تحميل رواية «قلبي عدوك» PDF
بقلم رباب حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ قلبي عدوك بقلم رباب حسين.
رواية قلبي عدوك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل الواحد والعشرون
ليست كل الصدمات تأتي من الأعداء فبعضها يخرج من أقرب الأبواب إلى القلب، من يد ظننتها أمانًا أو وجه أقسمت أنه لا يعرف الخداع.
هناك لحظات ينقلب فيها كل شيء دفعة واحدة، فتسقط الأقنعة وتتبدل الملامح، ويقف المرء عاجزًا أمام حقيقة لم يتخيل يومًا أنها كانت تنمو حوله في صمت.
وبين بيت ينهار تحت وطأة الكبرياء وقلوب تبحث عن النجاة وسط الركام، وخيانة تُنسج خيوطها في الظلام، كان القدر يعد خطوته القادمة دون رحمة.
أما آسر... فكان على موعد مع مفاجأة لا تشبه ما سبق، ضربة قاسية ستبدل مجرى حياته وتضعه أمام اختبار لم يستعد له يومًا.
فحين يظن الإنسان أن الأسوأ قد مر يأتي ما هو أثقل وأشد وجعًا، ما هو أكثر قدرة على كسر الروح.
كان آسر يجلس في منزله ويحاول أن يتصل بحازم ولكن لم يستقبل مكالمته، نظر بجواره فوقعت عينيه على أنين وهي تبحث عن شيء على الحاسوب، ملامحها يكسوها القلق، فترك هاتفه واقترب منها وقال: بتعملي إيه؟
أنين: بدور على حاجة على جروب الجامعة.
آسر: حاجة إيه؟ إوعي تكوني بتدوري على الفيديو.
أومأت له بحزن فأغلق الحاسوب بيده وقال: ممكن تبطلي تفكري في الموضوع ده، أنا هوصل لصافي وهجيب الفيديو، وقومي يلا عشان ناكل.
أنين: مش جعانة.
آسر: لأ أنا مش بحب الدلع.
أنين: أنا بحبه.
ابتسم آسر وقال: يا بخته، هو إنتي حلوة ليه يا أنين؟ سؤال بجد محتاج أعرف إجابته.
أنين: هو أنا حلوة!
آسر: نعم! حلوة إيه، ده إنتي زي القمر ليلة ٢٩.
نظرت له بدهشة ولكمته بذراعه، فقال: عيب عيب، مش بنضرب رجالة.
أنين: وستات عادي؟
دنى بجسده ونظر لها بابتسامة وقال: هما الحلوين بيتضربو؟ محدش قالي.
أنين بتذمر طفولي: ما أنت قايل قمر ٢٩.
آسر: بهزر يا عم، مهزرش يعني، بس قوليلي بقى، هو إنتي هتحبيني إمتى؟
نظرت داخل عينيه لتتعمق بداخلهما بهدوء، ثم ابتسمت بخفة وقالت: هفكر.
ثم نهضت من أمامه فنظر لها وهو يرفع حاجبه وقال: تفكري! لأ إنتي مش نافعة معايا خلاص، إذا مكنتش البت تقع فيا من أول نظرة يبقى خلاص متلزمنيش.
أنين: إيه ده، بذمتك أول مرة نتقابل فيها كان ممكن أصلًا أفكر إني هبقى هنا معاك دلوقتي، ولا نبقى قريبين من بعض كده.
آسر: اه، أنا حبيتك من أول ما شفتك، برغم القرف اللي كنتي لابساه، شفتي بقى! عشان تعرفي مين اللي شاف جوهر التاني الأول، لأ لأ خلاص، مقموص أنا، ومش هاكل ها.
كاد يذهب فأمسكت يده وقالت: لأ ما هو حتى لو مش هتاكل هتعملي أكل، مليش دعوة.
آسر: مش هعمل، روحي طلعي وصفة من على النت واعمليها، بدل ما نجوزك وترجعيلنا تاني يوم.
أنين: ماشي، بس لو المطبخ ولع مليش فيه.
تحركت نحو المطبخ فأوقفها قائلًا: لأ، شكرًا أنا هعمل، قال لو ولع مليش فيه، هبقى موجود أنا على وش الدنيا ساعتها عشان تقوليلي مليش فيه!
أنين: بعد الشر.
نظر لها وهو يضحك وقال: أيوة بقى، بدأت تقول أهو يا جدعان، خايفة عليا؟
أنين: ما أنت لو جرالك حاجة هدخل السجن.
آسر بتهكم: ذكاء خارق ما شاء الله، على أساس إني هولع لوحدي!
ضحكت أنين، فنظر لها يتأمل تلك الابتسامة الكفيلة بأن تجعل قلبه في قمة سعادته.
من يظن أن ابتسامة واحدة قد تقرع طبول الحرب داخل قلب مهزومًا بالعشق، صوتها يترنن داخل أذنه كمعزوفة خالدة لا تنتهي، عينيها التي تختبأ خلف أهدابها بخجل من ضحكتها وكأنها ترفض أن تنافسها بالجمال علنًا، فرفقًا بقلبٍ أهلكه العشق وروحٍ تهيم حول وجهك الملائكي أيتها السارقة، يا من سرقتي القلب بخفة يد لا مثيل لها، وخطفتي الروح حتى لا أحيا دونكِ، فاهربي حيث تريدين، ستبقى روحي بجوارك تعيدك إليّ مهما افترقنا.
صمتت أنين حين وجدته يتأمل ملامحها بسكون، ثم أخفضت عينيها بخجل أشعل وجنتيها باحمرار، ضاربة بمشاعره التي فاضت عن قلبه ولم يعد يتحكم بها، فاقترب منها ورفع وجهها إليه كي يرى عينيها بوضوح وقال بهدوء: حتى لو محبتنيش وقلبك مبقاش ملكي، وفضل نبضه يخون حبي وينبض لغيري محدش هياخد مكانك في قلبي أبدًا.
وضع أول سهم بقلبها، تحركت مشاعرها رغمًا عنها فقالت: وتالين؟ هي معجبة بيك.
آسر: وأنا مش شايف غيرك، ولما لمحت إنها ممكن تحبني بعدت عنها خالص، عشان فيه واحدة ملكت قلبي وعمالة تعذب فيه يمين وشمال، يمكن تحن عليا في يوم من الايام.
قاطع حديثه رنين هاتفه، فركض نحوه وتلقى مكالمة حازم، فقال: إنت فين يا ابني من الصبح؟
نظر حازم نحو صافي التي تجلس بجواره وقال: كنت مشغول بس ومسمعتش التليفون، خير فيه حاجة في الشغل؟
آسر: لأ، كنت بسأل على صافي، متعرفش ممكن ألاقيها فين؟
نظر لها حازم وقال: اه، هي هتقابلني برا كمان شوية.
آسر: طيب أجيلكم فين؟
حازم: هو فيه حاجة ولا إيه؟
آسر: اه عايز أسألها على حاجة مهمة، قولي بس أجيلكم فين؟
حازم: في البار اللي بنقعد فيه.
آسر: طيب أنا هروح هناك دلوقتي، بسرعة بس واستعجلها.
أنهى المكالمة والتفت نحو أنين وقال: معلش هنزل أنا وإنتي أطلبي أكل.
كاد يذهب ولكن أمسكت بذراعه وقالت: لأ، استنى خدني معاك وأنا هقف برا.
آسر بحزم: وأنا قلت لأ، مش هتقربي حتى ناحية المكان ده تاني، ومش هغير رأيي ريحي نفسك.
فزفرت بضيق وعقدت ذراعيها أمام صدرها، فربت على كتفها وقال: مش قلنا تثقي فيا، خليكي هنا في البيت وأنا هتصرف.
أومأت له وغادر المنزل، نظرت إلى أثره بابتسامة، فهو مصدر الأمن الأقوى بالنسبة لها، وتذكرت حديثه لها من قليل لتبتسم بخجل، ربما تحركت مشاعرها نحوه حقًا.
أما حازم فكان يرتدي ملابسه وينظر نحو صافي بشك، ثم قال: هو آسر مصر يقابلك ليه كده؟! إنتي عملتي حاجة من ورايا؟
كانت صافي تخفي ارتباكها منذ أن علمت بطلب آسر، تحاول أن تبعد ذلك الشك عن قلبها وتتحدث بصلابة أمام حازم، فقالت: هكون عملت إيه يعني يا حازم! معرفش عايزني ليه.
زفر حازم وقال: هنشوف. إلبسي هدومك ويلا بينا.
صافي: هو إحنا هنروح سوا؟
حازم: زي ما إنتي عايزة، مش فاهم بصراحة مش عايزاني أقوله ليه على جوازنا لحد دلوقتي، بس ماشي يعني، ممكن لما نروح هناك أدخل أنا الأول وبعدين إدخلي بعدي.
صافي: ماشي.
ذهبا معًا، وصافي لاتزال صامدة أمامه تواري نظرات الخوف عن عينيها حتى لا تُفضح أمامه، تخشى أن تخسر الرجل الوحيد الذي أحبها دون شروط.
____________
كان زياد وحنان وتالين يقفون أمام غرفة العناية المركزة بعد أن جاءت سيارة الأسعاف لتنقل خالد إلى المشفى، وبعد الكشف اتضح أن هناك أزمة قلبية وارتفاع شديد بضغط الدم لذا قرر الطبيب حجزه بالعناية.
نظرات زياد التي يملأها الندم، بكاء تالين وحنان الذي أضفا حزنًا على قلبه، وذلك القمر التي تملك قلبه بشدة، كلما فكر أن يتركها لأجل والدها يصفعه قلبه صارخًا بصوت يزلزل كيانه: لن أتركها ترحل، فأنا لها مهما حاولت.
أغمض عينيه بحزن، ما الجرم الذي ارتكبته لأقع بين هذا الاختيار؟
نظر بساعته، تأخر الوقت وكان يجب عليه العودة إلى المنزل منذ زمن، فأمسك هاتفه وأرسل برسالة إلى قمر يخبرها بأنه سيبقى بمنزل والده اليوم، لم يرغب بأن يخبرها بالحقيقة حتى لا تشعر بالذنب.
وحين قرأت قمر الرسالة، وضعت الهاتف بجوارها وهي تجلس مع أحمد ولوسيندا، لاحظ أحمد تغير ملامحها للضيق فقال: هو مرجعش ليه لحد دلوقتي؟
قمر: قصدك زياد؟
أحمد: اه.
قمر: تقريبًا حب يسيبنا لوحدنا النهاردة عشان بقالنا كتير مقعدناش مع بعض.
أحمد: هو ليه اختارتي زياد ده بالذات؟
نظرت له قمر بضيق وقالت: هو لما كان جوازي في مصلحتك كنت بتشجعني عليه ولما المصلحة خلصت بتحاسبني على الجواز منه؟
أحمد: لأ مش قصدي كده، بس يعني ليه تتجوزي محلل أصغر منك أصلًا؟
قمر: أولًا جوازي منه مكنش عشان محلل، أنا اختارت زياد نفسه، وأظن ده اختياري وأنا حرة فيه.
أحمد: أنا بتكلم بس عشان مش عايز حد يضايقك بالكلام.
قمر: مبقاش فارق معايا كلام الناس عشان لما ضيعت سنين عمري مع أبوك لمجرد إني عايزة أحافظ على بيتي طلع بيسرقني ومتجوز عليا، زياد قدر في كام يوم بس يعرف يداوي وجع سنين جوا قلبي من ياسر، أنا برا البيت بمية راجل لكن في الآخر محتاجة حد يفهمني ويطبطب عليا، يخاف عليا من الهوا ومش عايز مني أي حاجة ولا مقابل، جوازي من زياد عرفني إني كنت غلطانة إني كملت مع ياسر لحد الوقت ده.
لوسيندا: يعني هتسجنيه فعلًا يا ماما؟!
قمر: لأ يا حبيبتي، مهما كان هو بابكم وأنا لا يمكن أعمل فيه كده مهما أذاني، بس حبيت أوريه نتيجة اللي عمله فيا.
نظرت إلى أحمد الذي كان يفكر بحديث قمر، فلم يعد لديه الحق في الإعتراض على فارق السن بينهما بعدما تعرضت إلى القهر على يد ياسر، لذا فضل الصمت وتركها تعيش كما تختار هي.
_________
وصل حازم وصافي إلى الملهى، ودخل حازم أولًا ثم بحث عن آسر ووجده ينتظره عند أحد الطاولات، اقترب منه وقال: عاش من شافك يا عم، الجواز خدك مني على الآخر.
حازم: هو إنت سايبني في حالي يعني، ما كل شوية تبعتلي شغل ومكالمات لما طلعت عيني.
آسر: أنا غلطان إني بعبرك، بس ماشي. فين صافي؟
حازم: جاية في الطريق، هو فيه حاجة ولا إيه؟
آسر: صافي ديه طلعت شيطان، أنا بجد بحاول أهدى عشان أنا لو معملتش كنترول على أعصابي أنا ممكن أقتلها أول ما أشوفها.
حازم بصدمة: ليه عملت إيه؟
كاد يتحدث ولكن وجدها تدخل من الباب، فقطع حديثه قائلًا: هتعرف دلوقتي، أهي جت.
اقترب منها بغضب ثم أمسك ذراعها وجذبها إلى الخارج، فلحق بهما حازم باندفاع، ورأى صافي تدفع يد آسر بغضب وتقول: إوعى بتشدني كده ليه؟
نظر لها آسر باشمئزاز وقال بصوت عصف بها من شدة الخوف: يا بجاحتك! بقى تدخلي راجل الكلية يخطف أنين ويصورها الفيديو المقرف اللي عمله ده وجاية تقولي بتشدني ليه؟! أنا معايا دليل على إنك عملتي كده وتسجيل الكاميرات معايا، ويا أما تقري وتعترفي يا أما هوديكي في ستين داهية.
نظرت صافي نحو حازم الذي ينظر إليها بصدمة شلت لسانه عن الكلام، ثم قالت بتوتر: أنا... أنا معملتش حاجة.
آسر: بقولك معايا تسجيل الكاميرات وإنتي واخدة الراجل في عربيتك بعد ما رجع أنين الكلية، إنتي إيه مبتفهميش؟! انطقي فين الفيديو ده؟
لم تتحدث ولاتزال تجوب بنظرات مرتعشة بين حازم وآسر، فجذبها آسر من يدها بعنف وصاح قائلًا: انطقي بقولك.
علمت أن لا مهرب من الحقيقة، فقالت بخوف من نظراته: مع الراجل.
آسر: تعرفي هو فين ولا مكانه إيه؟
صافي: ها... هتصل بيه، لو عرف إنه هياخد فلوس هيقابلنا فورًا.
آسر: اتصلي بيه وقوليله إنك عايزة تشوفيه دلوقتي، ومتجيبيش سيرتي، بس قوليله إنك هتروحي لحد عنده.
ترك ذراعها وحازم يرمقها بنظرات الخيبة، كذبت عليه ونفذت ذلك المخطط الحقير رغم تحذيره لها، وقد وضعت نهاية علاقتهما بيدها.
اتصلت بيد مرتعشة، تعلم أن حازم سوف يتركها ويرحل، عدا خوفها من آسر الذي من الممكن أن يبلغ عنها الشرطة، وحين تلقى حسن المكالمة قالت: أيوة يا حسن، الفلوس معايا لو عايزها.
حسن بسعادة: هو ده الكلام، أجيلك فين يا قمر؟
صافي: أنا هجيلك، بس جهزلي الفيديو وإياك تاخد منه نسخ.
حسن: طالما هتديني فلوسي هتاخدي الفيديو وفوقيه بوسة.
صافي: ابعتلي عنوانك دلوقتي.
انهت صافي المكالمة وانتظرت حتى يرسل لها حسن العنوان، وحين أرسله جذب آسر الهاتف من يدها بغضب، ثم أخذ العنوان ورحل.
نظرت صافي نحو حازم بتوتر وقالت: هفهمك كل حاجة، بس اسمعني.
حازم بهدوء: مبقاش فيه كلام تاني يتقال، إنتي طالق.
تركها وذهب فأخذت تجذبه من يده بقوة حتى يتوقف ولا يرحل، فدفعها بعيدًا عنه وصاح بحزم قائلًا: خلاص اللي بينا خلص وإنتي اللي نهيتيه، مش عايز أعرفك ولا أشوفك تاني.
رحل وتركها تبكي وتنظر إلى أثره وقلبها يتمزق من رحيله. أما هو فرحل كبرياء زائف وتركها بعد أن عشقها حقًا.
بعد وقت، وصل آسر إلى العنوان، وطرق الباب ثم فتح حسن، فقال له آسر: إنت حسن؟
ابتسم حسن بتعجب وقال: إيه ده! ستهم بعتت ابنها بنفسه يديني الفلوس؟!
فتح آسر عينيه بدهشة وقال: مين ديه اللي بعتت ابنها؟!
حسن: خش بس الأول مينفعش نتكلم على الباب كده، الحيطان ليها ودان.
جذبه حسن ودخل آسر بخطى تائهة، عقله لا يستوعب ما قاله حسن الآن، ثم أردف: أنا لمؤخذة بقول للست سلوى ستهم، أمال ديه ست الناس كلها، فين بقى الفلوس اللي بعتتها معاك؟
ظل آسر يحملق به بتيه، لا يعرف عن ماذا يتحدث، فحاول أن يستدرجه أكثر فقال: هي بتقولك يعني المبلغ كبير على العملية.
حسن بضيق: يوووه، قولها ديه آخر مرة هشتغل معاها، المرة اللي فاتت اتفقت معايا على مبلغ ورجعت بعد ما خلصت قالتلي لا كتير عليا ومشت العملية بالقسط، لكن المرة ديه المبلغ مش كبير لمؤخذة عشان تقسطه ولا تفاصل فيه، ده خطف يعني حاجة بسيطة.
آسر: ليه هو العملية اللي فاتت كانت تسعيرتها أغلى؟
حسن: أمال، إنت هتجيب القتل زي الخطف، كل حاجة وليها تمن يا باشا.
زادت معالم الصدمة على وجهه، عينيه تنظر له وكأنه داخل كابوس يحاول أن يفتح عينيه منه بقوة فقال: قتل! قصدك على مين؟
حسن: ليه هي ستهم خلت حد يقتل غيري تاني ولا إيه؟ لا ديه بقى فيها زعل، ولا إوعى يكون خلصت على عادل بيه زي ما قتلت مراته؟!
وضع آسر يده على رأسه، يشعر بقلبه يتهاوى من الصدمات، اختل توازنه وفقد أنفاسه من بين ثنايا صدره، لم يعد يستوعب ما يسمع، فجلس على الأريكة خلفه بصمت، وعقله يتحدث بالكثير، وترددت جملة قاتلة داخل عقله: هل أمي قتلت زوجة عادل؟! قتلت أم أنين؟!
لينهار ما تبقى منه وخارت قواه أثر صدمته التي هزمته في ثانية واحدة.
ولم يعد هناك حديث يقال بعد ما سمع الآن.
وفي لحظة واحدة سقطت صورة الأم في عينيه وسقط معاها آخر ما تبقى من قلب آسر.
رواية قلبي عدوك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل الثاني والعشرون
لم تكن صدمة آسر يمكن احتواؤها ببضع أنفاسٍ متقطعة بل كان انهيارًا صامتًا امتد إلى أعماق روحه.
كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه فجأة وتركته معلقًا بين حقيقة لا تُحتمل وذاكرة تأبى أن تصدق.
تلك المرأة التي كانت ملاذه وصوته حين يختنق، ودفء قلبه حين يبرد العالم من حوله؛ أصبحت فجأة وجهًا آخر لا يعرفه.
ارتجفت روحه قبل جسده وتكسرت داخله كل الصور التي رسمها لها... صورة الأم، الأمان والطمأنينة، كلها سقطت دفعة واحدة بلا رحمة.
نظر إلى الفراغ وكأنه يبحث عن تفسير، عن كذبة ينقذ بها ما تبقى من قلبه لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُنكر.
لم يبكي ليس لأنه لا يريد بل لأن الدموع عجزت عن التعبير عن هذا القدر من الألم.
فبعض الوجع لا يُبكى بل يُعاش صامتًا، ينهش الروح ببطء ويترك صاحبه جسدًا بلا مأوى.
طال الصمت وحسن يراقبه ويتعجب من تبدل ملامحه، وكأنه هرم بعدة دقائق، فقال له: إنت تعبان ولا حاجة؟
نظر له آسر بعينيه فقط، عقله لايزال عالق بهذا الحديث السابق، فأردف حسن: لو تعبان اتصل بالست الوالدة أقولها.
تحدث آسر بصوت مكسور: أنا... أنا بس عايز الفيديو.
حسن: وماله، بس عايز الفلوس.
آسر: هما كانو كام؟
حسن: ٢٠٠ ألف بس.
نظر آسر إلى الفراغ، المبلغ كبير للغاية ولكن عليه أن يسترد الفيديو بأي شكل، لم يجد طريقة أخرى سوى الكذب، فأخرج من معطفه دفتر الشيكات، وكتب له المبلغ ومضى عليه، نظر له حسن وقال: لأ، أنا عايز حقي كاش.
آسر: المبلغ مش هيتسحب من ال ATM، متقلقش الشيك متغطي، وبعدين لو الشيك طلع فيه حاجة هتعرف توصلي بسهولة يعني.
حسن: صح، وأنا هثق فيك، هات الشيك وخد الفيديو أهوه على الموبايل ده.
أمسك آسر الهاتف وقال: فيه نسخ تانية؟
حسن: لأ، مفيش غير النسخة ديه، مع إني كان ممكن أخد من أبوها فلوس أد كده تمن الفيديو بس مردتش، ستهم غالية عندي برده.
نظر له آسر باشمئزاز، لم يكن يتخيل أن تكون والدته بهذا المستوى من الدنو والإجرام. نظر إلى الهاتف ورأى صورة أنين من الخارج فقط، لم يتحمل النظر إليها أكثر، طعنة قاسية بقلبه هو، من تمنى أن تكون له وملكه وضعتها والدته بين يد الرجال ينهشون جسدها دون رحمة، وبقى السؤال يتردد داخل عقله: لماذا؟!
تمالك ما تبقى به من قوة زائفة ثم قام بإزالة التسجيل من على الهاتف نهائيًا حتى لا يبقى له أثر، ثم بحث بجميع ملفات الهاتف أو الأرقام التي أرسل لها الفيديو، لم يجد سوى رقم عادل، وحين تأكد من أن التسجيل قد مُحي تمامًا أعاد الهاتف إليه وقال: فاضل ليك فلوس أد إيه عند أمي؟
حسن: ليا ٣٠٠ ألف، إدتني وقتها ١٥٠ ألف بس وقالتلي هبعتلك الباقي لما أكمل خطتي.
أومأ له آسر وقال: طيب هات رقمك عشان لما أجهزلك المبلغ أكلمك.
أعطاه حسن رقم هاتفه، ثم غادر آسر وهو لا يرى أمامه سوى اللون الأسود، لم يعد للحياة معنى بعينيه، تشوشت رؤيته وتعثرت خطواته، كان يمشي بين المارة ويتخبط من بينهم، ينظرون إليه بتعجب وهو لا يعبأ بما يحدث له، حتى اصطدم برجل وتعثرت خطواته بأحد الحجارة في الطريق، فسقط بالأرض وعندما حاول النهوض لم يتحرك جسده، خارت قواه ولم تعد قدماه تحمله، فنظر حوله بضعف، وحانت اللحظة التي يجب أن يحدد ما عليه فعله الآن؛ أيصمت أم يبلغ الشرطة عن سلوى؟
يبلغ الشرطة عن والدته!
يخسرها... يخسر الأب الذي لم يعرف سواه بحياته... عادل، يخسر... أنين!
نعم... أمي من قتلت أمها؟ هل أُعاقب على ما اقترفته أمي؟ ولم هي دون عن كل تلك الفتيات؟ لم عشقتها هي دون غيرها؟ يا قلبي لم اخترت من هي أبعد من حدود الكون لتعشقها؟!
وللحظة وُلد شعور داخل قلبه لم يكن ليتخيل يومًا ما أن يفكر به، شعر بالامتنان أنها لم تحبه، يكفي أن يرحل ويعيش هو بالألم وحيدًا، يكفي ما تحملته وحدها حتى الآن، فليحمل هو ألمه ويرحل.
نهض بعد أن قرر ما سيفعل، وأخذ سيارة متجهًا إلى منزل عادل وسلوى.
____________
عاد زياد وحنان وتالين إلى المنزل والحزن حليفهم، نظرت حنان إلى أرجاء المنزل ولأول مرة تشعر بالغربة داخل جدرانه، لم تتحمل أن تعود إلى المنزل وتترك خالد وحيدًا بالمشفى، نظرت لها تالين وهي تبكي بصمت ثم أحتضنها بقوة، واقترب منهما زياد وربت على ظهرهما وهو يشعر بالذنب من داخله، نظرت له حنان وقالت: هنعمل إيه يا زياد؟
زياد: متقلقيش يا ماما هيقوم بالسلامة إن شاء الله، هما يومين زي ما الدكتور قال يتظبط الضغط والسكر وهيخرج.
حنان: وبعد ما يخرج، هتعمل إيه؟ أبوك مبقاش مستحمل أي جدال تاني، لازم تشوف حل في موضوعك ده، ولا مراتك بقت أهم من أبوك كمان.
زياد: أنا مش فاهم إحنا بنقارن ليه بينكم وبينها، ماما هو ده مش وقته بجد، خلينا نطمن على بابا الأول.
حنان: هتقعد معانا ولا رايح عندها؟
زياد: أكيد مش هسيبكم في الحالة ديه وأمشي، خديها يا تالين ترتاح دلوقتي والصبح نتكلم.
تالين: حاضر، تعالي يا ماما وإن شاء الله كل حاجة هتتحل.
صعدا معًا وجلس زياد بالبهو، عليه أن يقرر ماذا يختار وما هو الحل في ذلك المأذق، لم يعد قادرًا على التفكير بالأمر أكثر من ذلك، وضع رأسه بين راحتيه ثم تنهد بقوة، وحين أغمض عينيه تذكر وجهها، رأى ابتسامتها تظهر وسط الظلام، وكأنها تضفي سوطًا جديدًا على قلبه. نعم... صفعة الاشتياق إليها، قد أصبحت ملجأ ألمه ومصدر الهدوء بحياته، ليصرخ هذا القلب معلنًا وبقوة، لنحارب من أجلها.
___________
عادت صافي إلى منزلها محطمة، كيف لكلمة واحدة أن تهزم إمرأة في ثانية. كانت تعلم أنه إذا علم بما فعلت سوف يرحل عنها، ولكن كبريائها جعلها تضع أول خطوة في الابتعاد عنه.
دخلت غرفتها وصارت تبكي من الحزن، هو الوحيد الذي لم يراها بأعين الناس، لم يراها كما يرونها جميعًا؛ الفتاة المستهترة التي تعيش حياتها دون حدود، لا تعتد بالقيود الإجتماعية، ومن يواجهها بما تفعل ويحاسبها على أخطائها التي هي بالأساس نتيجة لما فعله أهلها بها، يصبح في مرمى هجومها الحاد، أولًا زياد وثانيًا أنين، وكأنها تعلم أن بداخل كل شخص ينتقدها رغبة بأن يفعل مثلها، ولكن لم يتعرض للإهمال الذي قادها إلى تلك الحياة الزائفة، فتكسرهم هي بيدها لترى أنهم جميعًا سواء.
بعد وقت من بكائها شعرت بدوار قوي وغثيان جعلها تركض إلى المرحاض على الفور، وحين وقفت لتغسل وجهها نظرت إلى المرأة وضيقت عينيها بشك، ثم تحولت ملامحها إلى الدهشة، ورددت جملة: أنا حامل؟!
_______________
وصل آسر عند منزل عادل، وحين فتحت له الخادمة سأل عليهما فقالت أن عادل بغرفة المكتب وسلوى بغرفتها، صعد إلى الطابق العلوي ووقف أمام غرفتها، حاول أن يتماسك ويطرق الباب وهو يرسم تعابير وجهه الصارمة، ثم دخل الغرفة ووقف أمامها وهي تركض نحوه بسعادة وقالت: آسر حبيبي، وحشتني.
أحتضنته ولكنه لم يضع ذراعيه حولها، ابتعدت ونظرت إليه بتعجب من هيئته وقالت: مالك يا آسر؟! متضايق من حاجة؟
آسر: إنتي قتلتي طنط ليلى؟
تجمدت ملامحها، شعرت ببرودة تسير داخل أوصالها وقلبها كاد يتوقف عن النبض، ابتلعت ريقها بتوتر وحاولت أن تتحدث بجمود وقالت: قتلت إيه؟! أنا أقتل برده؟
آسر: متكدبيش، أنا قابلت حسن بنفسي واستدرجته في الكلام وعرفت كل حاجة، ودلوقتي مفيش قدامك حل غير إنك تقوليلي الحقيقة.
فتحت عينيها على مصراعيها وقالت: وإنت عرفت حسن منين؟
آسر بحدة: عايز أعرف الحقيقة، ودلوقتي. بدل ما أروح أبلغ البوليس عنك بنفسي إنتي والحقير اللي اسمه حسن.
ثم أردف باستهزاء: يا ستهم.
لم تعد قادرة على إخفاء ارتباكها أكثر فقالت: اسمعني، أنا هفهمك، أنا كنت عايزة أعيش زي الناس كلها ما عايشة....
قاطعها آسر قائلًا: لا لا سيبك من الكلام ده خالص عشان مش هيجيب معايا نتيجة، أنا عايز أعرف الحقيقة وبس، هتقوليها ولا أعرفها من حسن في النيابة؟
سلوى: هقول.. خلاص هقول، أنا... لما إشتغلت عند عادل في الفندق وشفت مراته عايشة إزاي، شفت عادل كان بيعمل معاها إيه وبيجبلها إيه... طمعت، غصب عني طمعت أخد مكانها، أنا قعدت سنين بنام كل يوم خايفة إني معرفش أجيبلك أكل تاكله تاني يوم، كل ليلة أقول يارب أشتغل عند حد محترم، وهي كانت تأمر تُجاب، مفيش مرة طلبت منه طلب ورفضه، فا قلت ما أخد مكانها، حاولت كتير ألمح لعادل إني معجبة بيه بس مكنش شايفني، كنت راضية بإني أكون زوجة تانية بس هو مساعدنيش، فقررت أخلص منها عشان عينه مكنتش شايفة حد غيرها.
وفعلًا إتفقت مع حسن، وراح فك فرامل العربية، وعملت حادثة وماتت فيها، ومن وقتها وأنا بحاول مع عادل لحد ما خلاص إتجوزنا.
آسر: وبعد خطتك الزفت ديه ما خلصت، ممكن أعرف إيه اللي عملتيه مع أنين ده؟!
سلوى: ما هو مش بعد ده كله يروح يكتب كل حاجة باسم بنته، وأنا يرميلي قرشين وخلاص كده، لأ.... مش هيحصل وارجع اترمي في الشارع تاني أنا وإنت.
آسر بغضب: تقومي تعملي كده في البنت؟! مفكرتيش لو ديه بنتك كان هيبقى شعورك إيه؟! أنا بجد مصدوم فيكي، أنا حاسس إني في كابوس مش عارف أفوق منه، إنتي عارفة إنتي عملتي فيا إيه؟ إنتي فضحتي البنت الوحيدة اللي حبتها، خليتي رجالة يلموسها قبلي، عارفة حالتها كانت عاملة إزاي وهي مش عارفة حصل فيها إيه؟! عارفة إحساسي أنا وأنا واقف قدام العيادة مستني أعرف إذا كان محدش لمسها ولا لأ، إنتي دمرتيني، حرمتيني منها وللأبد، كان. كل همك الفلوس وبس وقصاد ده كسرتيني، وخلاص خسرتها بسببك، وكده كده مش هتاخدي حتى القرشين، إنتي خلاص معندكيش حل غير إنك تروحي تعترفي في القسم يا أما هروح أنا بنفسي وأبلغ عنك.
أمسكت بذراعه وتحدثت برجاء: لأ، مش بعد ده كله تيجي إنت تعمل فيا كده، ده أنا عملت كل ده عشانك إنت، عشان أخليك تعيش في عز زي ده.
آسر بغضب: مش على حساب روح واحدة ملهاش ذنب إنك طمعتي في جوزها، مش على حساب بنت إتفضحت واطردت من بيتها بليل في الشارع من غير فلوس ولا مأوى، أنا نفسي أعرف إنتي أم إزاي؟! عرفتي تعملي كده إزاي؟!
من الآخر اللي قولته هيتنفذ ودلوقتي، إتفضلي وأنا وهنزل أشرح لعمي عادل كل حاجة، ويستحسن لما يعرف متبقيش قدامه.
سلوى بخوف: إنت عايزني أروح دلوقتي؟
آسر: لو عايزة تستني لما تواجه عمي عادل براحتك.
سلوى: طيب قوله هو بس سيبني أهرب.
آسر: لو منفذتيش كلامي تنسي إن ليكي ابن، تنسيني نهائي.
سلوى: لأ، خلاص هروح القسم، بس تخليك جنبي.
آسر: للأسف، مش هقدر أسيبك، بس عمري ما هسامحك... عمري.
تركها ونزل إلى غرفة المكتب، حين دخل وجد عادل يجلس شاردًا، الحزن بدل ملامحه، صدمته بما فعلت أنين حظرت ابتسامته عن وجهه، والقلب صار يأن بصمت.
اقترب آسر منه وقال: عمي.
نظر له عادل وقال: أهلًا يا آسر، تعالى حبيبي أقعد.
آسر: لأ ملوش لزوم، أنا جي أقولك حاجة مهمة وأمشي، بس قبل ما أقولها أنا عايز أشكرك على كل حاجة عملتها معايا، أنا لما كان حد بيتكلم عن أبوه قدامي وأنا صغير كنت برسم صورتك في دماغي من غير تفكير، وعايزك تتأكد إني مكنتش أعرف أي حاجة عن اللي هقوله ده غير من ساعة واحدة بس.
عادل بقلق: فيه إيه يا آسر فهمني.
قص له آسر ما سمع اليوم وعلامات الغضب التي تظهر على وجهه كانت تصيب قلبه برعشة تزلزل كيانه، تجعل حديثه متقطع وأنفاسه تتهرب منه، ثم قال: الفيديو خلاص اتمسح، وأنا إتأكدت بنفسي إن مبقاش ليه وجود، وبالنسبة لكل اللي قالته ماما عن أنين فا هو مش حقيقي، واعتقد لازم تسمع منها حقيقة موضوع النايت كلاب ده.
تحولت ملامح عادل فأصبح كالأسد الثائر، وتحدث بصوت تصدعت الجدران من حوله من شدة غضبه وقال: يعني سلوى قتلت مراتي ليلى؟! أنا مش هخلي الشمس تطلع عليها تاني.
وقف آسر أمامه يحاول أن يمنعه وهو يدفعه بعيدًا عنه بقوة، حتى حاوط آسر جسده ولم يترك له مجال للهروب وقال: أنا مش بمنعك عشانها، هي كده كده تستحق كل اللي إنت بتفكر فيه وعايز تعمله، لكن بمنعك عشان نفسك، مش عايز تروح في داهية بسببها، مش عايز أنين تخسر أبوها كمان وبسبب أمي برده، فكر فيها هي، أنين محتاجالك، هي دلوقتي الأحق إنك تفكر فيها، وأمي خلاص هتسلم نفسها وخلي العدالة تاخد مجراها. أرجوك يا عمي عشان خاطر أنين... أرجوك.
أمسك عادل المزهرية التي بجواره ودفعها أرضًا ليخرج هذا الغضب الذي يلتهم صدره من الداخل، ثم بدأ يحطم كل شيء بالغرفة وآسر يقف بعيدًا يشاهد ما يفعله بصمت، تركه يخرج كل ما به من مرار صدمته، تسلل الخوف إلى قلبه رويدًا رويدًا حتى ارتعش جسده، ولم يعد يتكلم أكثر، انهمرت دموعه وهو يشاهده بصمت، فلم يكن ما بالغرفة فقط من يتعرض للتدمير، بل حياته هي التي تدمرت في ليلة واحدة كما يرى الآن وخسر كل شيء.
هل هناك أقسى من انكسار القلب بفراق الأحباب دفعة واحدة، مسكينًا يا قلبي العليل، فقد صرت وحيدًا في طرفة عين، وانهار تحت انقاض عمرًا كاملًا حمله فوق اكتافه ليدفن قلبه بيديه أسفله.
رواية قلبي عدوك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل الثالث والعشرون
هناك لحظات يصبح فيها النجاة مستحيلة، حين تتشابك الخيانة مع الحب والدم مع الذنب، ومع من نحبهم أكثر من أنفسنا مقابل ضمير يرفض الصمت.
بعد أن انكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة لم يعد أحد كما كان... قلوب ترتجف من الفقد وأخرى تقف على حافة الانهيار، وأرواح تبحث وسط الركام عن سبب واحد يدفعها للاستمرار.
آسر يقف أمام أكبر معركة في حياته، بين عدالة يفرضها ضميره وأم ما زال قلبه عاجزًا عن كرهها.
وزياد يواجه ثمن اختياراته بين امرأة أحبها وعائلة تتفكك أمام عينيه.
وأصبحت الخيارات أقسى من تحديات الزمن.
فحين تبدأ الحقيقة في حصد ما زرعته الأكاذيب يصبح الألم هو البطل الوحيد للمشهد القادم.
وحين وقف آسر يشاهد انهيار عادل أمامه بجسد عاجز عن منعه، وقلب يشعر بألمه ويكاد يصرخ ويحطم كل ما حوله أملًا بأن يجد طريقة لإعادة بناء حياته من جديد... ولكن ظل صامد مكانه... فقط يشاهد.
هدأ عادل وافترش بالأرض ينظر أمامه بشرود، لايزال عقله لا يصدق ما سمع، اقترب منه آسر بخطى مثقلة، يخشى أن يسمع منه كلمة تجرحه أكثر، فلم يعد هناك متسع لجرحٍ جديد، جثا بجواره ثم ربت على كتفه وقال: أنا أكتر حاجة وجعاني إن إحنا ردينا كل حاجة عملتها عشاني بالغدر، إنت تستحق ناس أحسن مننا تقدر قلبك وحنيتك اللي محرمتنيش منها وعوضتني عن كل حاجة وحشة في حياتي، مش عارف هتصدقني ولا لأ بس أنا بجد حبيتك من قلبي، وعارف إن اللي هطلبه منك صعب يتحقق بس كل اللي أنا عايزه منك إنك تسامحني، أمي عملت كل ده عشاني، كانت فاكرة إن بالفلوس هتأمن حياتي، ياريتها كانت عرفت إن إنتو عندي كنتو أهم من الفلوس اللي هي جريت وراها، وفي النهاية أنا اللي خسرت، وقبل ما أمشي عايز أقولك إني حبيت أنين أكتر من روحي، أي نعم هي محبتنيش ولا شيفاني أصلًا، بس لو جات وقالتلك إني اعترفتلها بحبي ياريت متفكرش إني قولت كده عشان طمعان فيها، أنا كل همي إني أشوفها مبسوطة.
هي دلوقتي مستنياني في البيت عشان تعرف إن الفيديو بقى معايا، خلاص انسو موضوع الفيديو ده نهائي، وياريت حضرتك تيجي معايا تاخدها وترجعها بيتها، أظن إن إنتو الاتنين محتاجين لبعض دلوقتي.
ثم تحكم بألمه الذي شطر روحه ومنع صوته من الخروج، وقال بصوت مكسور: أنا مش هقدر أواجها بعد اللي حصل، بس عايزك تقولها إني مكنتش بضحك عليها، والحمد لله إنها محبتنيش، قولها متفكرش في حاجة وكفاية عليها زعل كده، قولها تعيش حياتها وإن شاء الله ربنا هيعوضها بحد يحبها ويقدرها، وعارف إني اللي هقوله ده مش منطقي بس خلي بالك منها، حاول تتماسك وتيجي تاخدها دلوقتي.
نظر له عادل وملامحه يكسوها الحزن، لامست كلماته قلبه، ورأى صدق مشاعره في عينيه، يعلم من داخله أن آسر لم يذنب ولا يجب أن يدفع ثمن ما فعلته سلوى، ولكن ستبقى الحقيقة تطارد علاقتهما.
لقد قتلت أمه أمها....
مد آسر يده له فأمسكها عادل واستند عليها، ثم وقف أمامه وقال: بلغها إني عايز أرجع مشفش ليها أثر في البيت، وورقتها هتوصلها بكرة.
آسر: أنا قولتلها تروح تسلم نفسها، والحيوان اللي عمل كده واللي صور أنين هسلمه بنفسي، بس اطمن على أنين الأول، أعرف إنها بقت مع حضرتك وبعدين هتصرف أنا.
نظر له عادل بحزن أكبر، يعلم ما يمر به آسر وكيف أتخذ ذلك القرار، فالآن يتمنى حقًا أن تجد أنين رجل يحبها مثله مجددًا.
خرجا معًا من الغرفة، وطلب آسر من الخادمة أن تضع أغراض سلوى بحقيبة وتحضرها له.
بعد وقت، نزلت الخادمة وهي تحمل الحقائب بيدها، فأخذها آسر وخرج من المنزل مع عادل، وذهبا معًا إلى منزله.
______________
في ليلة تبدل بها كل شيء، فلن يعود أحد منهم كما كان بعد تلك الليلة.
كان هناك من تجلس بفراشها، تتأمل بطرف الفراش الفارغ الذي يجاورها، فزياد لم يعد تلك الليلة، وبدأت حرب الأسئلة تعصف بعقلها في كل اتجاه، أخبرت أحمد أن زياد فضل أن يترك المنزل اليوم لهم بسبب ما حدث مع ياسر، ولكن هي لا تستطيع أن ترى سبب آخر لغيابه، تلك الكلمة التي قالها من قبل، هي مجرد نزوة تحت مسمى الزواج.
وبعد أن انتهت النزوة خرج ولم يعد، لم يعبأ بها، فقط أرسل إليها رسالة نصية، لم يحاول أن يتصل بها ليطمئن عليها وسط كل هذه المشاكل.
والآن تخشى أن تكون وقعت في خطأ أكبر من زواجها من ياسر، أن تكون عشقت من لا يستحق.
بدأ عقلها يذكرها بما فعله زياد معها منذ أن تزوجها، كيف كان يغار عليها ويحميها، كيف وقف أمام ياسر لأجلها.
طال حديث العقل مع القلب حتى تذكرت شيئًا.
والده رفض أن يعود إلى المنزل إلا بعد أن يتم الطلاق، والآن هو بمنزله إذًا قد عزم على إنهاء هذا الزواج، تذكرت أنه لم يعترف بمشاعره لها، ولا تزال تتسائل هل يحبها أم حب أنين مترسخ داخل قلبه لم يُمحى بعد.
وفي وسط تلك الأفكار لم تتحمل ألم جديد، فبكت بصمت، دموعها تنساب دون توقف، رائحة عطره لا تزال عالقة بالفراش، وفي حزنها وغضبها منه عانقت وسادته كي تتنفس برائحته، وظلت تبكي حتى نامت والوسادة بين ذراعيها.
___________
وصلت سلوى أمام قسم الشرطة، كانت تتقدم خطوة بجسد مرتعش ثم تتوقف لدقائق تنظر حولها بتوجس، قلبها يتسارع نبضاته من الخوف، تعلم أنها كلما اقتربت خطوة تودع حياتها بالكامل.
ترددت، فكرت بالهروب ولكن تذكرت أن لا ملجأ لها الآن، كانت تظن أنها تصنع مستقبلًا لابنها، لم تتخيل يومًا أنها تنهي أحلامه بيدها، لا يزال صوته المكسور ونظرته الممتلئة بكل معاني الحزن ودموعه التي تجمعت بحسرة داخل عينيه يجعلوها تتيقن أنها من قضت عليه.
والآن... عرفت أن الخسارة الحقيقية هي خسارتها له لا للمال.
تقدمت ببطء حتى وصلت إلى مكتب الضابط، طلبت الأذن بالدخول وحين وقفت أمامه نظرت له بعين تائهة، تقبض يديها بقوة وكأنها تبحث عن يد تساندها كي تتفوه بالحقيقة، ثم قالت: أنا اللي حرضت على قتل ليلى أبو عوف مرات رجل الأعمال المعروف عادل البحراوي.
وبعد تلك الجملة بدأت تشاهد ما يحدث حولها وهي واقفة محلها دون حراك، لم تسمع أي حديث يُقال، لم تتفوه بكلمة أخرى... عقلها أعلن عن نهايتها ولم يعد هناك ما يهم أكثر من ذلك، هي فقط ترغب بأن يسامحها آسر على تدمير حياته.
أما عادل وآسر، فوصلا تحت المنزل، ثم ترجل آسر من السيارة وحمل حقائب سلوى ووقف أمام المنزل يتطلع إليه من أسفل، فقال عادل: يلا نطلع.
لم يتحرك، قدميه ترفض الصعود، لن يتحمل أن يقف أمامها وهي تسمع الحقيقة، لا يريد أن يرى نظرات الكراهية بعينيها، بعد انتظاره لنظرات العشق منها أصبح متيقنًا أنه سيرى البغض والاشمئزاز.
نظر إلى عادل وقال: لأ.... حضرتك اطلع وأنا هستنى هنا، سامحني مش هقدر أشوفها بالحالة ديه لما تعرف الحقيقة، ولا هقدر استحمل نظرتها ليا.
تنهد عادل بحزن، حالته لا تقل ألمًا عما يشعر به، وربما هناك حزن بداخله لخسارته أيضًا، فهو كان بمثابة ابنًا له وقد أثبت بأنه جدير بالثقة والحب الذي غمره بهما، فلم يصمت عن الباطل وسلم والدته للعدالة وهو يعلم أنه سيخسر كل شيء، وربما هذا ما جعل عادل يتحمل ذلك الصدع الذي ضرب حياته على حين غفلة، وأيضًا سعادته بأن أنين مظلومة وأنها لاتزال تلك الفتاة التي قام بتربيتها ولم تخذله يومًا.
ربت على كتفه وصعد إلى منزله، ثم حمل آسر الحقائب ووقف مختبئًا بجوار المبنى، وظل يراقب البوابة من بعيد، يريد فقط أن يراها لآخر مرة ويودع قلبه معها، وربما قد يودع حياته بالكامل.
كانت أنين تجوب أركان المنزل بقلق، قد تأخر آسر كثيرًا ولا تحمل هاتف لتتصل به، طال الانتظار حتى سمعت طرق الباب، عقدت حاجبيها متعجبة، لماذا لم يفتح آسر الباب بالمفتاح، فاقتربت بتوجس وقالت: مين؟
عادل: أنا بابا يا أنين، افتحي يا حبيبتي.
ارتعشت يدها وهي تفتح الباب، ثم نظرت إليه وهو يقف أمامها، ولكن تفاجأت بأنه يغمرها بحنان داخل أحضانه، فأغلقت عينيها بهدوء، كم تشتاق إليه، فمنذ ذلك اليوم وهو يتعامل معها بجفاء.
فتحت عينيها بدهشة حين سمعت صوت بكائه، فابتعدت عنه على الفور وقالت بذعر: بابا إنت فاهم غلط صدقني، أنا بريئة من كل ده، أنا عارفة إنك مش مصدقني بس لو استنيت شوية آسر هيجي ويقولك كل حاجة، أنا زي ما أنا، بنتك اللي ربيتها وعارف أخلاقها وتربيتها كويس، عمري ما وطيت راسك ولا هعمل كده أبدًا، الموت عندي أهون من ده...
رفع يده أمام فمها وهو يحاول أن يتحكم بدموعه وقال: عرفت.... آسر حكالي كل حاجة، وهو بيقولك إنه وصل للفيديو ومسحه نهائي وخلاص مبقاش فيه حاجة تهدد سمعتك أبدًا.
أنين بتعجب: طيب بتعيط ليه كده؟! وفين آسر؟
عادل: بعيط عشان دخلت واحدة زي ديه بيتي، خسرتني بنتي ووقعت ما بينا عشان طمعانة في فلوسي، حطيت جنبي حية نشرت سمها في حياتي كلها، مكفهاش اللي عملته عشان تبقى مراتي لكن كمان فضحت بنتي وصورتها بالمنظر ده، وكل ده عشان الفلوس.
حركت أنين رأسها يمينًا ويسارًا في رفض، لا تستوعب ما قاله عادل الآن، ثم سألت: معلش أنا مش فاهمة قصدك على مين؟!
عادل: سلوى، هي اللي اتفقت مع صافي عشان يصوروكي، عشان أحرمك من الميراث وهي تاخد فلوسي كلها وتأمن مستقبل آسر، بس فيه حاجة تانية عملتها زمان أسوء من ديه بمراحل... سلوى هي اللي قتلت ليلى.
تجمدت الدماء بجسدها، ونظرت إلى عادل وهي تفتح عينيها على مصراعيها من الصدمة ثم قالت: يعني إيه هي... اللي قتلتها... أنا... مش فاهمة.
عادل: آسر عرف إن الراجل اللي صورك هو اللي فك فرامل عربية ليلى والسبب في الحادثة، وكل ده بالاتفاق مع سلوى، وطلب مني أجي أخدك من هنا بعد ما خلى سلوى تعترف في القسم، ودلوقتي هيسلم الراجل ده للبوليس برده.
أنين: مش ممكن، يعني هي كانت بتعمل كل ده فيا عشان الفلوس، يعني آسر فعلًا مش هو اللي كان بينقل أخباري ليك؟! كانت بتعرف منه وتيجي توقع بيني وبينك! بس... آسر.
ثم تحدثت باندفاع: آسر معملش حاجة، آسر مش زيها، لأ... آسر وقف جنبي بجد، مكنش يعرف صح؟! أيوه لو كان عارف مكنش جيه وقالك وخلى سلوى تعترف صح؟
عادل: إهدي يا حبيبتي، آسر مكنش يعرف، وأنا واثق من ده لأنه غيرها خالص، بالعكس أنا زعلان عليه زي ما زعلان على نفسي بالظبط، لكن خلاص مبقاش ينفع يبقى وسطنا تاني.
بكت أنين وقالت: بس آسر ملوش ذنب، معملش حاجة يا بابا، آسر.... بيحبني، معملش حاجة، أنا متأكدة.
ضمها إليه وقال: عارف إنه بيحبك، ويمكن بتمنى إنك تتجوزي واحد بيحبك كده، بس دايمًا الحلو مش بيكمل، إدخلي هاتي حاجتك ويلا نمشي من هنا، أنا مش طايق أقعد في المكان ده عشان بيفكرني بيها.
ابتعدت عنه وقالت برجاء: طيب... هو فين؟ أنا متأكدة إنه متدمر دلوقتي، خليني استناه، خليني أشوفه بس وأقوله إني مش زعلانة منه في حاجة، أقوله إنه ملوش ذنب، مش عايزة أسيبه في الحالة ديه وأمشي، هو وقف جنبي كتير أوي ومسبنيش، أرجوك يا بابا هشوفه الأول وامشي.
عادل: هو رافض يشوفك، مستحملش يواجهك في الموقف ده ومعاه حق، يلا نمشي يا أنين.
دخلت الغرفة وهي تبكي، ثم حزمت أغراضها وحملت حقيبتها وخرجت عند عادل الذي أبى أن ينتظر بالداخل، ثم رحلت وعينيها عالقة داخل ذلك المنزل الصغير، كانت تراه قصر لا حدود له بسبب وجود آسر بجوارها، كانت مشاعره تدفء حياتها، حبه يلاحقها بالأرجاء، ودعت ابتسامتها وضحكاتها معه، ولكن قلبها رفض الرحيل معها.
نزلت إلى أسفل المبنى، ووضع عادل حقيبتها في السيارة، ثم صعدا معًا وقاد عادل السيارة ليمر من أمام آسر الذي يراقبهما من بعيد بنظرات الوداع، بدموعه التي سمح لها الهروب، وإن كانت روحه تنزف معاني الحياة داخل جسده، وتركته دون حياة، فلا حياة له دون أنين.
وحين مرت السيارة من أمام آسر وقعت عين أنين عليه، فانتفضت تنظر إليه عبر النافذة، لتراه يبكي وهو يتابع السيارة أمامه، فقالت باندفاع: آسر أهو يا بابا، استنى، وقف عشان خاطري، عايزة أسلم عليه طيب، وقف يا بابا.
عادل: خلاص يا أنين، كفاية كده، خلاص أنسيهم وعيشي حياتك، آسر مبقاش ليه وجود خلاص.
أنين ببكاء: مرة واحدة بس، أرجع يا بابا عشان خاطري.
عادل: عشان خاطركم إنتو الاتنين مش هرجع، كفاية كده النهاردة.
لم يتوقف ولم يعد، وظلت أنين تبكي حتى عادت إلى المنزل، وأول ما بحثت عنه هو صورة ليلى، ظلت تنظر إليها وجملة واحدة عالقة بذهنها: سلوى هي من دمرت حياتي، قتلت أمي وحرمتني حنانها، والآن حرمتني من آسر.
______
مر ثلاثة أيام، انتشر خبر القبض على سلوى بقضية قتل ليلى بالصحف، وقام عادل بطلاقها رسميًا.
بلغ آسر عن مكان حسن وتم القبض عليه واسترد منه الشيك الذي وقعه بنفسه، ثم وكل محاميًا للدفاع عن سلوى، وظل حسن يصيح معترضًا أنه لم يقتل أحد وأنه مظلوم.
قامت النيابة بتقديم طلب لإعادة فتح التحقيق وفتح الملف الذي حُفظ بأرشيف النيابة وحين وصل أمام وكيل النيابة قام المحامي الخاص بسلوى بالاطلاع على القضية.
أما زياد، فلم يعد إلى منزل قمر بعد، فحالة خالد لم تستقر بعد ومازال يبحث عن طريقة ليجعل عائلته تتقبل زواجه منها.
أما صافي فكانت تحاول أن تعتذر لحازم عما فعلت ولكنه رفض جميع اتصالاتها، وترك منزله وذهب ليمكث مع آسر الذي تدمر كليًا بعد أن انتشر خبر القبض على سلوى.
________
في صباح اليوم الرابع.
كانت ماهي تجلس بجوار يزن داخل الجامعة، تنظر حولها بحزن مما يحدث، ثم قالت: أنا قلقانة على أنين أوي، بكلمها صوتها صعب ومكسور بشكل وحش جدًا، بص حوالينا كده، كل أصحابنا حالتهم بقت غريبة، ده أنا بقالي يومين بتحايل على أنين تيجي ورضيت إمبارح بالعافية، ومعرفش هتنزل فعلًا ولا لأ.
يزن: وزياد كمان حالته صعبة، صافي دمرت كل حاجة هي وسالي، نفسي أصلح الوضع بينه وبين أنين، وزاد عليه كمان مرض دكتور خالد.
ماهي: اه بجد، عمي عادل كمان بيحاول يخرج من اللي هو فيه، الله يكون في عونه.
ثم صمتت قليلًا وقالت: ما تخلي زياد يجي النهاردة نقعد معاه شوية، يمكن أنين تيجي ونحاول نصلح الوضع بينهم، ولو مجتش يبقى برده حاولنا نعمل حاجة عشانه.
يزن: فكرة فعلًا، هكلمه.
رفع هاتفه واتصل بزياد الذي تلقى المكالمة فقال: إنت فين يا زياد؟!
زياد: في البيت.
يزن: ما تيجي نقعد في الجامعة شوية مع بعض.
زياد: المفروض نروح الزيارة لبابا على الساعة ٥ كده، ممكن يخرج معانا النهاردة.
يزن: طيب لسه الساعة ١٠، تعالى بس الجامعة أنا مستنيك، أشوفك بس وتغير جو شوية، يلا قوم.
تنهد زياد وقال: حاضر هجيلك.
بعد وقت، وصلت أنين الجامعة واتصلت بماهي لتعرف أين تنتظرها ثم ذهبت إليها، وجدت يزن يجلس بجوارها فنظرت له بضيق، فانتفض يزن وذهب نحوها على الفور وقال: أنا كان لازم أعتذرلك من بدري، بس الظروف كلها مش حلوة، وكنت مستني أشوفك عشان أعرف أتكلم معاكي، أنا أسف على الكلام اللي قولته كله.
أنين: لأ متعتذرش، كل ده بسبب صافي، ربنا يسامحها على اللي عملته فيا.
اقتربت منها ماهي واحتضنتها وقالت: وحشتيني أوي، إنتي ليه خاسة كده، مش بتاكلي ولا إيه؟!
أنين: مليش نفس لأي حاجة.
ثم تطلعت حولها وقالت: هو آسر مش بيجي الجامعة صح؟
يزن: سمعت إنه بيحاول يسحب ورقه من هنا، بس الإدراة رفضت وأصرت إنه يكمل ويمتحن السنة ديه وبعدين يحول، بس بيجي يشوف حل للموضوع.
أنين: عايز يهرب.
ماهي: لاحظي إن اللي بيحصل أجبره يهرب من كل الناس.
أومأت لها أنين بحزن، تتمنى رؤيته لمرة واحدة فقط، ثم تفاجأت بزياد يقترب منهم، نظرا لبعضهما البعض بصمت، ثم اقترب زياد وألقى التحية عليهم، ثم نظر نحو أنين وقال: هو إحنا ممكن نتكلم شوية؟
أومأت له أنين وذهبا معًا، جلسا بعيدًا عن يزن وماهي اللذان يرقبان ما يحدث بصمت.
طال الصمت ثم قاطعه زياد قائلًا: أعتقد أول مرة نقعد لوحدنا، صح؟
أنين: اه.
زياد: أنا كان لازم أكلمك من بدري عشان أعتذرلك عن اللي حصل بس الظروف عندي وعندك مش أحسن حاجة، أنا عرفت الحقيقة واللي عملته صافي وسالي، مش مصدق بصراحة لحد دلوقتي اللي عملوه.
أنين: يمكن اللي عملوه كان غلط كبير، بس خلينا متفقين إنه كان اختبار حقيقي لينا، كل واحد فينا عرف وإتاكد إن مشاعره مكنتش كافية.
زياد: يمكن عشان محولناش نقرب من بعض أكتر، أنا وإنتي كنا شايفين إن العلاقة مينفعش تتعدى حد معين غير بصورة صح، وده خلانا مش عارفين بعض كويس.
أنين: مش بس كده، الفكرة إننا محولناش نقرب أصلًا، وده عشان إحنا الاتنين وقفنا عند مرحلة الإعجاب وبس، لكن الحب مش كده، لما بنحب بتبقى عايزين نفضل جنب اللي بنحبه طول الوقت، نعرف عنه كل حاجة، نشاركه تفاصيل يومه وحياته، نفرح بس لمجرد ما نبقى مع بعض والوقت يجري ومنحسش بيه، وكل همنا نفضل معاهم وبس، ولما يختفي تحس إن الدنيا مبقاش ليها طعم ولا لون.
ابتسم زياد وهو يسمعها وقال: آسر صح؟
نظرت له أنين بشرود، حين تحدثت عن الحب وصفت علاقتها بآسر بالتفصيل، وكأن عقلها يخبرنا بالحقيقة التي تحاول أن تهرب منها، لا تريد أن تحزن على فراقه كحبيب، هي تتألم فقط من اختفاءه، فكيف تواجه فقد أكبر؟
زياد: أنا حاسس بيكي جدًا، ويمكن عرفت معنى الحب زيك كده لما فعلًا حبيت.
أنين: عرفت إنك إتجوزت، مبروك.
زياد: محدش يعرف خالص بجد، بس بما إنك قولتي اللي في قلبك فا ممكن تسمعيني، أنا كمان دوقت طعم تاني للحب معاها، علاقتنا صعبة ومرهقة جدًا ومحدش متقبلها، زي ما الناس حكمت على علاقتك إنتي وآسر بالفشل كده وفرقو بينكم، لكن الحقيقة إن آسر ملوش ذنب، وحرام يتحاسب على غلط مش بتاعه، الفكرة دلوقتي فيكي إنتي، هل هتقدرى تعيشي معاه بعد اللي مامته عملته ولا لأ؟ هتقدري تفصلي بينه وبينها؟
أنين: أنا تايهة أوي يا زياد، محدش حاسس بالنار اللي جوايا، آسر مكنتش علاقتنا حب أو ارتباط، بس كان سندي وضهري، صدقني ووقف جنبي، عمل معايا اللي محدش عمله، أنا مش بس زعلانة إن إحنا مش هنبقي سوا، أنا زعلانة إنه اختفى من حياتي، أنا من غيره ضايعة، عايزاه جنبي، مش حاسة بأمان من غيره، وعارفة إنه مش هيقبل يقرب مني، هيخاف يشوف في عيني نظرة وحشة ليه، مع إني عمري ما هأذيه أبدًا، ده أنا أئذي نفسي وهو لأ.
ثم بكت وقالت: اللي واجعني أوي بجد إني معرفتش إني بحبه كده غير لما بعد عني، مقولتش ليه كلمة حلوة أبدًا بالعكس، مشي وهو عارف إني مش بحبه.
ربت زياد على كتفها وقال: واضح إن إننا لازم نحاول، أنا برده مش هستسلم، مش هسمح لحد يبعدني عنها، هعمل اللي عليا لآخر لحظة وهحاول لآخر نفس بس مش هسيبها، وياريت تعملي كده إنتي كمان، واضح إن آسر بيحبك ومش كل يوم هنقابل حد نحبه كده.
أومأت له وهي تبتسم وسط دموعها، وبالخلف كان هناك من يشاهدهما بصمت، يراها بجواره، من أحبها بقلب صادق، رأها بروحه قبل عينيه، من نبض لها عشقًا وأُجبر على الرحيل، ووسط هذا النزيف من الجراحات وقف يتأملها بعيون باكية وابتسامة خجولة، وقلبه يعتصر داخل صدره، ومازال سعيد برؤية ابتسامتها حتى وإن كانت لغيره، يكفي أنها بخير.
قاطع شروده على ملامحها التي يشتاق إليها حد الجنون اتصال المحامي، فتلقى المكالمة وسمعه يقول: أيوه يا أستاذ آسر، مدام سلوى خدت إفراج من سرايا النيابة، مش حسن اللي قتلها فعلًا زي ما كان بيقول.
فتح آسر عينيه بصدمة وقال: أنا جيلك فورًا.
نظر نظرة أخيرة نحوها ثم ركض خارج الجامعة.
تُرى... هل حقًا سلوى لم تقتلها؟
رواية قلبي عدوك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل الرابع والعشرون
بعد أن ظن الجميع أن الستار أُسدل على الماضي عاد القدر ليبعثر الأوراق من جديد، ويكشف أن بعض الجرائم لا تُحسم باعتراف، وأن بعض الأرواح لا تنجو بسهولة من ظلال الخيانة.
آسر يركض خلف حقيقة قد تسلبه آخر ما تبقى له من توازن، وأنين تقف أمام قلب أدرك الحب متأخرًا بينما الغياب يلتهم ما بينهما ببطء.
وزياد ما زال يحارب من أجل امرأة أحبها غير مدرك أن معارك القلب لا تنتصر دائمًا بالقوة.
وفي لحظة يظن فيها الجميع أن الألم بلغ ذروته يأتي القدر بما هو أقسى، ويثبت مرة أخرى أن ما خفي كان أعظم.
فبعد أن رحل آسر وهو يحمل قلبه الجريح بين يديه يربت عليه ويخبره: لا عليك من حزنك... فهي سعيدة الآن.
أصعب التضحيات هي أن تضحي بحبك لأجل من تحب، ربما تدرك حينها أن حبك له صار أهم منك أنت.
بعد وقت، نهض زياد وقال: أنا همشي عشان لازم أروح المستشفى عند بابا.
أنين: ألف سلامة عليه، إن شاء الله هنيجي أنا وبابا نزوره قريب.
زياد: تنورو، بس قبل ما أمشي عايز أقولك إني مبسوط أوي إني أتكلمت معاكي ومبقاش بينا أي سوء تفاهم، ويارب توصلي للي بتحلمي بيه.
ابتسمت أنين وقالت: وأنا كمان مبسوطة إن بقى ليا صديق محترم زيك.
غادر أياد وتوجهت أنين نحو ماهي ويزن، فقالت ماهي: واضح إن الأمور اتصلحت بينكم.
أنين: لا، دماغك راحت لبعيد أوي، أنا وزياد خلاص كل واحد شاف طريقه.
يزن: كان نفسي نحاول نصلح بينكم.
أنين: لأ متحاولش، وكده كده إحنا أصحاب كويسين مع بعض يمكن أكتر من الأول.
تنهدت ماهي وقالت: اه صح، آسر كان خارج من الجامعة وشافك إنتي وزياد من شوية.
فتحت أنين عينيها بدهشة وقالت: شافني؟! أنا وزياد، إنتي متأكدة؟
تعجبت ماهي من إندفاع أنين وقالت: أيوه، إيه المشكلة مش فاهمة.
صمتت أنين وأغلقت عينيها بحزن، من المؤكد أنه سيسيء الظن بما حدث أمامه، حتى وإن كانت علاقتهما مستحيلة ولكن لا ترغب بأن تجرح قلبه هكذا وبظن أنها عادت إلى علاقتها مع زياد.
رفعت هاتفها لتتصل به، فنظر آسر إلى اسمها، شعر بقلبه يرتجف، أنامله تتجه نحو الهاتف كي يتسقبل المكالمة ولكنه أوقفها بالقوة، ولم يجيب.
نظرت أنين إلى الهاتف بحزن، تذكرت حديثها مع زياد فقررت أن تذهب إلى عادل وتتحدث معه، فلم تعد تستطع إخفاء حبها لآسر أكثر من ذلك، وحقًا يجب أن تصارع من أجله.
بعد وقت، وصل آسر إلى سرايا النيابة، واتصل بالمحامي وعرف مكانهما، وحين اقترب منه رأى سلوى تقف أمام باب وكيل النيابة تنتظر إنهاء الإجراءات، نظر آسر إلى صديق المحامي وقال: خير يا متر، فهمني خدت براءة إزاي؟
صديق: لما اطلعت على محضر القضية لقيت إن العربية اللي عملت بيها مدام ليلى الله يرحمها الحادثة مكنش فيها أي عيب، ولا فيه حاجة في التقرير الجنائي تثبت إن الفرامل مقطوعة، عشان كده القضية اتقفلت على إنها قضاء وقدر.
رجعت لوكيل النيابة النهاردة الصبح وقولتله على التقرير، وبعدين حقق تاني مع حسن وقاله إن هو ملحقش يقطع الفرامل يومها، بس هي عملت حادثة لوحدها من عند ربنا، بس طبعًا مدام سلوى مكنتش تعرف وافتكرت إنه نفذ اللي طلبته منه، عشان كده كان بيبتزها وياخد منها فلوس عشان يفضل ساكت وكمان ياخد فلوسه عشان خلصها من مدام ليلى، يعني في النهاية والدتك حرضت على القتل اه بس محصلش، وبكده القضية اتقفلت تاني.
تنهد آسر براحة، يكفي أن سلوى سوف تعود معه إلى المنزل، وإن كان قلبه لايزال غاضبًا منها، ولكن بالنهاية وجودها خلف القضبان كان يقتل كل أمل بحياته.
نعم... لن يسامحها على فعلت بأنين، لن ينسى محاولتها لقتل ليلى حتى وإن كانت فشلت بتنفيذ القتل، فهذا لا يمحي ما عزمت على فعله.
تنهد آسر بثقل وقال: طيب المفروض نعمل إيه دلوقتي؟
صديق: مستنين وكيل النيابة عشان يكتب قرار الأفراج، وبعدين تترحل على القسم التابع ليها وتخرج من هناك.
أومأ له آسر وانتظر بجواره، لم يحاول النظر نحو سلوى على عكسها تمامًا، فهي ترى علامات الإجهاد على وجهه، وبداخلها تعلم أنها من دمرت حياته بيدها، ولن تسامحه أنين حتى وإن خرجت سلوى من هنا بريئة.
أما زياد، فقد عاد إلى المنزل، ثم أخذ حنان وتالين وذهبو إلى المشفى، حين وصلو تحدثو مع الطبيب الذي أخبرهم أن حالة خالد قد استقرت وسوف يعود إلى المنزل معهم الليلة.
كانت سعادتهم لا تسع العالم، قد عاد ذلك الأب الحازم الذي لم يفقد عاطفته الأبوية برغم القيود التي يفرضها عليهم، أما زياد فشرد مباشرة بعد أن شعر بالسعادة من هذا الخبر، تذكر قمر والمعركة التي يجب أن يخوضها مجددًا مع عائلته لأجلها.
ذهب زياد لينهي التعاملات المالية مع المشفى، أما حنان وتالين فدخلا الغرفة عند خالد الذي كان يبحث عن زياد من بينهما، فقال: فين زياد؟
حنان: بيدفع حساب المستشفى، عشان نرجع بيتنا بقى.
خالد بحزن: مش كنتي هتسيبي البيت يا حنان؟
حنان: خلاص يا خالد بقى، مش وقته كلام في الموضوع ده، خلينا نفرح برجوعك وسطنا.
أومأ لها خالد وصمت، ثم انتظرو عودة زياد إلى الغرفة.
وفي ذلك الوقت وصلت أنين عند الفندق، ثم دخلت سريعًا وركضت نحو غرفة عادل، لم تطرق الباب فقد دخلت ووقفت أمامه، فُزع عادل من هيئتها وقال: مالك يا حبيبتي فيه إيه؟
أنين بتوتر: أنا آسفة يا بابا إني دخلت كده، بس الموضوع مبقاش مستحمل تأجيل، أنا عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم جدًا، ممكن أعطلك شوية.
عادل: مش مهم أي حاجة دلوقتي، فهميني مالك.
أنين: أنا آسفة إني هقول لحضرتك كده، بس أنا مش قادرة أبعد عن آسر، وشايفة إن مش صح نحاسبه على غلط سلوى، وبعدين أنا كمان بتعاقب معاه، أنا كفاية عليا اتحرمت من أمي مش هتيجي سلوى وتحرمني من آسر كمان، مش عارفة أعمل أي حاجة في حياتي، وكأن آسر بقى محور حياتي كلها، كل حاجة بعملها في يومي بدور عليه فيها.
تنهد عادل وقال: كنت عارف إنك حبتيه.
أنين بحزن: هو يتحب يا بابا، هو جميل أوي، تخيل إنه لما عرف موضوع الفيديو كان مستعد يتجوزني ومش فارق معاه كلام الناس، كان كل همه إني أعيش أنا وإنت راسنا مرفوعة، حرام يعمل عشاني كل ده وأنا أحاسبه على غلط مش بتاعه.
عادل: اللي إنتي بتطلبيه ده صعب، حتى لو إنتي قدرتي تفصلي بينه وبين أمه، هل هو هيقدر يقف قدامك، هل الناس هتسيبكم في حالكم، هيفضلو طول عمرهم شايفين إن آسر طمعان فيكي وقدر يضحك عليكي زي ما سلوى ضحكت عليا، ومفتكرش إن آسر هيرضى يستحمل وضع زي ده وهو طول الوقت في موقف اتهام.
أنين: أنا متأكدة إن آسر هيستحمل أي حاجة في الدنيا عشان يبقى معايا.
عادل: متبقيش أنانية في حبك، أنا عارف إنه بيحبك وبجد بتمنى إنه يبقى من نصيبك، بس مش على حساب مشاعركم إنتو الاتنين، خصوصًا إن الموضوع ده ممكن يدمر حياتكم بعدين لما الحب يقل شوية ويفضل الجرح ما بينكم هو هو.
بكت أنين، فضمها عادل بين ذراعيه وربت على ظهرها كي تهدأ، ثم قاطعه اتصال هاتفي من المحامي، الذي حين تلقى المكالمة وسمع خبر الإفراج عن سلوى فتح عينيه بصدمة، فاقتربت منه أنين بقلق، وحين أنهى المكالمة قالت: خير يا بابا، فيه إيه؟!
عادل بشرود: سلوى خدت براءة، مش هي اللي قتلت ليلى، طلع اللي اسمه حسن ده مفهمها إنه نفذ الاتفاق بينهم عشان ياخد فلوس.
أنين بسعادة: يعني خلاص كده! أنا هروح لآسر.
كادت تذهب ولكن قبض عادل على يديها وقال: استني، حتى لو سلوى منجحتش إنها تقتل ليلى ده ميمنعش إنها خططت لده وكانت هتقتلها فعلًا.
أنين بتذمر: يوووه، أنا مالي بقى، المهم إن خلاص هي مقتلتهاش، أنا هروح لآسر يا بابا، مش هضيعه من إيدي تاني.
تركته وذهبت وعادل يتابعها بصمت.
_____________
عاد خالد إلى منزله بصحبة عائلته، ثم ذهب ليجلس بالكرسي الخاص به بالبهو، وجلسو بجواره وتطلعو إليه وهو يتكأ على كرسيه ويغمض عينيه براحة، ثم قال: كنت بقول كل يوم عايز أروح أقعد مكاني في بيتي.
تالين: حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
زياد: نورت بيتك يا بابا.
فتح خالد عينيه وقال: هتعمل إيه في موضوعك يا زياد؟
حنان: مش وقته يا خالد، ارتاح بس وبعدين. نتكلم.
خالد: أنا كويس مش تعبان، مستني اسمع زياد هيعمل إيه.
زياد: طول عمرك يا بابا مربيني على تحمل المسئولية، قمر دلوقتي مسئولة مني، هي مراتي وليها حقوق عليا زي ما إنتو عيلتي اللي مقدرش استغنى عنها وليها حقوق عليا، لو حضرتك مش متقبل وجودها في وسطكم هي مش هتيجي هنا، لكن متمنعنيش عنكم، إنتو أهلي وهي مراتي، أيًا كان الطريقة أو الفرق اللي موجود بيني وبينها مش مهم، هي قدام ربنا مراتي وأنا بحبها، وربنا مقالش إن الجواز ليه شروط ولا إن الست لازم تبقى أصغر من الراجل ولا لازم نتجوز اللي متجوزوش قبل كده بس، الجواز طلب وقبول، وإحنا كويسين مع بعض، فمن حق حضرتك تاخد موقف من الموضوع لكن مش مني أنا، ومفتكرش إن حضرتك هتبقى مبسوط لما تلاقي ابنك مش قادر يتحمل مسئولية قراره ويرجع عنه بعد ما وعد واحدة بإنه هيحافظ عليها ونكث وعده في الآخر، ديه مش أخلاقي ولا تربية حضرتك ليا، أنا مقدرش أغصبك على حاجة بس كل اللي بقوله رجاء مني إنك تخليني أجي أقعد وسطكم.
خالد: زي ما قلت ده قرارك، وطالما إنت مبسوط فا معنديش مشكلة تيجي وتقعد معانا، لكن فكرة إن إحنا نتقبل وجودها بينا هياخد وقت شوية، وأنا فعلًا غلطت لما طردتك من البيت، المهم إنك عرفت غلطك وحاولت تصلحه.
ابتسم زياد بسعادة وقال: يعني خلاص، حضرتك مش معترض على جوازنا.
خالد: حتى لو اعترضت، مش من حقي أخد قرار طلاقك منها.
حنان: ربنا يخليك لينا يا خالد، دايمًا مجمعنا وإنت وسطنا كده.
ابتسم زياد بسعادة وربتت تالين على كتفه وهي فخورة بما فعل كي يحارب من أجل زوجته، وللحظة تذكرت آسر ولكن نفضت أفكارها عن رأسها، فبعد ما نشر عن سلوى بالجرائد حاولت إنهاء ذلك الإعجاب الذي من طرف واحد، فحتى وإن حاول آسر التقرب منها سيرفضه خالد بشكل قاطع.
___________
عاد آسر وسلوى إلى المنزل، فوقف حازم ينظر إليهما بسعادة، ثم قال: طنط سلوى! حمد الله على السلامة، إيه المفاجأة ديه!
سلوى بخجل: الله يسلمك.
ثم ركضت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها، نظر حازم إليه وقال: فهمني حصل إزاي ده؟
آسر: هحكيلك.
جلسا معًا وقص له آسر ما حدث، فقال حازم: طيب الحمد لله إنها جات على كده وبس، ليه بقى شكلك زعلان كده.
آسر: عشان النهاية هي هي، أنا وأنين عمرنا ما هنبقى مع بعض، وكمان النهاردة شفتها مع زياد، قلبي اتخلع من مكانه يا حازم، وجعي مفيش كلمة تقدر توصفه.
كاد يتحدث حازم، ولكن قاطعه صوت طرق الباب، نهض ليفتحه وتفاجأ بوجود أنين أمامه، فالتفت نحو آسر سريعًا وقال: أنين!
نهض آسر والتفت لينظر إليها، وجد في عينيها نظرة جديدة، دموعها تملأ عينيها وابتسامتها الحزينة تزين وجهها، انتفض قلبه مهللًا باسمها، يستقبل ملامح وجهها ليعيد حفرها بداخله ولكن بتلك النظرة التي لم يراها من قبل، نظر إليها والحيرة تملكت عقله، هل هذه نظرة عشق واشتياق!
اقتربت منه وهي تنظر داخل عينيه، تبحث عن دفء حنانه التي تمنت أن يغمرها ولو لمرة واحدة، فخرج حازم من وتركهما معًا.
طال حديث العيون، تلاهفت القلوب لسماع كلمة تروي ذلك البستان الذي كاد يذبل داخل قلبيهما، ثم نظرت إليه وقالت: مكنتش أعرف إنك واحشني كده.
لم يتفوه بكلمة، ولكن قلبه كان يخبرها بحالته بدونها، مات الإنسان بداخله برحيلها، تحول إلى جذع خاوي، تتقاذفه الرياح بكل اتجاه وكأنه فقد وجهته بالحياة.
فأردفت: مش هتسمعني صوتك.
ابتلع ريقه ليسيطر على قلبه الذي يتغنى باسمها كطفل في وسط حفل صاخب، وقال: جاية ليه يا أنين؟
أنين: جاية أقول الكلمة اللي كان لازم أقولها من بدري، الكلمة اللي محستش بمعنى كل حرف فيها واتنقشت جوا قلبي جنب حروف اسمك، الكلمة اللي عمرها ما خرجت لحد غيرك عشان عمري ما حسيتها غير وأنا معاك، جاية أقولك إني من غيرك ضايعة مش عارفة أعيش، مفيس حاجة حلوة في حياتي ولو حصل حاجة وحشة بدور عليك إنت وبس، جاية أقولك إنك سرقت قلبي مني من غير ما أحس ولما خرجت من الباب ده رفض يرجع معايا، أنا بحبك يا آسر، وعايزة أفضل معاك.
كلمة، يلا الكلمة التي تملكته في لحظة، الكلمة التي خرجت من بين شفتيها كلحن فريد، التي صمت العالم من حوله كي ترنن داخل أذنيه ترمم قلبه المجروح، تداوي جراح لم تكن لتلتئم دونها.
ابتسمت أنين وقالت: هتفضل تبصلي بس كده؟ مش هترد عليا!
آسر: ليه؟ ليه حبتيني وعذبتي نفسك بالحب ده، إنتي ليه مصرة تبقى حياتك شبه اسمك؟ ده أنا اللي كان مصبرني على وجعي إنك مش هتحسي بيه، كنت عارف إني هعيش في الدينا لوحدي وكنت راضي عشان طالما إنتي مبسوطة أنا مرتاح، ليه حبتيني... ليه؟
أنين: محبكش إزاي! تقدر تقولي إيه اللي يخلي بنت متحبش الراجل اللي لحد آخر لحظة بيفكر فيها أكتر من نفسه، بالرغم من إنه لسه شايفني مع واحد تاني وعارف إن كان فيه بينا إعجاب زمان؛ كتم حزنه ومشي بهدوء عشان يسيبني أعيش حياتي من غير وجع، بس أنا وجعي في حبك أحسن عندي بكتير من إني أبقى مع حد مبحبوش، وقلبي مش عايز غيرك إنت، ووقفت قدام بابا وقولتله مش هسيب آسر وهفضل معاه، وجاية دلوقتي عشان أقولك هات إيدي في إيدك وخلينا نبدأ سوا.
مدت يدها أمامه فنظر لها لم يتحرك، انفاسه تتسابق مع الرياح من حوله، قلبه يتأرجح بين التضحية والراحة بين يديها، ثم نظر آسر إلى عينيها وقال: وهتقدري تحطي إيدك في إيد أمي؟!
أنين: أنا بحبك إنت، ومش عايزة غيرك ومش مهتمة بأي حد تاني.
آسر: بس هي مهما كان أمي، حتى لو غلطت وبتدفع تمن غلطها هي أمي، ليها حق عليا مقدرش أسيبها وأروح معاكي، إستحالة هعمل فيها كده، وإنتي برده عمرك ما هتقبلي بوجودها في حياتنا.
أنين: أكيد في حل وسط، مش لازم يبقى الطريق الوحيد هو عذابي أنا وإنت، أنا تعبت وعايزة ارتاح ومش لاقية راحتي غير هنا، شايف البيت الصغير ده؛ أنا منستش ولا ركن فيه، يمكن قلبك اللي مدفيه خلاه زي القصر في عيني، مش عارفة أعيش بعيد عنك وحرام اتعاقب كمان بحرماني منك، أنا ذنبي إيه في كل ده؟
صاح آسر والدموع في عينيه: ذنبك إنك حبتيني، ليه حبتيني؟ كان لازم تمنعي قلبك عني.
أنين: وإنت ممنعتش نفسك عني ليه وإنت شايف إني بفكر في واحد تاني؟ لو كنت قدرت تعملها يبقى تطلب مني أعمل كده أنا كمان، أنا مش هخرج من هنا غير وإنت معايا.
آسر: إفهميني، أنا مقدرش أقف قدام والدك وأقوله معلش أنا طمعان فيك كمان وعايز بنتك، أنا مش مكفيني كل اللي إنت عملته عشاني وأمي ردته بالإساءة وعايز كمان أخد بنتك ووريثتك الوحيدة وأتجوزها.
أنين بحزن: يعني إيه؟! هترفضني يا آسر؟ هتقدر ترفض حبي ليك بعد كل اللي مرينا بيه سوا؟
آسر: إنتي مش عارفة الألم اللي جوايا عامل إزاي، أنا كنت مستني اللحظة ديه وبتمناها، ودلوقتي واقف عاجز... موجوع.
أمسكت يده وقالت: يبقى خليك معايا، انسى كل حاجة هنا وتعالى معايا، لو حابب نسيب البلد كلها هعمل كده وأمشي، بس نلاقي حل يخلينا مع بعض على طول.
آسر: أسف، حقك عليا، أنا لو أطول أخبيكي جوايا هعمل كده، لو بإيدي نعيش في مكان لوحدنا بعيد عن كل الناس، لكن صعب أسيب أمي لوحدها، خصوصًا محدش هيقبل يشغلها ولا معاها فلوس تصرف على نفسها، مقدرش اختار بينك وبينها صعب عليا.
تركت يده والدموع تنهمر على وجنتيها دون توقف، فرفع يده سريعًا وأزالهم عن وجهها، ثم أسند جبهته على جبهتها وقال ببكاء: أنا هفضل لآخر نفس فيا مخلص لحبك، عمري ما هشوف حد غيرك ولا واحدة هتملى مكانك في قلبي، سامحيني يا حبيبتي، سامحيني وانسيني.
أنين: مش هعرف، مش عارفة بجد، قلبي بيوجعني وإنت بعيد عني.
آسر: لو أقدر أشيل وجعك جوايا هعمل كده، بس ممكن نصبر شوية يمكن الزمن يهدي اللي حصل ويبقى لينا فرصة تانية نبقى مع بعض.
أنين: أنا هفضل مستنياك، مهما طال الزمن هستناك.
غادرت سريعًا، تحاول ألا تنهار أمامه، وظلت عينيه تتابعها بحسرة، لا يوجد وصف لما يشعر به الآن سوى الضياع، والندم يحتل صدره بقوة كعدو غادر يأبى الرحيل.
وخلف الباب كانت سلوى تسمع ما قاله آسر وأنين، كانت تتهرب من نظرات آسر منذ أن غادرت قسم الشرطة معه، وهو كان يرفض الحديث معها نهائيًا، والآن علمت أن آسر لن يسامحها على ما فعلت، وأصبحت هي مجرد وصمة عار بحياته وعليه أن يبقى بجوارها رغمًا عنه.
هل ستحاول سلوى أن تصلح من أخطائها أم لا؟
رواية قلبي عدوك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل الخامس والعشرون
يا من بغضت نبض قلبكِ
وبغضت نفسي حين صار ملكي
يا من نزعتي الهوى من جوف قلبي
وحملتي عمري بين راحتيكِ
تركتِ عقلي يلعن ضعفي
حين تساقطت بين أناملي حبات اللؤلؤ الدري من عينيكِ
ولكن الزمن ليس زمني
فأنا من يدفع ثمن أخطاء أمي
لا تبكِ.... لا ترحلي....
ليتني منعتكِ ولكن عجزي يمنعني.
رحلت بقلب مجروح على يد قتيلها، مضت من أمامه كحلم طال انتظار تحقيقه؛ ولكن كان للقدر رأي آخر، أن تأتي إليه بالوقت الخطأ.
دموعها تسبق خطاها، قلبها يصرخ باسمه مناديًا... من يسمع ومن يشعر بألمه سواها.
ما أصعب أن ترحل وأنت تعلم أنك حين تمضي لن تعود كما كنت.
_____________
تطمئن زياد على خالد وغادر المنزل متجهًا إلى شركة قمر، قلبه يتراقص بسعادة ليس فقط لأن خالد وافق وقد انهى هذا الصراع الذي أرَّق نومه لأيام ولكن للهفته بأنه سيراها.
حين وصل أمام مكتبها كاد يفتح الباب ويدخل دون أذن، ولكن أوقفته المساعدة وقالت: ثواني يا أستاذ زياد عشان المدام عندها إجتماع مع المديرين.
ترك زياد مقبض الباب وذهب نحو المساعدة وقال: طيب بلغيها إني مستنيها.
أومأت له المساعدة ودخلت المكتب، اقتربت منها وهمست بأذنها، تبدلت ملامحها إلى الضيق، هل تذكرها الآن بعد أربعة أيام! لم يحاول حتى التواصل معها، والآن يخبرها وهي بالإجتماع كي تنهيه لأجله.
نظرت إلى المساعدة بجمود وقالت: لما الإجتماع يخلص، لو حابب يستنى براحته.
خرجت المساعدة وأخبرت زياد بما قالته قمر، كان يعلم أنها ستستاء من اختفاءه، لذا قرر أن ينتظرها ليخبرها بكل ما حدث.
طال الانتظار وأبى الرحيل.
_______________
أسوء الصدمات حين تظن أنك كنت على الطريق الصحيح وفجأة ترتطم بأرض الحقيقة الضحلة، تقف عاريًا وسط معتقداتك القديمة التي تفننت في انهاء حياتك دفعة واحدة، زين لها الشيطان فعل كل ما هو محرم ثم صفعها وجه الدنيا الغاضب لتجد نفسها وحيدة، لا حبيب... لا صديق.... لا عائلة.
والآن، هناك طفل ينمو بين أحشائها لا تعرف كيف تخبر عائلته عنه، ولا تستطيع أن تتوصل إلى حازم بعد أن طلقها.
بقت بغرفتها لأيام، تبكي حتى جفت دموعها، عالمها انهار بكلمة واحدة، والآن أصبحت ترى الأمور بنظرة مختلفة، كانت تفعل ما يحلو لها، لا رقيب ولا حدود، وحين ينتقدها أحد تبغض حديثه وتبدأ في الانتقام منه، كانت ترى أن جميعهم مخطئين فلا يحق لأحد أن يصدر حكمه عليها.
لذا حاولت أن تجعل كل من انتقضها مثلها، وضعته تحت الضغوط كما وُضعت هي، ووقفت تشاهده وهو يصل إلى القاع بهدوء، ظنًا منها أنهم الآن مثلها، لترتطم بالحقيقة حين رأت آسر وهو يدافع عن أنين، يحميها من غدرها، لم يصدق ما قيل عنها بل ويبحث عن برائتها، أبلغ عن والدته بنفسه وهو يعلم أنه سيفقدها.
هنا وواجهت نفسها بحقيقة ما فعلت، رغم الضغوط القاسية التي تعرضت لها أنين ولكنها لم تتغير، لم تفعل مثلها، بل كسبت الجميع بصفها وهذا لنقاء روحها.
أما هي، فروحها تلوثت بأفعالها الخاطئة، وها هي تبكي على أطلال عمرها الذي انتهى قبل أن يبدأ.
كانت تبحث عن رقم هاتف آسر ليساعدها، تعلم أنه سيرفض ولكن لن يقف بصفها سواه.
انتبهت إلى هاتفها حين أرسل لها صديق بهذا الملهى الليلي رقم الهاتف، اتصلت بآسر على الفور، لتقطع شروده الذي ظل عليه منذ أن غادرت أنين، وانتبه إلى رقم مجهول يتصل به، فتلقى المكالمة وسمع صوت صافي تقول: آسر؟ أنا صافي.
زفر بضيق وقال: عايزة إيه؟
صافي ببكاء: أنا ملقتش حد استنجد بيه غيرك، إنت الوحيد اللي تقدر تساعدني، عارفة إني غلطت ومستاهلش بس متتخلاش عني إنت كمان، إعتبرني زي أختك وأقف جنبي.
شعر بالذعر من صوتها الباكي، فقال آسر: فيه إيه يا صافي طيب؟ فهميني.
صافي: ينفع نتقابل؟ مش هعطلك كتير، بس لو تقدر تقابلني دلوقتي ابقى متشكرة أوي.
آسر: ماشي، هبعتلك لوكيشن كافيه تجيلي.
صافي: مش عارفة أشكرك إزاي، بس عندي طلب كده، متقولش لحازم حاجة.
آسر: متقلقيش، مش هقول لحد.
________
عادت أنين إلى منزلها، لا تعرف كيف وصلت، لا تتذكر شيء سوى صوته وهي يعتذر منها ويرفض حبها، أصبحت الآن على يقين أن ما كانت تشعر به تجاه زياد لم يكن عشقًا حقيقيًا، إنما ما تشعر به نحو آسر كان أقوى من الحب، هو تملك قلبها بشدة، نزعه من صدرها بحنانه وعشقه النقي، تضحيته لأجلها كي تعيش بسعادة.
دخلت غرفتها وظلت شاردة دون حديث، دون بكاء، استسلمت لهذا الواقع المرير، آسر لن يصبح ملكي بيوم من الأيام.
_______________
انتهى إجتماع قمر، وبدأ المديرين بالخروج من غرفة الإجتماعات ثم دخل زياد مباشرة، وجدها تجلس بهدوءها المعتاد الذي يجعل قلبه يثور بداخله، ابتسم فور رؤيتها، كم اشتاق إليها، ولكن تفاجأ بنظرتها الباردة عكس رجفتها التي تحكمت بها بقوة، وقالت: جبت المأذون؟
عقد زياد حاجبيه وقال: مأذون! ليه؟
قمر: مش إنت خدت قرار طلاقنا، ليه مجبتش المأذون معاك.
زياد: قرار إيه! أنا مخدتش قرارات، إنتي جبتي الكلام ده منين؟
قمر: لأ هو أنا مش محتاجة حد يقولي، هي باينة زي عين الشمس، والدك من أول يوم قالك مش هترجع البيت ده غير لما تطلقني، وإنت بقالك ٤ أيام قاعد هناك، فا القرار مفهوم، وبعدين إنت تممت الإتفاق اللي كان بينا وأظن كل واحد يروح لحاله أفضل.
زفر زياد بضيق وقال: قمر متنرفزنيش، إتفاق إيه اللي بتتكلمي عليه؟ أظن إن قبل ما أي حاجة تحصل بينا قولتلك إني مش بعمل ده عشان مضطر.
قمر: اه عملت كده نزوة يعني؟! ماشي مش هتفرق، المهم إن الساعة خلصت يعني، وكل واحد يشوف حياته بقى.
طرق يده بالمكتب أمامها بغضب وقال: مترخصيش اللي بينا كده، أفهمي الأول وضعي وبعدين أحكمي عليا.
وقفت قمر أمامه وقالت بحدة: الوضع باين جدًا، إنت سيبتني لوحدي في الوقت الصعب اللي كنت بمر بيه أنا وولادي لوحدي، مفكرتش حتى ترفع سماعة تليفون وتقولي عملتي إيه.
زياد: غصب عني، رحت البيت عشان أعرف الاقي حل للمشكلة اللي بين أهلي وبينك، ولما وقفت قدام بابا تاني تعب ونقلته على المستشفى، وبدأت ماما تضغط عليا أكتر عشان أبعد عنك وفي نفس الوقت مش قادر أسيبهم لوحدهم في وضع زي ده، فضلت معاهم لحد ما بابا خرج واتكلمت معاه ووافق على جوازنا، ماشي مش هيقبل بوجودك وسطنا دلوقتي بس المهم إنه مش متضايق مننا، وشوية شوية هيعرفوكي ويحبوكي، والمشكلة هتخلص.
هدأت قمر، تبدلت ملامحها للقلق والحزن وقالت: ليه مقولتليش؟
تنهد زياد بقوة وقال: كنت عارف إنك هتحسي بالذنب إن الوضع وصل للحالة ديه بسبب جوازنا، وفي نفس الوقت كان عندك مشاكل بما فيه الكفاية وأكيد مش هزود عليكي.
قمر: كنت قولي يا زياد مش تسيبني طول الفترة ديه قلبي بيتحرق من كتر الأفكار اللي بتيجي لي دماغي.
زياد بتهكم: متوقعتش إنك واثقة فيا للدرجة ديه، بقيتي عندي نزوة وعايز أطلقلك بعد ما خدت اللي أنا عايزه! أنا مش حيوان يا مدام عشان تشوفيني كده، أنا قربت منك وخليتك مراتي بجد لما حسيت فعلًا إني عايزك في حياتي، لما حبيتك بجد.
اقتربت منه قمر ووضعت يدها على وجنته وقالت: بس إنت حتى مقولتليش إنك بتحبني، إنت سيبتني ومشيت من غير أي سبب، اختفيت مرة واحدة بعد اللي حصل، مقدرتش أشوف اللي إنت عملته غير كده، حقك عليا متزعلش.
أومأ لها بالإيجاب والحزن جالي على ملامح وجهه، فأردفت بابتسامة هادئة: وبعدين إنت وحشتني، بدور عليك جنبي مش لقياك.
زياد بحزن: وإنتي كمان.
قمر: خلاص بقى، بجد كان غصب عني، أنا جوايا إحساس دايمًا إنك كتير عليا، إنك تستاهل واحدة أحسن مني.
زياد: بس بقى الكلام ده، أنا قلبي اختارك إنتي، مش مهم عندي أي قيود المجتمع بيفرضها عليا.
قمر: وأنين؟ خلاص نسيتها.
زياد: أنا عرفت معني الحب لما قابلتك، إتأكدت إن مشاعري ناحية أنين كانت ناقصة، لكن اللي جوايا من ناحيتك ميتوصفش بالكلام، عارف إني حيرتك معايا، بس دلوقتي أنا متأكد من اللي بقوله، ومردتش أقوله غير وأنا واثق في مشاعري عشان عمري ما هقولك كلمة بخصوص حاجة زي ديه وأنا مش متأكد منها.
ابتسمت قمر، كانت تتأمل ملامح وجهه وهو يخبرها بحقيقة مشاعره، قلبها يهلل بسعادة، الآن قد تأكدت أن اختيارها كان صحيحًا.
_________
وصلت صافي إلى المقهى الذي ينتظر به آسر، وحين رأها لاحظ شحوب وجهها، وكأنها هرمت ببضع أيام، جلست أمامها خائرة القوة، وعينيها ذبلت من البكاء، فنظر لها آسر بصدمة وقال: حصلك إيه؟
صافي: أنا عارفة إن محدش غيرك هيساعدني عشان كده طلبتك، أنا كنت متجوزة عرفي واطلقت، وبعد ما طلقني عرفت إني حامل، من وقتها وأنا بحاول أوصله عشان أقوله على الحمل بس هو عملي بلوك من على تليفونه، أنا بدور على نمرتك بقالي ٣ أيام دلوقتي، ولما وصلتلها اتصلت بيك فورًا.
كان آسر يسمعها وهو يتطلع بها بعدم استيعاب، تزوجت وانفصلت وحامل! ثم شرد قليلًا وقال: طيب أنا... أشمعنة أنا يعني! مع إن ليك صحاب كتير قريبين منك.
صافي: عشان إنت الوحيد اللي هتقدر تأثر عليه وتخليه يردني ويكتب الولد باسمه.
آسر: هو أنا بخوف أوي كده؟!
صافي: مش موضوع خوف، بس هو بيحبك وهيسمع كلامك.
آسر بتعجب: هو مين ده؟!
صافي: حازم.
فتح آسر عينيه وتجمدت حدقتيه بصدمة، كان يعلم أن حازم تزوج ولكن لم يخبره بأمر الطلاق، والآن ابنه سوف يأتي إلى الدنيا موصمًا بالعار، فنفض تلك الفكرة عن رأسه وقال: وإنتي جيالي عشان أضغط عليه يردك.
صافي: ويكتب عليا رسمي زي ما وعدني، عشان الولد ده يجي للدنيا راسه مرفوعة، وكمان أهلي هعمل فيهم إيه؟
قال آسر بضيق وهو يتحدث من بين أسنانه: وإنتي تتجوزي عرفي ليه وتضيعي مستقبلك وحياتك بسبب ورقة مش هتنفعك لا قدام محكمة ولا حتى قسم! ليه تعملي في نفسك كده؟
صافي: مكنش بمزاجي، المهم إن اللي حصل حصل، هتساعدني؟!
تنهد آسر وقال: هساعدك، تعالي نروح له البيت.
صافي: هو مش في البيت، بروح عنده كل يوم مش بلاقيه.
آسر: ما هو كان قاعد معايا بس مشي النهاردة، تعالي بس نروح ونشوف.
ذهبا معًا إلى منزل حازم.
أما زياد فظل مع قمر بشركتها حتى انتهت من عملها، ثم خرجا معًا وقاد السيارة وهو يتأملها باشتياق بين الحين والآخر، أما هي فعادت كفتاة مراهقة تشتعل وجنتيها خجلًا كلما رأت نظرات العشق داخل عينيه، حقًا حين نحب نصبح كالأطفال في خفة قلوبنا وابتسامتنا لا تفارق وجوهنا.
ثم قال زياد: تحبي نعمل إيه مع الولاد؟
قمر: إتعامل بطبيعتك، هما شافو انت عملت معايا إيه وأبوهم عمل إيه.
زياد: ماشي بس هيتقبلوني؟
قمر: مش هنعرف إجابة السؤال ده غير لما نجرب، خلينا نشوف.
________________
وصل آسر وصافي إلى منزل حازم، وحين طرق آسر الباب وفتحه حازم، وقعت عينيه على صافي وتبدلت ملامحه على الفور، ثم ولاهما ظهره وقال: جايبها هنا ليه يا آسر؟
دخلا وأغلق آسر الباب بعنف، ثم التفت إليه وقال: أنا عايز أفهم إيه اللي إنت عملته ده؟
حازم: عملت إيه؟ حبيت واحدة وللأسف بعد كده نزلت من نظري، بعد اللي عملته في أنين هي متلزمنيش، لإني حذرتها وهي مع ذلك راحت عملت كده من ورايا.
آسر بدهشة: هو إنت كنت عارف؟!
حازم: هي جات وقالتلي إن طنط سلوى طلبت منها تعمل كده، وإن هي رفضت وخلاص لحد ما اتفاجأت إنك بتقولي إنها عملت كده، وفي وقتها قررت إني خلاص هي متلزمنيش.
آسر: ومجتش قولتلي في وقتها ليه؟
حازم: مكنتش عايز أوقع بينك وبينها، وخصوصاً إن الخطة اللي كانت رسماها عمرها ما هتنجح من غير صافي. لكن لما عرفت إنها ساعدتها خلاص، كل حاجة في قلبي ماتت من ناحيتها.
تقدر تعتبرني كنت بتسلى بيها وسيبتها.
صافي ببكاء: بس أنا حبيتك، غلطت وبعترف بده، بس متبعدش عني.
نظر لها حازم نظرة تحمل كل معاني الاشمئزاز وقال: وغلطك مينفعش يتعدى بسهولة، أنا مش عايزك.
آسر: حتى لو مش عايزها، الورقة اللي معاك تروح تسجلها في الشهر العقاري، لأن الموضوع مبقاش حب وكره، بقى في روح هتيجي للدنيا وهي شايلة وصمة غلطتكم.
عقد حازم حاجبيه وأخذ ينظر إليها وقال: يعني هي حامل مني!
آسر: اه، ولازم بعد ما نسجل العقد تروح لأبوها وتفهمه كل حاجة.
كاد يقاطعه فأردف آسر: حتى لو شافك طمعان في الفلوس، خد مراتك وأمشي.
نظر إلى صافي التي تبكي بحزن وقال: بس أنا مش قادر أسامحها.
اقتربت منه وقالت: يمكن محدش حاسس باللي جوايا ولا مستوعبه، بس أنا بجد كنت دايمًا بتعرض للنقض، سواء من أمي اللي كانت بتلومني إني بكبر عشان محدش يشوفها كبيرة في السن، وبابا اللي دايمًا كان يقول إنتي مع أمك ديه عمرك ما هتفلحي، خرجت برا البيت لقيت كله بينتقض لبسي وطريقة حياتي، محدش فيكو فكر إن يمكن محدش كان فاضيلها عشان يوجهها للصح والغلط، أنا ربيت نفسي بنفسي، كنت بقعد مع الخدم أكتر منهم، دايمًا شايفة إني نكرة ومحدش فارق معه وجوده من عدمه، إنت الوحيد يا حازم اللي شفتني بقلبك، أنا غلطت حقك عليا، مش هكسر كلمتك تاني أبدًا ولا هعمل حاجة غلط تاني، بس خليك معايا.
تنهد حازم وصمت، فقال آسر: مفيش وقت، إنت تروح تسجل العقد وتكلم أهلها في الموضوع، وبعدين تقعدو تتصافو وكل واحد فيكو يسال نفسه هيعرف يكمل مع التاني ولا لأ، وساعتها مهما كانت الإجابة فا إحنا نبقى كسبنا ولد يجي للدنيا وهو مرفوع الراس.
حازم: وأنا مش هنزل كلامك يا آسر، وهروح أسجل الورقة، لكن موعدكش اني هكمل معاها.
نظرت له صافي بحزن، ولم تتحدث، يكفي أن ينتشلها من هذا المأذق ولا حقًا سوف تصلح الوضع بينهما.
_________
سلوى، تلك التي ظنت أنها تضمن حياة كريمة لأجل ابنها، اكتشف أن حياته قد انتهت برحيل أنين، ظلت بغرفتها تتنفس بثقل، أصبحت عبأ على حياته وعقبة في طريق سعادته، وبرغم ما فعلته من أخطاء شنيعة فهو لا زال يختارها دون الأخرين، ثم اتخذت قرارًا بالرحيل، ولكن لتودع ابنها بالأول لآخر مرة، فربما لن تراه مجددًا.
رواية قلبي عدوك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل السادس والعشرون
بين من اختار الرحيل خوفا على من يحب ومن تركت تصارع وجع الفقد وحدها، تقف الأيام متربصة تنسج خيوط الحكاية الأخيرة، أنين تحاول أن تتنفس بعد أن سلب منها الأمان للمرة الثانية، وأسر يواجه لأول مرة حقيقة أن التضحية قد تكون أشد قسوة من الخيانة. وفي زاوية أخرى، أسرار ظن الجميع أنها دفنت تبدأ في الصعود إلى السطح لتكشف أن بعض القرارات المتأخرة قد تغير مصير الجميع ... أو تدمره تماما. أما سلوى، فبين الندم والخسارة تقف على أعتاب خطوة قد تكون آخر ما تملكه لتصلح ما أفسدته يداها، وفي اللحظة التي يظن فيها الجميع أن العاصفة هدأت ... تبدأ الرياح الحقيقية.
وأول العواصف حين ذهب حازم ليوثق عقد الزواج، وخرج ينظر إليه بين يديه، لا ينكر أن قلبه لا يزال ينبض إليها ولكن ما فعلته كان قاتلا لقلبه الذي أحبها، والان عليه أن يفعل ذلك فقط لأجل هذا الطفل الذي تحمله، وإن كان يريد أن تتذوق ما فعلته بأنين، أن تطعن في شرفها وترخص جسدها أمام الجميع، وهذا الطفل هو الذي أنقذها وأعطاها فرصة أخرى.
وظل خطوة أخيرة، أن يذهب إلى منزلها ويعلن عن زواجه منها.
وصل زياد وقمر إلى المنزل، كانت تشعر بأن العالم كله بين يديها فقط وهي تشابك أناملها بين أنامله، ومازال يثبت أمامها أنه رجلا بالمعنى الحقيقي.
دخل زياد خلفها وهو ينظر هنا وهناك يبحث عن أحمد ولوسيندا، لاحظت قمر توتره فقالت:
اهدى يا زياد اتعامل بطبيعتك وهما هيحبوك. زیاد مش عارف هعرف أكسبهم ولا لا.
قمر وأكيد مش هتكسبهم من أول يوم كده بكرة يعرفوك وتاخدو على بعض الوقت بيغير كل حاجة.
نظر إليها وقد هدا توتره، فابتسمت له وهي تنظر إلى عمق عينيه التي فاض بها عشقه، ثم قالت: إنت جميل كده إزاي ؟
زياد عشان معاكي الراحة اللي بتسكن قلبي مجرد ما بشوفك قدامي بحس إني لقيت بيتي وراحتي اللي كنت بدور عليها طول عمري، أنا أكتشفت إني مكنتش بدور على واحدة محترمة تصوني، أنا كنت بدور عليكي.
قمر بخجل طيب بس بقى عشان مش هعرف أحبك أكثر من كده.
قاطع حديثهما لوسيندا التي اقتربت منهما بخطوات بطيئة خاجلة، ثم قالت: إنتي جيتي يا
ماما ؟
التفتت إليها قمر وقالت اه يا حبيبتي، لسه جاية.
لوسیندا: طيب أنا جعانة.
قمر حاضر هي داده ناهد فين؟
لوسيندا في المطبخ.
ربتت قمر على ذراع زياد ودخلت المطبخ، ثم نظرت لوسيندا إلى زیاد و ابتسمت بخجل خرج أحمد من غرفته ووقف خلفها ينظر إلى زياد، فقال: بصو أنا عارف إن الوضع غريب بس يعني خلينا نفكر بطريقة ثانية، يعني أعتبروني صديق ليكم أو حتى معرفة، عشان
ميبقاش فيه بينا السكوت الغريب ده.
أحمد: انت سبت البيت ليه ؟
زیاد لا مسبتوش بابا كان في المستشفى وكنت معاه.
لوسيندا: ألف سلامة.
زیاد بابتسامة : الله يسلمك.
لوسيندا: هو أنا ممكن أطلب منك طلب ؟
زیاد طبقا.
لوسيندا ماما كانت قالت إنها هتتنازل عن المحضر بتاع بابا بس لحد دلوقتي معملتش كده ممكن تقنعها ؟
زیاد هكلمها حاضر بس هي أصلا قالتلي إنها مش هترضى تحبسه عشانكم، وطالما قالت كده يبقى هتعمل كده عشانكم فعلا مش عشان أنا كلمتها، أنا بس هسألها هتتنازل إمتى. أحمد ياريت تخليها تسرع بالموضوع لأن بابا هربان ومش عارف يعمل حاجة، خصوصا إنه طلق الاثنين اللى كان متجوزهم كمان ونفسيته تعبانة جدا ووضعه مش كويس.
زیاد حاضر.
عاد أسر إلى منزله، وجد سلوى تضع الصحون على الطاولة التفتت إليه بابتسامة وقالت:
عملتلك الأكل اللي ينحبه.
نظر لها بحزن وقال: مش جعان
سلوى لو كنت أعرف إنك بتحبها مكنتش أذيتها.
أسر باندفاع: الفكرة إنك قدرتي تأذي بنت بالشكل ده بنت كانت فكراكي زي أمها ومعملتش معاكي أي حاجة وحشة، ولا هي ولا أبوها، قدرتي إزاي تتفقي على قتل أمها وتوقعي بينها وبين أبوها، الراجل اللي أمنك على اسمه وبنته، عملتي كده إزاي؟
بكت سلوى بندم، ثم اشاحت بنظرها عنه بخجل وقالت غلطت ويدفع ثمن غلطي ولسه هدفعه، طمعي عماني والفقر والحاجة اللي عشت فيهم سنين خلوني مش شايفة قدامي غير الفلوس وبس كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي هتضمن مستقبلك وتعيشك مرتاح مكنتش أعرف إني بأذيك بإيدي وأنا مش حاسة، ومش هطلب منك تسامحني، عارفة إني اللي بطلبه صعب، بس كل اللي طلباه منك إن إحنا نقعد على السفرة سوا وناكل مع بعض زي زمان ننسى كل حاجة لمدة ساعة وبعدين كمل عقابك ليا زي ما إنت عايز.
أسر: أنا مش بعاقبك يا ماما ومقدرش أعمل كده أنا زعلان... مكسور، أنا خسرت كل حاجة حتى جامعتي مش عارف أروحها، رفضت البنت اللي كنت بحلم تيجي في يوم تقولي إنها بتحبني، ولما بقت بين إيدي رفضتها.
سلوى ببكاء: حقك عليا، أنا عارفة إني غلطت وانت اللي بتدفع ثمن غلطي، وأوعدك محاول أصلح كل حاجة.
أزالت دموعها واقتربت منه وقالت فاكر زمان لما رجعت من المدرسة تشتكي إن واحد صاحبك ضربك والمدير عاقبك إنت بس رحت وقتها وعملت مشكلة معاهم وفي الآخر لما جبتلك حقك منهم قولتلي إنتي الهيرو بتاعي يا ماما، يمكن خذلتك دلوقتي بس أنا لسه أمك و هفضل وراك دايما بس عشان خاطري تعالى كل معايا مش هطلب منك أي حاجة تاني.
تنهد أسر ثم قبضت سلوى على يده وجذبته نحو الطاولة، وضعت أمامه الطعام وبدأ يأكل ببطء، كان شارد الذهن فاقد لطعم الحياة، وظلت سلوی تطلع به بهدوء وعينيها ممتلئة بالدموع، تنظر إليه نظرات الوداع دون أن يشعر وكأنها رغبت أن تودعه بتلك الوجبة التي كان يهلل فرحا أمامها كالطفل حين تعدها إليه، تتذكر ابتسامته التي تلاشت دون رجعة وقررت أن تفعل شيئا صحيحا لأجله.
كان حازم يقف أمام منزل صافي الضخم، تردد ألف مرة قبل أن يطرق الباب، ولكن لا سبيل للعودة، عليه أن يعترف بخطئه ويأخذ زوجته معه.
تنفس بثقل وتحل بالشجاعة ثم طرق الباب طلب مقابلة عاصم ثم دخل إلى البهو ينتظره صعدت الخادمة لتخبره فوجدته بممر الغرق، وسمعت صافي الخادمة وهي تخبره أن هناك شاب يدعى حازم يطلب مقابلته وينتظره بالأسفل، خرجت من الغرفة باندفاع ولحقت بعاصم إلى الطابق السفلي لتراقب ما يحدث من بعيد تشعر بالخوف وتترقب رد فعل عاصم
على ما سيقوله حازم
وقف حازم أمامه فقال عاصم: أنا شفتك قبل كده.
حازم: أيوة في حفلة الفندق بتاع عادل باشا.
عاصم: أهلا وسهلا، اتفضل.
جلس أمامه وأردف خير يا ترى إيه سبب الزيارة ؟
حازم الحقيقة أنا جي أصحح وضع غلط، واعتذر عن اللي عملته وطالب من حضرتك تديني
فرصة بس.
عاصم: مش فاهم حاجة.
تنفس حازم يحاول أن يهدأ من توتره ثم تحمحم وقال : هقول حالا..... أنا إتجوزت بنت حضرتك، وده عقد جواز موثق
انتفض من مكانه ونظر إليه بجمود، ثم تحولت ملامحه إلى الغضب والتفت لينادي عليها بقوة قائلا: صافي.
وجدها تنتفض عند الدرج عندما سمعت صوته، وأخذت تقترب منه وقدميها ترتعش كمن يتعلم المشي حديثا، ثم اقتربت ووقفت بجوار حازم، فنظر لها عاصم بغضب وقال: الكلام ده حقيقي ؟!
قاومت ارتعاش صوتها وابتلعت ريقها بتوتر وقالت : أنا ... أنا كنت هقولك بس....
عاصم تقوليلي اه تبلغني يعني إنك إتجوزتي، لا وليه؟ مش لازم يعني ليه أعرف إني بنتي إتجوزت، وبعدين متجوزة عرفي ورحتو وتقتو العقد، يعني كمان مش جواز عند ماذون حازم أنا هفهم حضرتك الحكاية إنى كنت عارف إنى لو جيت اطلب إيدها مش هتوافق، أنا شاب يتيم؛ أمي ماتت وأنا صغير ووالدي اتوفى من كام سنة، عايش لوحدي ويصرف على نفسي ولسه ببتدي حياتي اه عندي شركة صغيرة كده مع واحد صاحبي بس لسه موصلتش إنى أقف قدام حضرتك وأقول عايز أتجوز صافي وابقى واثق إن حضرتك هتوافق. نظر له عاصم وعينيه تطلق شرارا ثم قال : تقوم تتجوزها عرفي وتحطني قدام الأمر الواقع صح؟ والهانم توافق وتوطي راسي قدام الناس.
ثم نظر نحوها ورفع يده عاليا كي يصفعها، وضع حازم يده أمامه ومنعه، ثم جذبها خلفه وهي تبكي وتمسك بثيابه نظر له عاصم بعينين مشدوهة، فقال حازم: هي بنت حضرتك طبعا بس هي دلوقتي مراتي ومينفعش حد يضربها وأنا واقف، أنا مش طالب أي حاجة من حضرتك غير الموافقة على الجواز وهاخدها زي ما هي كده حتى من غير شنطة هدومها، عشان محدش يفتكر إنى إتجوزتها عشان طمعان فيها، ومش بقول إن اللي إحنا عملاناه صح، لأ هو غلط وأنا جيت النهاردة عشان أصلحه، خصوصا إنها .... حامل مني، وعشان الولد ده لازم يجي للدنيا في وضع طبيعي، وهعملها فرح على أن إمكانياتي عشان يبقى جوازنا قدام الناس كلها، ولو حضرتك جيت ونورتنا هنكون مبسوطين جدا.
عاصم بصدمة وكأنه يحدث نفسه وكمان حامل، وجي تقولي بعد إيه وتصلح غلطكم بعد ايه؟! ما خلاص، خدها وإمشي، أنا مش عايز أعرف عنكم حاجة، وزي ما اختارتك وحطتني في الموقف ده وهي عارفة إنها هتخسرني يبقى تنسى إن ليها أهل، خدها واطلع برا.
جلس على الأريكة مهزوما، ينظر أمامه بشرود وكان عمره انقضى بلحظة واحدة، نظرت صافي إليه ببكاء، ثم اقتربت منه بتردد جئت أمامه وقالت: أنا آسفة يا بابا، أنا مكنتش عايزة أخسرك أبدا، وعارفة إني مش من حقي أطلب منك تسامحني بس هفضل طول عمري مستنية اليوم اللي أقف قدامك وأشوف في عينيك إنك مبقتش زعلان مني.
قال عاصم بصوت مكسور : روحي... الله يسامحك على اللي عملتيه فيا، اطلعو برا البيت مش عايز أشوف حد فيكو.
جذبها حازم من يدها وخرجا من المنزل، كان يمضي نحو بوابة الحديقة وهي تسير خلفه، ثم توقفت فنظر إليها، تفاجأ بأنها ترتمي بين أحضانه وتبكي.
رق قلبه على حالتها، هو من احتال عليها كي توقع عقد الزواج، كان يظنها نزوة وستنقضي ولكن استطاعت أن تتملك قلبه رغما عنه، ربت على ظهرها كي تهدأ، ثم قالت من وسط بكائها: أنا أسفة على اللي عملته، ومش عارفة أشكرك إزاي إنك رجعتني واعترفت بالولد. حازم أنا معملتش كده عشانك، إنني متستاهليش حد يعمل عشانك كده.
ابتعدت عنه ونظرت إليه بانكسار وقالت: أوعدك مش هعمل حاجة تاني تزعلك مني، مش هكسر كلامك ثاني أبدا ولا هاذي حد، أنا عرفت غلطي و مصلحه بس منتخلاش على إنت كمان، أنا مبقاش ليا غيرك.
زاد نحيبها حتى شعر بجسدها يرتعش بين يديه، لاحظ وجهها الشاحب وعينيها التي زيلت من البكاء، لم يتحمل أن يقسى عليها أكثر جذبها بين أحضانه وقال : طيب كفاية، خلينا تنسى اللي فات ونبدأ من جديد، أنا كمان كنت بغلط ودلوقتي لازم نصلح من نفسنا عشان فيه طفل جي محتاج لأم وأب يعلموه ويقفو جنبه مش عايز ابني يطلع يلاقي نفسه لوحده في الدنيا ربي خلينا نوعد بعض إن إحنا هنتغير عشانه وعشانا عشان نعيش مبسوطين وتكمل حياتنا سواء
أومأت له بالإيجاب وهي تقبض على جسده بقوة، ثم أغمضت عينيها براحة، الآن أصبحت علاقتهما أمام الجميع وهذا ما يهم.
عاد عادل إلى منزله، وصعد إلى غرفة أنين وجدها تجلس شاردة، لا تبكى... لا تتحرك، فقط تنظر أمامها إلى الفراغ وكأنها بعالم آخر، تنهد بحزن واقترب منها ثم جلس بجوارها وقال:
موافقش صح ؟
نظرت إليه بحزن ولم تتحدث، فتنهد وأردف: كنت عارف إنه مش هيوافق أسر عمره ما هيستغل الوضع لصالحه، حتى لو وقفتي قدامه وقولتيله إنك مسامحة أمه مش هيوافق، أنا
مربيه وعارفه.
أنين: عمري ما كنت أتخيل إن أسر يقسى عليا كده ده كان بيطبطب عليا وأنا زعلانة على زياد وهو بيحبني وكاتم في قلبه، كان بيواسيني وأنا بعيط على واحد غيره، سابني أمشي من بيته وأنا بعيط يا بابا!
أسر: غصب عنه، هو معملش كده عشان مش بيحبك مثلا، هو عمل كده عشان عارف إن
علاقتكم صعب تكمل.
أنين: بس أنا مش عارفة أعمل إيه.
عادل: سيبيها تمشي زي ما ربنا مرتبها.
انین: هو كمان قالي كده.
قاطع حديثهما طرقات الباب، ثم دخلت الخادمة وقالت مدام سلوى طالبة تقابل حضرتك يا عادل بيه.
وقف عادل متعجبا، فانتفضت أنين ووقفت بجواره وقالت براحة يا بابا، عشان خاطر اسر بلاش تعمل مشكلة معاها.
عادل بصدمة : صعب أوي ده ديه خربت حياتي ووقعت بيني وبينك كانت عايزة تقتل أمك حتى لو فشلت في ده بس برده حاولت عايزاني أتعامل معاها عادي ؟!
أنين: أنا مسمحاها عشان خاطر كل حاجة عملها معايا أسر ووقفته جنبي وإنه ضحى بكل حاجة عشان يثبت براءتي ويسلم أمه للبوليس، وكمان بيخسر مستقبله وكله بيتعامل معاه على إنه هو اللي قتل مش أمه، وكل ده عشان يحقق عدل ربنا يبقى يستاهل إن إحنا نتعامل مع أمه بهدوء عشانه هو.
زفر عادل بقوة، ثم نظر إلى أنين التي ترجوه بدموعها، وقال: حاضر، محاول أتحكم في أعصابي.
نزلا معًا ووجدا سلوى تقف عند الباب لم تدخل، فاقترب منها وهو يشعر بنيران الغضب تلتهمه من الداخل، ولكن تذكر أنين وأسر فتحدث بثبات وقال : اتفضلي
نظرت له بخجل، كانت تنظر بكل الاتجاهات بعيدا عن عينيه، تم قالت: لا، ملوش لزوم، أنا جاية بس أطلب منك طلب أخير مع إني عارفة إنه مش من حقي بس مش عشاني عشان آسر، أنا كان كل همي إنه يعيش مبسوط ومرتاح كنت ينفذ ده غلط بس دلوقتي عرفت هو
عايز إيه وجيت عشان أحاول أصلح الغلط اللي عملته، أنا عارفة إني عقبة في حياته دلوقتي، إن وجودي مش هيفيده بحاجة بالعكس هيضره ومش هسيبه يتحرم من الراجل اللي كان بيعتبره زي أبوه ومن حبيبته بسببي وأقف أتفرج، أنا هبعد عنكم خالص، مختفي من حياته واعتبروني مت، وطالبة منك تديله فرصة، أسر عمره ما يقدر يجي ويقولك إنه عايز أنين عمره ما هيجيله جرأة يطلب منك طلب زي ده، وأنا دلوقتي هبعد عنه ومش عايزة
أسيبه لوحده، لكن وجودك جنبه هيقويه زي ما كان دايما مسنود عليك، ما أرجوك متسيبوش لوحده، وآخر حاجة عايزة أشكرك على كل اللى عملته مع ابنى واعتذر لك عن اللي عملته، مع إني عارفة إن اعتذاري ملوش معنى، بس كان لازم أعتذر.
كادت تذهب ولكن تذكرت شيئا فعادت ونظرت إليه بخجل وقالت اه فيه حاجة كمان، أنا يمكن كدبت عليك كثير وكنت بحاول استغلك بس ... لما بقيت مراتك بجد حبيتك
متصدقنيش عادي بس ديه الحقيقة، سامحني يا عادل.
التفتت ولكن سمعت صوت أنين تقول بس اسر محتاج لأمه برده. نظرت إليها وقالت بصوت مهزوم : أنا اللى خسرته، ولازم أدفع تمن غلطى، وهسيبه أمانة بين إيديكي خلى بالك منه هو بجد بيحبك.
غادرت المنزل وهي تحمل حقيبتها، كادت أنين تلحق بها ولكن أمسك عادل يدها وقال: مش هترجع هي بعدت عشان خاطر اسر ومش هترجع برده عشان خاطره
أنين: لو أسر عرف إني سبتها تمشي هيزعل مني.
عادل وطالما هي قررت ده يبقى هتنفذه حتى لو رجعناها المرة ديه مفيش أصعب من إنك تحسي إنك عقبة في حياة ولادك، خلينا نروح الأسر.
خرجا معا وذهبا إلى منزل أسر، كان نائما بهدوء بعد صراع كبير مع التفكير، هلك عقله وهرب إلى نوم عميق حتى فتح عينيه عندما سمع صوت الباب نهض بنعاس ونادي على سلوى ولكن لم تجيب، فذهب نحو الباب وفتحه، فتح عينيه بدهشة عندما رأى عادل وأنين، فقال عادل نايم بدري كده ليه؟
اسر بتوتر أهلا بحضرتك، إيه الزيارة المفاجأة ديه؟
عادل: عايز أتكلم معاك ممكن؟
آسر: اه طبقا، إتفضل.
دخل عادل ولحقت به أنين التي نظرت إليه بحزن، فتحكم بألمه واقترب منهما وقال: تشريو
ايه ؟
عادل ملوش لزوم، أنا بس جي أقولك إن سلوى قررت تبعد وتخرج من حياتك عشان تعيش
مرتاح
عقد آسر حاجبيه وقال: يعني إيه مش فاهم ؟
عادل: هي جات وقالتلي إنها هتمشي، وطلبت مني إني محاسبكش على غلطها.
نظر أسر حوله بحيرة، ثم توجه نحو غرفتها، وجدها فارغة وهناك خطاب على الفراش أمسك به سريعا وفتحه
" ابني وحبيبي اسر...
عارفة إنك زعلان مني على كل اللي عملته، ولازم أنا اللي أتحمل نتيجة خطئي، عشان كده همشی و اسيبك تعيش حياتك مبسوط مع البنت اللي بتحبها، متخافش عليا أنا معرف
أتصرف، أنا عايزاك تسامحنى ومتدورش عليا، أنا هبقى كويسة طول ما أنت كويس.
أنا بحبك أوي يا اسر خلي بالك من نفسك ومن أنين عوضها عن اللي عملته معاهم وخليهم يسامحوني.
سلوى"
دخلت أنين الغرفة ووجدته يقرأ الرسالة بعيون دامعة، يعتصر ألمه بداخله بصمت ويقبض على الورقة بين يديه بقوة، اقتربت منه ودموعها تنساب على وجهها، ثم وقفت أمامه وضمت رأسه بين ذراعيها، ليطلق العنان لدموعه بين يديها، فأغلقت عينيها بحزن على حالته.
رواية قلبي عدوك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رباب حسين
رواية قلبي عدوك الفصل السابع والعشرون والاخير
بعد أن مزقتهم الحقيقة وأحرقت الأسرار ما تبقى من أرواحهم لم يعد أمام الجميع سوى مواجهة النهاية التي صنعوها بأيديهم.
قلوب أنهكها الفقد وأشخاص دفعوا ثمن أخطاء لم يرتكبوها، وآخرون أدركوا متأخرين أن بعض الندم لا يُصلح ما كُسر.
آسر يقف بين الحب والوجع يحمل على كتفيه عمرًا من الخسارات.
وأنين تكتشف أن بعض القلوب مهما ابتعدت تبقى موطنًا لا يُنسى.
وسلوى تواجه للمرة الأولى حقيقة أن التضحية قد تأتي متأخرة لكنها قد تكون الطريق الوحيد للغفران.
وفي اللحظة التي يظن الجميع أن كل شيء انتهى يكشف القدر أن النهاية الحقيقية لم تبدأ بعد.
فهل ينتصر الحب بعد كل هذا الخراب؟
أم أن بعض القلوب كُتب لها أن تبقى عدوة نفسها إلى الأبد؟
بعد عامين.
وقد جاء اليوم الذي انتظره الجميع، يوم حفل التخرج الذي استعد له جميع الطلاب، كانت وجههم مشرقة وسعيدة، قد انهو رحلتهم الدراسية ووقفو جميعًا يتصورون معًا ويقذفون القبعات بالهواء.
نزلت قبعة في يد حازم الذي وضعها على رأس ابنته سيلا، التي ضحكت له وهي بين ذراعي صافي، ثم نظر إلى صافي وقال: مبروك التخرج يا روحي.
صافي: مش مصدقة إني مش هقعد أجري بين الكتاب وبنتك تاني، أنا اتبهدلت أوي مع البت ديه.
حازم: لو سمحتي أتكلمي عن بنتي بأسلوب أحسن من كده، عشان لو فهمتك هتسمعك أحلى سمفونية عياط وهتفرج علينا الجامعة، وهنطرد بسببها كمان.
ضحكت صافي وقالت: معاك حق، نسكت أحسن.
ثم نظرت نحو فتاة تحتضن أبويها، فظهر الحزن على وجهها، فوقف حازم أمامها ليقطع نظراتها إليهم ثم قال: مش عايز أشوف حزن النهاردة، وبعدين النهاردة عيد سيلو ويوم تخرجك، فا بجد مفيش أحلى من اليوم ده.
ابتسمت صافي وقالت: معاك حق، أكدت على صحابنا يجو.
حازم: متقلقيش كلهم هيجو، يلا نمشي عشان نلحق نحضر لحفلة بليل.
كانت قمر تركض داخل الجامعة ثم وقفت أمام زياد وهو يحتفل مع يزن ومحمود وماهي، وقالت: حبيبي حقك عليا، إتاخرت عليك.
ضمها زياد بين ذراعيه وقال: حبيبتي كفاية إنك جيتي، فين أحمد؟
ظهر أحمد من خلفها وقال: ينفع يعني مجرياني في الشارع كده يا عم زياد!
ابتسم زياد وتعانقا معًا، ثم همس له أحمد قائلًا: مفيش بنات حلوة هنا طيب، أخوك وحيد وحزين.
ضحك زياد وقال: يعني ولو فيه هعمل كده قدام قمر، اسكت بس دلوقتي.
اقتربت منهما قمر وقالت: بتقولو إيه؟! نفسي أفهم كل أما تشوفو بعض بترغو في إيه.
همس زياد له وقال: مش هتهدى غير لما تخرب البيت.
أحمد: يا عم لا متقلقش، أمي بتعمل كده وتيجي قدامك كلمتين وخلاص.
قمر: مش عارفة أنا يعني هفضل بينكم كده لحد إمتى وشكلي مش فاهمة حاجة زي الهبلة، هي لوسي حبيبتي اللي بتفتن عليكو، هي فين صح؟
زياد: مع بابا في مكتبه فوق.
قمر: وماما وتالين فين؟
زياد: كانو هنا بس مشيو عشان ماتش البطولة بعد ساعتين.
قمر: طيب يلا نروح لتالين.
أحمد: أيوة أنا عايز ألحق الماتش من أوله.
زياد: وبابا كمان هيجي معانا، استنو هتصل بيه.
اتصل بخالد وطلب منه أن يأتي مع لوسيندا كي يذهبو إلى المبارة، ثم اقترب منه حازم وقال: متنساش تيجو العيد ميلاد بليل يا زياد، كلكو معزومين.
زياد: طبعًا هنيجي، اليوم النهاردة مليان أحداث ما شاء الله.
قمر: كل سنة وهي طيبة.
ابتسم حازم وقال: وإنتي طيبة.
ثم ربت على كتف زياد وذهب، نظر زياد إلى سيلا التي تلعب بسعادة على يد صافي، لاحظت قمر نظراته الحزينة واقتربت منه وهمست داخل أذنه: متزعلش، هنحاول تاني.
زياد: لأ مش زعلان، وحتى لو مخلفتش كفاية عندي ولادك، بجد حاسس إنهم بقو حتة مني، وبعدين على أد ما زعلت إني مش بخلف بس فرحان إن الموضوع ده خلى بابا وماما يقربو مننا، يمكن ربنا عمل ده كله عشان لما أحبك مبقاش حاسس بالذنب أو أبعد عنك عشان موضوع الأولاد ده.
قمر: وحتى لو مكنش عندي ولاد، حبك كفاية بجد، إنت مش عارف مجرد ما ببقى معاك بحس بإيه، الدنيا كلها ملكي هحتاج إيه تاني!
ضمها بين ذراعيه، يحمد الله على وجودها معه، فهي ملجأ حزنه وأمانه من العالم.
ذهب حازم نحو آسر وقال: هتيجي ولا لأ؟
آسر بضيق: يعني بجد يا حازم عايزني ليلة فرحي أجي أحضر عيد ميلاد بنتك!
حازم: أعتبرها حفلة توديع عزوبية.
نظر له آسر بصدمة وقال: لأ إنت فاهم المعنى غلط، وبعدين حتى لو توديع عزوبية، أنين جاية معايا إزاي مش فاهم؟!
اقتربت أنين منهما وقالت: توديع إيه؟! لأ... إنت تنسى الهبل ده مش هيحصل.
آسر: شفت، إتفضل يا عم، معرفش عم جعفر ده بيظهر فجأة كده إزاي؟ ضحكت عليا بالبراءة في الأول وبعدين استلمت الشخصية المعدلة ديه.
ضحك حازم فنظرت له أنين بتحذير، فتحمحم وصمت، ثم قالت: هشششش، يلا عشان تروحني.
آسر: هو مش عمي كان هنا!
أنين: اه، بس أنا قولتله يروح وأنا هروح مع آسر.
آسر: يا حبيبتي عندي بروفة للبدلة وهجيب حاجات ليا قبل عيد الميلاد بليل.
أمسكت بذراعه وقالت: هاجي معاك.
ابتسم إليها ثم نظر إلى عينيها بحب وقال: أنا أطول العسل ده يبقى معايا.
أنين: كلها بكرة وهبقى معاك على طول.
آسر: يارب العمر كله يا حبيبتي.
أنين: بس بابا زعلان يا آسر أوي.
آسر: تاني! أنين بجد الموضوع ده بيضايقني، أنا لما بقينا مع بعض كان شرطي الوحيد إني مش عايز أي مساعدة من أي حد وإنتي وافقتي على دا، وأنا مش ساكت وبعمل كل حاجة أقدر عليها عشان أعيشك في مستوى كويس بعد الجواز، والحمد لله الشركة بتكبر والدنيا كويسة، ليه بقى أعمل فرحي في الفندق ومدفعش حاجة.
أنين: ما هو مش منطقي يا آسر يبقى عندي فندق باسمي وأروح أعمل فرحي برا.
آسر: وأنا عشانك وعشان عمي وافقت بأسبوع عسل في الفندق كهدية جواز زي ما هو قال، وساعتها مقدرتش أرفض بس أكتر من كده لأ، وبعدين كده كده هنروح نكمل شهر العسل في مكان تاني فا مش متضايق من الحوار، لكن لو سمحتي يا أنين بلاش نتكلم في المواضيع ديه خالص.
أنين: إحنا مش عاملين فرق بينا وبينك لكن إنت اللي عامل الفرق ده.
آسر: مش بمزاجي، الوضع اللي كنت فيه زمان هو اللي عمل فيا كده، فا خلاص يا أنين بجد مش عايز أفتكر حاجة.
أنين: خلاص يا روحي متزعلش، أنا المهم عندي ابقى معاك مش مهم حاجة تانية.
ابتسم آسر وقال: أيوة كده، يلا يا جعفر نمشي.
نظرت له بتذمر طفولي وقالت: بس بقى، هزعل بجد.
أمسك يدها وقبلها وقال: جعفر جعفر مش مهم، المهم إنك ليا وخلاص.
في المساء، بمنزل زياد وصافي، مجتمعين حول الطاولة وسيلا تقف على كرسي أمام كعكة عيد الميلاد، وهم يغنون معًا لأجلها وتصفق سيلا بسعادة من بينهم.
ثم حملها زياد ونفخ معها بالشمع وصفقو لها جميعًا، كانت صافي تنظر إليهما بحب، حتى تفاجأت بصوت يهمس بجانب أذنها: كل سنة وهي طيبة.
نظرت خلفها بصدمة، فوجدت عاصم ونرمين يبتسمان إليها، لم تصدق أنها تراهما الآن، فربت حازم على كتفها وقال: أنا رحت وطلبت منهم يجو يحضرو العيد ميلاد، وهما وافقو.
نظرت له صافي بحزن، ثم ارتمت بين أحضانهما وقالت: أنا آسفة، متزعلوش مني، أنا مش مصدقة إنكم قدامي ومعايا، بجد اليوم مكنش حلو من غيركم، حياتي كلها مش حلوة من غيركم، سامحوني.
ضماها بحنان، ثم قالت نرمين: أنا اللي المفروض أعتذر، أنا اللي أهملتك وسبتك لوحدك، حتى لما وقفتي قدامي وواجهتيني باللي عملته معاكي هربت، مقدرتش أقف قدامك وأنا حاسة إني غلطانة في حقك، وسبتك زعلانة مني بالشكل ده، لو فيه حد المفروض يتحمل نتيجة غلطك فهو أنا.
عاصم: مش لوحدها، أنا كمان كنت بنتقد وبس، محاولتش أصلح الغلط اللي كنت شايفه، ولما عرفت اللي حازم بيعمله عشانك وإنه فعلًا بيحبك مقدرتش أحرم نفسي منك ومن حفيدتي أكتر من كده، خلينا ننسى اللي حصل ونرجع أسرة واحدة.
ابتعدت عنهما صافي وقالت بسعادة: يعني خلاص سامحتوني.
أومئا لها بالإيجاب، فنظرت لهما بامتنان ثم اقترب منهما حازم ووضع سيلا بينهما، نظرا لها بحب وقالت نرمين: شبه صافي وهي صغيرة جدًا، زي العسل.
كان يوم محمل بالمفاجأت، وفي لحظة تذكر آسر غياب سلوى عنه، وإنها لن تكون بجواره بالغد، حتى وإن أذنبت فهي بالنهاية أمه.
يتمنى لو يراها لمرة واحدة، ولكن بحث عنها كثيرًا ولم يتوصل إليها.
__________
في اليوم التالي، وقبل غروب الشمس، كانت أنين تمشي بهدوء وهي ترتدي ثوب الزفاف، وضعت يدها على ذراع عادل الذي يسير بجوارها بسعادة، عينيها مسلطة على آسر الذي يقف عند الطاولة، ينتظر أن تقترب منه كي يستلمها من والدها ويعقد القران.
تقترب بخطوات هادئة على عكس مشاعرها التي جعلتها مثل الفراشة تهيم فوق الزهور، تتنقل بين الأزهار داخل بستان عشقها الذي ينبض داخل قلبه.
وهو، يراقبها وهي تقترب منه وقلبه يتراقص من السعادة، ها هي من أحببها وكان يظن أنها لن تصبح له يومًا ما، من تحمل من أجلها وأجل سعادتها كل الصعاب، من ترك نفسه وراء ظهره وفكر بها وحدها، يرى هالة الحب تشع حولها حين تعامدت أشعة الشمس الخفيفة على ثوبها الأبيض، وكأنها ملاك يطير بالمكان ولا يرى سواه.
وسط تصفيق الحضور، ونغمات الموسيقى تملأ المكان، انسابت دموعه بسعادة، حين سمع: "لما الحبيب قلبه انتصر."
نعم... انتصر قلبه في حرب الحب والحياة، أصبحت له بعد عناء، ثم وضعت يدها بيده وهي تحاول جاهدة ألا تبكي.
عكس تلك العيون التي تراقب بصمت، تشاهد سعادته وهو بجوار من يحب.
ضحت بوجودها مع ابنها فقط لتراه سعيدًا.
فالأم هي الوحيدة التي تسعد بتضحيتها لأجل ابنائها دون ذرة ندم واحدة.
انتظرت حتى تأكدت من القران قد عقد، ثم رحلت بصمت وهي تودعه بدموع الفرح، تتمنى بداخل قلبها أن يعيش عمره كله بسعادة وراحة بال.
وبالخلف كان آسر يحمل أنين بين يديه، ويلتف حول نفسه وهي ترفع ذراعيها بالهواء كالطير الذي يحلق في السماء وحده، وكأن العالم كله ملكًا له فقط.
وبدأت رحلة جديدة بين العشاق، رحلة لا تنتهي بالفراق، بل تجعل الحب أكثر دفئًا، يحتضن قلبيهما بعضهما البعض داخل منزل صغير، يكتمل بضحكة أطفال تزرع ورودًا جديدة داخل بستان عشقهما البريء.
والآن لم يعد نبض قلبها عدوه، بل أصبح موطنه.
الخاتمة
وبعد مرور ثلاث سنوات، كانت تلك الشقية ذات العام والنصف ترفع أيديها وهي تحاول ألا تتعثر بخطواتها ليركض إليها أبيها ويحملها بين ذراعيه وهو يضحك بحبور ويقول: أميرة بابي وروح ونبض وقلب بابي.
وما ان استمعت لتدليل أبيها لها حتى باتت ترفرف بأيديها تعبيرًا عن سعادتها وهي تناغيه وتقول:
داد ..داد.
لتسرع إليهما أنين وتقول:
الله الله على اللي أخدت الحب كله.
ليقهق أسر عاليا وهو يقول:
أول مرة أشوف أم بتغير من بنتها.
_لا وحياتك يا آسورة متتقلش كده، تتقال أول مرة أشوف بنت ضرة أمها.
التفت اليها وهو يقهق ويقول:
إنتم الاثنين نبض وروح وحياة آسر.