في الصباح التالي استيقظتُ وارتديتُ ملابسي وشرعتُ أعمل فنجانا من القهوة استعدادا لنزولي حجرة الكشف ، لكنني فوجئتُ بقدوم نورا تحمل إفطارا شهيا ، وقالت :
ـ جبتلك الفطار بدري يا دكتور علشان لسه مشغولين في الفرح .
شكرتها على كل حال وطلبتُ منها ألاّ تتحمل أعباء طعامي وتتفرغ هي لعملها وابنة خالتها ، غادرتْ نورا ، وتناولتُ إفطاري ونزلتُ حجرة الكشف ، لم تمر خمس دقائق حتى رأيتُ عم متولي جاء يتدحرج من بعيد قائلا :
ـ كده تسيبني وتدخل تاكل في المندرة مع الذوات .
قلتُ ساخرا:
ـ هو أنتَ أكلت غير الأكل بتاعنا ولا إيه ؟
أجاب :
ـ لا ... بس برضه القعدة من سيادة النائب حاجة تفرح .
قلتُ :
ـ مممم ... طيب .
قال :
ـ هو كان بيقولك ايه ؟
أجبتُ :
ـ حتى دي كمان شفتها ؟
قال :
ـ ما هو أنا حاولت ادخل بس مكنش فيه مكان .
وهنا دقّ جرس هاتفي ، منذ متي لم يدق ؟
منذ شهور ، أنا أصلا معنديش أصدقاء ولا حد يسأل عنّي ؛ بسبب العزلة والانطوائية اللى أنا فيها ، تنفسيتُ نفسا عميقا ، وقلتُ :
ـ الو .
جاء الرد :
ـ الحقني يا دكتور .
كان الصوت صوت أنثي ، قلت :
ـ مين معايا ؟
أجابتْ :
ـ جيسكا .
قلت :
ـ النمرة غلط .
قالتْ في نفاذ صبر ، أحسستُ ذلك من نبرتها :
ـ جيسكا يا دكتور ... اللى كنت عندك في القرية ... الحادثة و.....
هنا تذكرتُ كل شيء ، اسمها جيسكا إذن ، تخيلوا أول مرة أعرف اسمها ، قلتُ :
ـ ايوه يا انسة جيسكا خير ..انتي كويسة .
قالتْ :
ـ مصيبة .
ثم دونتُ عنوانها وتركتُ عم متولي الذي كان يحاول أن يفهم منّي أين سأذهب ، وتوجهتُ من فوري إلى بندر سوهاج ، وفي إحدي شقق مبني قديم طرقتُ الباب ، كانتْ والدتها ملقاة على السرير فاقدة الوعي ، قالتْ جيسكا بسرعة :
ـ خير يا دكتور .
ماشاء الله ! هو أنا لسه فحصتها ، لكن التمستُ لها العذر ؛ لأنّ والدتها كانتْ شبه ميتة ، قمتُ بفحصها وطلبتُ منها أن نأخذها إلى المستشفي ،.
وفي المستشفي عرفنا أنها غيبوبة سكر ، وظللنا في المستشفي طوال النهار ، كنت أود أن أقابل الدكتور بهجت لكنه لم يكن موجودا ، المهم في آخر اليوم عدنا إلى شقتها ، كانتْ والدتها بخير ، وهدأ روع جيسكا وقالتْ بينما نحن في صالة الشقة :
ـ تعباك يا دكتور ..بس أنت عارف أنا معرفش حد هنا .
فى الحقيقة كنت عاوز أسألها جابت رقمي ازاي ، بس بدا لي السؤال سخيفا ، وعلي العموم خمنتُ أن الدكتور بهجت هو اللى اداها الرقم ، قلتُ :
ـ لا مفيش تعب .
استأذنتْ منّي وذهبتْ إلى المطبخ ، وبدأتُ أتفحص الصالة ، كانتْ تنم عن شقة متواضعة ، البناية نفسها كانتْ قديمة في حارة صغيرة ، حينما حضرت جيسكا قلتُ :
ـ انتوا عايشين هنا من زمان ؟
قالتْ :
ـ من ساعة ما والدتي أصرّتْ نيجي ندور على ميراث بابا .
إجابة بليغة طبعا لو لاحظتوا ذلك ، بعدها شفتها بتقدّم لي كوب عصير وقالتْ بصوت رقيق :
ـ تفضل يا دكتور .
رفعت الكون علي فمي لكن الكوب كاد أن يسقط من يدي لمّا شفت على الحائط صورة صغيرة لرجل يرتدي بدلة أنيقة ، الراجل كان فيه شبه كبير من الراجل بتاع القصب ، باختصار لو الراجل بتاع القصب ارتدي بدلة هيكون نفس الراجل اللى في الصورة ، جيسكا قالتْ لمّا لاحظتْ ارتباكي :
ـ فيه حاجة يا دكتور ؟
كنتُ متردد أقولها ولا أسكت ، بس أنا متأكد إنه نفس الشخص أو ربما أخوه التوأم ، لكنّي قلتُ :
ـ لا مفيش ...أنا تأخرت ...هستأذن .
كانت الساعة جاوزت السابعة مساء ، وحينما خرجت من شقتها استنشقتُ نسيم الشتاء البارد وتوجهتُ إلى القرية .
في المستشفي وجدت نورا في انتظاري ، كانتْ قلقانة ومتوترة ، كنت أول مرة أشوفها في التوتر ده ، قالتْ لمّا شافتني :
ـ حصل إيه يادكتور ... حضرتك كنت فين كل ده ؟!!!
قلت :
ـ كنت في مشوار ... ليه حصل إيه ؟
أجابتْ :
ـ عم متولي قال إنه جالك اتصال ومشيت مفزوع ومن ساعة ما عرفت وأنا هنا في انتظارك .
قلتُ مبتسما :
ـ متقلقيش يا نورا ... دى حالة كده وكان لازم أشوفها بنفسي .
ثم سألتها :
ـ قلتي إيه في موضوع الشغل ؟
قالتْ :
ـ موافقة طبعا يا دكتور طالما هكون جمبك
تركتني نورا وخلاص كنت محتاج أنام بأي طريقة ، ويدوبك بدأتُ أغيّر هدومي وسمعتُ صوت بينادي ، مكنش حد في المستشفي غيري ، نزلت بسرعة وشفت شخص واقف وفى ايده طفلة عندها يدوبك 12 سنة ، طبعا دا أبوها أكيد ، الأب كان ملهوف أوي وطلب منّي أكشف على بنته ، فتحت غرفة الكشف وطلبتُ منهم الدخول ، الأب قال :
ـ بعتذر لو كنت صحيتك من النوم يا دكتور ... بس بانسيه بتشتكي من ألم فظيع ومفيش فرصة أروح مستشفي مركزي دلوقتي .
الأب كان واضح من كلامه إنه مثقف ، الثقافة واللباقة كانتْ واضحة في كلامه وأسلوبه لحد ما قالي جملة غريبة أوي ، جملة ميقولهاش إلاّ شخص مجنون ، المهم كشفت على البنت وفضلت اهزر معاها بكلمات وجمل على غرار :
ـ اسمك جميل يا بانسيه ...
ـ متقلقيش هتخفي .. يدوبك شوية برد .
ـ كده تقلقي باباكي عليكي ...
وهنا الأب قال :
ـ في الحقيقة أنا مش أبوها .
قلتُ :
ـ مش مشكلة يا سيدي ...أخوها أو عمها ...المهم تيجي بكره الصبح تاخد تذكرة بتاريخ اليوم .
بس وأنا بكتب اسم البنت لقيت اسم الرجل اللى معاها لا يمت لها بصلة ، قلتُ :
ـ خالها ؟!!
قالت البنت في ضعف :
ـ خطيبي يا دكتور .
يانهار أبوكم أبيض ، قلتها في نفسي ، البنت صغيرة يدوبك في أولي إعدادي ، والشاب تقريبا فوق الأربعين أو قرب على الأربعين ، مكنتش عارف أقول إيه ، بس الموضوع غريب ، وبصراحة مكنتش قادر اسكت علشان كده أخدت الشاب على جمب وقلتله من غير ما تسمعنا الطفلة :
ـ أنتَ إيه ؟ شكلك متعلم وكلامك يدل إنك مثقف ، ازاى بنت في عمر ولادك وخطيبتك .
قال في لا مبالاة :
ـ هي مش صغيرة يا دكتور .
قلتُ :
ـ البنت عندها 13 سنة .
قال في برود :
ـ 11 سنة .
قلتُ في غيظ :
ـ ماشاء الله !... ومش مكسوف من نفسك ... بس العيب على أهلها اللى وافقوا على الخطوبة دي ...وازاى أصلا سمحولك تجيبها المستشفي لوحدكم بالليل كده .
قال :
ـ يا دكتور الموضوع طويل ... بس عامه هي عمرها الحقيقي 24 سنة .
بصراحة شكيت إنه شارب حاجة ؛ فقلت :
ـ ممكن بطاقتك .
ولمّا مسكت بطاقته قرأت :
ـ رأفت حسين إسماعيل ، موظف بوزارة الثقافة .
بصيت نحوه فقال :
ـ بانسيه مش من هنا ...من أشلول ...بس الثغرة هي السبب ... حضرتك عارف ألاعيب الزمن والسفر ..دي حاجات مفهومة .
قلتُ فى نفسي ( وأنا مالي ... دا شكله مجنون ) ،
المهم قلتله :
ـ مفهومة اه ... طيب ... تعالى هات البنت وتعالى ورايا .
صرفت ليهم العلاج وغادروا .
القرية دي هتجنني ، وقررت إني مش هركز مع كل حاجة تحصل ؛ لأني شكلي كده هشوف العجب هنا ، المهم طلعت لغرفة المبيت ونمت ، بس صحيت على صوت وقع أقدام أمام غرفة المبيت ، ولعت النور ومسكت سكينة وفتحت الباب ببطء ، مشفتش حاجة ، معقولة تكون تهيؤات ، وقبل ما أرجع للغرفة لمحت بطرف عيني خيال تحرك بسرعة البرق ،
بسم الله الرحمن الرحيم ،
فضلت أقرأ قران وأمشي ناحية الغرف المهجورة في أخر الممر ، وشفت شخص بينزل درجات السلم وبيحاول الهروب ، قلتُ بصوت عالي :
ـ اقف مكانك .
طبعا موقفش ، بس أتأكدتُ إنه مش عفريت ؛ لأنه حاول يتسلق سور المستشفي الخلفي ، والعفريت مش هيهرب بالطريقة دي ، إلا لو كان عفريت أهبل ، يبقى أكيد حرامي ، هنا نسيت الخوف وجريت وراه علشان ألحقه قبل ما يهرب ، ولمّا قربت منّه وهو حس إنه هيتمسك ، لقيته قرب منّي وكان وشه متغطي بغطاء زى القناع ، وهوي عليا بقبضة يده اللى كان فيها قطعة من حديد وغبت عن الوعي .
صحيت بعد نصف ساعة لأن الظلام كان لسه في كل مكان ، لقيت نفسي ممدد على الأرض بجوار سور المستشفي من الداخل طبعا ، ولمّا استجمعت قوتي ونهضت لاحظت إن فيه الناحية اليمني من حذاء الحرامي بجواري ، اخدت الحذاء وطلعت اوضتي ، ولمّا بصيت للمرآة شفت خصلة من شعري تم قصها وجزء من ياقة قميصي تم قصها ، والأغرب إن الحذاء كان حذاء أنثي .
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!