الفصل 8 | من 12 فصل

رواية قصة اليتيمة الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani

المشاهدات
21
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

تقول: وصلنا أنا وزوجة أبي إلى وجهتنا، ورأيت المدينة لأول مرة، كانت كبيرة وجميلة، ولم تكن كبلدتنا. العمارات فيها عالية والمنازل فخمة، والدكاكين كثيرة والمقاهي، وكل شيء كان جميلًا، أو ربما كان كل شيء عاديًا والأجمل في الأمر كان فقط خروجي من جدران منزلنا الصغير.

وصلنا إلى بيت خالي ووجدنا الجميع مشغولين بالتحضير لحفلة الزفاف التي ستقام بالليل. وعند دخولنا، ذهل الجميع لرؤيتي والتفوا حولي، وكلهم سعادة لرؤيتي، وأقبلوا يسلمون عليّ وهم مندهشون لأنني لم أعد تلك الطفلة الصغيرة التي لم يروها منذ زمن، ليجدوا أمامهم شابة مكتملة الملامح. وأخذت كل واحدة تعرفني بنفسها، وأنا مشوشة، عرفت البعض القليل منهم ولم أعرف أغلبهم. ثم أدخلونا إلى غرفة الجلوس أين كانت خالتي تجلس في ركن من أركانها، ففرحت لرؤيتها.

أسرعت نحوها وسلمت عليها وجلست قربها، وهي تمسك يدي وتقبلها من حين لآخر. فأنحني أنا أيضًا بدوري وأقبل يدها وفرحت كثيرًا لأنني أتيت وشعرت بحبهم لي، خاصة عندما شبهني الجميع بأمي مرددين: "سبحان الله، كأن أمك رحمها الله عليها تجلس أمامنا". أما زوجة أبي فكانت على وشك الموت من شدة الغيظ، رغم أنهم عاملوها أحسن معاملة.

ثم هممنا بالانصراف، ولم تفلح محاولة الجميع لإقناعها بالبقاء حتى وقت الغداء، وهي تحججت بموعد المشفى رغم أن الوقت كان مبكرًا. وغادرنا دار خالي واتجهنا نحو المشفى أين زرنا أبي فغمرني بكل الحب ولاحظت تحسن حالته الصحية. وفي طريق العودة ظلت زوجة أبي تتذمر من الجميع وأنهم تجاهلوها ولم يهتموا بها.

ولكنني رأيت هناك ما لم تره هي، رأيت كيف كان الجميع أفراد عائلة أمي متلاحمين وسعداء، بعكس عائلة أبي الذي كان دائمًا وحيدًا حتى عماتي قليلًا ما كن يزرننا ولم يكن لي أعمام، فعمي الوحيد قتل في عز شبابه خلال ثورة التحرير، أي قبل حتى أن يتزوج والداي. لذا أدهشني كثيرًا تماسكهم، فهم يفضلون زواج الأقارب للحفاظ على ترابطهم وألفتهم.

وفكرت لو أن أمي ما زالت على قيد الحياة لكنا الآن بينهم وسعداء مثلهم أو أكثر منهم، لأن وجود أمي معنا كان سيكون أكبر سعادة لنا.

تعافى أبي وبعد حوالي شهر تقريبًا من عودته إلى البيت، جاءت زوجة خالي ومعها أخوها وزوجته. ظننت في الأول أنهم جاءوا لزيارة أبي، ولكنهم في الحقيقة جاءوا لخطبتي لابنهما. ولكن أبي رفض لصغر سني، ولكنهم لم يكلوا ولم يملوا وعاودوا طلب يدي لأكثر من أربع أو خمس مرات. فناداني أبي في إحدى المرات وسألني إن كنت أقبل الزواج في هذا السن المبكر، ولكنني استحييت فقلت له: "افعل ما تراه مناسبًا يا أبي".

لم أفكر حينها في الزواج كمسؤولية وبناء أسرة وأطفال، بل فكرت فقط أنني سوف أتحرر ولعلي أستطيع مساعدة إخوتي وأنا خارج أسوار هذا السجن. والغريب أني لم أعد أرى تلك الظواهر الغريبة التي كانت تعكر حياتي منذ زمن، ربما لأن مسؤوليتي زادت وربما مواظبتي على صلاتي وأذكاري هي السبب الرئيسي وراء ذلك. المهم أنني تزوجت وعمري ستة عشر سنة فقط، ولا أريد أن أطيل عليكم بالتفاصيل المأساوية التي مرت بي في تلك السنة.

لقد بكيت كثيرًا لليالٍ متتالية وأنا أفكر في أبي وإخوتي، وخاصة أختي الصغرى التي تركتها تقريبًا في نفس سني حين تزوجت أختي الكبرى وتركتني مكانها. ولكنني قبل أن أرحل حاولت أن أعلمها ما لم أتعلمه أنا، وهي كيفية التعامل مع زوجة أبي حتى تتقي شرها، وكيف توازن بين دراستها وأعمال البيت التي لن تكون شاقة عليها بإذن الله مثلما كانت عليّ، لأن الفرق بيني وبينها أنني كنت أهتم بإخوتي الثلاثة، أما هي فستهتم بنفسها فقط. فأنا رحلت وأخي الأصغر في الجيش ولا يأتي إلا نادرًا، والثاني كان أكبر منها وهي من ستصبح من مسؤولياته الآن.

ورغم أن الزواج هو فرحة العمر إلا أني لم أحس يومًا بذلك الإحساس، كانت مشاعري عبارة عن تساؤلات متراكمة ومشاعر متداخلة: إلى أين أنا ذاهبة؟ ومع من سأعيش؟ كيف ستكون حياتي؟ هل سيسمحون لي بزيارة إخوتي؟ هل سأكون سعيدة أم سأخرج من سجن إلى سجن آخر؟ ولكن ما كان يطمئنني أن حماي هو ابن عم أمي وزوجته أيضًا ابنة خالتها، أي سأرى أخوالي وخالتي دائمًا وأستطيع أيضًا زيارة أختي في بيتها.

وكان الجميع خلال خطوبتي يصفون حماتي بسيئ الأوصاف وبأنها امرأة متقلبة المزاج. لربما هذا ما دفع أخي لرفض موضوع زواجي وقاطعني طول فترة خطوبتي، أي لعام كامل وأنا أعيش معه في نفس البيت، أتألم لأنه لا يكلمني ولا يجالسني أبدًا.

وهذا كان يسعد زوجة أبي فكانت دائمًا ما تحاول استفزازي بهذا الموضوع، ما زاد من معاناتي في تلك الفترة. ولكن رغم هذا، عاهدت نفسي أن أكون صبورة ومهما حصل لي لن أرجع إلى بيتنا لأكون تحت رحمة زوجة أبي ثانية، حتى وإن مزقوني إلى أشلاء لن أشتكي وسأتظاهر دائمًا بأنني سعيدة حتى أغيظها.

ولكن الحمد لله بعدما عشت مع حماتي اكتشفت أنها عكس ذلك تمامًا، بل كانت امرأة طيبة حنونة متفهمة، أحبتني كابنتها وكانت تساعدني وتنصحني، كانت أمًا لي بأتم معنى الكلمة، حتى أني كنت أتأثر وكثيرًا ما أبكي من حسن معاملتها لي رحمها الله عليها.

والعجيب في الأمر أنها هي أيضًا زوجة أب وليست الأم الحقيقية لزوجي، بل تزوجها أبوه بعد موت أمه. ولكن شتان بين حماتي وبين التي عندنا، رغم أنهما وجدتا الأطفال في نفس العمر. وأغرب ما رأيت من حماتي أن زوجي وأخوه الأصغر رغم أنهما كانا شابين بالغين إلا أنهما كانا يتشاجران دائمًا حين يرونها جالسة،

والسبب أغرب من الخيال: فقط للفوز بدفء حجرها. وكان الفائز بينهما ينام في حضنها فتداعب هي شعره وتقبله. لقد ذهلت حين رأيت ذاك المشهد لأول مرة وبكيت بكاءً هستيريًا، أولًا فرحًا لأجلهم، وثانيًا حزنًا على حالي وحال إخوتي لأننا لم نعرف معنى الحنان والعطف في حياتنا.

والحمد لله أصبحت حياتي أفضل بكثير، وحتى زوجي كان شابًا متخلقًا متدينًا، عاشرني بالمعروف وبما يرضي الله. وأصبحت أزور إخوتي كل حين، وكان حماي الغالي رحمه الله عليه يأخذنا دائمًا للتنزه والاستجمام بسيارته، وكان يصر على أبي ليسمح له باصطحاب أختي الصغيرة معنا، فتحسنت حياتي وحال أختي أيضًا والحمد لله ألف مرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...