الفصل 7 | من 12 فصل

رواية قصة اليتيمة الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani

المشاهدات
27
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

تقول في حاضرنا اليوم: زوجة أبي أصبحت عجوزًا، تعدت الثمانين من عمرها. والغريب أنها تعيش مع أخي في نفس البيت، وحين تمرض يجري بها إلى الطبيب حتى ولو في منتصف الليل. ذلك الليل الذي كانت لنا فيه أقسى الذكريات معها. وهل تعرفون مَن مِن إخوتي ذلك الذي كان يبيت عاريًا في المطبخ؟

اليوم أولاده ينادونها جدتي، ويقضون لها كل طلباتها، ولكنها رغم هذا تنام وحدها في غرفة باردة، خالية من الحب والحنان، ذلك الحب الذي لم تعرف كيف تزرعه فينا في صغرنا حتى تحصد ثماره الآن في شيخوختها. ولأنها لم تنجب أطفالًا، فنحن نصلها لوجه الله، ونزورها في المناسبات والأعياد، إلا أننا من المستحيل أن ننسى ما مر بنا، خصوصًا أننا نعاني كلنا من ذلك البرد الذي تحملناه في صغرنا، ويظهر أثره اليوم فينا.

وبعيدًا عن الأشباح والخوف، سأحدثكم عن خالتي الوحيدة مريم. كانت خالتي عجوزًا مسنة لأنها الأكبر بين أخوتها، وكانت تسكن في البادية وتعيش من خيرات مزرعتها النباتية والحيوانية، وكانت تزورنا من حين لآخر، عكس زوجها عمي أحمد الذي كان يأتي لزيارتنا كل يوم ثلاثاء لأنها السوق الأسبوعية، أين كان يبيع منتوجات مزرعته، رحمة الله عليه.

كنا ننتظر زيارة خالتي لنا بفارغ الصبر، وعندما كنت أراها لا أعرف بما كنت أشعر، وكأن شيئًا ما يتحرك بداخلي. فبالرغم من أنها كانت عجوزًا كبيرة في السن، إلا أنها كانت لا تتوانى عن زيارتنا. وما إن نسمع أزيز سيارتها البيضاء حتى نسرع إلى الشارع فتغمرنا سعادة لا توصف عند رؤيتها. فنسرع إلى مساعدتها على حمل قفتيها الملونتين بالأحمر، تلك القفتان من الدوم اللتان كانتا دائمًا ما تكون محملة بكل ما لذ وطاب من المعجنات والمخبوزات

وبيض وجبن وزبد ولبن، وذلك الكيس الذي يعلوها دائمًا ما يحمل كل السعادة التي في الوجود من ملابس وأحذية وأقمصة كانت تحيكها لنا من الصوف. أما إخوتي فكانوا يحملون عنها تلك الدجاجات المربوطة من أرجلها وهي تصيح، فتملأ الفرحة بيتنا كأنه العيد في صورة خالتي.

ولكن زوجة أبي كانت تتمغص منها، وسرعان ما تدخلها غرفتها وتمنعنا من الدخول إليها، فلا نراها إلا خلسة من وراء الستار. فتجلس معها وتأكل معها وتراقبها حتى لا نخبرها عن معاملتها السيئة لنا، وتطعمنا لوحدنا. وبعد أن ننام ترتب لها فراشها وتأتي بها إلى غرفتنا لتجدنا نيامًا فتنام هي أيضًا.

وتغادرنا في الصباح بعد محاولات عدة لاصطحابنا معها حتى نقضي أيامًا عندها، لكن دون جدوى لأن زوجة أبي لن تقبل أبدًا. وهكذا ينتهي عيدنا وخالتي مغادرة قبل حتى أن يبدأ، وهي تتحسر على أختها الصغيرة المدللة التي رحلت لتغلق صفحة من حياتها حارمة إياها من سند في الحياة. ونحن أشد منها حسرة على أم رحلت قبل أن نعرف معها حب الخالة وحنان الخالة ودلال الخالة وكرم الخالة، فرحمة الله عليكما يا أغلى الأحباب.

وهكذا يرحل كل من يزورنا ليعود إلى حياته، ونعود نحن إلى حياتنا البائسة وإلى بيتنا المظلم الذي أُعْتِمَ يوم انطفأ نور أمي الذي كان يضيئه. ورغم ذلك، وجود أبي في حياتنا كان الأمل بالنسبة لنا. ورغم صمته كان يسعدني صوت عكازه داخل البيت، خاصة عندما يدخل المطبخ ويبدأ يلتفت يمينًا وشمالًا فأسأله: هل تريد السكر يا أبي؟ فيهز رأسه: أي نعم.

فآخذ السكر وأضع البعض منه في كفه فيلتقمه ويخرج بهدوء. فمن عادته دائمًا وضع علبة من الحلوى تحت وسادته ويأخذ منها من حين لآخر، ربما مرارة الحياة عودته على فعل ذلك ظنًا منه أن مرارة عيشه تحليها قطعة من الحلوى أو السكر.

توالت السنين ونحن على حالنا، لم يتغير شيء فينا إلا أننا أصبحنا أكبر وأنضج. وهذه السنة أتممت الخامسة عشرة سنة وأختي إحدى عشرة سنة. وانخرط أخي في الجيش ولم نعد نراه إلا نادرًا. أما أخي الثاني فلم يكن مجتهدًا في دراسته فترك الدراسة فراح يعمل في كل شيء.

كبرنا وقد ربينا أنفسنا بأنفسنا، فتعلمنا الصبر والحياء والحكمة من صمت أبي ومعاملته الطيبة لنا وحسن خلقه وسيرته بين الناس، فلم نعرف من الدنيا إلا كيفية التعايش مع الألم وجدران بيتنا الأربعة.

لم أكن أخرج من البيت إطلاقًا إلا للحمام كل أسبوع أو أسبوعين، فأنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر حتى أرى الناس والشوارع، كأنني عصفور في قفص لا يرى العالم إلا حين يحمل صاحبه القفص ويخرج به حينًا لآخر ليعلقه أمام الشمس فيرى أقرانه يطيرون بكل حرية، أما هو فلا حول له ولا قوة له إلا النظر من خلال القفص على أمل أن يفتح له شخص ما بابه أو ينسى صاحبه غلقه ذات يوم فيحلق بعيدًا ليرى العالم الكبير.

هذا هو حالي، لم أكن أخرج إلى أي مكان، لا لعرس ولا زيارة ولا في الأعياد. وتقدم سن أبي أيضًا وأصبح أضعف. وفي أحد الأيام ساءت حالته مما اضطره إلى دخول المشفى لإجراء عملية جراحية ومكث فيها لأيام عديدة. وكنت أدعو الله أن لا يحرمنا إياه حتى لا نبقى تحت رحمة زوجته. وذهب جميع إخوتي لرؤيته في المشفى إلا أنا، فطلب أبي من زوجته أن تصطحبني معها في المرة القادمة لكي يراني لأنه اشتاق إليّ.

كانت زوجة أبي تنعتني بكل قبيح وتتفنن بالإيذاء بألفاظها القاسية، وذلك لتجبرني على الرد عليها فتجد سببًا لتضربني. ولكني كما قلت سابقًا أصبحت أنضج ولم يعد سني يسمح لي ولا لها أن تترك آثار سوطها عليّ، فكنت أكتفي بالصمت والدعاء أن يفرج الله عني ما أنا فيه.

في تلك الليلة جاءت إليّ وأخبرتني أننا سنذهب غدًا عند والدي إلى المشفى وقبلها سنزور خالي لنبارك له لأنه سيزوج ابنه، وبعدها نذهب عند أبي للمشفى. فرفضت أن أذهب معها ثم عدت ووافقت لأنني اشتقت إلى أبي.

في الصباح انطلقنا إلى المدينة مسقط رأس أمي. كانت أول مرة أركب فيها حافلة، والله كانت سعادتي لا توصف. شكرت خلالها الله ثم أبي الذي بسببه أرى العالم. ورحت أنظر إلى الأشجار وهي تجري، وأقسم بالله حتى الطريق كانت تظهر لي من بعيد وكأن فيها بركة من الماء، وعندما نصل ذلك المكان أجده جافًا، فعرفت يومها المعنى الحقيقي للسراب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...