رواية قلوب على الهامش الجزء الثاني عشر 12 بقلم يارا علاء الدين قلوب على الهامشرواية قلوب على الهامش الحلقة الثانية عشر لم تكن الشمس قد أشرقت تمامًا، لكن النور المتسلّل من خلف الزجاج بدا كاشفًا، لا رحيمًا. في ركن مكتب التحقيق، جلست هدى على المقعد المعدني، ترتجف يدها اليمنى، بينما تمسك بالأخرى كوبًا من الماء لم تشرب منه. وجهها شاحب، شفتاها متيبّستين، وعيناها متسعتان كأنهما تتابعان شيئًا لا يُرى.
على المكتب أمامها، هاتف الضابط يهتز بلا انقطاع. إشعارات، اتصالات، رسائل… الخبر انتشر كالنار في هشيم المدينة. “هدى المنشاوي”… الاسم الأنيق صار تريندًا. “فضيحة في إحدى فيلات القاهرة الراقية! “هدى المنشاوي قاتلة! “رجل أعمال متورط؟ “عائلة المنشاوي قتلة! ارتجف قلبها وهي تستمع إلى تلك الأصوات المتداخلة، القادمة من شاشة التلفاز في الركن. حتى المذيعة تحدثت عنها وكأنها مجرمة قائلة:
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورًا وفيديوهات تزعم أن الفتاة المتهمة بقتل المجني عليه زين الناجي, هي هدى المنشاوي، بينما لم تُصدر العائلة أي بيان رسمي حتى الآن، وسط مطالبات بالكشف عن الحقيقة كاملة. شهقت بصوت خافت. أغمضت عينيها، وكأنها تحتمي من الضوء، من الأسئلة، من الهجوم الذي لا يرحم. في تلك اللحظة، دخل المحامي بثبات هادئ. بذلة فاخرة، حقيبة جلدية، ونظرة تُخفي وراءها أكثر مما تُظهر. قال الضابط وهو ينهض من مقعده:
–تمام يا أستاذ عصام، الأوراق جاهزة، والإجراءات هتمشي بسرعة. نظر إلى هدى، وأضاف بهدوء: –هتخرجي بكفالة… بس لسه على ذمة القضية. رفعت نظرها نحوه ببطء، كأنها تسمع من تحت الماء، ثم همست: –بجد؟ شكرًا لحضرتك. خرجت من المكتب بعد دقائق، محاطة بأنظار رجال الشرطة، بعضهم يهمس، وبعضهم ينظر إليها بتعاطف خفي. لكنها لم ترَ شيئًا، كانت تمشي بخطى ثقيلة، كأنها تمشي وسط رماد وطنٍ احترق. على باب القسم، تجمّع الصحفيون كالعاصفة.
وميض الكاميرات يضرب وجهها بلا رحمة، والأسئلة تُرمى كالحجارة: –آنسة هدى، هل تؤكدين الواقعة؟ –هل تم الضغط عليكِ مما دفعكِ للقتل؟ –هل ستظهرين في لقاء تلفزيوني قريبًا؟ لم تُجب. فقط اختبأت خلف نظارتها السوداء، ومشت. لكنها كانت تعرف في قرارة نفسها… أنها، منذ تلك اللحظة، لم تعد هدى التي كانت. بل صارت حديث المدينة! لم تمضِ دقائق على دخول هدى إلى بهو الفيلا، حتى انقضّ عليها والدها كالإعصار. صرخ بصوت جفلت له جدران المكان:
صورك على تليفونه؟! وبصماتك في الفيلا؟! تعرفيه منين انطقى! شهقت هدى، وكأن قلبها سقط في قدميها. بابا… أنا…. لم يُمهلها. مدّ يده فجأة، وجذبها من شعرها بقسوة جعلت صرخة ألمها تخترق أرجاء المكان: –قوليلي الحقيقة! أنا هتجنن! إيه اللي وداكي؟! إيه اللي بينك وبينه؟ اهتز جسدها النحيل بين يديه، لم تعرف كيف تُدافع عن نفسها، لم تكن تملك غير كلمة واحدة خرجت من أعماقها، كأنها تمزّق روحها لتصل: والله أنا مظلومة!
تردّدت الكلمة في أرجاء الفيلا كأنها صدى صرخة في صحراء. لا أحد يجيب. لا أحد يصدق. فقط هي… وحدها، تقاتل الحقيقة بكلمة. في تلك اللحظة، كان يوسف قد نزل من الطابق العلوي، ووقف مشدوهًا أمام المشهد لكن سرعان ما تقدّم، قبض على يد والده بقوة، وأبعدها عن هدى. كفاية يا بابا! مش كده. ثم نظر إليها، وعيناه جامدتان، لا قسوة فيهما… ولا رحمة. اطلعي أوضتك يا هدى. لم تتكلم، لم تبكِ.
فقط مشت، كأنها تسير وسط الصراخ، خطواتها تترنّح، وكل خلية في جسدها تصرخ بالخذلان! فتحت باب غرفتها بصمت، وأغلقته خلفها. تركت كل شيء، وهوت فوق السرير، لا تغطّي جسدها بل تنكمش حوله، تضمّ ركبتيها إلى صدرها، وتدفن وجهها بين ذراعيها… في وضعية الجنين. هناك فقط، سمحت للدموع أن تهطل. لكن دون صوت. فالبكاء الذي لا يُسمع، هو الأشدّ وجعًا.
-كان الجو باردًا حين وقف نور أمام بوابة مستشفى “دار الفؤاد”، قابضًا على الأسورة الصغيرة التي تركتها له مريم قبل رحيلها، كأنها وضعت فيها عمرًا من الأسرار، ثم تركته يواجه الحقيقة وحده. دخل بهدوء، وتوجّه نحو قسم السجلات القديمة. سأل موظف الاستقبال بصوت متماسك رغم اضطراب أنفاسه: –أنا… كنت مولود هنا، من أكتر من عشرين سنة، ومعايا الأسورة الأصلية… عايز أعرف أي حاجة عن والدتي أو والدي، أو اللي دخلني المستشفى.
نظر إليه الموظف باستغراب، ثم قال ببرود إداريّ: -الحالات اللي بالشكل ده عادةً بتتحط تحت تصنيف مجهول النسب… وفي حالات كتير, وإنت بتقول من أكتر من عشرين سنة, يعني أكيد الورق ده مش موجود! رد نور بإصرار: –لو سمحت دور معلش, وأنا هساعدك. نهض الموظف بضيق، وتوجّه نحو غرفة السجلات، ثم عاد بعد نصف ساعة تقريبًا, يتكلم بضيق: –مفيش حاجة يا أستاذ زي ماقولتلك, الملفات دي مبقتش موجودة. كان لازمتها إيه العطلة دي!
خرج نور من المستشفى وعيناه تحملان ظلال الفقد مرتين؛ مرة لمريم، ومرة لهويته. وقف أمام البوابة كأن الأرض تدور دون أن يقدر على تثبيت قدميه… حتى جاءه صوتٌ رخيم من الخلف: –مالك يا ابني؟ حاسس إن الدنيا ضيقة في وشّك ليه؟ التفت نور، فإذا برجل مسن، في أواخر الستينيات، يرتدي معطفًا رماديًا، وقبعته تغطي نصف وجهه، لكنه يملك نظرة دافئة، وابتسامة لم تُطفئها الأيام. قص عليه نور قصته في عجالة, فابتسم الرجل، وقال بهدوء:
–تعالى معايا يا بني… يمكن ربنا كتبلك تشوفني النهاردة. قاده إلى ممر جانبيّ داخل المستشفى، إلى غرفة مهجورة خلف قسم الأرشيف. فتح بابًا صدئًا، وراح يبحث خلف خزنة قديمة ملتصقة بالجدار. –أنا اشتغلت هنا تلاتين سنة. زمان كان في حالات بيتحفظ عليها بعيد عن السجلات الرسمية. لو حكايتك زي مابتقول, فيمكن نلاقيها في الورق ده. أخرج ملفًا صغيرًا، مغلفًا بورق بنيّ باهت. فتحه أمام نور… وقلب أوراقه, ثم انتقل إلى غيره,
استمر البحث والتفتيش كثيرًا. ثم توقف عند واحدة. ناوله إياها، وهو يقول بنبرة خافتة: –اتفضل يا ابني, ده اسم الأب واسم الأم. رفع نور الورقة، وعيناه تتسعان تدريجيًا وهو يقرأ السطور. الاسم مكتوب بخط واضح لاشك فيه. جفّ حلقه. توقفت أنفاسه. سقطت يداه عن الورقة ببطء، وكأنها صارت تحمل وزن الحقيقة كلها. لكنه لم يقل شيئًا. فقد عرف في اللحظة ذاتها… أن كل شيء سيتغيّر.
-كان الليل ساكنًا حين ضغط آدم على زر الاتصال، ينتظر الطرف الآخر أن تردّ. رنّ الهاتف طويلًا، حتى سُمع صوتها أخيرًا… باهتًا، هشًّا، كأن التعب أكل أطرافه. –ألو؟ –عاملة إيه دلوقتي؟ صمتت لحظة، ثم ردّت بنبرة خافتة: –الحمدلله. –عايزك تحكيلي بالتفصيل اللي حصل في اليوم ده عند زين, لو ينفع؟ تنفّست بعمق، كأن مجرد ذكر اسمه أعاد الألم حيًّا إلى صدرها، ثم قالت: –أنا… مش عارفة أبدأ منين؟
–ابدئي من أول ما دخلتي الفيلا. كل تفصيلة ممكن تفرق. ساد الصمت على الخط لثوانٍ، ثم بدأ صوتها ينهمر… هشًّا، صادقًا, تروي له تفصيل ماحدث! ظلّ صامتًا للحظات، يحلل، يفكر، ثم قال بنبرة شكّ هادئة: –هدى، انتي ضربتيه على دماغه مرة واحدة؟ –أيوه، بس… الدم كان كتير… وخوفت, فجريت وسبته. –المعاينة بتقول إن الإصابة قاتلة… لكن في حاجة مش منطقية، الضربة بتاعتك ما تفسّرش كل الكسر اللي في الجمجمة. ثم أردف ببطء:
–أنا مش مقتنع إنه مات بسبب ضربة واحدة… ومش مقتنع إنك لوحدك في الجريمة دي. شهقت هدى بصوت مكتوم: –أنت مصدقني؟ –أكيد يا هدى, متقلقيش أنا معاكي لحد ما نوصل للحقيقة. ساد الصمت بينهما… لكنها هذه المرة كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن أحدًا… يستمع. -في ظهيرة خانقة، وقف نور أمام بوابة الفيلا التي طالما مرّ بجوارها… ولم يتخيّل يومًا أنه سيطرقها لا كضيف، ولا كغريب… بل كابنٍ يبحث عن اسمه!
طرق الجرس ثلاث طرقات ثابتة، كأنه لا يستأذن… بل يُعلن دخوله! فتح البواب الباب باستغراب، نظر إليه، ثم سأله ببرود: –حضرتك عايز مين؟ عايز رؤوف المنشاوي… قولّه نور سليمان عايز يقابله… ضروري. بعد لحظات من الترقب، فُتح باب القصر من الداخل, ليدخل نور, فإذا به, رؤوف المنشاوي نفسه، بكامل هيبته… عابس الوجه، متجهّم النظرات. نظر إلى نور بنفور، وقال: –نعم؟ حضرتك مين؟ أجابه نور بثبات: –أنا ابنك يا رؤوف بيه.
شهق الرجل كأن الهواء خُطف من صدره، ثم انفجر صوته: أنتَ بتقول إيه؟! أنتَ اتجننت؟! أخرج فورًا. لكن نور لم يتحرك. أخرج من جيبه ملفًا بنيًا صغيرًا، ومدّه له: ده من دار الفؤاد. أوراق الولادة، والأسورة… واسم حضرتك مكتوب بخطك, وتوقيعك موجود. في تلك اللحظة، دخلت لبنى هانم مسرعة، وإلى جوارها هدى، خلفهما يوسف بخطى متسارعة. في إيه؟ إيه الصوت ده؟ رؤوف… مين الشاب ده؟ سألته لبنى بلهفة تُنكر ماسمعته. أجاب رؤوف بصوت مشحون:
ولد مجنون… بيقول إني أبوه. هدى شهقت، ولبنى وضعت يدها على صدرها، بينما نظر يوسف إلى نور طويلاً… وكأن عينيه تعرفانه قبل أن يعرف اسمه. قال نور بصوت أكثر ثباتًا: أنا مش جاي آخذ فلوس, مش عايز حاجة غير اسمي! رد رؤوف بانفعال: وأنا مش معترف بكلامك ولا بورقك, اتفضل اخرج برة. لكن يوسف تقدّم، عيناه حادتان، صوته متماسك: عشان نقفل الموضوع ده؟ DNA يابابا, أنا رأيي نعمل تحليل سكت الجميع، لحظة من التجمّد. هدى قالت بصوت مرتجف:
–يوسف معاه حق يا بابا. أجاب نور وهو يطالعهم جميعًا: –أنا مش طالب شفقة… أنا طالب اثبت حقي. وموافق على التحليل. رؤوف أدار وجهه عن الجميع، ثم قال بجفاف وهو يرمي الملف على الطاولة: –هنعمل التحليل. ثم اقترب من نور خطوة بخطوة، وعيناه تلمعان بتحذير صريح، قبل أن يهمس ببرود غاضب: بس اسمعني كويس… لو طلعت كذّاب… هسجنك وهدفن مستقبلك بإيدي! ظلّ نور صامتًا… لم يرتعش، لم يتراجع، فقط نظر إليه بثبات، كأن التهديد زاده عنادًا لا خوفًا.
فقد كان يعلم, أن الحقيقة لا تخشى التهديد, وأن الدم لا يكذب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!