#الفصل_الخامس_والسبعون_ج٢
وبعد طلوع الشمس بقليل ..
كانت الأم " وداد" وزوجة أخيها العمدة بالمطبخ الواسع بمنزل العائلة يعدون طعام افطار الصباح التقليدي للعرائس " الفطير" ... وشاركهما الصبي نعناعة وجلس يتأمل ايديهن الماهرة في اعداد الطعام .. فقالت وداد بضحكة وهي تسحب أحدى الفطائر من الفرن الساخن :
_ هتطلع معايا يا واد يا نعناعة لكل واحدة، هتشيل بس الفطار عشان مش هقدر اطلع وأنا شايلة حاجة، وأمك تعبت خالص الايام اللي فاتت.
قالت زوجة أخيها المنغمسة في تكبير أحدى الطبقات الرقيقة لآخر الفطائر :
_ ما اطلع وخليكي أنتي مرتاحة، أنتي تعبتي امبارح والحركة الكتير غلط على رجلك.
ردت عليها وداد بابتسامة ونظرة عين يغمرها السعادة:
_ ده اليوم اللي كنت بتمناه، بقا يوم ما يجي احرم نفسي من فرحته؟! ... وكمان عايزة أصبح على بناتي وعرسانهم.
لم تعرض زوجة العمدة وتركت لها السبيل لتقوم بكل ما يستطيع أن يسعدها، وقالت للصبي بأشارة فهمها :
_ حط الفطار وانزل طوالي وسيب عمتك يا نعناعة .. بس الأول ساعد عمتك تقوم ووديها الأوضة اللي على يمينك دي تغير هدومها، أنا محضرالها كل حاجة.
اومأ الصبي بموافقة ثم انتهيا السيدتان من إعداد الفطائر، وساعد الصبي عمته لتنهض وتذهب للغرفة المقصودة لتبدل ملابسها لأخرى ...
ودقائق وكانت وداد تفتح الباب بقدميها الثقيلتان، بينما أشرق وجه الصبي عندما وجدها قد بدلت اللون الأسود أخيرًا بملابس مبهجة أكثر .. فقال ببهجة:
_ إيه الحلاوة دي يا عمتي ؟! ... آه كده رجعتي الوزة اللي أعرفها.
ضحكت وداد على مزحته وقالت :
_ كسفتني يا واد يا نعناعة! ... بس يعني مش حلو اطلعلهم بالهدوم السودا بتاعتي دي !، قولت أغير شوية.
قالت زوجة العمدة بضحكة وهي تنهض:
_ وماله يام البنات تغيري وتفرحي ببناتك وبخلفتهم أن شاء الله، هغير هدومي أنا كمان وهحصلك.
كادت أن تنهض حتى لاحظوا هبوط يوسف بوجهه الوسيم جدًا المبتسم بإشراق ... تعجبوا الثلاثة للحظة حتى اتسعت ابتسامة يوسف وقال:
_صباح الخير عليكم، أنا جاي أخد الفطار لحميدة.
كتم الصبي ضحكته ثم همس قائلًا:
_ حميدة سيطرت من أول يوم! .. البت دي بت عمتي بصحيح!
ثم ذهب ليوسف بعناق وابتسامة قائلا:
_ صباحية مباركة يا عريس ...
ابتسم له يوسف وقال:
_ الله يبارك فيك يا نعناعة، عقبالك ..
رفع الصبي يديه بالدعاء والرجاء وقال:
_ يارب السنة الجاية يـــــارب، طولت أوي في العزوبية يا دكتور!
ضحك الجميع على مزحة الصبي، ثم اقترب يوسف لوداد وقبّلها من رأسها قائلًا بمحبة ودفء:
_ صباح الخير يا أمي ..
ولأول مرة تسمع وداد هذه الكلمة من فاتسعت ابتسامته بسعادة وقالت وامتلأ قلبها بالأطمئنان والفرح:
_ صباح الخير والهنا ياحبيبي ... كنت لسه طالعة بالفطار ليكم.
أسندها يوسف من يدها ليصعدا الي الطابق حيث جناحه الخاص ... فقالت زوجة العمدة لهما:
_ هرتب الفطار واحصلكم بيه..
قررت زوجة العمدة الصعود بالطعام بدلا من ابنها، وذهبت مباشرة لأحدى الغرف لتبدل ملابسها قبل أن تصعد.
وبالجناح الخاص بيوسف وحميدة ...
فتح يوسف الباب وهو يسند وداد فوجدا حميدة ترتدي عباءة استقبال باهرة الجمال وعلى رأسها شال شال وردي أبرز نعومة ملامحها المشرقة بالسعادة .... فاقتربت حميدة إلى أمها وضمتها وداد بمحبة شديدة وهي مبتسمة ابتسامة واسعة.
وراقبها يوسف بنفس الابتسامة وتأملها عند كل لافته بنظرات حب واضحة.
حتى قال يوسف بمرح وهو يغلق الباب عليهم:
_ هنفضل واقفين كده ؟!
اخذت حميدة أمها إلى الغرفة الداخلية وتركهما يوسف لبعض الوقت بعدما تشاركا الكلمات المرحة للحظات، ولمعرفته أنها تريد أن تتحدث مع أبنتها قليلًا ...
ودقائق قليلة وكانت زوجة العمدة تدق على الباب، ففتح يوسف الباب وحمل عنها الصينية بالطعام الشهي ذو الرائحة اللذيذة، ثم رفعت صوتها بزغرودة عالية ..
ودخلت زوجة العمدة لغرفة حميدة حيث وجدتها تضحك مع أمها فنهضت حميدة لها احتراماً وعانقتها بمحبة صادقة، فانهمرت زوجة العمدة عليهم وزغردت مع التهنئة والضحكات العالية، ثم قالت بمشاكسة لحميدة:
_ مش زي الفطير بتاعك انتي والبنات بس أهو حاولنا على قدنا يعني ...
ضمتها حميدة بسعادة وقالت:
_ تسلم ايديكم يا مرات خالي أنتي وأمي، هو احنا نيجي إيه جمبكم بس!
قالت المرأة بضحكة :
_ طب الحقي أفطري، يوسف خد الفطار مني وشكله مش هيسيبلك حاجة !
قالت وداد بتأكيد وهي تبتسم بزهو:
_ وماله ياكل لما يشبع جوز بنتي حبيبي .. هجيبله تاني.
تظاهرت حميدة بالعبوس والغيظ وقالت:
_ طب وأنا ؟!
ضحكت وداد على ابنتها وقالت لتغيظها:
_ مش مهم أنتي ..
وبعد قليل كانت وداد تركت أبنتها مع زوجها بعدما اطمئنت عليها، فوقفت حميدة أمام يوسف بعينان ضيقتان من الغيظ، ونظرت له وهو يلتهم الطعام بشهية عالية وقالت:
_ ده بدل ما تستناني وتأكلني بإيدك ؟!
ابتلع يوسف ما بفمه وهو يود لو يضحك، ثم جذبها من يدها لتجلس بجانبه ورفع قطعة من "الفطير" واطعم حميدة بدلال ويعاملها وكأنها طفلة !
شاركته حميدة الطعام وظلا يتمازحان ويضحكان طيلة وجبة الافطار ..
********
راقب جاسر بنظرات غيظ شديد زوجته جميلة وهي تقف أمام المرآة وتمشط شعرها غير مكترثة بوجوده تمامًا !!
زفر بضيق وساوره شك أنها ابتعدت قصد وليس خوفا مثلما ادعت بالأمس !
نهض من مكانه واقترب لها وقال بنبرة يعكرها شيء من العصبية عندما وقف بقربها:
_ سامع زراغيد ... مش سامعة ؟
تجاهلته جميلة ظاهريًا فقط، بينما كانت ترتجف سرا وقالت وكأنها ام تفهم ما يعنيه:
_ آه سمعت، عادي يعني ما هو امبارح كان فرحنا !!
قال ليستفزها :
_ الكل مبسوط إلا أنا !، دي صباحية دي ؟! ... دي مسائية، عصرية ماشي ، انما مش صباحية ابدًا !
سمرتها جملته وفهمت ما خلفها، ثم دفعت المشط من يدها نحو المرآة واستدارت له بنظرة جامدة قوية وقالت:
_ وأنت مش مبسوط ليه بقا أن شاء الله !! ... ولا ناسي اللي قولته امبارح بعد ما شوفتني خايفة كده !
حاول كظم غيظه منها وابتسم مرغما وقال:
_ لا مش ناسي، واكيد مش حابب أشوفك خايفة زي امبارح كده أنا مش عفريت يعني !!
وأتت وداد لجميلة مثلما فعلت منذ قليل مع حميدة وعندما قالت جميلة لأمها وزوجة خالها عن مدى خوفها بالأمس صدمت وداد ثم جذبتها بغضب لتجلس بجانبها وقالت:
_ أنتي عندتي ومانسيتش الموضوع اللي حصل في البلد ونفذتي اللي في دماغك صح ولا لأ ؟!
بينما اكتفت زوجة العمدة بنظرات لوم لجميلة، فقالت جميلة بعيون دامعة ودفاع:
_ لا والله العظيم، بس معرفش ليه حسيت فجأة أني برتعش ومرعوبة منه ومن كل حاجة حواليا .. من كتر الخوف كنت حاسة أن قلبي هيوقف !، وهو بصراحة قدر حالتي وسابني ارتاح ..
قالت زوجة العمدة ملطف الاجواء:
_ معلش يا وداد البنات بيبقوا كده ماتلوميهاش .. بكرا يبقوا سمنة على عسل.
تنهدت وداد بنظرات منفعلة لأبنتها وقالت وقد هدأت قليلا :
_ ماتخربيش على نفسك يا جميلة ..
يبدو أن امها لا زالت مقتنعة أنها تعاند للخلاف القديم، فقالت جميلة بضيق ويأس :
_ والله كنت خايفة أوي وما فكرت حتى في اللي حصل في البلد ..
قالت وداد ببعض الهدوء :
_ طالما حلفتي هصدقك، ولو على الخوف هيروح ماتقلقيش هيروح ..
هزت جميلة رأسها بتأكيد وكأنها تريد أن تصدق ذلك ... ودخل جاسر للغرفة راسما ابتسامة لطيفة ووضع يده على كتف جميلة بارياحية وقال :
_ مستنيكم عشان نفطر سوا ..
نظرت له وداد بابتسامة محبة ثم نظرت لأبنتها بنظرة ذات معنى فهمتها جميلة على الفور، وقالت :
_ لا يا حبيبي هسيبكم تفطروا براحتكم.
ولاحظ جاسر نظرات جميلة لأمها وفهم أنهما تحدثا ... وساوره شعور متضارب بين الضيق والتفهم ..
حتى غادرت وداد ومعها زوجة أخيها العمدة، وكي تبدد جميلة هذا التوتر المنتشر حولها قالت بابتسامة وهي تجلس أمام صينية الطعام على مائدة صغيرة:
_ الفطار شكله يفتح النفس .. يلا نفطر ..
نظر جاسر لها نظرة طويلة مليئة بالعصبية والعتاب وقال:
_ ماليش نفس، هبعت حد يعملي قهوة ..
اعترضت جميلة وقالت:
_ قهوة على الريق كده ؟! ... لا طبعا مش هسمحلك ..
ونهضت لتجذبه من يده نحو الطعام ولكنه أوقفها بعصبية قائلا بنظرات قاسية :
_ وتسمحيلي ليه اصلاً ولا ما تسمحيليش أنتي مالك ؟! ... بتحاسبيني بس مش عايزة حد يحاسبك ؟!
رميت الكلمات بوجهها كالرصاص ونظرت للأسفل وتساقطت الدموع من عينيها وقالت بأسف وضيق غريب :
_ محدش فاهمني ، ولا حد عايز يفهمني، أنا خايفة ... خايفــــــــة ومحدش مقدر ده!
أثرت فيه دموعها فأحتواها بين ذراعيه رغم ضيقه الداخلي وقال محاولا دحض حزنها هذا :
_ طب تعالي نفطر يمكن الفطير يضيع خوفك مني ...
وضحكت رغما وهي تمسح دموعها عندما مازحها، ليس سبب ضحكاتها كلماته، وأنما عودته للطف والرقة التي كانت في أمس الحاجة اليهما الآن ...
*********
الحيرة ...؟!
هي شتان يرفض الشيء ويريده بنفس الوقت !
مزيج من الأبيض والأسود والنتيجة شيء لا ينتمي لأي منهما !
وقفت رضوى شاردة قليلًا أمام المرآة وتركت شعرها المبتل يجف قليلًا، ثم استدارت نحو رعد النائم في سباتٍ عميق والذي أصبح زوجها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ..
وابتسمت بمحبة شديدة، رغم أنها منذ لحظات قليلة كانت شاردة بعتاب لنفسها ... هذه هي الحيرة التي تعيشها الآن ... منتهى السعادة ومنتهى التردد !
التفتت للمرآة مرة أخرى ومشطت شعرها بعناية، ثم القت نظرة متفحصة على مظهرها بالعباءة الذهبية اللون المطرزة برقة وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها أعطى بروز لطول عنقها ...
واستوقفها صوت نقرات خفيفة على باب الغرفة، فعلمت أن الطارق أمها دون شك، فخرجت من الغرفة واغلقت باب الغرفة الداخلية على رعد الذي لا زال نائمًا ...
ولكنه فتح عينيه بكسل إثر صوت إغلاق الباب ونظر نحوه للحظات ... ثم اعتدل بالفراش وهو يمسح بيده على راسه ووجه ... وابتسم بمكر عندما تذكر الساعات الفائتة ...
حتى باغته أصوات الزراغيد المرتفعة بالخارج بعد دقائق، فنهض ليغسل وجهه قبل أن يخرج لهم ...
وبعد قليل كان خرج من الغرفة ولاحظت رضوى شعره الاسود الناعم وقطرات الماء البسيطة لا زالت معلقة به، ورحب رعد بابتسامة واسعة الزراغيد التي تكررت فور خروجه، وقالت له وداد بسعادة واطمئنان لرضوى تحديدا بسبب توعدها لرعد سابقا :
_ خلي بالك من رضوى والله دي شبه العيال الصغيرة أقل كلمة ترضيها ...
نظر رعد لرضوى بضحكة وقال وكأنه لا يصدق ما يقال:
_ آه طبعا عارف، دي زي النسمة !!
مطت رضوى شفتيها بثقة وضحك الثلاثة علي ردة فعلها ....
وبعدما خرجت راضية ويعسدة لأبنتها ... جلست رضوى أمام الطعام ولكنها ابدت عدم شهية واضح رغم شعورها بالجوع، ولكن لكي لا تشعره أنها راضية عن ما حدث ..
جلس بجانبها وبدأ يأكل ويكتم ضحكته على عبوسها، ثم التفت لها قائلا بابتسامة مستفزة:
_ ايه يا روحي مش هتفطري معايا ؟!
أجابت بعبوس ونظرة مغتاظة منه:
_ لأ ..
قال بابتسامة أشد استفزاز :
_ لأ هتفطري ....
قالت بانفعال :
_ هفطر غصب عني يعني ؟! ... هتجبرني ؟!
هز رأسه نفيا وقال بنظرة ماكرة :
_ لا طبعاً مش هجبرك على حاجة .... أنتي مش من النوع اللي بيعمل حاجة مجبر عليها ... هسيبك براحتك وأكل لوحدي ...
واستفزها بحديثه، وكانت تعرف أنه سيفكر هكذا ... فبدأت تأكل بنهم وقالت بغيظ :
_ جوعت فجأة ، اصلا الاكل ده أمي اللي عملاه ...
وكتم ضحكاته طيلة وقت الطعام فهتفت به بعصبية :
_ ايه اللي بيضحك ؟!
تماسك قليلا سوى عن ابتسامة وقال:
_ مش بضحك عليكي لأ، ما تقوليش كده أحنا أهل !!
اكرقت رضوى بعصبية على المائدة ونهضت واقفةةوهي تصيح بكلمات لا معنى لها :
_ لو فاكر أن كده وخلاص بقا، لا هو مش كده وخلاص بقا أنت فاهم ؟!
انخرط رعد بنوبة ضحك شديد ثم قال :
_ المهم انتي فاهمة اللي بتقوليه ؟!
وضربت قدميها بالأرض كالطفال فوقف أمامها وسيطر على موجة الضحك هذه ، فهتفت رضوى بانفعال شديد :
_ أيوة أنا فاهمة !!
جذبها إليه وقال بنظرة عاشقة تتفحص جميع ملامحها ببطء:
_ أنتي جميلة أوي يا رضوى ... بالذات النهاردة ..
ابتلعت ريقها ارتباكا وللحظة شعرت أنها لن تنتصر عليه مهما فعلت، فابتسم بتسلية وهو يرى موجة الارتباك تتمايل على ملامحها بوضوح ... وقال بغمزة وابتسامة واثقة :
_ مش قولتلك أني في اسرع وقت هرجعك ليا ...؟!
قالت متحدية ثقته :
_ مين اللي قالك أني برجعلك ؟! ... يمكن بتوه أكتر !
هز رأسه رافضا ما تقوله وصحح لها قائلا :
_ وحتى لو توهتي يا رضوى ، أنا موجود وقادر ارجعك
هربت من نظراته المتطلعة بها والتي تتوعد بالكثير من الحب !!
*******
انضمت فتاة الى طاقم النظافة بمنزل عائلة الزيان...
كانت نظراتها من ساعات قليلة تبعث الشفقة عليها وكأنها شريدة لا مأوى لها...
ولكن ما أن تبتعد عن الجميع تحتد نظراتها باحثة عن هدف محدد وهو " ليلى "
دخلت المربية العجوز للمطبخ فوجدتها تقف عند المدخل المؤدي للحديقة وتنظر حولها كأنها تبحث عن شيء فقالت:
_ بت يا هنا؟! هو اننيجاية تشتغلي وتاكلي عيش ولاجاية تتفرجي على الجنينة؟!
ارتجفت الفتاة وعادت راكضة للمطبخ، ثم عادت لذلك الاسلوب الذي جعل المربية توافق على عملها هنا وقالت الفتاة وهي على شفير البكاء:
_ معلش حقك على راسي يا خالة ما تزعليش مني، أنا سمعت صوت في الجنينة طلعت اشوف مين بينادي بس...
قالت المربية بتحذير:
_ لا تشوفي ولا تطلعي ولا ليكي دعوة بحد، اللي عايز حاجة بيطلبها مني وهاجي اقولك، شغلك مش ابعد عن الكام متر بتوع المطبخ.
هزت الفتاة رأسها سريعا بالموافقة لكي تتخلص من هذه التعليمات التي تعرفها عن ظهر قلب!
فذلك العمل وكأنها توارثته من عائلتها... وصولا بشقيقتها التي قتلت غدرا...!
فقالت المربية:
_ هاخد الفطار بتاع ريميه وانتي حضري الفطار للباقي على ما ارجعلك...
غادرت المربية العجوز بعدما خدت الافطار المعد للطفلة!
فرددت هنا اسم الطفلة وهي تفكر بأبشع طريقة للانتقام من ليلى!!
*******
نظرت جيهان لساعة الحائط فوجدت الوقت لم يتعدى التاسعة... تثاءبت بكسل ثم اعتدلت وفتحت شاشة التلفاز بالغرفة، لفقط لتشعر ببعض الونس يقطع هذا الصمت عنها!
ولكنها وجدت ذلك الخبر المتكرر الذي كان حديث المدينة مؤخرا... وهو اختفاء ذلك الرجل الذي يدعى أكرم حجازي!!
تثاءبت مرة أخرى بتعجب وقالت:
_ هو مابقاش فيه غير الخبر ده ولا إيه؟!
مين ده يعني عشان اكتر الاخبار تبقى عليه بالشكل ده؟!
وسخرت في نفسها من الأمر، ثم اغلقت التلفاز بالغرفة ونهضت لتغسل وجهها...
وبعد قليل خرجت وهي تجفف وجهها بالمنشفة وتوجهت نحو باب الشرفة لتفتحه...
ووقفت بالشرفة تستنشق الهواء ملء رئتيها حتى وجدت الصغيرة ريميه بالحديقة تلعب على النجيل الأخضر والمربية العجوز معها...
فابتسمت جيهان لها برقة وظلت تراقبها بنظرات حنونة.... حتى انتبهت أن المربية اختفت!
قالت جيهان بعصبية:
_ ازاي تسيب البنت لوحدها كده؟!
ولكن ما جعلها تحدق بغرابة، هي تلك الفتاة المجهولة القريبة لسنوات المراهقة والتي تتسلل لتقترب إلى الصغيرة وعندما اقتربت منها وكادت أن تأخذها، هتفت جيهان بأعلى صوتها على الحراس وقلبها كاد ان يخرج من مكانه خوفا، ثم ركضت خارجة من الغرفة بروبها الثقيل...
ووقفت هنا حاملة الصغيرة وتظاهرت إنها كانت ستحملها لتبعدها عن المسبح وحضرت دفاعها جيدًا، بينما كانت ترتجف من الذعر لأن ينكشف امرها قبل أن تنتقم!
ولم تعرف كيف أتت جيهان من غرفتها بالأعلى إلى الحديقة بهذه السرعة وخطفت منها الصغيرة التي بدأت ترتجف خوفا هي الأخرى من الاصوات العالية، وصرخت جيهان بالفتاة وهي تضم الصغيرة بحماية:
_ أنتي مين وبتعملي ايه هنا وكنتي هتعملي في البنت ايه؟!
أتت المربية مسرعة من المطبخ وبيدها طبق مليء بالحلوى للصغيرة ودافعت:
_ معلش يا ست جيهان أنا...
قاطعتها جيهان بعصبية شديدة:
_ معلش ايه اللي بتقوليهالي دي والبنت سيباها كده لوحدها!! وبعدين مين دي؟!
وأشارت لهنا بعصبية، فأوضحت المربية بارتباك:
_ دي بت غلبانة لسه أول يوم ليها هنا في الشغل...
هتفت بها جيهان بغضب:
_وأنتي بتشغلي اللي على مزاجك من غير ما نعرف؟!
شعرت المربية بالغيظ منها وقالت:
_ البيه الكبير مديني الموافقة أشغل في البيت اللي احتاجها معايا، من قبل حتى ما تيجي انتي يا ست جيهان!!
رفعت جيهان حاجبيها بغضب من رد المربية التي وكأنها تتحداها فقالت:
_ طب ماشي، أنا هروح أقول لوجيه على اللي شوغته دلوقتي واهمالك للبنت وردك عليا ده وهنشوف الموافقة دي هتبقى معاكي تاني ولا لأ..!
وهنا خافت المرأة على عملها حقا وقالت بأسف:
_ خلاص يا ست جيهان حقك عليا مش هتتكرر تاني...
قالت هنا ببكاء وقد تظاهرت بفصل مسرحيتها التي كررتها لكي تعمل هنا:
_ والله ما اقصد ولا عملت حاجة، ابوس ايدك يا ست هانم ما تقطعيش عيشي ده أنا ماليش حد وهترمي في الشارع...
وبالفعل أثرت الفتاة بجيهان ونالت بعض الشفقة، فقالت جيهان لهن بتحذير:
_ خلاص حصل خير ... خلوا بالكم من البنت وما تسيبوهاش لحظة.
ثم نظرت جيهان برقة للصغيرة التي هدأت قليلًا وهمست لها:
_ لو حد زعلك نادي عليا على طول.. ماشي؟
اومأت الصغيرة برأسها بموافقة ببطء، فابتسمت جيهان وخفق قلبها لذلك الأمر...
فما عادت الصغيرة تنفر منها وتهرب عندما تقترب منها، فقبلتها بحنان وتركتها مع المربية ثم عادت لغرفتها والابتسامة وكأنها حفرت على وجهها.
*********
انغمست فرحة بعملها تمامًا حتى لاحظت رائحة عطر أنثوى نفاذة انتشرت فجأة وعبأت المكان !
فرفعت رأسها من على الاوراق لتجد امرأة شقراء فاتنة تدخل المكتب متوجهة إليها !
نظرت لها فرحة بعبوس وتمنت ألا تكون قادمة لمقابلة" زايد " !!... يكفي فاتنات وشقراوات !!
قالت ذلك وهي تنفخ بعصبية حتى وقفت الشقراء أمام مكتبها وقالت بنبرة متعالية :
_ بسرعة لو سمحتي بلغي زايد أني منتظراه ..
صرت فرحة على أسنانها بغيظ ثم نظرت لها وأجابت :
_ حضرتك عايزاه ليه وانا ابلغه لأنه معاه اتصال مهم ومش فاضي !
ضيقت الشقراء عينيها بعصبية من رد فرحة، ثم هتفت بها وكأنها خادمة لديها:
_ وأنتي مالك ! ... ما تتصلي بيه وانتي ساكته !!
تفاجئت فرحة من عجرفتها ونهضت بحركة عصبية من مقعدها لتجابها تحد قالت:
_ أنا مش خدامة عندك وأنا هنا السكرتيرة وقبل حتى ما أفكر احجزلك ميعاد لازم أعرف أنتي مين وعايزاه ليه واظن ده شغلي .... محدش بيدخله من غير ميعاد محجوز قبلها ...
رفعت الشقراء حاجبها بدهشة من ثقة فرحة في الرد، ثم اخرجت هاتفها من حقيبتها وأجرت اتصال وهي ترمق فرحة بنظرات احتقار واضحة !
فابتسمت فرحة بسخرية حتى وجدت الشقراء تصيح بانفعال بمن يهاتفها وقالت :
_ هو أنا بقيت محتاجة ميعاد عشان ادخلك المكتب ؟!
لو مطلعتش حالا أنا همشي ومش داخلة المكتب ده تاني ! ...
تسمرت فرحة للحظة عندما وجدت أن الطرف الآخر ليس سوى " زايد" !!! ... وبدأت تشك بالأمر فمن الممكن أن تدعي الشقراء الكذب بمنتهى السهولة!.... ولكن ما صدمها كليًا هو خروج زايد من مكتبه وأشار للشقراء لتأت اليه بنظرات ترحيب واضحة بعينيه ..
تجمدت فرحة وهي تنظر له بصدمة وقالت الشقراء بسخرية :
_ أبقى فهم الانسة دي أنا مين عشان المرة الجاية مش هعديهالها !
ضيقت فرحة عيناها بذهول عليها ، ثم نظرت له بانفعال شديد لتستفهم عن تلك التي تتصرف هكذا وكأنها تملك هنا كل شيء حتى هو ....!
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_ابراهيم_حسن
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!