الفصل 5 | من 10 فصل

رواية قرية المنسيين الفصل الخامس 5 - بقلم السيد عبدالكريم

المشاهدات
16
كلمة
1,410
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

حينما وجدتُ ورقة جديدة مكتوب فيها ( قلتلك بلاش يا دكتور ) بدأتُ أراجع أفكاري ، كده معايا 3 وريقات ، الأولي التى وجدتها في الحقل ، الثانية التى وجدتها بين فكّي الجمجمة لحظة وصولي القرية ، والآن ورقة جديدة ، يمكن لطفل ذي ثلاث سنوات أنْ يعرف إني مقبل على مصيبة ، ولابدّ من أخذ الاحتياط ، وعلشان أنا احمق ديما فلم أحتاط ، المهم ألقيتُ في ملل تلك الأوراق والجمجمة وألقيتُ بجسدي على السرير ، ورحتُ أفكر في حياتي الجديدة ، حياة مغلقة مملة ليس فيها ما ينعشها سوي نورا ، تلك الفتاة التى تحرص كل الحرص على راحتي ، النظافة والطعام والدردشة ، حياة تشبه نهر راكد ، وأنا في حاجة لإلقاء حجر يحرك هذه المياه الراكدة .

في الصباح التالي استيقظتُ وارتديتُ ملابسي وشرعتُ أعمل فنجانا من القهوة استعدادا لنزولي حجرة الكشف ، لكنني فوجئتُ بقدوم نورا تحمل إفطارا شهيا ، وقالت :

ـ جبتلك الفطار بدري يا دكتور علشان لسه مشغولين في الفرح .

شكرتها على كل حال وطلبتُ منها ألاّ تتحمل أعباء طعامي وتتفرغ هي لعملها وابنة خالتها ، غادرتْ نورا ، وتناولتُ إفطاري ونزلتُ حجرة الكشف ، لم تمر خمس دقائق حتى رأيتُ عم متولي جاء يتدحرج من بعيد قائلا :

ـ كده تسيبني وتدخل تاكل في المندرة مع الذوات .

قلتُ ساخرا:

ـ هو أنتَ أكلت غير الأكل بتاعنا ولا إيه ؟

أجاب :

ـ لا ... بس برضه القعدة من سيادة النائب حاجة تفرح .

قلتُ :

ـ مممم ... طيب .

قال :

ـ هو كان بيقولك ايه ؟

أجبتُ :

ـ حتى دي كمان شفتها ؟

قال :

ـ ما هو أنا حاولت ادخل بس مكنش فيه مكان .

وهنا دقّ جرس هاتفي ، منذ متي لم يدق ؟

منذ شهور ، أنا أصلا معنديش أصدقاء ولا حد يسأل عنّي ؛ بسبب العزلة والانطوائية اللى أنا فيها ، تنفسيتُ نفسا عميقا ، وقلتُ :

ـ الو .

جاء الرد :

ـ الحقني يا دكتور .

كان الصوت صوت أنثي ، قلت :

ـ مين معايا ؟

أجابتْ :

ـ جيسكا .

قلت :

ـ النمرة غلط .

قالتْ في نفاذ صبر ، أحسستُ ذلك من نبرتها :

ـ جيسكا يا دكتور ... اللى كنت عندك في القرية ... الحادثة و.....

هنا تذكرتُ كل شيء ، اسمها جيسكا إذن ، تخيلوا أول مرة أعرف اسمها ، قلتُ :

ـ ايوه يا انسة جيسكا خير ..انتي كويسة .

قالتْ :

ـ مصيبة .

ثم دونتُ عنوانها وتركتُ عم متولي الذي كان يحاول أن يفهم منّي أين سأذهب ، وتوجهتُ من فوري إلى بندر سوهاج ، وفي إحدي شقق مبني قديم طرقتُ الباب ، كانتْ والدتها ملقاة على السرير فاقدة الوعي ، قالتْ جيسكا بسرعة :

ـ خير يا دكتور .

ماشاء الله ! هو أنا لسه فحصتها ، لكن التمستُ لها العذر ؛ لأنّ والدتها كانتْ شبه ميتة ، قمتُ بفحصها وطلبتُ منها أن نأخذها إلى المستشفي ،.

وفي المستشفي عرفنا أنها غيبوبة سكر ، وظللنا في المستشفي طوال النهار ، كنت أود أن أقابل الدكتور بهجت لكنه لم يكن موجودا ، المهم في آخر اليوم عدنا إلى شقتها ، كانتْ والدتها بخير ، وهدأ روع جيسكا وقالتْ بينما نحن في صالة الشقة :

ـ تعباك يا دكتور ..بس أنت عارف أنا معرفش حد هنا .

فى الحقيقة كنت عاوز أسألها جابت رقمي ازاي ، بس بدا لي السؤال سخيفا ، وعلي العموم خمنتُ أن الدكتور بهجت هو اللى اداها الرقم ، قلتُ :

ـ لا مفيش تعب .

استأذنتْ منّي وذهبتْ إلى المطبخ ، وبدأتُ أتفحص الصالة ، كانتْ تنم عن شقة متواضعة ، البناية نفسها كانتْ قديمة في حارة صغيرة ، حينما حضرت جيسكا قلتُ :

ـ انتوا عايشين هنا من زمان ؟

قالتْ :

ـ من ساعة ما والدتي أصرّتْ نيجي ندور على ميراث بابا .

إجابة بليغة طبعا لو لاحظتوا ذلك ، بعدها شفتها بتقدّم لي كوب عصير وقالتْ بصوت رقيق :

ـ تفضل يا دكتور .

رفعت الكون علي فمي لكن الكوب كاد أن يسقط من يدي لمّا شفت على الحائط صورة صغيرة لرجل يرتدي بدلة أنيقة ، الراجل كان فيه شبه كبير من الراجل بتاع القصب ، باختصار لو الراجل بتاع القصب ارتدي بدلة هيكون نفس الراجل اللى في الصورة ، جيسكا قالتْ لمّا لاحظتْ ارتباكي :

ـ فيه حاجة يا دكتور ؟

كنتُ متردد أقولها ولا أسكت ، بس أنا متأكد إنه نفس الشخص أو ربما أخوه التوأم ، لكنّي قلتُ :

ـ لا مفيش ...أنا تأخرت ...هستأذن .

كانت الساعة جاوزت السابعة مساء ، وحينما خرجت من شقتها استنشقتُ نسيم الشتاء البارد وتوجهتُ إلى القرية .

في المستشفي وجدت نورا في انتظاري ، كانتْ قلقانة ومتوترة ، كنت أول مرة أشوفها في التوتر ده ، قالتْ لمّا شافتني :

ـ حصل إيه يادكتور ... حضرتك كنت فين كل ده ؟!!!

قلت :

ـ كنت في مشوار ... ليه حصل إيه ؟

أجابتْ :

ـ عم متولي قال إنه جالك اتصال ومشيت مفزوع ومن ساعة ما عرفت وأنا هنا في انتظارك .

قلتُ مبتسما :

ـ متقلقيش يا نورا ... دى حالة كده وكان لازم أشوفها بنفسي .

ثم سألتها :

ـ قلتي إيه في موضوع الشغل ؟

قالتْ :

ـ موافقة طبعا يا دكتور طالما هكون جمبك

تركتني نورا وخلاص كنت محتاج أنام بأي طريقة ، ويدوبك بدأتُ أغيّر هدومي وسمعتُ صوت بينادي ، مكنش حد في المستشفي غيري ، نزلت بسرعة وشفت شخص واقف وفى ايده طفلة عندها يدوبك 12 سنة ، طبعا دا أبوها أكيد ، الأب كان ملهوف أوي وطلب منّي أكشف على بنته ، فتحت غرفة الكشف وطلبتُ منهم الدخول ، الأب قال :

ـ بعتذر لو كنت صحيتك من النوم يا دكتور ... بس بانسيه بتشتكي من ألم فظيع ومفيش فرصة أروح مستشفي مركزي دلوقتي .

الأب كان واضح من كلامه إنه مثقف ، الثقافة واللباقة كانتْ واضحة في كلامه وأسلوبه لحد ما قالي جملة غريبة أوي ، جملة ميقولهاش إلاّ شخص مجنون ، المهم كشفت على البنت وفضلت اهزر معاها بكلمات وجمل على غرار :

ـ اسمك جميل يا بانسيه ...

ـ متقلقيش هتخفي .. يدوبك شوية برد .

ـ كده تقلقي باباكي عليكي ...

وهنا الأب قال :

ـ في الحقيقة أنا مش أبوها .

قلتُ :

ـ مش مشكلة يا سيدي ...أخوها أو عمها ...المهم تيجي بكره الصبح تاخد تذكرة بتاريخ اليوم .

بس وأنا بكتب اسم البنت لقيت اسم الرجل اللى معاها لا يمت لها بصلة ، قلتُ :

ـ خالها ؟!!

قالت البنت في ضعف :

ـ خطيبي يا دكتور .

يانهار أبوكم أبيض ، قلتها في نفسي ، البنت صغيرة يدوبك في أولي إعدادي ، والشاب تقريبا فوق الأربعين أو قرب على الأربعين ، مكنتش عارف أقول إيه ، بس الموضوع غريب ، وبصراحة مكنتش قادر اسكت علشان كده أخدت الشاب على جمب وقلتله من غير ما تسمعنا الطفلة :

ـ أنتَ إيه ؟ شكلك متعلم وكلامك يدل إنك مثقف ، ازاى بنت في عمر ولادك وخطيبتك .

قال في لا مبالاة :

ـ هي مش صغيرة يا دكتور .

قلتُ :

ـ البنت عندها 13 سنة .

قال في برود :

ـ 11 سنة .

قلتُ في غيظ :

ـ ماشاء الله !... ومش مكسوف من نفسك ... بس العيب على أهلها اللى وافقوا على الخطوبة دي ...وازاى أصلا سمحولك تجيبها المستشفي لوحدكم بالليل كده .

قال :

ـ يا دكتور الموضوع طويل ... بس عامه هي عمرها الحقيقي 24 سنة .

بصراحة شكيت إنه شارب حاجة ؛ فقلت :

ـ ممكن بطاقتك .

ولمّا مسكت بطاقته قرأت :

ـ رأفت حسين إسماعيل ، موظف بوزارة الثقافة .

بصيت نحوه فقال :

ـ بانسيه مش من هنا ...من أشلول ...بس الثغرة هي السبب ... حضرتك عارف ألاعيب الزمن والسفر ..دي حاجات مفهومة .

قلتُ فى نفسي ( وأنا مالي ... دا شكله مجنون ) ،

المهم قلتله :

ـ مفهومة اه ... طيب ... تعالى هات البنت وتعالى ورايا .

صرفت ليهم العلاج وغادروا .

القرية دي هتجنني ، وقررت إني مش هركز مع كل حاجة تحصل ؛ لأني شكلي كده هشوف العجب هنا ، المهم طلعت لغرفة المبيت ونمت ، بس صحيت على صوت وقع أقدام أمام غرفة المبيت ، ولعت النور ومسكت سكينة وفتحت الباب ببطء ، مشفتش حاجة ، معقولة تكون تهيؤات ، وقبل ما أرجع للغرفة لمحت بطرف عيني خيال تحرك بسرعة البرق ،

بسم الله الرحمن الرحيم ،

فضلت أقرأ قران وأمشي ناحية الغرف المهجورة في أخر الممر ، وشفت شخص بينزل درجات السلم وبيحاول الهروب ، قلتُ بصوت عالي :

ـ اقف مكانك .

طبعا موقفش ، بس أتأكدتُ إنه مش عفريت ؛ لأنه حاول يتسلق سور المستشفي الخلفي ، والعفريت مش هيهرب بالطريقة دي ، إلا لو كان عفريت أهبل ، يبقى أكيد حرامي ، هنا نسيت الخوف وجريت وراه علشان ألحقه قبل ما يهرب ، ولمّا قربت منّه وهو حس إنه هيتمسك ، لقيته قرب منّي وكان وشه متغطي بغطاء زى القناع ، وهوي عليا بقبضة يده اللى كان فيها قطعة من حديد وغبت عن الوعي .

صحيت بعد نصف ساعة لأن الظلام كان لسه في كل مكان ، لقيت نفسي ممدد على الأرض بجوار سور المستشفي من الداخل طبعا ، ولمّا استجمعت قوتي ونهضت لاحظت إن فيه الناحية اليمني من حذاء الحرامي بجواري ، اخدت الحذاء وطلعت اوضتي ، ولمّا بصيت للمرآة شفت خصلة من شعري تم قصها وجزء من ياقة قميصي تم قصها ، والأغرب إن الحذاء كان حذاء أنثي .

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...