كنت أفكر دائمًا في حالي وكيف لي أن أكمل حياتي مع هذا العذاب، ولكنني رغم صغر سني كنت دائمًا أفكر في إخوتي وأرأف لحالهم، فكانت ابتسامتي لا تفارقني رغم ألمي، والحمد لله. وبدأت أخاف من ظلمة الليل وسكونه، فلم تعد لياليّ كباقي الليالي، لأن الخوف قد تغلغل إلى قلبي الصغير، فأصبحت أُعد العشاء وأنظف المطبخ في وقت مبكر حتى لا أضطر إلى البقاء وحدي خارج الغرفة. وهكذا حتى جاءت تلك الليلة التي لن تُمحى من ذاكرتي.
كانت زوجة أبي عند أهلها، وعند عودتها لا أدري ماذا أحضرت معها، فأكلت هي وأبي في غرفتها، وأمرتني أن أغلي بعض حبات البطاطا لكي أتعشى أنا وإخوتي. وفعلاً وضعتها على النار، وخفت أن أبقى وحدي في المطبخ، فدخلت الغرفة واستلقيت عند حافة الفراش، فغفوت لأن يومي كان حافلاً بالأعمال المنزلية من غسل وكنس، ولم أفق إلا على صوت أختي الصغرى وهي تقول لي: "انهضي أختي، أنا أشم شيئًا يحترق."
فركضت إلى المطبخ وأختي تتبعني، فوجدت البطاطا قد احترقت، فارتعبت وسمعت صوت باب غرفة أبي يُفتح. فأخذت البطاطا وخبأتها، وبدأت أنتظر من سيطل علينا في المطبخ، لكن للأسف لم يظهر أحد، ولكن الموجع أن ذلك الشخص قام بغلق باب غرفتنا وأقفل عداد الكهرباء الذي كان في الغرفة. وهكذا بقيت أنا وأختي في ظلام دامس. كانت أختي تبكي وأنا أهدئها. ثم خرجت إلى الفناء أبحث عن شيء نفترشه، فلم أجد إلا لحافًا قديمًا وصندوقًا ورقيًا، فافترشناه وأخذت أختي في حضني وتغطينا بذلك اللحاف، ولم أنتبه للوقت كم كانت الساعة ولا كم بقي للصباح.
المهم غفت أختي في تلك الظلمة، ولكني لم أنم، ليس بسبب البرد ولكن بسبب الخوف. ومن سوء حظي عادت تلك الخطوات لتعكر ليلتي أكثر مما هي عليه، ولا ضوء أشعله وأرى من يحوم حولي أو يخفف عني ما أنا فيه. وأصبحت أشعر أنني لست وحدي، وكأن طيفًا ما يقترب مني حتى أني أحسست بشيء بارد فوق يدي، فأغمضت عينيّ الاثنتين كانتا لا ترى شيئًا أصلاً، وبدأت أبكي وأبكي بحرقة، ورحت أذكر الله وأدعي وأقول في نفسي ربما تكون أمي من يحاول أن يؤنسنا ويحمينا ويخفف عنا. لم أكن أعي في ذلك الوقت أن الأموات لا يعودون ولا بأي شكل من الأشكال إلى هذه الدنيا.
وترجيت ربي بدموع حارة أن يخلصني مما أنا فيه، فهو وحده القادر على ذلك. وفجأة لم أعد أشعر بشيء لا ببرد ولا غيره، وكأن دعائي قد استجيب، ونمت حتى سمعت أبي وقد قام لصلاة الفجر، فأيقظت أختي وجريت إلى الحمام وأنا أحملها، متظاهرة أني كنت آخذها للحمام، ولم أكن أجرؤ حتى على إخباره أو التلميح له لأنني أعلم عقابي سيكون أضعافًا مضاعفة من زوجته.
لابد أن الجميع يعرف قصص سندريلا وبياض الثلج اللتان عانتا من ويلات زوجة الأب، ولكن للأسف في القصص الحقيقية لا يوجد أمير أو جنية تخلصك مما أنت فيه مثلما نقرأ في القصص. في واقعنا الله وحده هو من يمكنه تخليصك من كل ما تعانيه بإخلاص الدعاء واليقين بالله. لقد عانيت أنا وإخوتي الأمرين وما زلنا نعاني، لأن جروح الصغر لا تندمل أبدًا، بل تظل معك مهما حاولت تجاهلها والتظاهر بالقوة.
المهم في اليوم التالي ضربتني زوجة أبي بسبب حرقي للبطاطا، وعاقبتني بيوم حافل بكل أنواع الأعمال المنزلية الشاقة التي لم أنتهِ منها إلا في وقت متأخر من الليل. ثم دخلت الغرفة فجلست في فراشي بعدما أشعلت ما تبقى من الشمعة. وكانت أختي مريضة ربما من برد ليلة الأمس، لذا أخذتها في حضني ورأسها على صدري، وأنا أداعب شعرها بيد وأمسك كراسي باليد الأخرى، وأحاول أن أحفظ دروسي بصوت خافت، وشردت قليلاً وأنا أفكر في تلك الأمور التي أسمعها. هل أخبر أبي عنها أم أصمت، لأنني ربما كنت أتخيل فقط.
وفي ركن الغرفة كان لدينا مدفأة من حجر ما يسمى بالعامية (شيميني)
، لم نكن نوقد فيها نارًا، كانت في غرفتنا منذ زمن بعيد جدًا، فمنزلنا توارثه أبي أباً عن جد. وكانت تلك المدفأة دائمًا مغطاة بشرشف تزينه تلك الأواني العتيقة التي كانت تذكرني بأمي لأنها هي من اشترتها من عملها على ماكينة الخياطة. المهم في تلك الليلة سمعت صوتًا غريبًا يصدر منها، كان لامرأة تردد تهويدة أو ربما تئن، لا أدري. تسمرت في مكاني، جحظت عيناي وبدأ قلبي يخفق بسرعة كبيرة، لم أنهض من مكاني. أخذت أستمع جيدًا وأراقب
المدفأة. فجأة خف ضوء الشمعة، فتذكرت أنها كانت توشك على الانتهاء، ولحظي السيء انطفأت الشمعة فعلاً وساد ظلام دامس. خفت كثيرًا خاصة بعدما سمعت خطوات تقترب مني من جهة المدفأة وكأن أحدًا يجر رجليه بخطوات ثقيلة نحوي، فارتعبت وهذه المرة صرخت بأعلى صوتي منادية على أخي، وذلك لأنه كان ينام بالقرب من المدفأة. فجأة أنار ضوء الغرفة، لقد
كان أبي اقترب مني وقال لي: "ما بك يا ابنتي؟ بدأ يهزني وأنا جالسة مصفّرة خائفة، فأخبرته عن ما سمعت، لكنه طبعًا لم يصدقني وقال لي: "نامي كنتِ فقط تحلمين." لا أدري إن كنت حقًا أحلم أو إن كانت هذه الأشياء تحدث معي فعلاً أم لا، ولكن ما كنت متأكدة منه أن في تلك الليلة رأيت غطاء المدفأة كان مكشوفًا، وأختي في مكانها، وأنا من كنت أحتضنها ولا أتذكر أني وضعتها في فراشها. فمن فعل ذلك؟
زيادة على ذلك كان إخوتي في أماكنهم مفزوعين من صراخي هذا، هذا إذا ما شككت أن أحدهم كان يحاول إخافتي. فما التفسير لكل هذا؟ لكن كعادتي براءتي غلبتني فلم آبه لخوفي، وتمنيت لو تكون فعلاً أمي هي التي تعتني بنا، فهذا كان يرضيني ويهون علي الأمور، وتمنيت لو أراها حتى ولو كانت شبحًا أو طيفًا، ورغم أني كنت أعلم أن هذا مستحيل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!