وليه حلف إنّي لازم أخدها ؟!!!
طيب معقول يكون الراجل اشترى فاكهة وحد حط الجمجمة مكان الفاكهة ؟ ويطلع مين الراجل ده أصلا ؟
ورجعت أفكر في السؤال الرهيب تاني :
ـ هو ازاى وصف لى مكان المستشفي بدقة رغم إنه عمره ما دخل القرية ؟
بدأت أركز في الحروف المكتوبة ، بين فكّي الجمجة شفت حرفي ( الألف واللام ) ، وفى الحقل شفت ورقة فيها حرف ( الباء ) وحرف ( الشين ) ، الموضوع سهل يا راغب ، أه نسيت أعرفكم بنفسي ، اسمي راغب ، وبيقولولي يا دكتور راغب ، ومش هحكي عن نفسي كتير ؛ لأن معظم اللى بيحكوا عن نفسهم بيكونوا نوعين :
النوع الأول مريض نفسي ، والنوع التاني بيكون له انجازات كتير وحياته كلها لقاءات واجتماعات وتصريحات ، مليانة أحداث مهمة ، وأنا بفضل الله لا أنتمي لأي نوع منهم ، عامة مع الأحداث هتعرفوني أكتر ، واتركوني أركز شوية وأفهم الراجل بتاع القصب عايز يقول إيه .
فضلت أجمّع في الحروف ، الحروف كلها كانتْ مكتوبة بنفس الخط ، الحروف كلها بنفس اللون ، يعني الراجل عايز يوصّلني رسالة ، طيب أنا محتاج أرتب أفكاري ، ومحتاج أرتب الحروف ؛ علشان أوصل لكلمة مفيدة يكون فيها رسالة أو تحذير ، ولمّا رتّبتُ الحروف بكذا طريقة لقيت عندي الكلمات دي :
ـ ( بشال ) ودي ملهاش أي معني ،
ـ ( الشب ) برضة ملهاش أي معني ،
ـ ( شابل ) إيه شابل دي هي كمان ؟!
ـ ( لابش ) لابش هدومه ولا قالع وأنا مالي ؟!
بس وأنا بجرّب ترتيب الحروف لاحظتُ إنّي لو خليت ( أل ) تبقي ( لا ) ممكن أوصل لمعني ، طيب الجملة كانت بتقول :
ـ (البــاء والشــين بينهما حرفان ستجدهما بين الفكّين ) .
وفعلا أنا لقيت الحرفين في الورقة اللى بين فكي الجمجمة ، يعني المفروض أبدأ بحرف ( الباء ) وانتهي بحرف ( الشين ) وأضع بينهما حرفي ( لا ) مش حرفي ( أل ) ، بإختصار الراجل بتاع القصب عايز يحذرني ويقولي ( بلاش ) ......
أيوه الكلمة المقصودة هى كلمة ( بلاش ) ،
ابتسمت لمّا افتكرت الست اللى كانت تصر على نزول ( البادروم ) في مسرحية ريّا وسكينة ، ساعتها العبقرية سهير البابلي قالتْ بصوت مسلوخ ( ما بلاش ) ، ويبدو إنّي داخل على كوارث ومصائب ، والراجل ده ظهر في طريقي علشان يقولّي ( بلاش ) ، عامة أنا مش بصدق الحاجات دي ولازم أنسى الموضوع وأحاول أفهم الحياة هنا هتمشى ازاى وأتكيف مع حياة القرية لحد ما الأستاذ مدحت يكلّم حد من معارفه ويرجعني إسكندرية تاني ، والأستاذ مدحت عضو مجلس شعب في محافظة الإسكندرية ، المهم أخفيتُ الأوراق والجمجمة في حقيبة ملابسي ونمت .
مع شروق الشمس سمعتُ مّنْ يطرق باب حجرتي ، وشفت قدّامي راجل خمسيني طويل القامة يرتدي جلبابا فاتح اللون وعلى رأسه طاقية عليها ( شال ) ناصع البياض وقال مرحبا :
ـ أهلا يا دكتور ... نورت سوهاج كلها والله .
مكنتش عارف مين ده ويعرفني ازاي ، بس لمّا ركزت وطردتُ بقايا النوم من عنيا افتكرت إنْ ده المفروض يكون التمرجي ، قلتُ :
ـ عم متولي ؟ صح ؟
قال وهو بيأمر فتاة في عمر السابعة عشر بالدخول :
ـ تعال يا دكتور نشرب القهوة بره عبال ما البت توضّب الأوضة لحضرتك .
قلتُ بسرعة :
ـ لا لا مش لازم تتعبها يا عم متولي ، هنوضبها أنا وأنت .
قال معترضا في إصرار :
ـ والله لا يمكن ... يا خبر يا دكتور ..
وأكمل كلامه للفتاة :
ـ يلا يا نورا عاوز الأوضة تلمع .
البنت المسكينة دخلتْ الأوضة وأنا قلتُ لها :
ـ طيب يا نورا خلى شنطة الهدوم زى ما هي ... ولمّا تخلّصي أنا هرتب هدومي بنفسي .
البنت قالتْ :
ـ أمرك يا بيه.
كنت حريص إنْ محدش يشوف الجمجمة لحد ما أعرف حكايتها ، المهم نزلت مع عم متولي ، واحنا بنشرب القهوة سمعته عم متولي بيقول :
ـ متقلقش يا دكتور ... محدش بييجي المستشفي كتير ... يعني يدوبك كل يوم مريض ولا أتنين .
قلتُ :
ـ ليه ؟!! انتو هنا مش بتمرضوا ولا إيه ؟
عم متولي ضحك طويلا مجاملة لي وقال :
ـ هو فيه حد مش بيمرض يا دكتور .
كانتْ الساعة 7 صباحا واحنا بنتكلم والجو كان سقعة شديدة والدنيا سكوت كأن القرية دي مفيش فيها بشر ، بس فجأة سمعنا صوت سيارة إسعاف بالخارج ،علشان كده عم متولي نهض في فزع لدرجة إن أسقط فنجان القهوة على الأرض وهو بيقول :
ـ إسعاف ؟!!! يا ساتر يارب .
قلتُ في غيظ :
ـ مالك يا عم متولي ؟!... مستغرب ليه ؟ احنا في مستشفي وطبيعي إننا نسمع صوت إسعاف .. ولا احنا شغالين في وزارة الزراعة !
قال وهو بيجري للخارج :
ـ وحياتك يا دكتور عمري ما شفت إسعاف تيجي هنا ..دا أكيد تايهين .
المهم الراجل اختفي ورجع لى بعد شوية وهو بيقولي :
ـ اتنين جايين في حادثة ...أنا هعملهم تحويل لمستشفي جامعة سوهاج علشان احنا هنا وحدة صحية صغيرة معندناش إمكانيات لإستقبال الحالات دي .
قلتُ في غضب واضح :
ـ تمام وأكشف عليهم بالمرة عبال ما أكون روقت الاوضة مع نورا .
قال :
ـ حاضر يا دكتور .
الراجل لم يفهم سخريتي فقلتُ بسرعة قبل ما ينصرف :
ـ أنت تيجي ورايا من سُكات ...لازم أشوف الحالة بنفسي .
ونزلت بسرعة للطابق الأرضي وعم متولي بيتدحرج ورايا وهو بيقول :
ـ يا ساتر يا رب .
كنتُ متوقع إنها حادثة بسيطة حصلتْ بسبب خناقة بين اتنين بسبب الزرع زى ما بشوف في التليفزيون ، يعني شوية جروح نخيطها ولا هنحتاج أشعة ولا غيره ، بس لمّا عم متولي فتح عربية الإسعاف من الخلف وشفت المنظر حسيت بشعر رأسي بيقف من الرعب ، المنظر ده شفته قبل كده ، اللى في سيارة الإسعاف دول هم الفتاة والسيدة اللى شفتهم ممدين على الاسفلت في الحادثة ، سألتُ المسعف بسرعة :
ـ دى الحادثة بتاعت امبارح بالليل على الطريق الزراعي أسيوط سوهاج . صح .
أجاب :
ـ أيوه بس الحادثة يدوبك من ساعتين ؟
قلتُ في تعجب :
ـ ساعتين ازاى ؟
قال :
ـ البلاغ وصلنا الساعة 6 الصبح يا دكتور ووصلنا مكان الحادثة الساعة 6 ونصف .
ازاى طيب والحادثة حصلت تقريبا الساعة 2 ونص بالليل ؟!
فيه حاجة غلط ، جايز تكون حادثة غيرها ، قرّبت من السيدة والفتاة ودققتُ النظر وأتاكدتُ إنهما نفس الفتاة والسيدة اللى شفتهم على الاسفلت ، زى ما هم بدون نبض ولا حركة ، المشكلة إنْ اللى قدّامي دول مجرد جثتين ، يعني لا هتنفع فيهم جامعة سوهاج ولا جامعة أسيوط ، وبسرعة طلبتُ من عم متولي إثبات استقبال الحالتين وقمتُ بتحويلهما إلى مستشفي سوهاج الجامعي رغم إني متأكد إنهم جثتين ، لاحظت إنْ عم متولي بينظر لي بغباء ؛ فقلتُ له :
ـ إيه ؟ احنا هنا وحدة صحية صغيرة معندناش إمكانيات لإستقبال الحالات دي .
وأخدت بالي إنّي عملت اللى كان عايز يعمله عم متولي ، يعني لو أنا قاصد أسببله شلل رباعي مش هعمل كده ، بس عادي هو يستاهل ، المهم سيارة الإسعاف غادرتْ ، ورجعتُ لعم متولي وطلبتُ منه يجهزلي أوضة الكشف ويُطْلعني على كل دفاتر الاستقبال في أخر شهر .
وأنا في أوضة الكشف الفقيرة مكنتش عارف أفسر اللى حصل ، أنا لسه مخلصتش من الراجل بتاع القصب ، تطلع لي حكاية الفتاة والسيدة ، وعلى الساعة 9 صباحا عم متولي استأذن منّي وغادر ووعدني إنّه هييجي الساعة 4 العصر ، طبعا كنت أكبر مغفل ؛ لأنّي اكتشفتُ في الأيام التالية إنْ عم متولي عبارة عن مستشفي متنقلة ، سيارة إسعاف متنقلة ، بيكشف ويشخّص ويداوي ويخيّط ويجبّس ويولّد ، ومش ناقص بس غير إنّه يُجري عمليات قلب مفتوح ، وكل ده بأدوات بدائية غير معقّمة ، وفى الأيام التالية شفته مرة في سوق القرية المزدحم بيخيط جرح عميق في رأس أحد أهل القرية إثر معركة بالشوم والعكاكيز ، وعايزكم تتخيلوا الموقف ، في السوق وسط البياعين والإزدحام عم متولي بسلامته بيخيط جرح عميق في رأس أحدهم بإبرة طبية من عصر البطالمة في الهواء الملوث وازدحام الناس على بائع البطاطا ، والراجل بيصرخ ويتألم ويقوله ( خف إيدك شوية يا متولي ) .
الغريب إن الراجل المُصاب بعد ما تم تخييط رأسه انصرف إلى بائع البطاطا ودبّتْ بينهما خناقة كبيرة لأن البائع خدع الرجل المُصاب الأسبوع الماضي وباع له بطاطا مش معسلة أوي .
المهم طالما عم متولي شغال باطنة وأسنان ونسا وتوليد يبقى استحالة حد ييجي يعبرني فى المستشفي .
اليوم هنا في الصعيد طويل جدا وممل جدا ، مفيش ترفيه ، وأنا ابن إسكندرية منذ نعومة أظافري ، إسكندرية تلك المدينة التي تجبرك جبرا أن تكون حالما مرهف الحس رقيق الحاشية ، البحر والرملة والنوّة والعجمي والعصافرة والشوارع اللى بتسهر لحد الصبح ، وفجأة ألاقي نفسي في قرية بتنام بعد صلاة العشاء ، والحاجات دي مكنتش أصعب حاجات تحصلي هنا ، لكن لسه قصتي فيها مفاجأة مش هتخطر على بال إنسان .
بعد ما تركني عم متولي فضلت في غرفة الكشف لحد الساعة 2 بعد الظهر وحيدا ، كنت مرة أقوم بعد أصابع يدي من الملل ، مرة تانية أخرج أتمشى داخل المستشفي ، لحد ما نزلتْ نورا وأخبرتني إنها انتهتْ ، ولمّا صعدت غرفة المبيت لقيتها رغم قدمها لكنها تحوّلتْ إلى قطعة من الجنة ، وكأن البنت المسكينة دي معاها عصاية ساحر حولتها لحجرة مريحة ، ناديت عليها وحطيت فى إيدها 200 جنية ، وكانتْ مبلغا فادحا وقتها ، متنسوش إن كل الأحداث دي حصلتْ عام2005 م، البنت المسكينة كانتْ رافضة رفض غريب وقالتْ :
ـ ميصحش يا بيه ... حضرتك برضك ضيف عندنا .
قلتُ :
ـ لا مش ضيف ... وخدي الفلوس بقا أحسن أخليكي تكركبي الأوضة تاني .
وبعد إصرار منّي ابتسمتُ نورا وأخدت المال وانصرفتْ .
الساعة 4 عصرا نزلتُ أتمشى في القرية أدوّر على اى سوبر ماركت أشتري حاجة للغداء ، بس سوبر ماركت ايه هنا ؟!
ودى كانت أول مرة أتجول فيها في القرية ، القرية مساحتها مش كبيرة وأنا مش عايز أرهقكم بوصف القرية وموقعها الجغرافي ، بس مهم انكم تعرفوا شوية حاجات لانها هتتبني عليها احداث رهيبة فى حياتي ، القرية تطل على النيل شرقا ، غربا الجبل الغربي ، القرية زيها زي اى قرية بتعتمد على الزراعة فقط ، التجارة هنا متمثلة في بيع ما يحصده ويجنيه أهل القرية من ثمار وخضروات ، المهم وأنا بتمشي في القرية كانتْ الناس تنظر لي نظرات طويلة غريبة ، وكنتُ بسمع همسات بتقول :
ـ الحكيم الجديد .... إنه صغير السن .
وأنا بدور على اى دكان أو مطعم شفت بالصدفة نورا ، لمّا شافتني جريت نحوي كأنها طفلة وقالت :
ـ البيه الدكتور ... يا مرحب ... بتدوّر على حاجة .
قلتُ :
ـ والله يا نورا قريتكم دي غريبة ... تخيلي بقالي نص ساعة بدوّر على مطعم مش لاقي .
قالت وهي بتضرب صدرها بيدها :
ـ يا عيب الشوم يا بيه ... تدور على مطعم وأنت في بلدنا ... نص ساعة والأكل يكون عندك يا بيه .
قلتُ في جهل :
ـ هتشتري الأكل منين ؟
أجابتْ في ابتسامة صافية :
ـ اشترى إيه يابيه ؟!... حضرتك بس تفضل وأنا هجيبلك الأكل لحد عندك .
بعد نص ساعة وأنا فى المستشيفي شفت نورا جايبة صينية طعام تحملها فوق رأسها ، كنت مستغرب على مدي جدعنة الفتاة وكرمها ، ولمّا حلفت عليها تاخد فلوس مقابل الأكل ده أصرت كالعادة بل اتهمتني بالبخل ؛ لأني أريد دفع مقابل للطعام ، وبقيت نورا حاجة حلوة في حياتي بس فهمت ده في وقت متأخر ، متأخر أوي .
بعد شهر كان فيه مؤتمر صحفي لتغطية افتتاح مبني الأورام بمستشفي سوهاج ، وكنت هناك ، وبعد انتهاء الافتتاح اللى حضره وزير الصحة والمحافظ ووكيل الوزارة وعميد كلية الطب بسوهاج تعرفت على طبيب خفيف الظل اسمه دكتور ( بهجت ) في قسم الطب الشرعي ، ونشأتْ بينا صداقة سريعة ؛ لأنه طلع من إسكندرية ، المهم أخدني معاه للمشرحة ، بصراحة في الأول استغربت ليه طلب منّي أروح معاه المشرحة ، المهم الدكتور بهجت قال :
ـ هحكيك حكاية غريبة يا دكتور راغب ... هنا في المشرحة من شهر تقريبا حصلتْ معجزة ... جثة عادت للحياة ... وأجرينا ليها 4 عمليات خطيرة .... وحاليا هي في قسم العظام .
الدكتور بهجت عن الكلام ونادي على ( شحاته ) ، ودخل علينا راجل عجوز وشه مكرمش ونحيف جدا ، الدكتور بهجت طلب منه يعملنا قهوة ومال نحوي وهمس فى أذني :
ـ عمك شحاته مغسل المشرحة ، راجل عجوز اه بس قلبه ميت ، ودا اللى عاجبني فيه .
حسيت برهبة تسللت لقلبي وقلت :
ـ ما تيجي نشرب القهوة في مكان تاني يا دكتور .
قال :
ـ القهوة لها طعم تاني وسط الجثث المقتولة والمحروقة يا مان ... المهم سيبني أكملك الحكاية .. من شهر تقريبا كنتُ في إجازة ولمّا رجعتُ لقيت الجثة في التلاجة من 24 ساعة ، فى الحقيقة هي مش جثة ، هم جثتين ، بنت وأمها ، وقبل ما أبدأ التشريح في الفتاة لاحظت إن عيونها بترمش ، أعتقدتُ إنها تهيؤات ، أنا متعود على الحاجات دي في المشرحة ، بس سمعت الفتاة بتقول في ألم أنا فين .
وهو بيحكي بدأت أسرح في خواطري ومش عارف ليه حسيت إن كلامه ده مألوف بالنسبة لي ، وبسرعة نهضتُ وطلبتُ منه ياخدني لقسم العظام علشان أشوف البنت وأمها ، الدكتور كان مستغرب من إصراري وطلبي المفاجئ ، بس وافق أخيرا ، وفى الممر بدأ يشاور الدكتور بهجت على البنت وأمها ، كانتْ كل واحدة فيهم راقدة علي سرير بس واضح إن حالتهم الصحية كويسة أوي ، وزي ما الأذكياء منكم توقعوا ، البنت وأمها كانوا هم الفتاة والسيدة اللى شفتهم ممدين على الاسفلت ساعة وقوع الحادثة على الطريق الزراعي بعد منتصف الليل .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!