ـ هو حضرتك بتترعش ليه يا دكتور ؟
انتبهتُ لما تقول ، وأخدت بالي إنها عارفة اسمي ، قلتُ :
ـ لا مفيش بس مستغرب شوية .
قالتْ :
ـ من إيه ؟
أجبتُ :
ـ من الحكاية كلها ... يعني مثلا أنا إيه دخلي بالموضوع ؟
قالتْ في بساطة :
ـ ما أنا قلت لحضرتك ...حاسة إنك واحد من حياتي السابقة قبل الحادثة .
قلتُ :
ـ فيه حاجة في الطب اسمها ما بعد الارتجاج ..وأعراضها الصداع والدوخة وخفة الرأس وتحسي إنْ عقلك فيه فراغ وشعور بالتعب والانزعاج لأقل سبب وممكن حساسية ضد الضوء والضوضاء في الحالات المتأخرة ...انتي بس محتاجة فترة راحة علشان عملتين في المخ مش حاجة سهلة .
قالتْ في شرود :
ـ يعني حضرتك مش هتساعدني ؟
قلتُ في نفسي :
ـ دي واخدة فيا مقلب ، أنا أساسا متخرج أول امبارح ، ومعنديش اى تجارب ولا خبرات طبية غير الشغل العملي أيام الكلية ، وحتى القرية اللى كنت بحسبها فرصة أتعلم فيها بفضل الله مفيش مريض معبّرني وكلهم عند عم متولي .
لمّا لاحظتْ شرودي قالتْ :
ـ طيب آسفة إني ضعيت وقتك .
قلتُ :
ـ لا مفيش أسف .. بس أنا شايف إن حالتك كويسة وعامة أنا مش فاهم نوع المساعدة اللى تطلبيها .
قالتْ :
ـ محتاجة حد يقف معايا .. حد أعرفه ويكون ثقة .. حاسة انى تايهة وعاوزه أرجع لحياتي الطبيعية .
قلتُ في نفسي ( حد يقف جمبها ويكون ثقة ) ، طبعا تعودنا في كلية الطب إن المريض ديما على حق ولازم نسمعه حتى لو أنشد أغنية لعبد الحليم حافظ ،وزي ما قال العبقري الدكتور مصطفي محمود رحمه الله " بعض الأمراض يشفيها الكلام " فيبدو إن الفتاة محتاجة لطبيب نفسي ، وأنا أصلا بعد سنة إقامة في القرية مع عم متولي هحتاج دكتور نفسي يعالجني ، المهم قلتُ لها :
ـ مع إني مش الشخص اللى بتدوري عليه بس تفضلي قوليلى إيه المطلوب منّي .
قالتْ في ارتياح :
ـ مطلوب منك تسمعني .
لم أرد ؛ فأكملتْ كلامها :
ـ أنا واحدة عادية جدا واللى فكراه من حياتي اللى قبل الحادثة إني خريجة معهد حاسبات ومعلومات ، عشت طفولتي وشبابي في القاهرة مع أمي ، عمري ما شفت أبويا ، أمي ست زى المسك ، ديما هادية وساكتة ومتحستش إنها موجودة أصلا ، بعد تخرجي تنقلنا إلى سوهاج وعشنا هنا ، مكنتش عارفة السبب إننا فجأة نترك القاهرة ونيجي نعيش في سوهاج ، بس أمي قالتلى إن لينا ورث هنا من أهل بابا ، ومن ساعة ما جينا الصعيد لا شفنا ورث ولا شفنا أهل بابا ، ولمّا كنتُ بسأل ماما كانتْ تقولي أهل بابا هنا بس بيتهربوا مننا بس وجودنا في سوهاج هيطوّل لأنها رفعتْ قضية ضدهم ، وليلة الحادثة المفروض كنا رايحين نقابل أهل بابا ، كانتْ ليلة باردة وكئيبة ، السواق فجأة لقى قدّامه مقطورة ، ولمّا حاول يتفادها قدر انه يتفادها بمقدمة السيارة بس المقطورة خبطت السيارة في المقعد الخلفي اللى كنت فيه أنا وماما ، طبعا مستغرب انى عارفة التفاصيل دي كلها ، بس عايزه أقولك إني كنت شايفاك لمّا قرّبت منّي وأنا ممددة على الاسفلت وطلبت إنهم ينقلونا للإسعاف .
قلتُ في رعب :
ـ شيفاني ازاى يعني ؟!! انتي أصلا كنتي فاقدة الوعي .
قالتْ :
ـ أنا شفتك من فوق ... شفت كل حاجة من فوق كأني ببص عليكم من بلكونة شقة في الدور السابع ...حتي جسمي الممد على الاسفلت شفته ...والغريب انك بعد ما طلبت الإسعاف وركبت العربية ومشيت شفت نفسي فوق نعش وفى طريقي للقبر ...واخر حاجة فكراها في الليلة الكئيبة دي هو صوت التربي وهو بيقفل عليا باب القبر .
هنا وضعتُ يدي على جبهتي وضغطتُ على صدغي وقلتُ :
ـ دي تجربة ( n d e ) بتحصل بنسبة نادرة جدا مع الأشخاص اللى بيتعرضوا لحوادث أليمة أو أثناء إجراء عمليات خطيرة ..غالبا بتكون عمليات مخ وأعصاب أو قلب مفتوح .. والفنان أحمد زكي حكي إنه تعرض ليها قبل كده ... وديما صاحب التجربة بيحس إنه ماشي في نفق أخره نور أو مثلا ماشي للقبر ...اى نعم مفيش تفسير علمي للظاهرة دي غير إن العقل الباطن بيخترع التهيؤات دي للهروب من الموت ..ودا تفسير غربي لا يتناسب مع عقديتنا لأن محدش بيهرب من الموت ... وبعض العلماء فسروها بأنها عملية خروج للجسد الأثيري من الجسم الفيزيائي بعدها يمر الجسد الأثيري بمرحلة النفق اللى أخره نور أو التشييع إلى القبر أو اللقاء مع الموتى ..بس العلماء المصريين فسروها إنها انفصال مؤقت بيسمح للنفس إنها تشوف رؤي ومشاهدات روحية .
قالتْ :
ـ يعني اللى حصل معايا ده إيه ؟
قلتُ :
ـ اللى حصل معاكى نادر بس طبيعي..وحصل مع ناس قبل كده ...والمفروض إنك تنسي التجربة دي وتحمدي ربنا على نعمة الشفاء وتندمجي في حياتك ...والكلام خدنا ونسيت اطلبلك فنجان قهوة .
نهضتْ متأهبة للمغادرة وقالتْ :
ـ خلّى القهوة وقت تاني ... لأننا هنقابل تاني ... وكتير .
قالت كلمتها الأخيرة وهى بتنظر مباشرة نحو عنيا ، فالموقف خلاني أرتبك وقلتُ وأنا بحاول أخفي ارتباكي :
ـ اه ماشي عادي ممكن طبعا .
وهى كلمات بليغة فصيحة كما تلاحظون ، ابتسمتْ وانصرفتْ ، وقامتْ بفتح باب الغرفة ، ثم استدارتْ وقالتْ :
ـ متعرفش إن الشوية اللى قعدتهم معاك يا دكتور ارتحت فيهم ازاي .
قالتها في دلال ، وطبعا لم أرد ، أنا كده ، في المواقف المفاجئة بيتوقف عقلي عن التفكير ومش بعرف أتصرف ، ودا بسبب تأثير حادثة فقدان أبي وأمي وأنا في فترة الثانوية العامة ، أكتر فترة كنت محتاجهم فيها فقدتهم فيها ، علشان كده شخصيتي انطوائية مترددة بطيء البديهة ، المهم الفتاة غادرتْ ودخل عم متولي فقلتله :
ـ فينك ... مجبتش قهوة ليه ؟
أجاب :
ـ مش حضرتك قلتلي شربت قهوة !
قلتُ :
ـ مش ليا يا عم متولي ...ليها .
قال :
ـ ومن أمتى حضرتك بتطلب قهوة للمرضي يا دكتور .
قلتُ :
ـ دى مش مريضة ...وبص ...أنتَ مش كل يوم بتخلع فى الوقت ده ..اخلع بقي وسيبني لوحدي .
عم متولي ابتسم وقال وهو منصرف فرحا :
ـ طيب أعدي عليك امتي ؟
قلتُ :
ـ متعديش .
بس قبل ما يمشي افتكرتُ حاجة فقلتله بسرعة :
ـ بقولك ...هو فرح يوم الخميس ده فين ؟
قال :
ـ اه ..فرح مجاهد ولد عبد البر .
قلتُ :
ـ أنا معرفش مجاهد ...بس نورا قالتلى إن العروسة بنت خالتها .
قال :
ـ ايوه ما هو ده يا دكتور .... يوم الخميس قبلي البلد عند مندرة بيت عبد البر .
قلتُ :
ـ طيب تعدي عليا بكرة وأنتَ رايح علشان هروح معاك .
قال :
ـ بس الفرح مش قد ...
قاطعته :
ـ ايوه عارف الفرح مش قد المقام وهيحصل فيه ضرب نار وأفراح الصعايدة عايزه واحد قلبه ميت وكده ...بس أنا بقولك تعدي عليا .
قال :
ـ أمرك يا دكتور .
واستعد للانصراف بس استدار نحوي وقال مبتسما :
ـ عقبالك يا دكتور .
قلتُ من غير ما أبص عليه :
ـ طيب .
اليوم التالي الخميس صباحا ، كنت في غرفة الكشف في انتظار اى مريض ، نفسي اطلع من الركنة دي وأقابل حالات وأتعلم منها ، كان فيه دكتور عندنا في الكلية كان بيقول " العضو يتلف بالاهتمام " وكمّل بعدها وقال " تخيل تترك يدك مهملة بلا حركة لمدة شهر " وأنا هنا قربت أتلف بسبب قلة تعرضي للتشخيص والاكتشاف ، أنا مش ناوي أعمل دراسات ولا أفتح عيادة ، لأني دخلت كلية الطب غصب عني ، كان حلم والدي ووالدتي ، وأهو حققته بس مش لاقي نفسي ، بس برضه مش هينفع أترك نفسي كده وأعيش بلا تجارب ، المهم قمت وعملت لنفسي فنجان قهوة ورجعت غرفة الكشف تاني ، ساعتها شفت حد جاي من بعيد ، كانوا بنتين ، معرفش حد فيهم ، كان نفسي عم متولي يكون هنا قطع لهم تذكرة واستأذن منّي قبل دخولهم وعمل لي برستيج ، بس مش مشكلة ، أنا ضحيت في موضوع البرستيج ده من ساعة ما جيت هنا ، المهم كان باب غرفة الكشف مفتوح والبنتين قربوا منّي ، وكانتْ المفاجأة إني أعرف واحدة منهم ، دي نورا ، ايوه نورا بس متغيرة شوية ، يعني لابسة جيبة بيضاء اللون وعليها بلوزة سماوية وكمان جزء من شعرها المموج باين وتقريبا أثار ميكب خفيف على وشها ، أول مرة أشوفها كده ، بس افتكرت إن النهارده فرح بنت خالتها ، المهم نورا قالتْ :
ـ ازيك يا دكتور ؟
أجبتُ :
ـ أهلا بيكى ...حمد الله على سلامتك .
قالتْ بابتسامة صافية :
ـ الله يسلمك .
ثم أكملتْ وهي تشير للفتاة الأخرى :
ـ دي جارتي عطيات ... من امبارح بالليل حاسة بصداع غريب وتعبانة ...وكانت مستنية تمرجي القرية عم متولي بس أنا جبتها هنا وقلتلها دا الحكيم الجديد شاطر أوي .
طلب من الفتاة الصعود لسرير الكشف وقمت بقياس حرارتها وقياس ضغط دمها وفحصتُ الأنف والزور وكما توقعتُ ، التهاب في الجيوب الأنفية بسبب نزلة برد ، كتبت لها على علاج فعال مناسب ودا دور الطبيب ، وقمتُ مؤقتا بدور الصيدلي والإداري والتمرجي ، وسجلت اسمها في تذكرة الكشف وصرفت لها علاج من صيدلية الوحدة وكان ناقص أخد العلاج مكانها ، عملت كده وأنا بلعن في سري عم متولي اللى المفروض هو اللى يعمل الحاجات دي ، المهم قلتُ :
ـ سلامتك يا عطيات ...خدي العلاج بانتظام واشربي حاجات سخنة وهتبقي زي الفل .
قالتْ نورا :
ـ مش قلتلك حكيم شاطر وكلامه يشرح القلب .
قلتُ :
ـ شكرا يا نورا ...ألف سلامة على جارتك .
وعطيات آنسة في الخامسة والعشرين من عمرها على ما أعتقد ، شكرتني وانصرفتْ دون نورا ، جلستْ نورا بعد أن ودّعت جارتها وقالتْ :
ـ متنساش الفرح يا دكتور .
قلتُ :
ـ فاكر ... بس أنا افتكرتك انتى العروسة وانتى داخلة باللبس ده .
ابتسمتْ ونظرتْ للأرض بعد أن احمرّ وجهها وقالتْ :
ـ بجد حلو يا بيه ...اشتريته امبارح من البندر لأجل الفرح .
قلتُ :
ـ مبروك عليكي يا نورا ...قوليلى بقا إيه رأيك تشتغلى معايا هنا .
ظهر التعجب على وجهها وقالتْ :
ـ هنا ؟!!! اشتغل إيه ؟
قلتُ :
ـ مش انتي تعرفي تقرأي وتكتبي ؟
أجابتْ :
ـ ايوه .
قلتُ :
ـ خلاص ... تقطعي تذاكر في غياب عم متولي .
قالتْ :
ـ بس أنا عمري ما اشتغلت كده وخايفة معرفش وتزعل مني .
قلتُ :
ـ انتي بتشتغلي إيه ؟
أجابتْ :
ـ أبويا ترك لنا قيراطين ومأجراهم لـ فتحي بيومي وبشتغل خدامة في البيوت .
قلت :
ـ سيبك من خدمة البيوت ...انتي تيجي تشتغلي هنا وهعلمك كل حاجة ... وكمان انتي شاطرة أوي في الأكل يعني هتكون مسئولة عن أكل الدكتور ...قلتي إيه ؟
أجابتْ :
ـ يا خبر ...دا انا كفاية أكون جمبك يا بيه .
قلتُ :
ـ خلاص ...روحي دلوقتي علشان متتأخريش على بنت خالتك وبعد الفرح نتكلم .
بالليل في الفرح كنت قاعد جمب عم متولي بين أهل البلد ، أول مرة في حياتي أحضر فرح في الصعيد ، الفرح كان الشارع وحبال النور متعلقة وممتدة بين البيوت ، وقدام العريس والعروسة فيه رجال بيرقصوا بالخيول ، والليلة من أولها لأخرها طبل بلدي ومزمار ، وكل 5 دقيق ييجي واحد يقدّم لك سيجارة وبعده واحد يقدم لك كوب شاى ثقيل زي الحبر وبعده واحد يقدم لك كوب شربات ، ويا ويلك لو رفضت ، ساعتة تلاقي 10 رجال أشداء أقوياء الواحد منهم في حجم باب غرفتك يحلف عليك بالطلاق لازم تاخد واجبك ، وبعد نصف ساعة كنت قد أفرغتُ فيها نصف جردل من الشاي في جوفي شفت سيارة أنيقة تتوقف بالقرب من الفرح ، نزل منها رجل يرتدي جلباب بلدي وعلى أكتافه شال ملون أنيق ، الثراء كان ظاهر على الرجل ، مال نحوي عم متولي وقال :
ـ البيه عضو مجلس الشعب ...مش بنشوفه كتير ..بس زى ما أنت عارف انتخابات المجلس قربت ...ولازم يجامل اى حد في الوقت ده .
أومأتُ رأسي وصمتُ ، ساعتها شفت مجموعة من الرجال خلف البيه يحملون بنادق ألي ، وكمية الطلقات اللى تم إطلاقها منهم تكفي لهزيمة عدو ، ودي المرة الأولي اللى أشوف ضرب نار عن قرب ، كنتُ ضاغط على أعصابي علشان ميظهرش الخوف عليا قدّام عم متولي ، بس كان كل شوية يبص عليا :
ـ عقبالك يا دكتور .
وعقبالك يا دكتور دي اللى بيقولها معناها ( شايف أفراح الصعيد يا بتاع وجه بحري ) ، عامة أنا كنت عامل نفسي عبيط ، بس بصراحة كنتُ مستمتع بالجو الأسطوري اللى أول مرة أشوفه ده ، بنادق ألي وطلقات ذخيرة حية وخيول بترقص وفرقة طبل بلدي ومزمار يعني حاجة جديدة عليا ، وكنت بلاحظ كل شوية نورا وهي واقفة بعيد بالقرب من العروسة وكانت تشاور لي وكنت ببتسم ليها ، ولما حسيت إن جه وقت الانصراف نهضتُ علشان أغادر بس لقيت مجموعة من الرجال أحاطوني وحلفوا عليا بالطلاق إني لازم اتعشي ، نهضت معاهم وشفت مناضد خشبية حولها مقاعد ممتدة بطول9 أمتاريجلس حلوها الناس للعشا ، وتقريبا أكتر من 20 واحد عمالين ينقلوا أطباق الطعام الفارغة ويبدلونها بالممتلئة ، بس فيه راجل شدّني من ايدي وقال :
ـ تعالى جوه فى المندرة يا دكتور .
عرفت إن المندرة فيها مجموعة من خاصة الناس ، ولمّا جلستُ في المندرة حول مائدة الطعام لقيت نفسي بجوار البيه عضو مجلس الشعب ، وتم التعارف ، وكان الرجل بشوشا لأبعد الحدود ، وقدّم لي كارت فيه اسمه وصفته ورقم هاتفه عارضا عليا خدماته في أي وقت ، شكرته وتناولنا العشاء .
رجعتُ من الفرح وقررتُ إني أبدل ملابس وأنام ، بس وأنا ببدل ملابسي شفت الحقيبة اللى فيها الجمجة ، ياه دا أنا كنت ناسي موضوع الجمجة دي ، اقتربتُ من الحقيبة وأخرجتُ منها اللفافة لأرى الجمجمة والأوراق ، بس شفت ورقة بين فكّي الجمجمة ، إيه اللى جاب الورقة دي هنا ؟
ولقيتها ورقة جديدة مكتوب عليها ( قلتلك بلاش يا دكتور ) .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!