تقول: أصبحت زوجة أبي ناقمة عليا لأنني سببت لها الأرق ليلة أمس بسبب صراخي. لقد كنت أحس أنها تكرهني أنا بالأخص، ربما لأنني كنت متفوقة في دراستي وهي التي لم تر مدرسة في حياتها، أو ربما لأني كنت دائمًا مبتسمة مهما فعلت بي ومرحة، أنشر البسمة على وجوه إخوتي حتى في أسوأ الظروف. ولم تكن معاملتها السيئة تؤثر فيّ، لأنني كنت قد تعودت عليها، وكان همي إخوتي وراحتهم، أما هي فلم أكن أهتم لها.
ومع ذلك، كان هناك أمر يفطر قلبي حقًا ويدميه، وهو سماع صديقتي وهي تتحدث عن أمها، فتخبرني تارة أنها لا تنام إلا في حضنها، أو لا تغفو إلا على صوتها. والأدهى والأمر حين تسألني: كيف أستطيع العيش من دون أم؟ أو عندما أذهب لأناديها، فتفتح لي أمها الباب وتطلب مني انتظارها بالداخل، فأقف أتأملها وهي تلبسها معطفها وحذاءها، وتنصحها أن لا تتحدث إلى الغرباء، وأن تنتبه على نفسها، وأن تضع يداها في جيبها حتى لا تبردا.
وأقول في قرارة نفسي: أمي كانت ستكون أحن من أمها وأطيب منها بكثير، لأنها أجمل وأشطر منها بكثير، رحمة الله عليها. كنت أعتصر ألمًا وأنا أراقبها كيف تعاملها، وأنا من حرمت كل شيء: الحب والحنان وملابس العيد واللعب والألعاب. وابتليت بزوجة أب قاسية، ولم يتوقف الأمر هنا، بل زادت معاناتي حين قررت فجأة تلك اللئيمة تعلم القراءة والكتابة على حساب دراستي.
فراحت تجبرني على تعليمها في كل الأوقات، ومع أعمال البيت لم يعد يتسنى لي وقت للدراسة، وتراجع مستوايا وانتبه أساتذتي للأمر، كيف لا وأنا من كنت الأولى في صفي وأخذوا يوبخونني. وفي أحد الأيام، عرضت عليا صديقاتي أن أنضم إليهن كأمينة للمكتبة المدرسية، فوافقت دون تردد لأنها كانت فرصتي الوحيدة لمراجعة دروسي.
وفعلًا ذهبت وأخبرت زوجة أبي أنهم غيروا توقيت المدرسة، وأعطيتها استعمال زمن جديد غير الذي كانت قد أخذته مني في بداية السنة الدراسية، ولكن هذه المرة ملأت كل ساعات الدراسة الفارغة فيه. وفعلًا بدأت أتردد على المكتبة وتحسنت درجاتي، وأحسست أن الدنيا أصبحت أخيرًا تبتسم لي. ولم تشك زوجة أبي في الأمر أبدًا، فاطمأن قلبي وأخذت أحضر لامتحاناتي، ورحت أحلم بنجاحي وبإتمام دراستي والعمل والاستقلال...
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فلم أكن محظوظة إلى تلك الدرجة. لأنه ولسوء حظي، أستاذي للغة العربية كان أحد أقرباء صهرنا، وقرر يومًا أن يذهب إلى أهلي ويخبرهم أنني لا أخرج مع صديقاتي في الوقت المحدد، وأني أقضي وقتًا في المكتبة مع بعض الفتيات ومعنا مسؤول المكتبة، وأنه يخاف عليا وعلى سمعتي...
وآه لو تعلم ماذا فعلت بي في ذلك اليوم المشؤوم يا أستاذي، لقد حكمت عليا بالإعدام وسلبت مني متنفسي الوحيد، فدراستي كانت حياتي وكتبي كانت رفيقي والقلم كان نبضي. فلم يحاولوا حتى أن يفهموا، وكل ما فعلوه هو أنهم حرموني من الدراسة ومنعوني من الخروج من البيت إلى الأبد، ولم يعد لي متنفس إلا اللجوء إلى ربي سبحانه وتعالى، أدعوه ليل نهار أن يفرج عني ما أنا فيه.
آه يا مدرستي، آه يا صديقاتي، وألف آه يا أبي، فقط لو تستمع لي للحظة حتى أشرح لك. ولكن كيف وقد انهالت عليه زوجته وعليا بكل أنواع الشتائم والسباب، ولتشحن أبي أكثر بدأت تلعب على وتر الشرف عنده، وأني كنت سأضع رأسه في الوحل متسائلة: ماذا كنت أفعل مع رجل غريب في المكتبة؟
وكأن المكتبة حانة والعياذ بالله، أو كنت فيها وحدي كل هذا الهول، لأنها تجهل أصلًا معنى المكتبة ولا تعرف أنها داخل أسوار المدرسة، والرجل الذي تتحدث عنه في الأصل هو أستاذ وكان قد ساعدني كثيرًا في استدراك دروسي التي فاتتني جزاه الله خيرًا. المهم أن معاناتي زادت أكثر مما كانت عليه، وحياتي أصبحت لا تطاق، حتى أني حاولت الانتحار في مرات عديدة. فكنت مرة أصعد إلى سطح بيتنا محاولة أن أرمي بنفسي من الأعلى، ولكن أعود وأتراجع.
أتعرفون لماذا؟ فقط من أجل أبي المسكين الذي توقعت أنه لن يتحمل الأمر وربما يموت من الصدمة، والناس لا ترحم وقد يفسرون موتي بشكل خطأ، خاصة زوجة أبي. وفي أحد المرات حزمت أمتعتي لأهرب من البيت، وتسللت ليلًا حتى وقفت عند باب المخرج، ثم فكرت في إخوتي وماذا سيحدث لهم بعدي، فتراجعت وعدت إلى فراشي وأنا أستغفر الله. ولكن الآن أنا أعي الحقيقة وأعلم أن ذلك فضل من الله، لأنه هو من حفظني من التشرد والضياع، ولله الحمد والمنة.
المهم في تلك الليلة المؤلمة بكيت كثيرًا حتى تورمت عيناي، وفكرت كثيرًا لأجد حلًا يعيدني إلى صفوف الدراسة، ولكن دون جدوى. فهيهات أن أجد من يعينني. كنت أجلس في المطبخ وحدي وأنا أفكر فيما حدث معي وماذا سيحدث لي، ولم أنتبه لنفسي ولا للساعة حتى سمعت شخصًا يناديني، كان صوتًا خافتًا ما زالت نغمته في أذني ليومنا هذا. وقفت قليلًا حتى أتبين الأمر فتكرر مرة أخرى، ظننته أحد إخوتي يناديني لأن الوقت كان متأخرًا جدًا.
فأطفأت ضوء المطبخ وركضت إلى الغرفة، وعند دخولي أول ما شد انتباهي شيء ما دخل المدفأة. وقفت قليلًا وأخذت أنظر إلى الغرفة بتمعن، كان إخوتي نيام وهلعت على صراخ زوجة أبي: اطفئي النور. تساءلت: ماذا أفعل؟ أردت أن أرى فقط ما الذي دخل إلى المدفأة، ولكنني خفت من زوجة أبي بالأخص بعد كل ما حدث معي وما مر بي. فأطفأت النور وأسرعت إلى فراشي وأنا أرتجف من الخوف. وما إن غفوت حتى هزني أحدهم بكل قوة فقمت مفزوعة، لقد كان أخي.
لم أر وجهه في الظلام ولكن صوته كان يرتجف وترجاني أن ينام بجانبي، فقلت له: نعم طبعًا. وأخذته في حضني، لقد كان يرتعش فسألته: مابك؟ هل أنت بردان؟ والعجيب أنه سألني: هل أنت من كنت واقفة عندي منذ قليل وتسحبينني؟ فاندهشت وقلت: لا، كنت نائمة. فأقسم لي أنه رأى امرأة في الظلام كانت تسحبه من قدميه نحو المدفأة وأرادت أن تدخله فيها. ارتعبت مما سمعت، أشعلت الشمعة وأخذت أهدأ من روعه، وقلت له إنه ربما كان يحلم فقط.
ولكنه ظل مصرًا على رأيه، وأنه رآها جيدًا ولم يكن يحلم، حتى أنه ظنها زوجة أبي تريد أن تخيفه. فطلبت منه أن يصمت ويحاول النوم، وفي قرارة نفسي كنت أعلم أن بيتنا فيه خطب ما ولابد لي أن أعرف ما هو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!