كنت طفلة صغيرة لم أتجاوز خمس سنوات حين ماتت أمي. تزوج أبي من امرأة أخرى، كانت زوجة أبٍ بكل ما تحمله الكلمة من ألم وحرمان. تعلمت أشغال البيت كلها في سن مبكر من أختي الكبرى قبل أن تتزوج لتتركني مكانها لأهتم بإخوتي الأربعة وأنا لا أزال طفلة في الحادية عشرة من عمري. أغسل وأطبخ وأنظف. كنت أول من يصحو وآخر من ينام، ورغم ذلك لم أكن أسلم من توبيخ وقسوة زوجة أبي، فكنت دائمًا ما أُضرب بالسوط لأتفه الأسباب.
في أحد أيام الشتاء الباردة، مرضت ولم أقوَ حتى على الوقوف، فحضرت العشاء لإخوتي. بعدما تعشى الجميع، دخلت في آخر الليل لأنام وأصبت بحمى شديدة، فنزعت سترتي لأخفض من حرارة جسمي. كنت أتألم في صمت، وما إن غفوت حتى جاءت زوجة أبي وانهالت علي بالضرب. وأمسكتني من يدي ورمتني في الفناء وقالت لي: "لن تدخلي حتى تنظفي المطبخ."
وأقفلت الباب ومنعت إخوتي أن يفتحوه لي. كانت تمطر بغزارة والساعة حوالي الثالثة ليلًا. دققت الباب بهدوء وترجيتها أن تعطيني سترتي وحذاءً، ولكنها تجاهلتني. فيئست ودخلت المطبخ وبدأت في تنظيفه. كنت أحاول أن أسرع قليلًا، إلا أن الماء كان شبه متجمد، حتى الكبريت أخذته معها حتى لا أسخن الماء كعقاب إضافي لي.
لقد كنت خائفة وأشعر بالبرد، وبينما أنا أعاني سمعت صوتًا غريبًا في الفناء. توقفت هنيهة لأتأكد مما سمعت، وفعلاً كان صوت خطوات بالخارج، شخص ما يتجول في فناء البيت. زاد خوفي وتوتري، فمنزلنا لم يكن كبيرًا، كان مجرد فناء صغير به سلالم ضيقة تأخذ إلى
سطح المطبخ وثلاثة أبواب: باب الحمام، وباب المطبخ، وباب غرفتنا التي كان بداخلها باب آخر يؤدي إلى غرفة أبي وزوجته. وحتى لو افترضنا أن أحدًا قد خرج من الغرفة لكنت سمعته لأن باب الغرفة كان يصدر صوتًا مزعجًا ومستحيل أن لا أسمعه. كنت متجمدة في مكاني والأصوات تقترب شيئًا فشيئًا حتى وصلت باب المطبخ الموصد، وكنت قد وضعت دلوًا أمام الباب حين جلبت الماء من الخارج، فسمعت وكأن أحدًا ما غير مكانه.
ثم اتجهت الخطوات إلى السلالم وكانت واضحة، ثم بدأ ذلك الشيء يدق علي من فوق السطح. ورغم كل هذا الرعب كان خوفي من زوجة أبي أكبر. أكملت غسل الأواني وأنا أقرأ كل ما أحفظ من القرآن، ثم جريت نحو الغرفة وأنا أدق كالمجنونة والتفت يمينًا ويسارًا ورأيت الدلو عند السلالم فزاد ذعري. وما إن فتح الباب حتى دخلت واختبأت تحت الفراش حتى أني نسيت أني كنت مريضة. لم أعرف ما كان ذلك الشيء ولم أذكر لأحد ما سمعت لأني خفت أن أزرع الرعب في نفوس إخوتي، فقد كان حالهم أسوأ من حالي وكثيرًا ما يعاقبون بالمبيت في المطبخ.
بت ليلتي تلك خائفة أترقب حتى قام أبي ليصلي الفجر. أحسست ببعض الأمان فغفوت، ولكن ليس كثيرًا، فما هي إلا ساعة حتى جاءت زوجة أبي كعادتها تصرخ وتركلني في كل مكان من جسدي الصغير. نهضت ضعيفة متوترة، جهزت إخوتي للذهاب إلى المدرسة، نظفت الغرف والفناء وتأخر الوقت فذهبت كعادتي غير مرتبة إلى المدرسة بشعري المنفوش الذي دائمًا ما أحاول توضيبه بتبليل يدي بالماء والمسح عليه وأنا أجري قبل أن يغلق باب المدرسة. وكنت ما زلت أفكر في أحداث الليلة الماضية ولكني حاولت أن أوهم نفسي أني كنت أتخيل.
انقضى النهار وعدت إلى البيت في المساء وجدت أبي قد اشترى لنا سمكًا فنظفته وقليته للعشاء وذهبت أساعد أختي الصغيرة على مراجعة دروسها قبل وقت النوم لأن زوجة أبي تطفئ الأنوار باكرًا وتمنعنا من إشعالها.
المهم بعد قليل ذهبت لأخذ العشاء لأبي ولكن لسوء حظي رأيت قطة تخرج من المطبخ فاصفر وجهي لأنني خفت أن تكون قد أكلت كل السمك الذي قليته. اقتربت من المطبخ وأنا أكاد أموت خوفًا، وفعلاً وجدتها أكلت معظمه ولم تترك إلا بعض السمكات. حمدت الله ووضعتها في طبق وأخذته لأبي وزوجته في غرفتهما فهما يأكلان معًا ونحن نأكل في المطبخ.
وأخبرت إخوتي بما حدث فتعاطفوا معي وأكلنا خبزًا وماءً ولكن آلمني جدًا مبيتهم جياع دون عشاء. وبينما أنا أكنس الفناء وجدت تلك القطة أمامي وكنت منزعجة منها فانهلت عليها ضربًا بالمكنسة ولكن فجأة توقفت لأنني اندهشت من ردة فعلها. لم تكن كباقي القطط، لم تهرب ولم تتحرك، بالعكس أخذت تنظر إلي وكأنها تريد أن تتكلم. خفت منها رميت المكنسة ودخلت الغرفة وأقفلت الباب جيدًا وتركتها في مكانها متجمدة.
أخذ كل منا مكانه للنوم، أما أنا فقد أشعلت شمعة فوق الخزانة لأراجع دروسي، وكنت أضعها بعيدة عني حتى لا تحرقني ثانية ولكني سرعان ما غفوت ورأيت تلك القطة أمامي مباشرة عند وجهي. كان شكلها مرعبًا فحاولت إبعادها أو الابتعاد عنها ولكنني عجزت عن ذلك كأن حجرًا ضخمًا كان فوقي. وكنت كلما تحركت تتبرز على ملابسي وأنا عاجزة على فعل شيء وكأن قوتي سُلبت مني. فجأة انسحبت إلى الوراء وقالت لي:
"هذا بيتي، سأتركك هذه المرة ولكن إياك أن تعيديها، لن يحصل لك خير." وغادرت الغرفة وقمت أنا مرتعبة ورحت حتى أطفئ الشمعة. والعجيب أني سقطت ثلاث مرات لأن رجلي اليمنى كانت مشلولة تمامًا فجلست وأخذت أدلكها وأستغفر الله وأقرأ ما تيسر لي من القرآن. وفي المرة الرابعة وقفت على رجلي فحمدت الله. والعجيب أني وجدت الباب مفتوحًا وكنت متأكدة أني أقفلته وكان الكل نائمًا فتيقنت أنني لم أكن أتوهم وأن هناك خطب ما في بيتنا.
كما تعهدت منذ ذلك اليوم أن لا أؤذي قطة في حياتي وهذا ما حصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!