بصيتله ثواني طويلة… مش مصدقة سؤاله ولا جرأته.
“وإنت مالك؟”
كررها بهدوء وهو ثابت في مكانه:
“قولتلك… يفرق معايا.”
قومت من مكاني بسرعة، ولميت الملف من على المكتب.
“أنا جاية هنا أشتغل، مش أجاوب على أسئلة شخصية.”
خرجت قبل ما يرد، لكن وأنا بقفل الباب سمعت ضحكته الخفيفة… الضحكة اللي كانت زمان بتلخبطني.
رجعت مكتبي وأنا متعصبة من نفسي أكتر منه.
ليه كل مرة يظهر فيها يقدر يخليني أتوتر؟ وليه قلبي بيدق كده لمجرد إنه سأل السؤال ده؟
فضلت مركزة في الشغل بالعافية لحد آخر اليوم.
وأنا ماشية، لقيت الحارس بيقولي:
“الأستاذ آدم مستني حضرتك تحت.”
نزلت وأنا متضايقة.
لقيته واقف جنب عربيته، ماسك المفاتيح وبيبصلي.
“في إيه؟”
“هوصلك.”
“لا شكرًا.”
“مش سؤال.”
“وأنا قولت لا.”
قرب خطوة وقال بنبرة هادية لكنها آمرة:
“نور… متخلنيش أفتكر إنك لسه عنيدة زي زمان.”
رفعت حاجبي.
“وأفتكر إني كبرت ومبقتش البنت اللي بتسمع الكلام.”
ابتسم.
“جربي.”
لفيت أمشي، لكنه قال بسرعة:
“المنطقة اللي ساكنة فيها الكهربا قاطعة والشارع زحمة، ولو استنيتي مواصلة هتتعبي.”
وقفت وبصيتله باستغراب.
“إنت عرفت منين؟”
رفع كتفه ببرود.
“بعرف.”
اتنرفزت أكتر.
“إنت بتراقبني؟”
“لا… بطمن.”
“دي اسمها مراقبة.”
فتح باب العربية وقال:
“اركبي يا كوكب.”
أول ما قال الاسم… ضعفت.
ركبت من غير كلمة.
الطريق كان ساكت شوية، لحد ما قال:
“لسه بتحبي تسمعي أغاني وإنتي متضايقة؟”
بصيتله بسرعة.
“فاكر؟”
“فاكر كل حاجة.”
سكت.
“فاكر إنك كنتي بتكتبي اسمك على أول صفحة في كل كشكول.”
“آدم…”
“وفاكر إنك أول مرة ضحكتيلي كان بسبب نكتة بايخة.”
ابتسمت غصب عني.
“كانت بايخة فعلًا.”
“بس ضحكتي.”
بصيت للشباك أخبي ابتسامتي.
وقف بالعربية تحت البيت.
نزلت بسرعة وقلت:
“شكرًا.”
قبل ما أمشي، ناداني:
“نور.”
لفيت.
قال بهدوء:
“أنا فعلًا كنت بدور عليكي.”
المرة دي عينه كانت صادقة لدرجة خوفتني.
طلعت من غير رد.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم دخلت الشركة، وحاولت أتجنب مكتبه.
لكن قبل ما أقعد، السكرتيرة قالت:
“الأستاذ آدم طالب حضرتك حالًا.”
اتنهدت ودخلت.
لقيته بيقلب في ورق، من غير ما يبصلي.
“اتأخرتي دقيقة ونص.”
“صباح الخير الأول.”
رفع عينه وقال:
“صباح النور… يا نور.”
اتجاهلت سخافته.
“خير؟”
ناولني ملف.
“في اجتماع برا الشركة، هتيجي معايا.”
“أنا؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
“لأنك سكرتيرتي.”
“وممكن حد تاني يروح.”
سند ضهره وقال:
“وممكن… بس أنا عايزك إنتي.”
سكتت، واتضايقت من تأثير كلماته عليا.
بعد ساعة كنا في العربية.
كنت قاعدة أبص للطريق، وهو سايق بهدوء.
قال فجأة:
“إنتي كنتي زعلانة لما سافرت؟”
ضحكت بسخرية.
“دلوقتي فاكر تسأل؟”
“جاوبي.”
لفيتله.
“كنت مكسورة.”
سكت هو المرة دي.
أول مرة أشوفه مش لاقي رد.
قال بصوت واطي:
“آسف.”
الكلمة دي نزلت عليا تقيلة.
“متأخرة.”
“عارف.”
وصلنا المكان، وكان مطعم راقي فيه رجال أعمال.
دخلنا، وكل الناس بتسلم عليه باحترام واضح.
واحدة ست أنيقة قربت منه، وسلمت عليه بحرارة.
“آدم! أخيرًا رجعت مصر.”
بصلي بعدها وقالت:
“ومين الجميلة دي؟”
قبل ما أتكلم، قال وهو باصصلي:
“دي نور.”
بس.
لا سكرتيرة… لا موظفة… لا أي حاجة.
نور وبس.
قلبي خبط جامد.
الست ابتسمت وقالت:
“واضح إنها مهمة.”
رد من غير ما يبعد عينه عني:
“جداً.”
توترت وبصيت بعيد.
بعد الاجتماع، وإحنا خارجين، قلت بعصبية:
“إيه اللي إنت بتعمله ده؟”
“عملت إيه؟”
“الطريقة اللي بتتكلم بيا بيها.”
قرب مني وقال:
“ومالها؟”
“هتسبب كلام.”
ابتسم بخبث.
“وأنا نفسي الناس تتكلم.”
“آدم!”
“بحب لما اسمك يطلع مع اسمي.”
اتجمدت مكاني.
هو قالها ببساطة كأنه بيتكلم عن الطقس.
ركبت العربية وأنا ساكتة.
وفي نص الطريق، موبايله رن.
رد، وملامحه اتغيرت.
“إيه؟ إمتى؟”
بصلي بسرعة، ووقف العربية على جنب.
“لازم أروح حالًا.”
“في إيه؟”
قال وهو مشغل العربية بسرعة:
“أمي تعبانة.”
من غير تفكير قلت:
“أنا جاية معاك.”
بصلي ثانية… وفي عينه امتنان واضح.
“إنتي متأكدة؟”
“آه.”
ولأول مرة…
شفت آدم القوي المتحكم…
خايف.
العربية كانت ماشية بسرعة، وآدم ماسك الدركسيون بإيده بقوة، وملامحه مشدودة.
أنا أول مرة أشوفه بالشكل ده…
آدم اللي دايمًا واثق، هادي، متحكم في كل حاجة… كان قلقان.
وصلنا المستشفى بسرعة، ونزل جري. نزلت وراه من غير تفكير.
دخلنا، ولقيت بنت واقفة قدام الأوضة، أول ما شافته جريت عليه.
“آدم!”
حضنته بسرعة، وهو طبطب عليها.
بصيت باستغراب.
قال وهو بيشاورلي:
“دي أختي… ليلى.”
ليلى بصتلي من فوق لتحت، وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“آه… دي نور؟”
استغربت.
“إنتي تعرفيني؟”
ردت وهي رافعة حاجبها:
“أعرف عنك كتير.”
آدم قال بحدة خفيفة:
“ليلى.”
فهمت إنها كانت هتكمل وهو مش عايز.
بعد شوية الدكتور خرج وطمنهم إن والدته مجرد إجهاد وهتخرج بكرة.
آدم اتنفس براحة، وقعد على الكرسي وساند راسه.
قربت منه بهدوء.
“اطمنت؟”
رفع عينه وبصلي… أول ما شافني ملامحه هديت.
“دلوقتي آه.”
ليلى كانت واقفة بعيد، وباصالنا بنظرات غريبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم في الشركة، أول ما دخلت لقيت بنت شيك جدًا قاعدة على مكتبي.
شعرها مصفف، لبسها أنيق، وثقتها عالية.
أول ما شافتني قامت.
“إنتي نور؟”
“أيوه.”
مدت إيدها.
“أنا رانيا… خطيبة آدم.”
حسيت الدنيا لفت بيا.
لكن حافظت على هدوئي.
“أهلاً.”
دخل آدم في اللحظة دي، وشافنا.
ملامحه اتغيرت فورًا.
“رانيا… إنتي بتعملي إيه هنا؟”
قالت بدلع:
“جيت أفاجئك.”
بصلي لثانية، وشاف هدوئي الجامد.
قرب منها وقال ببرود:
“وإنتي كمان فاجئتيني بخبر الخطوبة.”
سكتت رانيا.
أنا بصيتله بعدم فهم.
قال بحدة:
“مفيش خطوبة يا نور.”
رانيا اتوترت وقالت:
“آدم…”
قال من غير ما يبصلها:
“خلصنا من زمان، ولو سمحتي متكرريش الحركة دي.”
خرجت رانيا وهي متغاظة، وعدت جنبي وخبطت كتفي عمد.
سكت… لكن جوايا نار.
دخلت مكتبي، وبعد دقيقة دخل آدم ورايا.
“نور…”
“اتفضل يا أستاذ آدم، في شغل؟”
عرف من نبرتي إني زعلانة.
“إنتي صدقتيها؟”
“ماليش دعوة.”
“ليكي.”
“لا، ماليش.”
قرب خطوة.
“غيرانة؟”
ضحكت بسخرية.
“على نفسك؟ مستحيل.”
ابتسم.
“يبقى ليه صوتك متغير؟”
رفعت راسي.
“علشان أنا بكره الكذب… وبكره الناس اللي عندها بدائل كتير.”
الكلمة أصابته.
وشه جد فجأة.
“إنتي مش بديل.”
“وأنا أصلًا مش حاجة عندك.”
لفيت أمشي، لكنه مسك إيدي.
“سيب إيدي.”
“اسمعيني.”
“سيبها.”
سابها فورًا، لكنه قال:
“أنا مستني اليوم اللي تبطلي فيه تهربي مني.”
بصيتله بثبات.
“وأنا مستنية اليوم اللي تبطل فيه تفتكر إن كل حاجة ملكك.”
وسبته ومشيت.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من يومها بقيت رسمية جدًا.
شغل وبس.
لا هزار، لا نظرات، لا ردود زيادة.
وده جننه.
كل شوية يطلبني على الفاضي.
“الملف فين؟”
“قدامك.”
“القهوة ناقصها سكر.”
“اعملها لنفسك.”
“الاجتماع اتأكد؟”
“أيوه.”
كان كل مرة يحاول يفتح كلام… وأنا أقفل الباب.
لحد ما في يوم، وأنا نازلة، لقيته مستنيني تحت.
“اركبي.”
“لا.”
“نور…”
“قولت لا.”
قال للحارس:
“اقفل الباب الرئيسي.”
اتصدمت.
“إنت مجنون؟”
قرب مني وقال واطي:
“آه… من ساعة ما رجعتي.”
“افتح الباب.”
“لما نتكلم.”
عقدت إيدي.
“خمس دقايق.”
ركبت وأنا متعصبة.
أول ما اتحرك قال:
“أنا آسف.”
“على إيه؟ اختار واحدة.”
“على كل حاجة.”
سكت.
“على إني سبتك… وعلى إني رجعت متأخر… وعلى إني كل ما بقربك بعك الدنيا.”
بصيت قدامي.
“فعلاً.”
ضحك رغم توتره.
“نور… اديني فرصة.”
“فرصة لإيه؟”
“أصلح اللي ضاع.”
هزيت راسي.
“في حاجات لما بتتكسر مبتتلزقش.”
وقف العربية فجأة على النيل.
وبصلي مباشرة.
“طب لو أنا مستعد أفضل أحاول العمر كله؟”
قلبي اتلخبط… لكن كرامتي كانت أعلى.
قلت بثبات:
“وأنا مش مستعدة أديك ضمان.”
نزلت من العربية ومشيت.
سابني؟ لا.
نزل ورايا.
“نور!”
ما رديتش.
“كوكب!”
وقفت غصب عني.
قرب وهو بيضحك بانتصار.
“لسه الاسم ده بيوقفك.”
بصيتله بعصبية.
“إنت مستفز.”
“وإنتي قلبي.”
سكتُّ.
أول مرة يقولها كده.
بس قبل ما أتكلم… صوت عربية وقف جنبنا.
نزل منها شاب طويل، شكله محترم.
“نور! إنتي هنا؟”
بصيتله بصدمة.
“عمر؟”
آدم وشه اتقفل فورًا.
عمر قرب وقال:
“اتصلت بيكي كتير، خالتو قالتلي إنك خرجتي. كنت جاي أوصلك.”
آدم قال ببرود:
“ومين الأستاذ؟”
عمر مد إيده.
“عمر… ابن خالتها.”
آدم مبصش لإيده.
“أهلاً.”
وعينه كلها غيرة واضحة.
أنا فهمت اللعبة…
ولأول مرة…
ابتسمت.
ابتسامتي كانت بسيطة… لكن آدم شافها.
وشه اتشد أكتر، وبص لعمر بنظرة باردة.
عمر، اللي واضح إنه مش فاهم حاجة، قال بهدوء:
“يلا يا نور، أوصلك.”
قبل ما أرد، آدم اتكلم:
“هي جاية معايا.”
بصيتله فورًا.
“أنا أروح مع اللي أنا عايزاه.”
قال وهو ثابت في مكاني:
“جربي.”
عمر حس بالتوتر وقال:
“في مشكلة؟”
ابتسمت وأنا باصة لآدم.
“لا خالص… دي مجرد زميل في الشغل.”
الكلمة نزلت عليه تقيلة.
زميل.
بصلي ثواني، وعينه اتغيرت.
أما أنا فلفيت لعمر.
“يلا.”
ركبت مع عمر، وقبل ما الباب يقفل لمحت آدم واقف مكانه… ساكت، لكن غيرته كانت باينة جدًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في العربية، عمر بصلي باستغراب.
“مين ده؟”
“المدير بتاعي.”
“مدير؟”
“آه.”
ضحك.
“واضح إنه مدير متضايق.”
بصيت للشباك أخبي ابتسامتي.
عمر كان قريب مننا من زمان، ابن خالتي، ودايمًا بيعتبرني أخته. شغال مهندس وهادي ومحترم.
قال بعد شوية:
“نور… لو حد مضايقك هناك، سيبي الشغل.”
“لا، الموضوع مش كده.”
“أومال إيه؟”
سكت… لأني أصلًا مش فاهمة هو إيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم أول ما دخلت الشركة، لقيت الجو كله مشدود.
الموظفين ساكتين، والكل بيتكلم همس.
سألت زميلتي منى:
“في إيه؟”
قالت وهي هامسة:
“الأستاذ آدم داخل من الصبح مولع في الكل.”
عرفت السبب… وابتسمت من جوايا.
بعد نص ساعة، جالي اتصال.
“الأستاذ آدم عايزك حالًا.”
دخلت مكتبه بهدوء.
كان واقف عند الشباك، ضهره ليا.
“اتفضلي اقفلي الباب.”
قفلت الباب.
لف ببطء، ووشه جامد.
“مين عمر؟”
رفعت حاجبي.
“حضرتك مستدعيني علشان كده؟”
“جاوبي.”
“ابن خالتي.”
ملامحه هديت سنة، لكن قال:
“وبيوصلك ليه؟”
“علشان راجل محترم.”
قرب مني خطوة.
“وأنا لأ؟”
ابتسمت بسخرية.
“إنت؟ إنت راجل بيقفل باب الشركة علشان واحدة تركب عربيته.”
قرب أكتر، لحد ما قلبي بدأ يدق.
“أنا راجل بيغير.”
سكتُّ.
كمل بصوت واطي:
“وبيحاول بكل الطرق يخبي ده.”
قلت بثبات:
“وأنا مالي؟”
“مالك؟”
قرب لدرجة حسيت بأنفاسه.
“لأنك السبب.”
رجعت خطوة لورا.
“لو سمحت… في حدود.”
بصلي لحظة، وبعدها بعد فجأة.
“تمام.”
راح لمكتبه، وفتح ملف.
“خدي ده واطلعي.”
أخدت الملف ومشيت، لكن قبل ما أوصل الباب قال:
“نور.”
لفيت.
“متروحيش مع عمر تاني.”
ابتسمت.
“وأنت مالك؟”
وخرجت.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الأيام اللي بعد كده بقت حرب باردة.
أنا أروح مع عمر يومين.
آدم يجنن الشركة كلها.
يطلبني عشر مرات.
يكلمني رسمي قدام الناس، ويزعقلي على أتفه حاجة.
وفي نفس الوقت، لو تعبت أو اتأخرت، أول واحد يلاحظ.
في يوم كنت مرهقة جدًا، ووشي باين عليه التعب.
دخلت المكتب، لقيته قال بحدة:
“إنتي متأخرة.”
اتنرفزت.
“كنت تعبانة.”
سكت، وبصلي كويس.
“مالك؟”
“قولتلك تعبانة.”
قرب فجأة وحط إيده على جبيني يقيس حرارتي.
اتجمدت مكاني.
“إنتي سخنة.”
بعدت إيده بسرعة.
“متلمسنيش.”
وشه اتقفل.
“أنا قلقت.”
“وأنا مطلبتش.”
راح ضغط زر وقال للسكرتيرة:
“هاتيلها دكتور حالًا.”
صرخت:
“أنا مش عيلة صغيرة!”
قال وهو باصصلي:
“بالنسبالي آه.”
قلبي خانني وسكت.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بالليل، كنت في البيت، سمعت خبط على الباب.
فتحت…
لقيت آدم.
اتصدمت.
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
قال بهدوء:
“جبتلك دوا.”
“عرفت عنواني منين؟”
رفع حاجبه.
“نسيتي أنا مين؟”
“وده يديك الحق؟”
مد إيده بكيس الدوا.
“خديه.”
“مش عايزة.”
“نور، متعصبنيش.”
“وإنت متدخلش حياتي.”
في اللحظة دي ماما خرجت.
“مين يا كوكب؟”
أول ما شافته، آدم اتعدل فورًا.
“مساء الخير يا طنط.”
ماما بصتله وبعدين ليا.
“ده مين؟”
قبل ما أتكلم، قال بثقة:
“آدم… زميل نور.”
ماما ابتسمت.
“اتفضل يا ابني.”
بصيتله بصدمة.
وهو دخل… وكأنه مستني الدعوة من زمان.
آدم دخل الصالون بكل ثقة، وأنا واقفة وراه مصدومة.
همستله بعصبية:
“إنت داخل على فين؟”
رد من غير ما يبصلي:
“على البيت… واضح.”
ماما كانت فرحانة بوجود ضيف، وقالت بسرعة:
“اتفضل يا ابني اقعد، أنا هجيب عصير.”
أول ما دخلت المطبخ، لف ناحيتي فورًا.
قرب مني خطوة، وأنا رجعت لورا.
“إنت مجنون؟”
قال بهدوء وهو بيبص في عيني:
“ممكن.”
“جاي لحد البيت ليه؟”
“علشان من الصبح مش راضية تردي.”
“وأرد عليك ليه؟”
“علشان أنا بقالي ساعتين واقف تحت.”
اتخضيت.
“واقف تحت!؟”
“آه.”
“ليه؟”
قرب أكتر، وصوته بقى أوطى:
“مستنيكي تبصي من البلكونة… زي زمان.”
اتلخبطت.
“إنت فاكر حاجات كتير أوي.”
“أنا منسيتش حاجة أصلًا.”
سكتت، لأن قلبي بدأ يدق بسرعة.
ماما خرجت بالعصير، فقعدنا.
آدم كان بيتكلم معاها بمنتهى الأدب، وأنا ببصله بعدم تصديق.
“إنت منين يا ابني؟”
“من هنا يا طنط… بس كنت مسافر سنين.”
“وشغال مع نور؟”
بصلي بطرف عينه وقال:
“آه… قريب منها جدًا.”
كحيت بعصبية.
“قريب في الشغل يعني.”
ضحك بخفة، وماما بصتلنا باستغراب.
بعد شوية قام يمشي.
وقف عند الباب، وبصلي.
“ممكن أوصلك بكرة؟”
قلت بسرعة:
“لا.”
قال لماما:
“أنا هاخدها الصبح يا طنط.”
صرخت:
“مين قالك؟”
ماما بابتسامة:
“خلاص يا كوكب، اهو بدل المواصلات.”
بصلي بانتصار وخرج.
وأنا كنت عايزة أخبط الباب في وشه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم، نزلت بدري جدًا علشان أهرب منه.
لقيته واقف تحت العمارة فعلًا… سانِد على عربيته، ماسك قهوة.
أول ما شافني، ابتسم.
“صباح الخير.”
“إنت مبتزهقش؟”
“منك؟ مستحيل.”
“أنا نازلة بدري علشان أهرب منك.”
ناولني القهوة.
“وأنا جيت بدري علشان أمنعك.”
رفضت آخدها.
مسكها قدامي وقال:
“من غير سكر… زي ما بتحبي.”
بصيتله باستغراب.
“لسه فاكر؟”
“قولتلك… فاكر كل حاجة.”
خدت القهوة من غير ما أحس.
ابتسم بانتصار.
“اركبي.”
ركبت وأنا متعصبة
من نفسي.
في الطريق فضل ساكت شوية، وبعدها قال:
“ليه عمر بيتصل بيكي كل يوم؟”
ضحكت.
“بتغير؟”
“آه.”
قالها بسهولة خلتني أبصله.
“بصراحة كده؟”
“معنديش رفاهية اللف والدوران معاكي.”
“وأنا مالي بغيرتك؟”
وقف عند إشارة، ولف ناحيتي.
“لأنك المفروض تعرفي.”
“أعرف إيه؟”
قرب وشه شوية، وقال بصوت هادي:
“إنك الوحيدة اللي بتستفزني… وبتريحني… في نفس الوقت.”
اتوترت وبصيت للشباك.
“ركز في السواقة.”
ضحك.
“هربتي.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في الشركة، كنت بحاول أتجاهله.
لكن طول اليوم كان بيتعمد يعدي من قدامي.
مرة يطلب ملف، مرة قهوة، مرة سؤال تافه هو أصلًا عارف إجابته.
آخر اليوم، استدعاني مكتبه.
دخلت لقيته قافل اللابتوب وواقف.
“خير؟”
“إقعدي.”
“مستعجلة.”
“هعطلك خمس دقايق.”
قعدت متحفزة.
قرب وقعد قدامي، قريب جدًا.
“ليه كل ما أقربلك تهربي؟”
“وأنت ليه كل ما أهدى تيجي تبوظلي هدوئي؟”
“علشان أنا مش عايز هدوء.”
“وأنا عايزاه.”
هز راسه.
“كذابة.”
اتنرفزت.
“نعم!؟”
“لو عايزة هدوء فعلًا، مكنتيش بصيتيلي امبارح من الشباك مرتين.”
اتسمرت.
“إنت شفتني؟”
ابتسم ببطء.
“كنت مستني.”
وشي سخن من الإحراج.
“إنت متخلف.”
“ومهووس بيكي.”
سكتُّ.
قالها من غير هزار.
عينه كانت ثابتة عليا، وصوته هادي جدًا.
“من وأنا عندي 17 سنة… وأنا بحاول أنساكي.”
قلبي اتقبض.
“وليه مجتش؟”
“كنت كل ما أقرر أرجع… أخاف.”
“تخاف من إيه؟”
“ألاقيك نسيتي.”
صوته كان صادق لدرجة وجعتني.
قلت بعزة نفس:
“وحتى لو نسيت… كنت تستاهل.”
هز راسه.
“أستاهل.”
سكتنا لحظة.
بعدين مد إيده ناحيتي، ولمس طرف صوابعي.
اتسحبت بسرعة.
“آدم.”
قال بهدوء:
“أنا تعبت من المسافات دي.”
“وأنا تعبت من التأخير.”
قام من مكانه فجأة، ووقف قدامي.
“طب قوليلي أعمل إيه.”
“ولا حاجة.”
“كذابة.”
“بطل تقولها!”
“لأن عينك بتقول غير كلامك.”
قلبي كان بيدق بعنف.
“لو سمحت… ابعد.”
“ولو مبعدتش؟”
“همشي.”
“جربي.”
لفيت فعلًا أمشي، لكنه مسك إيدي بسرعة.
شدني ناحيته بخفة…
بقيت واقفة قدامه مباشرة.
أنفاسنا قريبة، وقلبي هيقف.
قال بصوت واطي جدًا:
“قوليلي تبعدني… وأنا أبعد.”
حاولت أتكلم…
ماعرفتش.
باب المكتب خبط فجأة.
اتبعد فورًا، وقال ببرود:
“ادخل.”
دخلت رانيا.
بصتلنا، وعرفت فورًا إن في حاجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!