الفصل 3 | من 10 فصل

رواية قرية المنسيين الفصل الثالث 3 - بقلم السيد عبدالكريم

المشاهدات
14
كلمة
1,573
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

رجعتُ للوحدة الصحية في القرية ومنظر الفتاة مش مفارق خيالي ، كانتْ راقدة على السرير وبتقرأ في كتاب بين ايديها ، شعرها كان نازل على الناحية اليمين من وشها بس قدرت أشوفها كويس ، فتاة سن العشرين غضة البشرة مستديرة الوجه ، شعرها كان بني اللون بيحجب جزء من خدها المضيء ، كنتُ بنظر ليها كأنّي مسحور لدرجة إن الدكتور بهجت لاحظ شرودي وسألني إذا كنت بخير ، وقال :

ـ فعلا هي حالة تستحق الدراسة .

منظر الفتاة اللى وصفته ده مش بيفارق خيالي ، مين الفتاة دي ؟!

وازاى كانتْ بلا نبض ومعظم جمجمتها متهشمة ؟!

طيب لو أنا واهم فالدكتور بهجت مش واهم ، هفترض إني مكنتش عارف أشخصها كويس ساعة الحادثة ، طيب أطباء مستشفي الجامعة شخصوها على إنها جثة ونقولها للمشرحة ، التعبير اللى قاله الدكتور بهجت تعبير رهيب ( جثة عادت للحياة ) ، عارف إن مفيش جثة بتعود للحياة بس ده تعبير طبي مجازي بيتقال لمّا تحصل حاجة خارقة للعادة ، عدد لا بأس به من كبار الأطباء تحدثوا عن إن الروح بتغادر الجسد أثناء العمليات الخطيرة والحوادث البشعة ، ساعتها الروح بتكون طايرة أعلى المكان وبتشوف كل حاجة ، والمريض بعد العملية بيحكي كل اللى حصل معاه وبيوصف بدقة حركات الأطباء وهم بيطلّعوا قلبه ، واللى تعرّض لحادثة بيوصف بدقة ازاى الحادثة حصلتْ وازاى الناس جريوا ناحية جثته وطلّعوها من السيارة مثلا ،

التجربة دي ( n d e ) اختصار لــ ( near death experience ) يعني تجربة الاقتراب من الموت ، أنا مش عايز أرهقكم بالمصطلحات الطبية الجافة ، بس ده أقرب تفسير للى حصل مع الفتاة وأمها ، كنت غارق في أفكاري لمّا سمعتُ صوت رقيق بينادي :

ـ يا دكتور .

وشفت نورا جايه من بعيد وعلى رأسها صينية طعام مغطاة ، قلت :

ـ انتي بتتعبي نفسك يا نورا أوي ... أنا خلاص بقيت واحد من القرية ... وكرم الضيافة ده زاد عن حده ... انتو إكرام الضيف عندكم سنة ولا إيه ؟!

أجابتْ :

ـ بصراحة يا بيه أنا مش فاهمة كل كلامك بس حضرتك ضيف عندنا .

قلتُ :

ـ أيوه ضيف ..بس فترة الضيافة خلصت ... وانتي بترفضي تاخدي فلوس ... وعلى فكرة أنا بعرف أجهز أكل لنفسي ...أنا أساسا كنت عايش لوحدي فى إسكندرية .

قالتْ :

ـ خلاص يابيه ولا تزعل نفسك ... بكرة وبعده مش جاية علشان هكون مع بنت خالتي فرحها يوم الخميس الجاي ...وهبقي مشغولة معاها .

قلتُ :

ـ عقبالك يا نورا .

أحمر وجهها ونظرتْ للأرض ولم ترد ، نورا فتاة على مشارف الثامنة عشر من عمرها ، سمراء رشيقة ورغم أنها ممكن تكون غير متعلمة لكن عنيها بيلمع فيهم ذكاء شديد ، ملابسها قروية ، وشعرها أسود متموج ، رغم أنها بتغطي شعرها لكن كنت بشوف ضفيرة سوداء طويلة متدلية على ظهرها ، نورا كانتْ أقرب شخص لي طوال الأيام اللى فاتت ، كانتْ حريصة كل الحرص على نظافة حجرة المبيت وإحضار وجبة الغداء يوميا ، والأكل من ايديها شهي بيذكرني بطعام والدتي رحمها الله ، المهم قلت ليها وأنا بمضغ الطعام :

ـ انتي متعلمة يا نورا ؟

أجابتْ :

أطبعا يابيه ... أنا رحت المدرسة لحد 3 إعدادي .

قلتُ :

ـ طيب ليه مكملتيش ؟

أجابتْ :

ـ طول عمري يتيمة الأم ، ولمّا وصلتُ 3 إعدادي مات أبويا ، وكان لازم اسيب المدرسة وأشتغل علشان اخواتي .

قلتُ في تأثر :

ـ بس فيه فرصة تكملى تعليم ... الشغل مش عيب ...ممكن تتعلمي وتشتغلى فى نفس الوقت .

قالت بصوت ممدود وهي شاردة :

ـ فات الأوان يا بيه .

جملتها دي هتفضل محفورة فى دماغي لحد م أموت ( فات الأوان يا بيه ) ، الجملة دي هي أصدق عنوان يعبر عن الحياة اللى تنتظرني هنا ، المهم بعد جملتها دي ساد صوت طويل بينا ، مكنتش عارف أقول إيه ، البنت في سنها ده وبتصرف على اخواتها ، وتذكرت اليوم اللى كنت فيه في 3 ثانوي ووصلني خبر وفاة أبي وأمي إثر حادثة سيارة ، وعشت بعدها وحيدا حتى الآن ، بس الفرق بيني وبين نورا إن نورا بتصرف على أسرة كاملة ، يعني هي الأب وألام والأخت ، أمّا أنا فعمي ساعدني في مصاريف الدراسة لحد ما تخرجت من الطب ، المهم حاولت أطلع نورا من الذكريات الأليمة دي وقلتلها :

ـ ومش ناوية تعزميني على فرح بنت خالتك ولا إيه ؟

قالتْ وقد تلألأ وجهها :

ـ يا خبر ...طيب والله يا دكتور كنت ناوية أعزم حضرتك بس كنت مترددة .

قلتُ :

ـ مترددة ليه ؟

قالتْ :

ـ خايفة متجيش ... يعني حضرتك مشاغلك كتير واحنا مش قد المقام .

كنتُ قد انتهيتُ من تناول الطعام وتوجهتُ ناحية المطبخ وغسلت ايديا ورجعتُ لنورا وأنا بقول :

ـ أوعي تقولي كده تاني ... أنا هكون أول واحد هيحضر الفرح .. وهحضره علشانك انتي بس .

البنت فرحت أوي لدرجة إنها مكنتش عارفة ترد وحسيتها بتترعش وهي بتحمل الصينية اللى عليها بقايا الطعام وانصرفت ، بعدها قررتُ في نفسي إني أساعدها .

تاني يوم طبعا نورا مجتش ، أول حاجة عملتها الصبح نزلتُ سوق القرية واشتريتُ فرخة وبدأتُ في المهمة الصعبة ، مهمة طهي الدجاجة وتقسيمها على الأسبوع ، ونزلت غرفة الكشف ، كان بييجي مريض أو اتنين كل يوم فعلا زي ما قال عم متولي ، وباقي اليوم فاضي مش بعمل حاجة غير إني بتنقل من غرفة الكشف لغرفة المبيت وأحيانا أقعد في الحديقة الخلفية للمستشفي ، طبعا الفترة اللى بيقعدها معايا عم متولي كان يصدعني بالكلام عن تاريخ القرية وازاي انتصرت في معارك كتير على القرى المجاورة وازاي قري الجبل الغربي بيحسدوهم على النيل والسوق والمدرسة الابتدائية والإعدادية ، وقال وسط كلامه :

ـ وكله كوم وستديو التصوير اللى فتح جديد كوم يا دكتور ... كل أهل القرى بييجوا علشان يتصوروا عندنا ...بس المشكلة إن ستديو التصوير ده قريب من بيت الغمراوي المهجور .

طبعا هو قال كده علشان أسأله عن بيت الغمرواي المهجور وفضل ساكت مستني أقوله ( ياه بيت مهجور ..احكيلى عنه أبوس ايدك يا عم متولي ) ، بس أنا حبيت أشله ؛ فقلتُ له :

ـ طيب والله ما هسألك عن بيت الغمرواي المهجور .

قال في غباء :

ـ من غير ما تسأل أنا هقولك .. اه دا مهجور من زمان من ساعة الحريقة ... من ساعتها محدش بيقدر يهوب ناحيته ...رغم إن اشتراه واحد من أعيان القرية وجهزه وخلاه فيلا زي الفيلل اللى بنشوفها فى البندر ..بس سابه وسافر لمّا عرف إنه مسكون بالعفاريت .

عم متولي كان منتظر منّي رد بس لم أرد فنظر ناحيتي وقال :

ـ دا بيت يخوّف أوي يا دكتور .

قلتُ في ملل :

ـ طيب مترحش هناك يا عم متولي .

ليه عم متولي بيحكي قدّامي قصص تخوف ؛ لأني لمّا جيت القرية جديد وقعتُ في خطأ كبير ، الخطأ إني حكيت لعم متولي إني خايف من الصعيد ومن الحاجات اللى بتحصل في الصعيد ، وإنّي كنت بشوف في مسلسلات التليفزيون إن الناس في الصعيد بيقتولوا بعض لأقل سبب ، وطبعا هو استغل الاعتراف ده ومن ساعتها كل يوم يحكي لي حكاوي غريبة عن العفاريت والبيوت المسكونة علشان يخوفني ، في الأول كنت بصدقه ، بس بعد كده فهمته وحفظته ، المهم لمّا قلتله طيب مترحش هناك يا عم متولي قال :

ـ انا مبرحش هناك أصلا يا دكتور بس لو عايز أروح هروح ، لإني مش بخاف ... أنا بس بحكي قدّامك أحسن تنسي وتروح .

قلتُ :

ـ لا مش هروح بيت الغمرواي ...واطلع من دماغي بقا وخليك قاعد هنا عبال ما أروح اطّمن على الفرخة زمانها تحرقت الله يخربيتك .

اليوم التالي نزلتُ الصبح لغرفة الكشف وفضلت قاعد لوحدي ، لحد ما أخيرا وصل عم متولي بيتدحرج وهو شايل سندوتشات في ورقة جرايد قديمة وبيقول :

ـ قلت نفطر مع بعض يا دكتور .

قلتُ :

ـ أفطر أنتَ ...أنا شربت وقهوة ومش هفطر دلوقتي .

قال :

ـ نفسي بس أعرف بتصحي ليه بدري يا دكتور ... حضرتك خلاص حفظت القرية ... محدش بييجي يكشف ومحدش بييجي يفتش من الوزارة .

قلتُ :

ـ لا أنا بعمل حسابي ييجي حد مريض تكون أنتَ نسيت تكشف عليه بره في عيادتك المتنقلة يا عم متولي .

قال :

ـ ديما ظالمني يا دكتور .

قلتُ :

ـ بقا يا راجل يا مفتري تقول للناس محدش يروح المستشفي وتكشف عليهم أنتَ علشان قرشين ساغ .

قال وهو يقضم فى بصلة :

ـ عليا الطلاق إشاعات يا دكتور ...محدش عيّان يا دكتور الناس الحمد لله سليمة ومفيش أمراض .

قلتُ :

ـ والراجل اللى كنت بتخيط رأسه في السوق مات ولا لسه ؟

قال وهو بيضحك وبقايا البصل بيتناثر من فمه :

ـ عايش وزى القرد يا دكتور .

قلتُ :

ـ هو أنتَ كنت بتخيّط من غير بنج ؟

أجاب :

ـ بنج إيه يا دكتور ..احنا هنا فى الصعيد عضمنا ناشف مش زيكم يا بتوع بحري ..لا مؤاخذة يعني .

قلتُ في تعجب وأنا بنهض :

ـ عارف أنتَ فيك ميزة كويسة أوي ..ميزة الإقناع ..ازاى بتقنعهم انك دكتور وبيسلموا نفسهم ليك ...دا أنا سمعت انك بتجبس الكسور كمان .

قال :

ـ وهو التجبيس ده حاجة صعبة يعني !

كان ساعتها انتهى من طعامه وقبل ما أتكلم سمعتُ طرقات على الباب ، قلتُ :

ـ ادخل .

ودخلت علينا فتاة شابة بوجه مستدير وشعر بني اللون وقالت :

ـ كشف .

الفتاة هي الفتاة اللى كانت في الحادثة ، كنت فاتح فمي وببرق فيها وأنا مش مستوعب ، بس سمعت عم متولي بيقول :

ـ تفضلي .

عم متولي خرج وتركنا لوحدنا ، هي جات هنا ازاي ؟!!!

أنا تركتها من أيام قليلة في المستشفي ، ممكن يكون دكتور بهجت قالها إني مهتم بحالتها ، ولمّا لاحظت شرودي قالتْ :

ـ بصراحة أنا مش عارفة جاية هنا ليه ... بس شفتك وأنت في المستشفي وعرفت إنك مهتم بحالتي ...سألتُ عنك وعرفتُ إنك طبيب جديد هنا ... كل الأطباء قالوا إني كنت جثة ... وأنا فعلا حاسة إني مش زى الأول ... أنا خضعت لعملتين مخ وأعصاب وعملية عظام ...ربنا وقف معايا ورجعت امشي وأتكلم وأشوف ... بس حاسة إن عقلي فيه فراغ ... كل اللى فكراه من حياتي قبل الحادثة حاجات ضبابية ... كأني فاقدة الذاكرة ... كل الأحداث اللى حصلت في حياتي مش متأكدة منها ..إلا حدث واحد متأكدة منه أوي ...متأكدة إنك كنت واحد في حياتي اللى قبل الحادثة ... أخويا أو زميلي في الجامعة أو حبيبي أو خطيبي ... هو حضرتك بتترعش ليه يا دكتور راغب ؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...