها هي.
ثم التفتت نحو تالين وقالت بداخلها: وأنت يا زياد، ماذا فعلت لأجلي؟
تركتها وذهبت دون حديث، ثم عادت إلى السيارة وهي ترى آسر ينظر إلى الفراغ بشرود حتى أنه لم ينتبه لها، وحين صعدت بجواره نظر لها بتعجب وقال: إيه ده! لحقتي؟
أنين بضيق: مقابلتوش، زياد إتجوز وعايش في بيت تاني.
فتح آسر عينيه بدهشة وقال: إتجوز؟! هو فيه إيه! هما كلهم بيتجوزو ليه؟
تنهدت أنين وهي تغلق عينيها، فنظر لها آسر بحزن، ثم ربت على كتفها فقالت: طلع ليا نصيب من اسمي فعلًا يا آسر، ده لو مكنش اسمي هو عنوان حياتي.
آسر: حياتك لسه مبتدش، خلينا نركز على الموضوع اللي حصل إمبارح عشان نصلح بينك وبين عمي، وبعد كده كله محلول، اطلع يا اسطى لو سمحت.
عادا إلى المنزل، ووصل زياد وقمر إلى مقر الشركة، حين دخلا وجدت سيدة تنتظرها بالأسفل، فتقدمت منها على الفور وقالت: وأخيرًا قابلتك.
قمر: مين حضرتك؟
تسنيم: أنا تسنيم، مرات ياسر التانية.
تجمدت حدقتيها وهي تنظر إليها، ثم نظرت إلى زياد الذي يتطلع بها بعدم استيعاب، فأردفت: وجاية أقولك إن البيه اللي إحنا متجوزينه إتجوز التالتة ودلوقتي بيقضي شهر العسل معاها في الغردقة، وعلى حسابك.
نظرت قمر إلى زياد الذي لا تقل صدمته عنها، ولم يتحدث أحدًا منهما، فكانت صفعة قوية لا يوجد حديث يقال بعدها.
رواية قلبي عدوك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل التاسع عشر
بعض النهايات لا تأتي بصخب، بل تأتي بطرقة خافتة على باب مغلق وقلب يرتجف خلفها لا يعلم؛ هل يفتح لأمل جديد أم ينتظر صفعة أخرى؟
وبعضها يأتي بانهيار، لم يعد هناك مجال للوعود بل رحيل ينهي كل الصراع وينتهي معه ذلك القلب النابض بألم لا ينتهي.
أما هذه النهايات التي تأتي بعد صراع طويل في محاولة لأثبات الحقيقة، لأثبات طهارة القلب الذي عشق دون مقابل فتكون بمثابة إعلان لنهاية حرب خاسرة منذ البداية.
فمن يحب يرى طُهر الروح دون شوائب، يعرف النبض الصادق من غيره، فلا تهلك ذاتك بحرب خاسرة، فقط أرحل بهدوء واترك العاصفة تلتهم ما خلفك.
هذا ما فعلته أنين، كانت تحارب لأجل أن تثبت براءتها، تبحث عنه وتفكر به بالرغم من وضعها الحالي، تفكر كيف تصلح الخلل الذي وقع بينهما ودمر علاقاتهما معًا، في حين أنه تزوج من أخرى، تأكدت أنها كانت تحارب وحدها من أجل تلك العلاقة، وحين رأت حقيقة ما يفعل هو التفتت ووالت ظهرها ليس فقط لذلك الباب التي تقف أمامه بل رحلت بعد أن اتخذت قرار عن اقتناع أن هذا يكفي.
أما آسر، فكان يجلس بجوارها داخل السيارة ويشعر بأن قلبه تمزق وهو يقف أمام الباب الذي أوصلها بنفسه إليه كي تعود لحبيبها، شعور لا يوصف بالكلمات بل ينبض بكل معاني الألم.
وحين عرف بزواجه ونظر في عينيها ليرى نظرة مختلفة، وكأنها فتحت عينيها على حقيقة جعلتها ترحل بكبرياء، لم يتحدث، بل فضل الصمت حتى لا تشعر بأنه يستغل ألمها.
وفي الجهة الأخرى، هناك من تستمع لما هو أسوء، لحظة توقظ ذلك العقل من غفوته، جملة واحدة كانت كفيلة بأن تفتح عينيها على حقيقة أقرب من الموت، حين وقفت أمامها تسنيم وأخبرتها بتلك الحقيقة، لم تتحدث فقط ظلت تطالعها بصدمة ثم قال زياد: لأ معلش حضرتك قصدك إيه؟
نظرت له تسنيم ثم عادت النظر إلى قمر وقالت: هو مين حضرته؟
زياد: ردي عليا أنا، يعني إيه إتجوز التالتة على حسابها؟!
قالت قمر برعشة في صوتها، وهي تحاول أن تستوعب ما تسمع: أصلًا هو مع الولاد في الغردقة، إزاي إتجوز هناك؟! الست ديه بتكدب.
تسنيم: أنا عرفت من الفندق، واحدة صاحبتي نازلة هناك وشافته، وعرفت إن كل واحد فيهم في أوضة، لكن مراته في الأوضة اللي جنبه وبينهم باب، ولادك مش حاسين بحاجة، وعشان هما عايزين يقعدو معاه من بعد الطلاق واضح إنه معرفش يخلع منهم، فا عمل الحيلة ديه عشان محدش يحس، وكمان عشان الولاد بيطلبو منك فلوس ده غير الفلوس اللي بيسرقها من الشركة هنا من غير علمك.
قمر بدهشة: بيسرق من الشركة! إزاي؟
تسنيم: اللي أعرفه إن المحاسب بيديله فلوس مقابل نسبة، وهو بيأيد في الدفاتر الفلوس ديه على أنها مصاريفك الشخصية، وديه أكيد مش هتبصي عليها في المراجعة، وسمعته كذا مرة بيتكلم مع المحاسب اللي شغال هنا وده اللي خلاني عرفت الحقيقة، ساعتها سكتت وقولت هو حر معاكي إنتي برده مراته لكن لما عرفت إنه ضحك عليا وراح إتجوز وأنا فكراه قاعد بعياله هنا في القاهرة ومش عارف يجيلي إتجننت، وقولت طالما في الآخر رماني يبقى هفضحه، عشان ياسر من غير فلوسك مش هيعرف يعمل حاجة، إحمدي ربنا إنك خلصتي منه وإدعيلي أخلص منه أنا كمان.
زياد: اسم المحاسب ده إيه؟
تسنيم: تقريبًا توفيق.
قمر: المدير المالي! يا ما شاء الله، المدير المالي بيسرقني؟!
ثم صاحت عاليًا: فين الأمن؟
تقدم منها الحراس فقالت: ورايا.
ذهبت نحو مكتب توفيق وزياد يلحق بها، تحت نظرات العمال اللذين وقفو بتأهب عندما رأو ما يحدث، ثم دخلت المكتب دون استئذان وحين رأها توفيق وقف على الفور بفزع وقال: مدام قمر! خير يا فندم.
أشارت قمر إلى الحرس وقالت: مش عايزاه يخرج من الأوضة ديه، وإنت... هات ملف مصروفات الشركة.
نظر لها بتوتر ثم قال: خير بس يا مدام قمر فيه إيه؟!
زياد بحزم: هات الملفات، إيه اللي مش مفهوم في الكلام!
بحث توفيق عن الملف وقلبه يهوى بين قدميه ثم سلمه لها بيد مرتعشة، أمسكت به قمر وقالت باشمئزاز: إوعى من على الكتب ده، روح أقف هناك.
تحرك توفيق وجلست على مكتبه ثم جلس زياد بجوارها، بدأت تدقق بالمصروفات الخاصة به، وجدت عدة مبالغ لا تتذكر أنها أخذتها من الشركة، عدا ما تم سحبه هذا الشهر فقط والذي تعدى المائة ألف جنيه، نظرت له بصدمة وقالت: ١٠٠ ألف جنيه الشهر ده بس، وباقي الشهور كام يا أستاذ توفيق! بتاخد عمولة كام من البيه اللي بيخليك تسرقني لحسابه؟
زياد: أنا هطلب البوليس.
توفيق باندفاع راجيًا: لأ، أرجوك بلاش سجن وبهدلة، هو جوزها ومفيش عليه شبهة جنائية، أنا اللي هروح في داهية، وفي الآخر هو اللي خد الفلوس.
زياد بغضب: وإنت خدت نسبة، وبعدين هو مبقاش جوزها، لو كان مش هيتحاسب على الفلوس اللي سرقها منها وهي مراته فهو هيتحاسب على الفلوس اللي سرقهم في آخر أربع شهور، لأنه مبقاش جوزها خلاص ومش ذمة مالية واحدة.
قمر: بلغ يا زياد، أنا هحبسهم هما الاتنين، ويبقى يوريني مين هيخرجه.
ثم وقفت ونظرت نحو الأمن وقالت: لو اتحرك بس تنسو إن يبقى ليكو مكان في الشركة ديه، إحنا هنخرج وإنتو إقفلو الباب من جوا لحد ما البوليس يجي.
أومأ لها الحرس وهما يقبضون على توفيق بقوة، ثم غادرت قمر وخلفها زياد تحت صيحات توفيق الذي يطلب العفو منها، واتصل زياد بالشرطة على الفور وقدم بلاغ بالوقعة.
عاد آسر وأنين إلى المنزل، ثم دخلت أنين الغرفة ووضع آسر الحقيبة بجوارها والحزن يرسو على جفنيه، وقال: تقدري تحطي هدومك هنا، وكمان جبتلك الكتب عشان تذاكري، وأعملي حسابك بكرة هنروح الجامعة عشان نطلب من دكتور خالد نشوف الكاميرات، وأنا هخرج أعمل أكل لأني جعان.
كاد يذهب فأمسكت أنين بذراعه، فالتفت إليها وقالت: أنا آسفة على اللي عملته النهاردة، عارفة إنت شايف الموضوع إزاي وحاسس بإيه، بس بجد أنا كنت رايحة هناك مش عشان أرجعله أو كده، أنا كنت عايزة أثبت إن الصورة اللي وصلتها سالي عني مش صح، يمكن الرغبة ديه زادت جوايا بعد اللي حصلي كمان، مبقتش قادرة استحمل إن كل الناس شيفاني وحشة وواخدين عني فكرة غلط.
آسر بضيق: أنا مش شايفك وحشة، مش واخد عنك فكرة غلط بالعكس أنا شايفك من جواكي وعارفك كويس، بس إنتي مش شيفاني، إنتي مهتمة برأي كل الناس إلا أنا، عشان أنا مش مهم عندك، ده إنتي زعلتي لما ماهي فهمتك غلط، صاحبتك أهم عندك مني، وأنا عارف ده وعارف أنا عندك إيه وإني مش حد مهم أصلًا، بس إنك تطلبي مني إني أوصلك ليه هي ديه اللي داست على كل حاجة حتى كرامتي، ومش عشان حبيتك تعملي فيا كده، مش عشان بفكر فيكي أكتر مني ورامي نفسي ورا ضهري عشانك تعامليني كده، عمالة تدوسي عليا بكل قوتك ومش حاسة بيا.
أنين ببكاء: مش قصدي خالص إني أجرحك بجد، ولا عمري فكرت إني أجرح حد، متفتكرش إنك مش شخص مهم عندي لأ إنت بجد أقرب حد ليا دلوقتي، يكفي إن إنت الوحيد اللي مخذلتنيش، أنا عارفة إنت شايف الموضوع إزاي ومترجمه جواك إزاي، بس صدقني أنا مرحتش عشان أرجعله، لأني ببساطة مكنتش مرتبطة بيه من الأساس، أنا أهم حاجة عندي هو رأي الناس فيا دلوقتي، يمكن الأول مكنتش مهتمة ولا كنت ببرر موقفي قدام حد عشان كان كفاية عليا ثقة الناس اللي قريبين مني فيا، لكن فجأة اكتشفت إن حتى بابا مستني مني دليل على إني مغلطش ولا عملت حاجة تسيء ليه ولا لسمعته، ده بس اللي خلاني أروح هناك يا آسر، مش عشان الحب والكلام ده، وفي الآخر لما رحت ولقيته إتجوز عرفت إن أنا كده كلي على بعضي مش فارقة معاه عشان كده بجد رميته من دماغي، ودلوقتي عايزاك تفهم أنا عملت كده ليه عشان مش عايزاك تزعل مني إنت كمان، أنا مليش غيرك بجد، ومش عايزة أخسرك أرجوك، حقك عليا متزعلش مني.
أغلق عينيه وتنهد بقوة محاولة منه بأن يهدأ، فارتمت أنين في أحضانه وقالت: خلاص عشان خاطري، أوعدك مش هزعلك تاني.
ربت على كتفها وقال: خلاص كفاية عياط بقى، مش عايز أشوف دموعك تاني، هسيبك تغيري وأروح أحضر أكل.
أبعدها عنه وأزال دموعها عن وجنتيها، ثم ابتسم لها وهو ينظر داخل عينيها، وقبل جبهتها وخرج من الغرفة.
بدلت أنين ملابسها ووضعت أغراضها بالخزانة ثم خرجت من الغرفة وتوجهت نحو المطبخ، نظر لها آسر ثم ابتسم وقال: مش المفروض يعني زي الأفلام الوضع يبقى معكوس وإنتي اللي تقفي تعملي الأكل وأنا اللي أقف أتفرج عليكي؟!
أنين: مش بعرف أطبخ للأسف.
نظر لها بصدمة وقال: نعم؟! يعني إيه! لا تتعلمي مليش فيه.
ضحكت أنين وقالت: خلاص علمني.
آسر: يا حزني، أنا اللي علمك.
أنين: ما ماما ماتت وأنا صغيرة يعني، مين هيعملني.
آسر: اه إنتي بتقولي كده عشان تصعبي عليا وكده؟ لأ مش هتصعبي عليا، الوصفات في كل حتة وفيه أكتر من قناة بتعلم الطبخ، إنتي اللي تتصرفي وتتعلمي مش محتاجة معلم خالص.
أنين: إيه ده؟! هي عافية يعني.
آسر: اه عافية، هتتجوزي إزاي وإنتي مش بتعرفي تعملي أكل؟
أنين: هو لازم أعرف أطبخ عشان أتجوز؟!
آسر: اه طبعًا.
ابتسمت أنين وقالت بدلع: يعني لو مش بعرف أطبخ مش هتتجوزي مثلًا؟!
ارتبك آسر وحاول أن يسيطر على ابتسامته وقال: ومين قال إني عايز أتجوزك، إنتي بتدبسيني؟ ولا طمعانة في شقتي وعايزة تاخديها، لأ معلش أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي أنا آسف.
أنين بتذمر طفولي: إيه ده! على فكرة أنا كنت بهزر.
دنى آسر بوجهه لتتقابل أعينهما معًا وقال بهدوء: وأنا كمان بهزر، هو أنا أطول أتجوز القمر ده.
أنين بحزن: اه تطول، ويمكن إنت اللي كتير عليا، آسر لو سمحت لو الفيديو انتشر متفكرش فيا تاني.
آسر بضيق: يادي السيرة الزفت، ما كنتي بتطلبي إيدي دلوقتي، يا ستي اصبري لما أوافق حتى، عيب ترجعي في كلامك على فكرة.
ثم قاطع حديثه تلك الرائحة التي تخللت أنفه فقال: الأكل! الأكل اتحرق.
ركض نحو الطعام وأبعده فورًا عن النيران، ثم نظر نحوه بضيق وقال: عجبك كده؟
أنين: أنا مالي طيب.
آسر: ما إنتي جاية بشكلك ده وواقفة قدامي، نسيت كل حاجة.
ضحكت أنين وقالت: يعني حلاوتي هي اللي حرقت الأكل؟
نظر لها آسر بضيق وقال: إمشي برا، خليني أعمل أكل بدل اللي اتحرق ده، أنا جعان، كتك القرف في حلاوتك، إمشي.
أنين بمزاح: تسلم بجد كلك ذوق.
أمسك آسر المحرمة وقذفها في وجهها، فخرجت تركض من المطبخ وهي تضحك، فضحك آسر أثر ضحكتها وقال بهمس: فداكي بس إضحكي.
صاحت أنين من جانب الباب: سمعتك على فكرة.
نظر آسر نحو الباب بصدمة، ثم خرج وجذبها من يدها لتدخل المطبخ مرة أخرى وقال: أهوه عشان لسانك الطويل ده هتعملي الأكل معايا، إتفضلي.
أنين: حاضر، بس علمني.
ابتسم وقال: هعلمك.
بعد وقت كانا يتناولان الطعام معًا، يتجذبان أطراف الحديث وأصوات ضحكتهما تملء المكان، حاولت أن تعوضه عما فعلت اليوم، تركت هذا الألم القابع بقلبها فقط لتراه يبتسم، هو يفعل من أجلها الكثير وهي لم تفعل أي شيء لأجله، وما تشعر به نحوه ليس مماثل لشعوره نحوها، ولكن آسر يملك مكانة خاصة بقلبها الآن، ولا تشعر بالأمان سوى بجواره.
أما هو فكان قلبه يتراقص فرحًا بداخله، بالرغم من أنه يعلم أنها لا تكن له الحب الذي يتمناه، ولكن رؤيتها بجواره تبتسم بسعادة كان كافيًا، مجرد تنفسها بجواره هو اقصى حلم يتمناه.
بعد وقت، كانت تدرس بجواره وهو يعمل على الحاسوب، ثم أرسل بعض الأعمال إلى حازم الذي تلقى رسالته وصافي تجلس بجواره، تلقي رأسها على كتفه وهي تتحضن ذراعه، ثم أرسل له حازم أنه سينهي أعماله الليلة، نظرت له صافي وقالت: مش دلوقتي بقى، أنا ما صدقت قعدت معاك شوية.
حازم: متقلقيش يا حبيبتي هخلصهم بعد ما تمشي.
صافي: نفسي أفضل معاك على طول، أنا مش عايزة غيرك إنت من الدنيا، إنت الوحيد اللي عمرك ما حسستني إني فيا عيب، اتقبلتني زي ما أنا من غير ما تطلب مني إني أتغير، أنا حتى بابا وماما مش متقبلني، دايمًا شايفيني عبأ عليهم، وده كان أوحش إحساس بحسه وأنا معاهم، إني مش مقبولة، ماما كانت تقولي ساعات متقوليش إنك بنتي قدام الناس اللي متعرفيناش عشان محدش يقول عليا كبيرة في السن، كل اللي كان فارق معاها هو شكلها ومظهرها، عندها الشنط أهم مني، وبابا كان بينتقدني دايمًا بسبب ومن غير سبب، لكن إنت بجد عمري ما شفت إني قليلة في نظرك، إوعى تعمل كده في يوم من الأيام.
حازم: أنا حبيتك زي ما إنتي كده، مش عايز منك حاجة غير إنك متعمليش حاجة غلط وبس، ومتكدبيش عليا في أي حاجة، دول أكتر حاجة مش بعرف أسامح فيهم، لكن أي حاجة فيكي أنا بحبها زي ما هي.
تذكرت صافي ما فعلت مع أنين، فأظهرت ابتسامة خجولة على ثغرها وهي تخفي ذلك التوتر بداخلها، تطمئن نفسها أنه لن يعلم بما فعلت، فقد انتهى الأمر ولم يعرف أحد بالحقيقة.
___________
بعد يوم طويل بين قسم الشرطة ومكتب المحاماة، وتسليم ملفات الشركة للشرطة للتدقيق وحصر كامل المبلغ الذي اُختلس من عهدة الشركة، عاد زياد وقمر إلى المنزل، كانت تبدو قمر صامدة أمام ما يحدث، لم تذرف دمعة واحدة على ما حدث اليوم، ولكن حديث زياد عن ما كانت تفعل سابقًا مع ياسر كان يتردد داخل عقلها، هي من تساهلت بحقها، كان عليها أن تلزمه بالمصروفات وبمسئولية المنزل والأولاد، وهذا ما جنته اليوم من التساهل في حقها.
حاولت أن تبدو قوية أمام الجميع ولكن زياد كان يشعر بألمها، عينيها كانت حزينة للغاية، عدا صدمتها حين سمعت بأن ياسر متزوج باثنين أخرين.
دخلت غرفتها على الفور ثم اتصلت بلوسيندا، وقالت بغضب: أيوه يا لوسيندا، بكرة الصبح إنتي وأحمد تبقو قدامي هنا.
لوسيندا بفزع: خير يا ماما فيه إيه؟
قمر بحدة: كلامي يتنفذ من غير نقاش، إنتي وهو تبقو هنا عندي، وقولي لأحمد أحسنله يرجع معاكي بدل ما تشوفو مني اللي عمركم ما شفتوه، سامعة ولا لأ؟
تعجبت لوسيندا من غضبها، لأول مرة تتحدث معها بتلك الطريقة، لذا شعرت بالقلق عليها ووافقت على طلبها، ثم ركضت نحو غرفة أحمد وأخبرته بما حدث، وقررا أن يعودا بالصباح كما أمرت.
انهت قمر المكالمة وقذفت هاتفها بضيق، ثم جلست على الفراش وهي تتنفس بصعوبة، تحاول أن تجاهد ذلك الألم الذي يقودها نحو البكاء، تتماسك بقوة مزيفة، ولكن لم يعد لديها قدرة تحمل أكثر، بكت بكل ما فيها، وحين سمعها زياد لم يتحمل، دخل الغرفة وجثا أمامها وهو يمسك بيدها وقال: هششش، متعيطيش عشان خاطري، كل حاجة هتتصلح بس إنتي إهدي.
قمر ببكاء: أنا مقهورة، إزاي يعمل كده فيا! يعني هو عمال يقولي إتجوزي عشان نرجع، ويوقع بيني وبين ولادي عشان يضغط عليا، وأنا كل ده فاكرة إنه بيعمل كده عشاني وعشان الولاد، ويطلع في الآخر بيعمل كده بس عشان بيسرقني، عشان طول ما أنا مراته مش هيتحاسب على اللي بيعمله، أد كده كنت رخيصة عنده!
زفر زياد وقال: متقوليش كده، إنتي غالية وغالية جدًا كمان، هو اللي مش راجل وميستاهلش تبقي على ذمته، ربنا كشفه قدامك في الوقت المناسب عشان يتحاسب، وحقك هيرجع غصب عنه.
قمر: المشكلة إني مش هقدر أحبسه عشان الولاد، مش هقدر أعمل في أبوهم كده، بس يكفي إني هكشفه قدامهم، وهيفضلو معايا مهما حصل.
زياد: وده أحسن ليهم طبعًا، كل حاجة هتحصل زي ما إنتي عايزة بالظبط، بس بطلي عياط.
نهض وجلس بجوارها ووضع رأسها على كتفه، فتمسكت بقميصه بقوة، وكأنه مصدر قوتها الوحيد الآن، تشعر بالضعف والانكسار، وهذا ما جعل زياد يقول: إنتي عارفة إن كل حاجة صعبة بتحصل ربنا بيعوضنا خير بعدها، أنا مثلًا بعد موضوع أنين اتصدمت في البنات كلهم، حسيت إني عمري ما هلاقي بنت محترمة، ربنا حطك إنتي في طريقي عشان يقولي لأ في محترمين لسه وعوضني بيكي، وإنتي لو فكرتي هتلاقي إن لو مكنش كل ده حصل مكناش أنا وإنتي هنا في بيت واحد، مكناش إتجوزنا أصلًا.
رفعت قمر وجهها الباكي ونظرت إليه وقالت: بس جوازنا مش جواز حقيقي ومش هينفع يبقى جواز حقيقي.
أزال زياد دموعها عن وجهها وقال: أظن دلوقتي كل واحد فينا إتأكد إن موضوع المحلل ده كان مجرد حجة بنقولها لنفسنا، أنا طلبت منك الجواز عشان حسيت إني مشدودلك وإنتي وافقتي لنفس السبب، أظن كفاية نضحك على بعض وعلى نفسنا أكتر من كده.
اقترب منها ولكن وضعت قمر يدها لتمنعه وقالت: مبقتش مضطر تعمل كده خلاص.
نظر زياد داخل عينيها وقال بهدوء: مين قال إني بعمل كده عشان مضطر، ولا عمري فكرت أقرب منك بس عشان أسيبك ترجعي لجوزك، أنا كان جوايا شعور من ناحيتك بيزيد ومش عارف أسيطر عليه ولا فاهم هو إيه، بس كل اللي عارفه إني وصلت لمرحلة إني مش عايز أقرب منك عشان مخسركيش، أظن ده كفاية يثبت إن اللي جوايا ليكي كبير أوي.
نظرت له وهي لا تصدق ما تسمع، هل هذا هو السبب في رفضها أمس؟! ثم رأت تلك النظرة داخل عينيه، نظرة تثبت مدى تعلقه بها، كانت غيرته عليها أكبر دليل على حبه لها، والآن تأكدت من مشاعره.
لم تصده مرة أخرى، بل ارتمت بين أحضانه بأمان، ليس هناك عتاب أو لوم يتردد داخل عقلها، هي الآن زوجته حقًا ولم يعد هناك مانع شرعي بأن تقترب منه، فلم يعد زواجهما بغرض المحلل بعد الآن.
رواية قلبي عدوك الفصل العشرون 20 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل العشرون
لم يعد الليل قاسيًا، لم تسهر العيون تحدق بالأرجاء تأبى أن تغلق أهدابها، توقفت الذات عن جلد نفسها وصمت اللوم والعتاب، وأخيرًا ارتاح القلب بين ضلوع المحب وكأنه وجد مسكنه الجديد، وجهته التي كان يبحث عنها لسنوات.
في لحظة كان يجب أن يصمت العالم من حولهما، يتلاقا في عالم جديد، حب بلا حدود، بلا خداع، صادق ووفي، كان اعتراف اللمسات وهمسات القلوب أقوى دليل على صدق ذلك الحب الذي توغل داخل القلوب، ينشر عبير الزهور لتتنفس الروح بهواء الأمل، وتندمل كل الجروح والشروخ التي بالقلب، فمن يداوي القلب سوى الحب الصادق من الحبيب المنتظر.
واستكانت بين ذراعيه لتغفى براحة لم تتخيل أنها ستحصل عليها يومًا، ضاربة كل التحذيرات بعرض الحائط، ليصيح القلب بصوت حاد: صمتًا أيها العقل، يكفي نواحًا وصياحًا، دعني اتنعم داخل أحضانه.
أشرقت شمس الصباح، ومازالت قمر تنام بجواره في سكينة، حتى طُرق الباب، استيقظت قمر بفزع ونظر زياد لها بعيون ناعسة وقال: فيه إيه؟
قمر: الباب بيخبط، تفتكر الولاد جم؟
اعتدل زياد وقال: طيب هقوم أشوف مين.
قمر باندفاع: لأ استنى، خلينا نفكر هنقول إيه الأول، هما ميعرفوش إننا إتجوزنا.
تنهد زياد وقال: ممكن تثقي فيا؟ وتخلينا نواجه الناس بثقة إن إحنا معملناش حاجة غلط، لأن طول ما إنتي شايفة إن اللي بينا ده عيب ومينفعش الناس تعرفه عمر ما حد هيتقبل علاقتنا سوا.
أومأت له بهدوء، فهو محق، تطلب من الأخرين أن يتقبلو هذه العلاقة وهي من تراها علاقة خاطئة من الأساس.
نهض زياد وذهب ليفتح الباب، تفاجأ بوجود ياسر مع أحمد ولوسيندا، وتحولت نظرات ياسر إلى الصدمة، وقال: وإنت مين بقى؟! وفين الهانم مراتي؟
دخل ياسر من الباب بعد أن دفعه بيده، فجذبه زياد من يده بقوة وقال: اسمها طليقتك مش مراتك، هي مراتي أنا وبس.
فتح عينيه وقال: مراتك! هي إتجوزتك إنت؟!
عقد زياد ذراعيه أمامه بثقة وقال: اه، مش عجبك ولا إيه؟
أحمد: وليه مقالتش إنها إتجوزت؟
التفتو جميعًا نحو قمر التي صاحت بثقة قائلة: وأنا المفروض أطلب الأذن منك ولا إيه؟
اقترب منها ياسر وقال: ملقيتيش محلل غير العيل ده؟
قمر بغضب: جوزي مش عيل، ومش عيب إنه أصغر مني لكن العيب في البيه الكبير أبو ولادي وجوزي بقالي ١٤ سنة ورايح يسرقني ويتجوز عليا بدل الواحدة اتنين بفلوسي.
نظر لها ياسر بعيون جامدة، لم يستطع أن يتفوه بكلمة، حتى اندفع أحمد ووقف بجواره وقال: إيه اللي إنتي بتقوليه ده يا ماما؟!
قمر: بقول الحقيقة، أبوكم خدكم معاه الغردقة عشان يقضي شهر العسل مع عروسته وإنت وأختك نايمين على ودانكم، وعارف مين اللي قالي الخبر ده؟ مراته التانية اللي عرفت منها حقيقة البيه اللي واقف قدامي.
ثم عادت النظر إلى ياسر الذي تطلع به أحمد وهو يعقد حاجبيه متعجبًا وقالت: ده غير توفيق بيه اللي اكتشفت إنه بيسرق من شركتي ويديله فلوس وياخد منه نسبة، وأنا نايمة على وداني في العسل، عمال يضغط عليا بيكو عشان أتجوز محلل وأصلح غلطته هو على حساب كرامتي، انسى الحرام والحلال وانسى كل حاجة عشان حارمني من ولادي وموقع بيني بينهم، وفي الآخر طالع يقضي شهر عسل، أنا عمري ما كنت أتخيل إنك بالبجاحة ديه، وطالما حضرتك جيت بنفسك يبقى نطلب القسم يبعت ياخدوك، ولا تروح إنت بنفسك عشان منظرك قدام الجيران؟
ياسر بتوتر: إنتي... إنتي عايزة تحبسيني يا قمر؟ تحبسي أبو عيالك؟!
قمر باستهزاء: إذا كان إنت سرقت أم عيالك وغفلتها، مش عايزني أسجنك ليه؟
نظر إلى أحمد مستنجدًا به وقال: قول حاجة يا أحمد، هتسيبها تسجن أبوك؟! لوسي إتكلمي.
التفتو إليها وجدوها تنظر إليهم بعيون باكية، تجمدت أوصالها ولا تصدق ما ترى وما تسمع، ركضت نحوها قمر على الفور واحتضنتها وقالت: متخافيش يا حبيبتي، إنتي معايا خلاص، متعيطيش.
لوسي ببكاء: هو اللي سمعته ده صح؟ بابا عمل كده فعلًا!
ثم نظرت نحوه وقالت: يعني كدبت عليا لما قولتلك مين الست اللي معاك ديه وأنا شيفاها بتهزر معاك في مطعم الفندق بعيني، قولتلي ديه مضيفة معايا وبنهزر سوا؟ وأنا زي العبيطة وصدقت! وصلتني أنا وأحمد إن إحنا نقاطع ماما عشانك وإنت واخدنا معاك شهر العسل!
ياسر: أنا غلطت، ماشي بعترف إني مكنش ينفع أعمل كده، لكن مش لدرجة إنكم هتسيبوها تحبسني.
ابتسم زياد بسخرية وقال: أنا مش مصدق إنك سايب كل الموضوع وكل اللي إنت عملته ومنظرك قدام ولادك والصدمة اللي هما فيها وبتفكر بس في نفسك! إنت بني آدم أناني بشكل مش طبيعي، واحد غيرك كان جري على بنته وهي في الحالة ديه لكن إنت بتفكر في نفسك وبس.
ياسر بغضب: إنت إيه أصلًا اللي دخلك في الكلام وسطنا؟ مش من حقك تتدخل بينا.
زياد: هو اللي مش من حقه يدخل البيت ده هو إنت، ولا من حقك تقف تتكلم مع مراتي، وكون إني سمحتلك بده فا هو ذوقيًا مني بس، وكمان عشان مقدر الموقف اللي فيه ولادك، لكن إنت زي ما قالت قمر أحسنلك تروح تسلم نفسك بدل ما تتفضح قدام الجيران.
نظر ياسر إلى أحمد ولوسيندا بتعجب وقال: إنتو إزاي ساكتين على اللي هو بيقولوه، شايفين أمكم متجوزة مين وساكتين وجايين تحاسبوني أنا!
لم يتحمل زياد أكثر، فاقترب منه وهو يرمقه بنظرات تحمل كل معاني الغضب، ثم قال: كلمة كمان وهقل منك قدام عيالك وهخلي منظرك قدامهم زفت أكتر ما هو زفت، اطلع برا البيت وانسى إنك تدخله تاني، ولما تعوز تشوف عيالك ابقى شوفهم برا، ده لو وافقو يشوفوك بعد عمايلك الهباب ديه، وكلمة كمان وهطلب البوليس يجي ياخدك وتشرف في القسم جنب توفيق.
ثم أشار نحو الباب وصاح قائلًا: برا.
نظر له والخوف يتملك من قلبه، ثم خرج مسرعًا وكل ما يفكر به هو كيف يهرب من الشرطة. احتضنت لوسيندا قمر وأخذت تبكي، ثم اقترب منهما أحمد وربت على كتفها ونظر إلى قمر بحزن وقال: أنا آسف يا ماما، عارف إني غلطت في حقك، أرجوكي سامحيني.
تنفست قمر بصعوبة وتحكمت بدموعها بقوة، ثم جذبته داخل أحضانها وقالت: هششش، تعالى في حضني.
نظر لهم زياد بحزن، حالتها كانت سيئة وصدمتهما بوالدهما كانت قاسية، فانسحب بهدوء وعاد إلى الغرفة، وترك قمر تداوي تلك الصدمة التي ترسخت بقلبيهما.
_____________
ذهب آسر وأنين إلى الجامعة، وطلبت مقابلة خالد وحين وافق دخلا معًا، وبعد التحية، قالت أنين: أنا طالبة من حضرتك طلب شخصي لو سمحت.
خالد: قولي يا أنين، محتاجة إيه؟
أنين بتوتر: من يومين كنت في جراج الجامعة وأنا بركب العربية موبايلي وقع ومخدتش بالي منه، فكنت عايزة أشوف لو حد خده عشان عليه حاجات شخصية ليا وعايزة أرجعه.
خالد: تمام، روحو للأمن وأنا هكلمهم يفتحو تسجيلات الكاميرات وشوفي اللي إنتي عايزاه.
ابتسمت أنين وقالت: متشكرة جدًا لحضرتك.
ثم خرجا من الغرفة، ونظرت نحو آسر وقالت: تفتكر هنلاقي حاجة فعلًا؟
آسر: عندي أمل إن إحنا هنوصل للحقيقة، تعالي بس معايا وخلينا نشوف هنعرف نتفرج على الكاميرات لوحدنا ولا لأ.
أنين: اه صح، أنا مش عايزة حد يشوف حاجة.
آسر: واخد بالي متقلقيش، تعالي بس.
ذهبا معًا، ثم دخل آسر غرفة الأمن وقال: صباح الخير، دكتور خالد سمحلنا نشوف الكاميرات.
نظر له فرض الأمن وقال: اه كلمنا فعلًا، قولي حضرتك اليوم بالظبط.
آسر: ماشي، بس لو أمكن يعني نشوف الفيديو لوحدنا.
ثم وضع بعض الأموال بيده، فقال: لأ مش هينفع.
آسر: معلش يا صاحبي بس عايزين نشوف الموضوع لوحدنا، هما خمس دقايق بس.
تنهد وقال: تمام، هتكتب التاريخ هنا هيظهر قدامك، وأنا هستنى برا.
ثم ترك الغرفة وجلس آسر على الفور وكتب التاريخ، وقال: كانت الساعة كام بالظبط؟
أنين: ٤ ونص.
بحث آسر عن تسجيلات المواقف، وبدأ يشاهد جميع التسجيلات بذات الوقت، حتى أشارت أنين نحو سيارتها وقالت: عربيتي أهيه.
وجدا أنين تقترب من السيارة واقترب منها أحد الرجال وخدرها ثم وضعها بالسيارة وقاد السيارة وغادر.
آسر: ده خطفك برا الجامعة، إزاي الأمن مخدش باله؟
أنين: الأمن مش بيفتش العربيات، طالما خارجة هيفتش ليه؟
آسر: طيب هو كده أكيد رجعك، إنتي فوقتي في العربية كان الساعة كام؟
أنين: حوالي ٧ إلا ربع.
بحث آسر بالتسجيلات عن التوقيت، وبدأ يشاهد السيارات التي دخلت الجامعة، ثم رأى سيارة أنين تعود إلى المواقف، صف ذلك الرجل السيارة ووضع أنين مكانه وركض نحو سيارة أخرى وتحركت سريعًا، فقالت باندفاع: ده خرج في عربية تانية.
آسر: تعالي نشوف العربيات اللي خرجت في الوقت ده على طول.
أنين: العربية سودا خلي بالك، لو كانت النمرة باينة كان هيبقى أحسن بكتير.
آسر: هنعرفها دلوقتي من الفيديو ده، قام آسر بتشغيل تسجيلات البوابة، وحين ظهرت السيارة السوداء نظرا لها كلًا منهما ليتعرفا على السيارة، ثم ظهرت علامات الدهشة على وجهيهما، وتطلعا ببعضهما البعض وقالا معًا: صافي!
ركضت أنين نحو الباب فقال آسر: استني، خليني أمسح البحث ده عشان محدش ياخد باله ونمشي سوا.
بعد قليل خرجا من الغرفة، وتوجها نحو المدرج، بحثا عن صافي ولكن لم يجداها، كادت تذهب ولكن سمعت ماهي تقول: استني يا أنين، عايزة أتكلم معاكي.
أنين: مش هينفع دلوقتي لازم أمشي.
ماهي: طيب ممكن تردي عليا في التليفون، أنا بحاول أوصلك مش عارفة.
أنين: تليفوني باظ، مش عارفة أكلم حد.
ماهي: طيب أكلمك فين؟
آسر: ابقي كلميها على موبايلي، خدي رقمي.
أنين: بسرعة بس عايزة أمشي.
وضعت الهاتف بيد آسر وكتب الرقم بعجالة وذهبا معًا.
اقترب يزن من ماهي وقال: هو آسر كان بيكتب إيه على تليفونك؟
نظرت له ببرود ولم تجيب، ثم تحركت من أمامه، فأمسك يزن يدها وقال: هتفضلي تتعاملي معايا كده عشان أنين بجد؟ يعني ده كفاية إنها مش طايقة تقف معاكي دقيقة واحدة، وبعدين أنا بسأل سؤال من حقي إن اسمع إجابته، آسر كتب رقمه عندك؟
زفرت ماهي وقالت: اه، أنين تليفونها باظ وهكلمها على تليفونه عشان لازم نتكلم، وهي قالتلي عندنا مشوار مهم ومشيت، خلاص ارتحت.
يزن بضيق: لا مش هتتكلمي على تليفونه، لما تبقي تشوفي أنين ابقي إتكلمي معاها.
ماهي: مش ملاحظ إنك مش بتتعلم حاجة، لسه بتتحكم على الفاضي والمليان برده، وبرده عايزني أنفذ أوامرك من غير نقاش.
يزن: هو لما أخاف عليكي يبقى أنا غلطان، إنتي خطيبتي ومش عايز نمرتك تبقى مع آسر، أظن ده حقي.
ماهي: حتى لو حقك فعلًا المفروض تختار أسلوب أفضل من كده، مش معنى إني خطيبتك ابقى لعبة في إيدك تحطها مكان ما أنت عايز وأنا أنفذ وخلاص، قبل كده كنت بنفذ بمزاجي بسبب تهديدك كل شوية إنك هتبعد وتنهي الخطوبة بينا، بس مش هقدر استحمل أكتر من كده، وأنا اللي بقولك عايز تبعد أبعد، أنا مش هعمل حاجة غصب عني تاني.
يزن: خطوبة إيه اللي عايزة تنهيها، يا ماهي أنا بحبك، ماشي أنا غلطت إن هددتك بالموضوع ده بس مش لدرجة إنك تبعدي عني كده.
ماهي: بص أنا كنت بدور على راحتك على حساب نفسي وعلى حساب أي حد، وإنت استغليت ده، وأنا مش عايزة واحد يستغل حبي ليه عشان يمشيني بمزاجه، هتديني مساحتي هنرجع، وأظن إنت عارف إني بحترمك وعمري ما هعمل حاجة غلط أصلًا، لكن هتفضل تتحكم فيا وخلاص أنا اللي بقولك مش هكمل.
يزن: أنا بس كنت خايف عليكي، غلطت اه بس مكنش نيتي كده أبدًا، أوعدك مش هقول الكلمة ديه، ولا عمري ههددك بعلاقتنا تاني، خلاص بقى.
ابتسمت ماهي له وانتهى سوء التفاهم بينهما، بعد أن تيقن يزن أن مهما كان الشخص يكن لك الحب والتقدير؛ سيرحل حين يرى قسوتك عليه، فلا تقسو على من تحب وكن دومًا يد المواساة له.
وصل آسر وأنين إلى منزل صافي، وحين فتحت الخادمة الباب أخبرتهما أن صافي ليست بالمنزل، نظرت أنين إليه وقالت بغضب: أنا مش مصدقة إن وصل معاها الحقد إنها تعمل فيا كده، يعني وقعت بيني وبين زياد وجاية دلوقتي توقت بيني وبين بابا.
نظر لها آسر وزفر بضيق، فقالت أنين: لأ مش قصدي حاجة خالص، أنا بتكلم على اللي هي بتعمله معايا ومش عارفة إيه السبب بجد.
آسر: خلاص يا أنين، ممكن بجد منتكلمش على موضع زياد خالص، لو سمحتي؟
أنين: حاضر، بس هنلاقي صافي فين دلوقتي؟
آسر: هتصل بحازم يمكن يعرف.
اتصل آسر به ولكن لم يتلقى المكالمة، فقال: شكله نايم، بس هي أكيد بتسهر في البار بليل، أنا هروح وأشوفها هناك.
أنين: أنا عايزة أواجها بنفسي.
آسر بحزم: مفيش مرواح هناك تاني، ريحي نفسك.
أنين: طيب ممكن لو لقيتها تاخدها على مكان تاني وأنا أجيلكم؟
آسر: حاضر، تعالي بس نمشي وأنا هفضل اتصل بحازم يمكن يرد.
____________
قبل المغرب، دخل أحمد ولوسيندا إلى غرفهما لينالا قسطًا من الراحة، ودخلت قمر الغرفة فوجدت زياد يستعد للخروج، فقالت: رايح فين؟
زياد: عندي مشوار هخلصه واجي.
قمر: هو إنت متضايق من حاجة؟
زياد: لأ، هتضايق من إيه؟
قمر بخجل: طيب إحنا وضعنا إيه؟
نظر لها زياد قليلًا بصمت ثم قال: متفكريش في حاجة دلوقتي غير الولاد، وأنا هروح مشواري ولما نرجع نتكلم.
ثم أحتضنها وغادر المنزل، ظلت تنظر إليه وكأنها تودعه، لا تعلم لم تخلل إليها ذلك الشعور، ربما لأنها لا تعرف مصير علاقتهما حتى الآن.
تنهدت بضيق ثم توجهت إلى غرفة المكتب تباشر العمل من المنزل.
أما زياد فكان في طريقه إلى معركة جديدة، فقد قرر أن يذهب إلى منزله، وبعد وقت كان يقف أمام الباب ويطرقه، فتحت الخادمة ودخل زياد يبحث عنهم، فوجدهم يجلسون معًا بالبهو، ركضت نحوه تالين واحتضنته ثم قالت: وحشتني يا زياد.
ابتسم وقال: وإنتي كمان يا حبيبتي.
ابتعدت عنه ونظر نحو حنان التي أشاحت بوجهها عنه، ثم نظر نحو خالد الذي ينظر إليه بهدوء، ثم قال: طلقتها؟
اقترب زياد بخجل، وقال: لأ.
خالد: وجي ليه؟ أنا مش قلت متدخلش البيت ده غير بعد ما طلقها.
زياد: وأنا وافقت عشان كنت ناوي فعلًا إني أعمل كده.
وقف خالد أمامه وهو يعقد حاجبيه وقال: يعني إيه مش فاهم.
زياد: أنا من بدري قولتلكم الموضوع ليه سبب بس محدش فكر يسمعني، ودلوقتي جيت عشان أوضح الموضوع كله، قمر أنا عارفها من وقت طويل، كان فيه مشروع بين شركتي وشركتها، كنت عارف إنها متجوزة وعندها أولاد.
بعد اللي حصل بيني وبين أنين وخلاص بعدنا عن بعض والموضوع انتهى كنت نفسيًا مش مرتاح، وفي ليلة كنت سهران وقابلتها، لما أتكلمت معاها حسيت إني مرتاحلها، وهي كمان حكيتلي عن نفسها، واكتشفت إنها إطلقت ٣ مرات وجوزها بيضغط عليها عشان تتجوز محلل.
وقفت حنان ونظرت له بدهشة لم تقل نظرتها عن نظرة تالين وخالد الذي قال: إنت إتجوزتها محلل؟
زياد: هو الظاهر في الجوازة من الأول كان كده، لكن أنا كان جوايا حاجة بتتحرك ناحيتها مكنتش فاهمها، ولما قعدنا مع بعض فترة اكتشفنا إحنا الاتنين إن كنا بنتحجج بموضوع المحلل ده، وإن كل واحد فينا لقى نفسه مع التاني، عشان كده لغينا فكرة المحلل خالص و... هنكمل مع بعض.
خالد: أنا بجد مصدوم فيك، إزاي تقبل تتجوز محلل، ده غير إنه حرام، إنت جرالك إيه؟ كل مرة بكتشف إني معرفكش أو مربتكش أساسًا.
زياد: يا بابا أنا مكنتش عارف أنا بعمل إيه في الفترة ديه، كنت تايه وملقتش نفسي غير معاها قمر ظهرت في حياتي في الوقت المناسب ومش عايز أخرها.
حنان: بس جوازكم حرام.
زياد: لأ، أنا متممتش الجواز غير لما أتأكدت من مشاعري ومشاعرها، إحنا بنحب بعض، وجاي النهاردة أطلب منكم تدوها فرصة، إنتو بس حكمتو عليها عشان هي أكبر مني بس، لكن لو عرفتوها وقربتو منها بجد هتعرفو إنها تستاهل تبقى هنا وسطنا.
حنان: بعيالها؟!
زياد: ماما لو سمحتي بلاش نتكلم بالطريقة ديه، كل اللي طالبو منكم تدوها فرصة، حاولو تقربو منها وتنسو موضوع السن ده.
خالد: وأنا برده مش موافق، وحسابي ليك على موضوع الجواز المحلل ده هيبقى كبير جدًا، إنت مش بس إتجوزت واحدة أكبر منك من ورايا، إنت كمان عملت مصيبة بجوازك منها، ولو كنت رجعت بعد ما طلقتها وقولتلي الموضوع ده مكنتش خليتك تقعد في البيت ده ثانية واحدة.
زياد: وأنا مش بقول إني مش غلطان، بس كل اللي عايزه منكم تدوني فرصة، يا جماعة أنا بحبها وهي بقت مراتي، لما تطلبو مني أطلقها واختار بينها وبينكم ده مش حرام؟
زفر خالد وقال: خلاص، وإنت اخترت تبقى معاها يبقى تخرج من هنا ومترجعش تاني.
زياد: أنا طول عمري بحترم قرارات حضرتك وبنفذ أوامرك، دايمًا بحاول ابقى الابن اللي حضرتك بتتمناه، مرة واحدة بس حاول تفهمني وتحس بيا، ليه لازم اختار بينكم، إنتو أهلي وهي مراتي، حتى لو غلطت في جوازي منها، ميبقاش عقابي إني أتحرم منكم، إنتو كده بتتخلو عني، أنا المفروض أرجعلها عشان هي محتاجاني ولازم أقف جنبها، وفي نفس الوقت مش قادر أفكر حتى إني خسرتكم.
خالد: ومفيش حد بيكسب كل حاجة يا زياد، إنت غلطت وجي تطلب مننا نتقبلها غصب عننا عشان بس متخسرناش، اللي بيغلط لازم يتحمل عقابه.
زياد بضيق: وإحنا بشر، ابن دكتور خالد اه بس بشر، بغلط وبتعلم وبحاول أصلح من نفسي، لكن مش منطقي إني طول عمري مش مسموحلي أغلط، بل دلوقتي أنا شايف إن قرار جوازي من قمر هو أحسن قرار خدته في حياتي، هي اللي عرفتني إن مشاعري ناحية أنين كانت مجرد إعجاب، واللي بحسه ناحيتها هو ده الحب بجد، حتى لو البداية. كانت غلط إديني فرصة أصلحها، منطقي إن أنا أغلط وأتعلم لكن مش منطقي إنك متسمحليش بالغلط من الأساس.
زفر خالد وقال: إنت عايز إيه دلوقتي؟
زياد: فرصة، أقعدو معاها مرة واحدة بس.
خالد: وأنا قلت مش موافق، وطالما اخترتها هي يبقى تخرج من البيت ده ومترجعش تاني، تنسى إن ليك عيلة من أصله.
أمسكت حنان بذراعه تحاول أن تمنعه، ولكنه نفض يدها عنه بقوة وقال: كلامي هيتنفذ واللي هيعترض هيحصله.
حنان: إنت عايز تطردني من بيتي عشان بحاول ألحق ابني اللي بيطرد قدام عيني؟!
خالد بغضب: أنا كلامي واضح، أفهمو زي ما تفهمو، البيت ده مش مسموح لحد فيه إنه يغلط، واللي يعصى أوامري ملوش مكان هنا، وزياد هيخرج ومش هيرجع ولو مش عاجبك روحي معاه، وورقتك هتوصلك لحد عندك، أنا معشتش طول عمري بعلم أجيال الأدب والأخلاق عشان في الآخر ابني يروح يتجوز محلل ويجي يقولي أقبل عشان معلش مش هقدر أطلقها، يا تقبل بالجوازة يا تنساني، لأ... أنا مش هسمح لمخلوق إنه يكسر الحواجز كلها ويلوي دراعي حتى لو كان مين، ولو مش موافقة على تربيتي لولادي روحي معاه.
تالين: بابا لو سمحت إهدى شوية، العصبية مش كويسة عليك، وكل حاجة هتتحل بس نقعد نتفاهم بالعقل.
صاح خالد: وأنا قلت مفيش تفاهم، عايزها غور من البيت ده، عيش معاها وانسى إن ليك أب، اللي مش عاجبه الباب قدامكم.
حنان: بس لازم نراعي مشاعره، خلينا نديها فرصة زي ما طلب، لكن تحرمني من ابني مدى الحياة ده اللي مش هسمح بيه، هو مش ابنك لوحدك ولا ليك الحق إنك تقرر بالنيابة عني طريقة عقابي ليه.
خالد: تمام، يعني إنتي مش موافقة على قراري؟ طيب، اطلعي لمى هدومك واطلعي برا البيت.
زياد: لأ طبعًا، أنا عمري ما هقبل بكده.
خالد: ما هو الغلط دايمًا نتيجته خسارة، وأدي البيت اللي كان بيضرب بيه المثل من الناس كلها بيتخرب بسبب غلطة واحدة، أظن عرفت ليه الغلط مش مسموح بيه في قاموسي.
زياد: وأنا كل اللي عملته إني حبيت، ولو فيه غلط هيهد البيت ده هيبقى قرارك إنت وبس، طول ما أنت مش عايز تسمع غير نفسك البيت هيتهد، فا متقولش إن غلطتي هي اللي خربت البيت، أنا حتى لو عرفت إن جوازي كان غلط وإني مش عايزها هتحمل أنا نتيجة الغلط ديه وهطلقها، لكن غلطك إنت هو اللي هيهد البيت كله وعمره ما هيرجع زي الأول.
خالد: أنا مبغلطش، عندي مبدأ وماشي عليه واللي مش عايز مبادئي يمشي.
حنان: وأنا همشي، طالما وصلت إنك تطردني من البيت يبقى همشي يا خالد وطلقني.
ذهبت نحو للدرج وركضت تالين نحوها لتمنعها، ثم اقترب منها زياد وقال: لأ يا ماما متسيبيش بيتك.
حنان: مبقاش بيتي خلاص بعد ما طردني منه، أنا همشي ومش هيشوف وشي تاني.
تالين ببكاء: يا ماما مقدرش أسيبك لوحدك.
حنان: تعالي معايا، متقعديش معاه.
كل هذا تحت نظرات خالد الذي يشاهد انهيار منزله أمام عينيه، المنزل الذي فنى عمره لتأسيسه وتربية أولاده على الأسس والأخلاق، والآن ينهار أمام عينيه، لم يتحمل بل أنهار هو الأخر حين شعر بذلك الألم يتسلل داخل قلبه، ليضع يده عليه ويصرخ عاليًا بألم، فانتبهو له جميعًا وركضو نحوه بذعر وهم يصرخون باسمه
ترى ماذا سيقرر زياد بعد أن رأى نتيجة قراره؟