#الفصل_الثاني_والسبعون_ج٢
كأنما تشاركا في قلب واحد، كان كل ما يشعران به يسير بنفس الطريق ... وبطريقة ما كلمة الحب التي تنطق بها العيون أروع وأصدق من سماعها..!
بها شيء من الطمأنينة والصدق وأروع ما في الحب.
كانت عيناه كأنه وجد الطريق ووجهته، كأنه وجد ضالته!
كأنها أمنيته الوحيدة التي أتت بعد الحرمان واليأس .. أو بقعة الضوء الوحيدة في قبو مظلم مُحكم الغلق.
جلسوا في صالة المنزل بسيطة الأثاث وبدأ زايد يُعيد ما قاله لحسام حتى يتفقا على كل شيء ... فقال حسام بجدية:
_ هعتبر المقابلة دي تعارف يا زايد، المرة الجاية بأذن الله والدك هيكون معاك مش كده؟
عبس وجه فادي قليلًا وهو ينظر لزايد الذي رغم ضيقه من ذكر والده، ولكنه قال لكي لا يخذل ثقة فرحة وشقيقها فيه:
_ هو مسافر حاليًا، واكيد يوم قراية الفاتحة هيكون حاضر، الاسبوع الجاي بأذن الله زي النهاردة كده.
وافق حسام على الموعد ثم قال :
_ بأذن الله ..
تنفس فادي بارتياح من عدم رفض زايد لحضور والدهما بالاتفاق على العرس المنتظر ... حتى قال حسام بجدية:
_ وزي ما اتفقنا يا زايد، الخطوبة مافيهاش خروجات ولا الكلام ده .. يوم ما تخرج معاها هتكون على ذمتك وفي بيتك ، بقولك كده من دلوقتي عشان نكون على نور .. ورأيي كمان أن فرحة تقدم استقالتها.
قال زايد سريعا وأجابه :
_ معنديش مشكلة في الخروجات لأني زي ما اتفقت معاك هيكون الفرح بعد شهرين بالكتير، أنما الشغل مقدرش استغنى عنها دلوقتي غير لما الاقي سكرتيرة تانية.
قالت فرحة فجأة وبغيظ شديد ظهر على تعابير وجهها:
_ سكرتيرة تانية ..؟!
كتم فادي ضحكته من الغيرة الواضحة على فرحة، بينما ابتسم زايد ابتسامة اخفاها سريعا وقال بنظرة عميقة لها :
_ هرجع السكرتير بتاعي للمكتب تاني .. تمام كده ؟
تخضب وجهها بالاحمرار من تطلع جميع العيون بها، ثم وقفت بتوتر وارتباك واضح وقالت بتلعثم:
_ بعد أذنكم ..
وركضت إلى غرفتها وهي تعطِ صك الحرية لابتسامتها ... راقبها زايد بابتسامة حنونة وسارحة حتى وكزه فادي ليستفيق من شروده هذا !
********
اغلقت فرحة باب غرفتها واستندت عليه لبعض الوقت لتسمع ما يُقال، بينما الابتسامة يبدو أنها عقدت موثقا للبقاء على شفتيها .. وللحظة تذكرت أمجد ! .. اليوم فقط ادركت أنها لم تحب من قبل ... ووجدت نفسها تحمد الله وتشكره على نعمته وفضله، فقد ابعد عنها وهماً كانت ستستفيق منه بعد فوات الآوان لو كانت تزوجته !
لم يصل إليها الاصوات كما يجب فتركت الباب وذهبت لفراشها وجلست عليه،ثم نظرت لغرفتها التي لطالما بكت فيها وتألمت من أشياءً كثيرة وضيق الحال ... وتأكدت أن لكل ليل آخر ... ولكل عذاب نهاية، ولكل عسر يُسر يتبعه ويضمه حتى عودة السكينة والأمان.
وبعد دقائق كثيرة مرت دلف شقيقها حسام للغرفة، وكان يبدو عليه الهدوء والأطمئنان ... واعتدلت فرحة جالسة على فراشها عندما دخل غرفتها .. حتى جلس قربها حسام وقال بابتسامة هادئة:
_ مشيوا .... زايد شكله واقع وقعة تمام، ومش عايز أشد معاه عشان ما اسببش زعل، بس كمان بفرح عشان بحس أنك فرحانة يا حبيبتي ... من زمان أوي يا فرحة ماشوفتش الفرحة دي في عنيكي ..
وكانت فرحة تدرك أن أخاها لا يروق له كثيرًا نظرات زايد العاشقة لها والمفصحة بأعلان صريح، ريثما أن لا رابط بينهما حتى الآن ... ولكنه لطالما فكر بها أولًا وبسعادتها قبل أي شيء مع ثقته الكاملة في أخلاقها ... فقالت وهي تربت على يده برفق:
_ أنا عارفة يا حسام وفهماك، بس خليك واثق فيا ..
اتسعت ابتسامته بمحبة صادقة وقال:
_ أنا مش بثق في نفسي زي ما بثق فيكي، وبعدين هو كان هيبقى ملهوف بالشكل ده إلا لما لاقاكي حاطة حدود للتعامل معاكي !! .... أنا شاب برضو وقادر أفهم الموضوع ده ... مافيش راجل بيدوخ ورا واحدة كده غير لما يكون مش عارف يطولها..
قلقت فرحة وقالت بحيرة :
_ طب وبعد ما يطولها ؟
ربت حسام على يدها بأطمئنان وقال:
_ عشان أجاوبك لازم اوضحلك حاجة الأول ... في فرق أنه يطولها بالطريق الغلط .. وأنه يطولها بحلال ربنا وشرعه ... الطريق الأول ده مش حب .. ده واحد عجبته واحدة وخلاص وهيزهد فيها مجرد ما يوصلها ... أنما الطريق التاني عايز يطولها بس وهي شرفه وعرضه .. مافيش واحد بياخد الخطوة دي باقتناع كده غير لما يكون متأكد أنه شاري بجد وبيحب بجد ...
قرصته فرحة بخده وقالت بضحكة:
_ كبرنا أهو وبقينا فلاسفة وبنقول كلام كبير ... هفضل شيفاك أبني اللي ربيته واكلته بإيدي لحد ما كبر وبقا بينصحني كمان ..!
الدنيا اتشقلب حالها !!
رد عليها بابتسامة واسعة:
_ هو عشان انتي أكبر مني ب ٧ أو ٨ سنين مش حاسب، هتفضلي تذليني على طول كده !!
مررت فرحة يدها على شعر رأسه الاسود الناعم بمشاكسة وقالت بضحكة ومزاح:
_ لحد ما تتجوز ويبقى عندك عيال كتير وتجوزهم كمان هفضل أقولك يا سوسة يا صغنن ..
وتشاركا المزاح والضحكات العالية بعد ذلك ... ثم قالت فرحة:
_ هقوم أعملك اكلة كده سريعة ..
تركها حسام ونظر لها مبتسما بسعادة لسعادتها التي تستحي أن تعلن عنها ... ولكنه يعرفها أكثر من أي مخلوق، هي سعيدة لأول مرة بعمرها ... سعادة لم تستطع أخفائها مهما تظاهرت وقاومت ... وكان يبعد عنه الخوف من وحدته عندما تتزوج بعد أشهر قليلة وتتركه... التمعت عيناه بالدموع ولكنه قاومها بأشد قوته ... فهي ليست كأي أخت ... هي أمه قبل أن تكون شقيقته وكل عائلته وأصدقائه.
ولكن سعادتها أهم من أي شيء .. ويكفي أنها وجدت من يحبها بتلك الدرجة وأختارها من بين الكثيرات حوله، أختارها لذاتها وشخصها ... أحبها ولم يتلاعب بها ...
************
جلس رعد منتظرًا بسيارته خارج بوابة المنزل الكبير .. وذلك بالاتفاق مع رضوى بأن ينتظرها خارجاً، ثم التفت وهو يزفر بغيظ وضيق شديد، ولكنه تسمر للحظة عندما وجدها تقترب بفستان مخملي من اللون الأزرق ..
يا الله كم يعشق هذا اللون على سمرة بشرتها وعينيها البندقية بلذة للناظرين ..
سرح بها وهو يتأملها من مقعد القيادة ... وتفاجئت رضوى به بعدما اقتربت وهو يخرج من السيارة ويقف أمامها بنظراته المبتسمة .. فقد كان كل شيء بوجهه جامدًا إلا عينيه مبتسمتان بمحبة ودفء العاطفة ..
ارتبكت وظهر عليها ذلك، وأحب ارتباكها هذا المفصح عن الكثير ..فقال بنظرة وكأنها تعانقها:
_ لو ينفع فستان الفرح يكون نفس اللون كنت هبقى مبسوط أوي، أنما ماينفعش غير الأبيض ... مش مشكلة نعوضها في باقي اللبس ..
ابتلعت ريقها برجفة شديدة من الخجل وتأكدت من ظنها عندما وجدته يبتسم بمكر ... فـ همّت أن تفتح باب السيارة وتظاهرت بالانفعال، حتى لمس يدها على مقبض الباب وقال لها هامسا عن قرب:
_ لأ .. هتقعدي جانبي، ده مش مكانك....
ابتعدت عنه بتوتر وارتباك أشد وقالت بتلعثم :
_ يلا نمشي عشان منتأخرش، أنت اساسا راجع متأخر من الشغل .!
فتح لها باب المقعد المجاور لمقعده وقال مبتسماً بخبث:
_ أنا بحب الخروج في الوقت ده، وبعدين أنتي مراتي يعني براحتنا ..
جلست رضوى داخل السيارة وهي تقول وبداخلها بسمة:
_ مش براحتنا أوي يعني !! ... لسه شوية ..
جلس رعد بجانبها أمام عجلة القيادة وبلمحة جذب أصابع يدها لشفتيه .. فنظرت له رضوى برجفة شديدة وحاولت أن تسحب يدها منه ولكنه ضم يدها بيده للحظات وهو مستمتع بمقاومتها ومبتسما .... ثم استطاعت بالكاد أن تخلص أصابعها المرتجفة من قبضته وتوجهت ناظرة لزجاج النافذة وتحاشت النظر له وهو يتحرك بالسيارة مبتسما ...
*********
أعدت جميلة بالحديقة طاولة عشاء خفيف لكلايهما .... حتى تسحب جاسر اليها دون أن تدرك أنه اتى بالاساس، ثم نفخ بقوة بجانب أذنها وهو يقف خلفها، ففزعت جميلة واستدارت صارخة فضحك جاسر ضحكة عالية على ردة فعلها ...
فلكمته بغيظ على صدره وقالت:
_ صرعتنـــــي !! ..ده أنت غلس وبايخ ومش عايزة اتنيل اكل معاك !
جذبها اليه وهو يضحك ثم همس لها وبعينيه المرح :
_ شوفتي عقابي قاسي أزاي ! .... كل يوم من ده !
حاولت أن تبعده عنها بعصبية ولكنه تمسك بها وهو يبتسم باستفزاز ويدللها :
_ خلاص بقا كفاية أكشن، تعالي نتعشا عشان محضرلك مفاجأة ..
قالت بغيظ:
_ مفاجأة إيه ؟!
همس لها بابتسامة ماكرة:
_ بعد العشا هقولك ... نتعشى الأول.
اجلسها جاسر على أحد المقعدين ثم جلس على الآخر قبالتها وتسأل بغرابة:
_ إيه ده فين الشموع ؟!
مطت جميلة شفتيها بسخرية وأجابت:
_ ليه هو عيد ميلادك النهاردة ؟!
أجابها بنظرة خبيثة:
_ بحتفل بالهدنة اللي ما بينا، هدنة لمدة تلاتين سنة كده ... نكد في الحياة الزوجية مش عايز !
ظهر يوسف فجأة من بين الأشجار وشهق عندما رآهما ثم قال بتعجب:
_ إيه ده ؟!... خمر ونساء في المساء!!
رد جاسر بعصبية:
_ هو لو غورت من وشي دلوقتي هيحصل حاجة ... ؟!
رد يوسف بعبوس:
_ طب ما تزعقش !! ... أنا جيت لما سمعت صوت صرخة!، بقولك إيه يا جميلة، كيكة اللي قدامك دي ؟! ... يا ترى حلوة ولا شبه جاسر أخويا ..؟!
وضعت جميلة يدها على فمها من الضحك، ثم أجابته وهي تأخذ نصف الحلوى وتضعها بطبق آخر ومدت ذراعها بها قائلة:
_ لا شبه حميدة ...
ابتسم يوسف ابتسامة واسعة وهو يأخذ الطبق منها بلهفة وقال:
_ لا دي تبقي قمر ومافيش زيها بقا ... تاخد حته يا جاسر ؟!
نفخ جاسر بغيظ ثم رد بعصبية:
_ نفسي اتسدت ساعة ما شوفتك !
ضحك يوسف ضحكة مستفزة وهو يبتلع قطعة من الحلوى وبعدها ابتعد .... فعاد جاسر لجميلة وتبدل عبوسه لابتسامة وقال:
_ نرجع بقا لكلامنا يا بيوتيفول ...
أتى يوسف مجددًا وبكل جدية أخذ المتبقي من الحلوى وقال لجاسر الذي تسمر مكانه:
_ الحلويات غلط عليك يا مسكر أنت ... هاخد الطبق ده.
وقبل أن ينهض جاسر من مكانه ركض يوسف ضاحكاً وبيده طبق حلوى آخر ...!
تمتم جاسر بغيظ وهو يجلس مجددًا:
_ بني آدم بارد وغتت !!
سيطرت جميلة على نوبة الضحك التي المت بها وقالت:
_ يوسف ده دمه عسل، أنا لما بشوفه بس بضحك.
قال جاسر بغمزة :
_ طب ولما بتشوفيني ؟
ردت جميلة بابتسامة ساخرة:
_ بتنرفز ..
قال جاسر بنظرات ماكرة تجتث الحقيقة خلف حديثها المرح :
_ مش مصدقك، بس عمومًا أنا عارف انك بتموتي موت فيا، قاريكي وفاهمك !
أشارت جميلة لكوب العصير والطعام الشهي امامه وقالت:
_ يلا اتعشى شكلك جعان !
اغتاظ جاسر منها وقال:
_ عايز أقولك حاجة نفسي أقولهالك من ساعة ما زقتيني في الترعة... أنتي عندك انيميا في مشاعرك، حموضة في التعبير عن اللي جواكي، تليف في أنوثتك ! ...
كتمت جميلة ضحكتها وقالت بابتسامة:
_ وادراك عالي في فهم حدودي .. ولا فاكر أن الجو الرومانتيكي ده هيضعفني وهتسيطر عليا يا انسان الغاب أنت؟!
قلدها بغيظ وقال:
_ رومانتيكي ؟! .... اتعشي يا جميلة، أنتي اللي زيك ياكل وينام !... كلي احسن ما ابلعك انتي والاكل بالأطباق بيوسف أخويا !
بادرت جميلة وبدأت بتناول الطعام وهي تكتم موجة من الضحك كلما نظرت له ورأت غيظه منها...
***********
صعد زايد لغرفته البعيدة عن جميع الغرف بينما تفاجأ فادي بوجوده أمه نوران تنتظره بداخل غرفته ..!
وضع حقيبته السوداء الخاصة بالتمارين الرياضية وقال بتوجس:
_ طالما مستنياني كده يبقى في حاجة !!
نهضت نوران من مقعدها ومضت إليه بنظرات ثابته ثم قالت بحدة :
_ كنت فين ؟!
تلعثم فادي واحتار أن يخبرها بالحقيقة أم يكتم الخبر حتى يعلنه زايد بنفسه، فهتفت نوران بعصبية :
_ زايد راحلك النادي وخدك مش كده ؟! ... روحتوا فين ؟!
فهم فادي أن السائق الغبي قد أخبرها بتحركاتهما فقال فادي بضيق :
_ آه كده، وفيها إيه يعني لما أخرج مع أخويا ؟! أنا مش عارف أنتي أزاي بتخافي عليا منه بعد كل اللي عمله عشاني ؟!
رفعت نوران حاجبيها بدهشة ثم قالت بسخرية ممزوجة بغضب شديد:
_ عمله عشانك ..؟! ... أنت اللي غبي ومش فاهم آلاعيبه !، بقا هو لو لقاك في ورطة عايز تقنعني أنه ممكن يخرجك منها كده بدون سبب ده لو مكنش هو اللي وقعك فيها اصلًا !!
ده لو يطول يدفنا بالحيا مش هيتأخر !!
هز فادي رأسه بيأس ونفاد صبر ثم قال:
_ زرعتي الكره في قلب هيثم أخويا وخليتي بينهم عداوة من غير أي سبب!، بس أنا مش زي هيثم ومش هسمع كلامك !
أنا بحب اخويا زايد وعمري ما هكرهه وهفضل جانبه مهما حصل ، كفاية أن بغبائي كنت هضيع نفسي كتير وهو اللي أنقذني ... مالقيتش حد جانبي غيره ! ... أنما هيثم كان فين من كل مشاكلي ؟! ... طول عمره بيتريق عليا وبيقلل مني قدام كل الناس لحد ما بقيت تقريبًا بكرهه.
وقبل أن يتابع صفعته نوران بعنف ونظرة شرسة وهي تشير له بتحذير مفاده تهديد :
_ إياك اسمعك بتتكلم عن أخوك هيثم كده تاني!! ... ولو ماقولتليش كنت فين هتصل بأبوك واقلب عليك الدنيا !
التمعت عينان فادي بالدموع وقال :
_ زايد كان بيتفق على خطوبته وقالي اروح معاه لأن بابا مسافر، رغم أني اصغر منه بكتير أوي وأخوه الصغير بس في الوقت ده مقاليش أنت عيل ولا صغير زي ما بتعملي معايا أنتي وأبنك .. خدني معاه وقفت جنبه وحسسني أن ليا قيمة وشخصية .. اللي بيحب حد بيتغير للأحسن .. وأنا لما ببقا معاكي أنتي وهيثم ببقى انسان مليان بالكره والشك في كل اللي حواليه ... أنما مع زايد ببقا العكس !
سخرت نوران وقالت:
_ لا ما هو واضح أنك بتبقى معاه احسن!!، بقيت بترد عليا بقلة أدب وبتطاول على أخوك الكبير وبتاخد صف عدوه ! ... ساعدك حظك أني مش فيقالك دلوقتي ...بس هجيبلك خالك يشوف حكايتك إيه !
وخرجت بعدها من الغرفة وصفقت الباب خلفها بقوة مفزعة، ونظر فادي للباب لبعض الوقت، ثم تسربت دموع عينيه على خده بوفرة ....
**********
وصل جد ليلى " صادق" بعدما عاد لشقته بالقاهرة ليرتاح قليلاّ ثم يعود ويأخذ رفقة أبنه ... ولكنه تفاجأ بخبر الافاقة وركض تقريبًا لغرفة ولده ....
وراقبت ليلى جدها وهو يبك من الفرحة ويضم رأس أبنه الذي ينظر له بصمت وعينيه مغروقتان بالدموع وكأنه يبث له أمرًا يؤلمه.
قالت ليلى وهي تربت على كتف جدها :
_ كام يوم كده وهاخده عندي يا جدي لحد ما بأذن الله يرجع زي الأول واحسن ...
اعترض الجد صادق وقال:
_ لا يابنتي ، بيت أبوه أولى بيه، هاخد للشقة هنا وهراعيه وهفضل جانبه مش هفارقه دقيقة واحدة ..
تدخل وجيه وقال بلطف:
_ هيكون عندنا أفضل يا حاج صادق، ماتنساش أن البيت عندنا اغلبه دكاتره وهناخد بالنا منه طول الوقت، ده غير أن ليلى محتجاله أوي الفترة دي وهو محتاجها أكتر ... وياريت حضرتك كمان تيجي تنورنا ...
اشتد اعتراض الجد حتى بعدما قاله وجيه وقال:
_ الله يحفظك يابني أنا عارف أنك أبن أصول وأصيل، بس أبني هيروح على بيتي .. أنا احق برعايته في الظروف دي، خليني اعوض اللي فات.
توسلت ليلى لجدها وقالت :
_ طب كام يوم بس يا جدي ... ارجوك وافق عشان خاطري ...
صمت الجد ولم يجيب، وفي صمته كان رفض أيضا، فنظر وجيه لليلى بنظرة ذات معنى، بأن تصمت ولا تجادل وهو المسؤول عن موافقة جدها ..
*************
مرّت رضوى على عدد ليس بقليل من " محلات " بيع فساتين الزفاف، ولم تجد منهم شيئاً مناسب ...
وقف رعد بسيارته أمام مطعم شهير بأحياء القاهرة ثم التفت لها وقال:
_ نتعشا .. إيه رأيك ؟
وللحقيقة كانت رضوى تتضور جوعاً، فمنذ أن حدثها بوقت الظهيرة لم تأكل شيء ولم تشعر بأقل شهية للطعام، لمَ الآن هاجمها الجوع بهذه الشراسة ؟!!
فهزت رأسها بموافقة وخرجا من السيارة متوجهان لداخل المطعم ...
وبالداخل ..
جلسا متقابلان وأمامها قائمة اختيار الطعام ... رفعت رضوى القائمة المكتوبة بالانجليزية إلا مأكولات بسيطة مدونة بالعربية ... فاختارت " محشي ورق العنب مع شربة خضار ومعهما لحم مشوي بتتبيلة لم تفهم معناها ولكن اختارتها ..."
واختار رعد اكلته المفضلة... وكانت.
( طبق متنوع من الأسماك وشربة سي فود)
أخذ النادل الطلب وذهب لأحضاره، فنظرت رضوى حولها وللأشخاص الزائرين بالمطعم فرمقها رعد وقال بابتسامة:
_ أنا عارف انك مش متعودة على المطاعم وكده ..
قالت رضوى بصدق:
_ مش مسألة مش متعودة، الحكاية بس أن بحس أني متكتفة كده ومش واخدة راحتي ... البيت برضو حاجة تانية!، المطاعم دي أحب اروحها كل فترة لما ازهق ..
وافقها رعد وقال:
_ معاكي في رأيك، مع أني أغلب أكلي من المطاعم بسبب شغلي ...
قالت رضوى بعفوية:
_ هبقى اعملك اكل تاخده معاك الشغل ..
يبدو أنها ادركت ما قالته بعدما قالته! ... تظاهرت بالقراءة في قائمة الطعام بينما هو كان يسلط عينيه عليها بنظرات عاشقة والابتسامة لم تُفارق شفتيه ...
أتى الطعام ووضع النادل الأطباق على الطاولة أمامهما، فنظرت رضوى لطبق الأسماك المختلفة وسحبته لعندها ... فاتسعت ابتسامة رعد وقال:
_ غيرتي رأيك وهتاكلي سمك زيي ؟
هزت رضوى رأسها نفيًا وقالت:
_ لأ ،اصبر بس ... هفصصلك السمك ، كنت بعمل كده مع خالي العمدة ... بحب افصص السمك أوي، اللي افصصه تاكله طوالي!
كتم رعد ضحكته وهو ينظر حوله ليتأكد من أن النظرات ليست عليهما، ثم نظر لها بضحكة مكتومة وقال:
_ ابعتي اللي تفصصيه ..
ابتسمت رضوى على إجابته بعفوية وانغمست فيما تفعله، بينما راقبها رعد بابتسامة لم تترك ثغره منذ خرجا معاً...
ومرت دقائق وبدأت رضوى في تناول طعامها ولكن توقفت وبدت عينيها حمراء وبها بريق الدموع، فنظر لها بتعجب وقال:
_ مالك ؟!
أجابت وهي تبتلع ما فمها بصعوبة :
_ هما حاطين على اللحمة دي إيه ؟! .... كأني باكل شطة مش لحمة !!
قال رعد بغرابة:
_ مش أنتي اللي طلبتيها ؟! ...
قالت بضيق وهي تمسح عينيها :
_ مكنتش عارفة أنها كده !
قال بلطف كاتمًا ضحكته:
_ تحبي اطلبلك حاجة تانية ولا تاكلي معايا ؟
ردت بغيظ من ضحكته الذي يحاول أن يخفيها :
_ لا شكرًا مش عايزة ... هاكل محشي..
اتسعت ابتسامته وتابع تناول طعامه بهدوء، ثم قال بعد لحظات :
_ مستني الوقت اللي هترجعيلي فيه رضوى اللي عرفتها ... دور الجمدان والخشونة ده مش لايق عليكي ! .. أنتي أرق من كده بكتير !
ابتسمت بشيء من السخرية وقالت:
_ لا أنا بس بدأت اعاملك بالمثل ! ... ولا كنت فاكرني بكلمتين هضعف واسامحك !! ...
نظر لها بتكشيرة وقال:
_ ليه شايفة المسامحة ضعف !!
ابتسمت بمرارة وأجابت:
_ عشان العفو عند المقدرة، بس أنا لسه مش قادرة انسى اللي عملته واللي قولته عليا!، يوم ما ارجع هكون نسيت ... وحقيقي مش عارفة ممكن اقدر انسى امتى ! .. وياريت ما نتكلمش في الموضوع ده تاني لأنه بينكد عليا أكتر ..
تفهم رعد موقفها وقال :
_ عندك حق، مالوش داعي نتكلم في حاجة عدت وفاتت، بس عايز اطلب منك طلب ...هو المفروض مايبقاش طلب ده الواجب ، بس برضو هطلبه منك ..
أطرفت رضوى عيناها وقالت ببعض التوتر:
_ طلب إيه ؟
ابتسم بتسلية لتوترها الواضح وما من الممكن أن تظنه وقال :
_ أنتي مراتي وهتفضلي مراتي مهما عملتي ومهما نويتي، بس بلاش تحرجيني قدام حد أو تتعاملي بشكل يحطني في موقف وحش قدام الناس ...
قالت بحدة وعصبية:
_ ما أنت لو كنت عارف يعني إيه هتتجوز بنت فلاحين مكنتش طلبت طلب زي ده!! ... احترامك قدام الناس محفوظ، أنا مش قليلة الرباية ولا قليلة القيمة عشان أحرج جوزي قدام مخلوق !
ولا أنا زيك !، بحكم على الخلق من مظهرهم ! ... أنا متأكدة أنك لو مكتشفتش أني بنت عمك مكنتش فكرت حتى تشوفني تاني !
وضع رعد الشوكة المعدن من يده ونظر لها بعمق للحظات، ثم أجاب بحدة :
_ أنا لو مكنتش اكتشفت انك بنت عمي كان زمانك مراتي من زمان ! ... كان زمانا عايشين أجمل أيام ، مكنش ده كله هيحصل أصلًا ! ... ومافيش داعي اعيد وأزيد في حقيقة المفروض أنك عرفاها !!
ترك طعامه وتبدل مزاجه للسوء في لحظة!، فقالت رضوى بصوت جاهدت أن يكون رقيقا لطيفا:
_ طب كمل أكلك ..
نظر لها بنفس تكشيرته وعبوس وجهه فأضافت :
_ هنروح ننقي فستان الفرح واحنا متخانقين كده؟! ...
ضيق عينيه عليها بحيرة وتعجب !، لا يعرف هل سامحته وتريد ممارسة الك اللعبة الغامضة معه، أم أنها لم تستطع تجاوز الأمر بالفعل ! ... ولكن كي يلطف الأجواء عاد يتناول طعامه في هدوء.
وبعد ساعة تقريبًا كانت رضوى تستعد لارتداء أحد الفساتين التي اختارتها معه، ودخلت غرفة صغيرة لارتدائه ...
بينما رعد كان ينتظرها خارج الغرفة وحوله مكان مُغلق بها عدد من الغرف المشابه لقياس الفساتين، وساعدته الصدف لأن يدخل معها ذلك المكان الخالِ إلا منهما ..!
قالت رضوى بغيظ وهي تحاول لمس السحابة الخلفية للفستان الضخم :
_ ياريتني خليت حميدة تيجي معايا !.
فقالت له بصوت عالِ وهي بالداخل :
_ اندهلي البنت اللي واقفة برا يا رعد تساعدني اقفل الفستان ..
سمعت صوته بالاستجابة ولكن فجأة بعد دقيقتان وجدته يدخل الغرفة بمفرده فشهقت بدهشة !، ووقف رعد متسمرًا للحظة وهو يرها بالرداء الأببض !
كان الرداء محتشمًا غير كاشف ولو جزء صغير من جسدها اللهم إلا عنقها الغضّ ذو البشرة السمراء اللامعة وشعرها المسترسل على كتفيها ... لم تستطع رضوى أن تستدير أو تتحرك خطوة واحدة وسحابة الفستان مفتوحة ويظهر ظهرها عاريًا ... فهتفت به بعصبية شديدة :
_ إيه اللي دخلك !! ... لو سمحت اطلع !
لم ينطق ولم يتحدث بل ظل ناظرا لها بنظرة مبتسمة ماكرة عاشقة ، ولم يجد أكثر من الصمت احترامًا تعبيرًا عن اعجابه ! ... تقدمت له وهي تدفعه للخارج حتى قال وهو ينظر للفستان عليها باعجاب شديد:
_ الفستان ده فستانك ... اكنه اتعمل مخصوص عشانك ! ...
استطاعت أن تدفعه وتغلق باب الغرفة عليها جيدًا وهي تتنفس بصعوبة، ثم ركضت للمرآة وابتسمت بسعادة وهي تتفحصه عليها .... وقبل أن تأتي فتاة المحل كانت رضوى استطاعت بصعوبة أن تُغلق سحابة الفستان ووجدت به بعض الأشياء التي تلزم اعادة الضبط ... ولكن وقع اختيارها عليه أخيرًا بكل رضا وسعادة ...
دخلت الفتاة وذهلت عندما وجدت رضوى بدلّت ملابسها وقالت:
_ معلش اتأخرت عليكي بس كان في عروسة معايا على الفون أنا أسفة ...
ابتسمت لها رضوى وقالت :
_ حصل خير، انا خلاص اخترت الستان ده بس محتاج شوية تعديلات في المقاس بس ...
هنأتها الفتاة ثم أضافت بابتسامة لطيفة:
_ طب لو عايزة تسبيه وتجيلي بكرة بالنهار نضبطه معنديش مشكلة، مش هياخد في ايدي ساعة زمن .. ولو عايزة تاخديه وتوديه لخياطة تانية برضو مافيش مشكلة براحتك خالص يا عروسة.
ابتسمت رضوى بامتنان وقالت :
_ لا هجيلك بكرة أنا معرفش خياطين هنا، وهجيبلك أخواتي كمان ..
اتفقا الفتاتان وخرجت رضوى مبتسمة بفرحة ظاهرة عليها، استقبلها رعد عند المدخل وبيده ورقة الحساب ، فخطفتها منه بابتسامة لترى سعر الفستان ولكنها شهقت بصدمة !
ثم قالت وعينيها اتسعت على آخرهما :
_ هو ده سعره بجد ؟! ... ليه معمول بالدهب !
سألها عن الرداء فجاوبته عن اتفاقها مع صاحبة المحل، ثم جذبها من نعصمها للخارج وهو يضحك فقالت رضوى بعبوس:
_ ده اغلى من كل فساتين أخواتي !، مكنتش أعرف أنه غالي أوي أوي كده !
وقفا عند سيارته وقال لها وعينيه تلتمع سعادة:
_ الغالي للغالي يا رضوى، كفاية فرحتك بيه، وكفاية شكله عليكي ، هتبقي أميرة من الأميرات يوم فرحنا يارضوى ...
احمر وجهها بحياء والتمعت عيناها ببريق سعادة .... ثم قال بحماس وابتسامة واسعة:
_ تعالي بقا معايا نجيبلنا شوية لبس، هتختاري معايا لبسي ..
قالت متفاجئة:
_ بس أنا جيبت كل حاجة خلاص ومش محتاجة هدوم تاني ...
اعترض وقال بنظرة عميقة لها:
_ دي هدية مني ، أنا مبسوط النهاردة أوي .. وكمان عايزك تنقي معايا على ذوقك ...
قالت له وهي تخفي ابتسامة :
_ ماشي...
*************
وفي الصباح ... بغرفة زايد بالقصر...
استقبل زايد مكالمة من والده فأجاب:
_ معاك ..
قال والده ببعض القلق :
_ اتصلت بيا بليل كتير بس انا كنت نايم ، في حاجة عندك ؟!
صمت زايد لبعض الوقت ثم ردّ بهدوء:
_ مافيش حاجة تقلق، بس في أني هخطب وضروري تكون معايا اليوم ده ...
دهش ممدوح للحظات من قرار أبنه الصادم بعدما كان يظن الجميع أنه سيظل عازباً للأبد!!... فسأل وكأن الخبر لا يعنيه كأب :
_ أنت حددت يوم ؟؟
رد زايد مختصرا:
_ يوم الجمعة الجاية بأذن الله ..
تنهد ممدوح بضيق وقال معتذرًا:
_ مش هينفع الجمعة الجاية للأسف، الشغل هنا لسه مخلصش وهياخد وقت ..
اغمض زايد عيناه بعصبية حتى أضاف أباه:
_ خليها الجمعة اللي بعدها احسن ... هكون وصلت واتكلمنا مع بعض الأول ، بس مين العروسة ؟
رد زايد مرغمًا :
_ فرحة أخت حسام ..
صدم ممدوح صدمة عمره وقال:
_ اللي فادي ضرب أخوها ؟! ... هي دي اللي عايز تتجوزها ؟! ....
رد زايد بحدة وتصميم :
_ ولو مش هي مش هيبقى غيرها ...
صُدم أباه اكثر من تصميمه، فقال بموافقة وهو يعرف أن زايد سيفعل ما يشاء في جميع الأحوال:
_ دي حياتك وانت حر فيها يا زايد، أنا مش متعود ادخل في قراراتك بس يمكن بقولك كده عشان شايفها مش مناسبة ليك ! ... ده دوري انصحك !
ابتسم زايد بمرارة، فأبيه آخر من ينصح مخلوق وهو من قهر والدته وأوصلها لنهاية حياتها بيدها .. فأجاب :
_ هختصر كلامي وأقولك أنها الانسانة الوحيدة اللي قدرت تصالحني على الدنيا من تاني ... لو مكنش ده بالنسبالك كفاية فـ بنسبالي أكتر من كفاية ... اخترت انسانة مش عايز منها شيء غير أنها تبقى جانبي .. مش طمعان غير في وجودها.
وكانت هذه الكلمات تُعبر عن غضب مكتوم وعتاب وقهر عظيم بداخله، وفهم والده الرسالة الخفية وقال :
_ لو هي فعلًا هتسعدك بالشكل ده فمش هتكون بالنسبالي مرات أبني، هتكون بنتي ... الف مبروك يابني ..
ابتلع زايد مرارة شديدة بحلقه وهو يحاول كبت هذا الألم بداخله، فتابع ممدوح:
_ مش هقدر اسيب الشغل وهو لسه مخلصش ، بس على اتفاقنا بعد اسبوعين، بس هو أنت ناوي تسيب البيت وتسكن بعيد ؟!
رد زايد بتوضيح :
_ اكيد .. لازم يكون ليا بيتي وحياتي ...
انتبه زايد لرنة الحزن والضعف بنبرة والده وهو يقول :
_ وهتسيبني لوحدي يا زايد ؟! ... هتسيب أبوك ! ... القصر كبير جدًا ويساعنا كلنا ...
تكورت بحلق زايدة غصة شديدة المرارة مجددًا وقال :
_ لوحدك ليه ؟! ... مراتك موجودة وأبنها وفادي أخويا كمان ..
تنهد ممدوح تنهيدة عميقة قبل أن يقول :
_ أنت عارف ومتأكد أنك لو بعدت هبقى لوحدي .... يمكن أول مرة أقولك كده، بس ببقى مطمن وأنت جانبي ، عشان خاطري ما تبعدش ... مراتك هتكون واحدة مننا وهتشوف هعاملها أزاي ... بس خليك جانبي وجنب فادي أخوك ... يمكن كنت بشوفك متهور ومتسرع في بعض الأمور ، لكن بعد كده كنت بكتشف خوفك علينا ....
صمت زايد بحزن شديد كاد أن يشق قلبه وهو يريد بكل قوته أن يبتعد عن ذلك القصر اللعين الذي لم يرى فيه سوى الاذلال والنبذ والكراهية .... ولم يجد إجابة يقولها فقال والده متفهمًا حيرته :
_ خليك ولو لقيت أني منفذتش كلامي ابعد، بس عمومًا هنكمل كلامنا لما ارجع من السفر ونتقابل.
وانتهى الاتصال ووضع زايد الهاتف في بطء وعينان زائغتان مليئة بالألم ، ثم وضع رأسه بين يديه وهو يحاول تلك الدموع وبصعوبة استطاع ذلك ....
********
وقبل انتهاء الاسبوعين ما قبل زفاف الشباب الأربعة ، صمم العمدة إقامة حفل حناء في منزله بالريف ووافق الجد رشدي بترحاب .....
وبالمساء في بيت العمدة تجمع الشباب الاربعة في حجرة علوية بالمنزل، ووقف جاسر امام النافذة يستمع بابتسامة واسعة مليئة بالخبث لبعض ألاغاني المتداولة للأفراح من صوت أنثوي وهو يرتشف من كوب عصير البرتقال الطازج..
انضم اليه رعد وهمس له قائلا :
_ بتضحك على إيه ضحكني معاك !
رد يوسف وهو يأكل قطعة كبيرة من الفطير وهو جالسا:
_ شكله مش مصدق أنه هيتجوز ! ... اتجنن باين !
همس جاسر لرعد بشيء جعله ينفجر من الضحك وينصت لكلمات الأغاني .... وبعدما عاد استمع جاسر لتلك الكلمات وهو يشرب مبتسما من كوب العصير ..
وعند جمع النساء الناظرين للمرأة التي تدندن وتغني ويتهامسن بحرج مما تقوله من كلمات جريئة !!
وكزت حميدة شقيقتها جميلة وقالت بعصبية:
_ ما تسكتي الولية دي الناس عمالة تبصلها من اللي بتقوله ! ... هي دي اغاني تتقال ! ....مين الست دي اساساً؟!
أجابت جميلة بتعجب:
_ والله ما أعرف!، شكلها مش من البلد اصلًا، أول مرة أشوفها!
ونظرت للنساء الريفيات اللواتي يملأهن الحياء من أبسط الكلمات ونظراتهم المتعجبة مما تقوله المرأة تلك، وذهبت جميلة للمرأة وهمست لها قائلة :
_ معلش ياختي وسعي شوية كده خلينا نفرفش ..!
جذبت جميلة شقيقتها سما وقالت لها بدعم :
_ جه الوقت اللي نحتاجك فيه ! .... أفرضي موهبتك على الجمهور يابت وارجعي لنفسك الفرفوشة.
ضحكت امهن وداد ضحكة عالية وهي ترى رفع الأكف بالتصفيق الحار الحار الذي لم يكن يحتاح لأي موسيقى لأشعاله ، وبدأت زوجة العمدة بترداد كلمات اغاني مبهجة جميلة ملأت الاجواء سعادة وفرحة ...
********
نهض آسر من نومه فنظر لجاسر ورعد وقال لهما :
_ احنا أمتى ؟!
شرق جاسر من الضحك ومعه رعد ثم قال :
_ احنا من يومين !، فاتك أنت العظمة اللي سمعناها من شوية .... خليك نايم يا آسر أنت خجول وكيوت !
رد يوسف وهو يبتلع آخر قطعة من الفطيرة :
_ مش احسن منك يا قليل الأدب ... روش أنت كده يعني !
قال جاسر بضحكة مستفزة :
_ ما أنت زيه !! ... اومال لو مكنتش أخويا ! ... مش شبهي خالص ! ... الواد رعد ده اللي نسختي ..
نظر آسر لهما ببعض التيهة وقال :
_ لا ثواني ... هو كان في أغاني شغالة بجد ولا أنا اللي كنت بحلم ؟
ضحك جاسر وقال بخبث :
_ هي ... بس قولي كانت بتقول ايه عشان اتأكد كده ؟!
نظر آسر له للحظة ثم دفع الوسادة بوجه جاسر وهو يضحك وينهض ليدفعه ببقية الوسائد ، ونهض يوسف ورمى نفسه عليهم في معركة من الضحكات والمزاح.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
_______________________
ضحكنا وعيطنا صح؟ 😂
هو نص فضل بس اكبر من كل الفصول الكاملة😁
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!