بينما تتحدث ماجدة مع ابنتها، يدخل عاصم الغرفة. في الوقت الذي تفتح فيه ماجدة الباب لتخرج من غرفة ماهي، قالت ماجدة: "عاصم، هل تقف هنا منذ وقت طويل؟ يقبض على كفه ويجز على أسنانه وهو ينظر إليها بنظرات حادة ثم يقول لها: "لا، فقد حضرت للتو بعد أن ودّعت المدعوين وانصرفوا جميعًا." قالت ماجدة: "حسنًا، سأذهب لغرفتنا وأنتظرك هناك." قال: "اسبقيني وسأحضر خلفك بعد أن أطمئن على عروسي الصغيرة."
تغادر ماجدة بينما يدخل عاصم لغرفة ماهي. تتجه ماهي نحوه وتعانقه: "أبي، جيد أنك حضرت." يقبلها فوق جبينها: "حبيبتي الغالية وزهرة أبيها الجميلة، مبارك على الخطبة. تعالي لنجلس قليلاً." يجلسان على الأريكة. قال عاصم:
"أتعرفين يا ماهي، عندما وافقت على طارق شعرت ببعض الغيرة لأن هذا الشاب سيأخذك مني، فأنت أجمل شيء في حياتي وأنت السبب الوحيد الذي جعلني أعيش حتى الآن. بالرغم أنك كنت متعبة جدًا في صغرك وكنتِ تمرين كثيرًا، وكنت أضطر للسهر بجوارك طوال الليل حتى أشعر أنك شُفيت، ووقتها فقط أشعر أنني بخير." قالت ماهي: "أذكر ذلك جيدًا يا أبي، فقد كنت تنام بجواري وتضع لي الكمادات وتعطيني الدواء، والحقيقة كنت أعذرك حتى أتناوله." قال:
"وحتى بعد أن تشفي تمامًا من مرضك، كنتِ تأتين لفراشي أنا وأمك وتنامين في حضني، وأنا كنت سعيدًا بهذا الكائن الصغير الذي امتلك قلبي بالكامل." قالت: "وعندما كانت أمي تصر على أن أنام في غرفتي، كنت تتسلل من جانبها بعد أن تنام وتأتي لتنام بجواري حتى لا أشعر بالخوف." يبتسم: "لم أكن أستطيع النوم عندما أسمعك تقولين أنك خائفة من النوم بمفردك." قالت: "وكانت أمي توبخك في الصباح عندما تجدك في غرفتي." قال:
"ولكني أصبحت أخدعها لاحقًا وأعود لفراشي قبل أن تستيقظ." ثم يضحك، ولكنه يتوقف فجأة وينظر إليها بحزن. "ولكنك الآن قد كبرت حبيبتي وسوف تتزوجين وتتركين البيت، ولا أعرف كيف سأتحمل غيابك." قالت ماهي: "حسنًا يا أبي، لقد سهّلت عليّ الأمر، أنا سأرفض طارق وسأبقى معك." قال عاصم: "لا يا ابنتي، هذه سنة الحياة، نربي أبناءنا ليرحلوا مع أزواجهم ونفرح بأحفادنا عندما نراهم يلعبون حولنا. المهم أن نراكم جميعًا سعداء." قالت:
"سأقول لك شيئًا، أنا لن أفتقدك يا أبي، فأنت تسكن قلبي وعقلي. فأنت علمتني أن أكون أنت، علمتني القنص والسباحة والكاراتيه، وكنت تدربني بنفسك، فأنت معي في كل لحظة من حياتي." قال: "نعم، ما تقولينه صحيح، فأنت ابنتي ولن يستطيع أحد في الكون أن يكسر هذا الرابط الذي بيننا." قالت: "طبعًا يا أبي، فنحن نحمل فصيلة الدم نفسها وحتى نفس الطباع، ولكن أبي أنت عوّدتني أن تكون صديقي قبل كونك أبي، وأريد أن أصارحك بأمر يضايقني." قال عاصم:
"تكلمي حبيبتي، أنا أسمعك." قالت ماهي: "أبي، أنا أشعر بالندم لقبولي عرض الزواج من طارق." قال: "أنت مترددة فقط لأن الموضوع ما زال جديدًا، ولكنك أثناء فترة الخطبة ستشعرين بالتقارب نحوه وتحبينه بمرور الوقت، فالزمن هو من يصنع الألفة والحب بين الزوجين." قالت: "ولكني أحب شخصًا آخر بالفعل." قال:
"ولماذا لم تخبريني قبل إعلان الخطبة، فالخطبة ليست لعبة يا ابنتي ويجب أن يكون الرجل منا على قدر كلمته، وإلا لماذا يقولون كلمة رجال، لأن المفترض ألا نتراجع عنها. ولكن من هذا الشخص الذي تميلين إليه؟ قالت ماهي: "إنه بلال." قال عاصم: "لقد أقلقتني كلامك في البداية يا فتاة، ولكني اطمأننت الآن، فمن الطبيعي أن تحبي أخاك." قالت:
"ما بيني وبين بلال ليس حبًا أخويًا، فلقد نشأ بيننا رابط قوي أثناء الاختطاف ولا أستطيع كسر هذا الرابط أو الشعور نحوه بالأخوة." يصمت لفترة ثم يقول لها:
"في البداية، عندما وجدت بلال وتبنيته، لم أكن أعتبره ابنًا حقيقيًا، وأحيانًا كنت أنظر له كزوج مناسب لك، حتى أنني كنت أدربه بنفسي كما كنت أفعل معك، وكنت حريصًا على تربيته أخلاقيًا ودينيًا حتى أنزع منه كل ما تعلمه في الملجأ والإصلاحية ليكون فتى قويًا ومتدينًا؛ حتى أنني كنت أرسل له الشيوخ خصيصًا في الإجازة الصيفية لغرس القيم الدينية عنده، والسبب أنني كنت أنظر له كزوج مثالي لك وكنت أنوي منذ البداية أن أعرفك عليه في الوقت
المناسب حتى اكتشفت الحقيقة وأنه ابني، ومن صلبي. وهنا كان يجب أن أطوي صفحة الكتاب وأغلقها للأبد. وتلك الرابطة التي نشأت بينكما ستضعف مع الوقت بعد أن يرتبط كلا منكم بشخص آخر، صدقيني حبيبتي، فأنا أقول لك هذا من خلال تجربتي مع بتول وأمك."
قالت ماهي: "لا أستطيع كسر ما بيني وبينه حتى لو حاولت، فتعلقي به يفوق الوصف." قال عاصم: "لأنك لم تحاولي، جربي أن تنظري له بشكل مختلف، انظري لآدم وليس بلال، وستشعرين بالفرق." قالت: "سأحاول يا أبي." قال: "حسنًا حبيبتي، سأتركك تنامين، فقد تأخر الوقت وعليك أن تستعدي لحفل خطبتك الخميس المقبل، فكيفي نفسك على الوضع الجديد، أرجوكِ هيّا يا فتاتي الحسناء، تصبحين على خير." ثم يقبل رأسها وينصرف.
ثم يذهب عاصم لغرفة بلال ويطرق الباب ويدخل، فيجد بلال لا يزال جالسًا على الأريكة بملبس الحفلة المبتل. فيجلس بجانبه: "لماذا لم تغير ثيابك يا بني حتى لا تمرض؟ يحاول بلال أن يخفي عينيه التي احمرّت من البكاء، فينظ ر للأرض حتى لا يلاحظ عاصم أنه كان يبكي. ثم يقول لوالده: "حسنًا يا أبي، سأخلعها حالًا." ثم يقف ليغير ملابسه وهو يعطي ظهره لعاصم. قال عاصم: "لهذه الدرجة تحب ماهي؟ يتسمر في مكانه من الصدمة ثم يجيبه:
"طبعًا، فهي أختي ويجب أن أحبها." ثم يكمل تغير ملابسه. قال عاصم: "حسنًا، سأعتمد عليك في هذا الأمر." يجلس بلال أمام والده بعد أن غير ثيابه: "أي أمر تقصد يا أبي؟ أنا لا أفهم؟ قال عاصم: "أن تجعل ماهي تبتعد عنك وتنسى حبك وتعلقها بك وتنساها أنت أيضًا، فأنا أعلم بعلاقتكما، فحاول أن تنزعها من رأسك." قال بلال بصدمة: "كيف عرفت؟ قال عاصم:
"ماهي أخبرتني بكل ما حدث بينكما واعترفت لي بحبها لك، فهي لا تخفي عني شيئًا، ولكنك تعرف أن هذا لا يجوز، فأنتما أخوان من أب واحد." قال بلال: "طبعًا أعرف، لذلك طلبت نقلي من القسم لمحافظة أخرى ولو بشكل مؤقت على الأقل حتى يتم زفاف ماهي، ثم أعود للفيلا مرة أخرى." يضع عاصم كفيه حول وجه ابنه: "أنا لا أستطيع الاستغناء عنك سواء في القسم أو الفيلا، فأنت عكازي الذي أعتمد عليه في شيخوختي، فكيف تريد الابتعاد عني؟ قال بلال:
"ولكن وجودي هنا سيعقد المشكلة وستظل ماهي مشغولة بي، ولكن عندما أبتعد قد تنساني." قال عاصم: "هناك حل آخر." قال بلال: "وما هو؟ قال عاصم: "لنبدأ خطوة خطوة في تكسير هذه العلاقة، ويوم خطبة ماهي الخميس القادم، ستخطب أنت أيضًا، وأعتقد أن جومانة مناسبة لك، وأنا قد لاحظت أنك كنت منسجمًا معها في المرة الماضية." قال بلال:
"في الحقيقة ما فعلته معها كان اهتمامًا مصطنعًا كي تبتعد ماهي عني، ولهذا السبب أصابتها الغيرة وقبلت بخطبة طارق، ولكن من أجل أن تستقر ماهي في حياتها، أنا مستعد لخطبة جيجي." قال عاصم: "وأنا سأفكر في طلب النقل الذي قدمته لي في العمل، ولكنه سيكون لستة أشهر فقط لنضمن تكيف ماهي مع الوضع الجديد، وسأعيدك مرة أخرى بجانبي، مفهوم؟ قال بلال: "موافق يا أبي." يضمه عاصم بقوة ويقبله في وجهه ورأسه:
"حبيبي، لا تقلق، ستنسي حبك لماهي بمرور الوقت، وستجد نفسك تتعلق بزوجتك، وأنا أقول هذا عن تجربة شخصية، فلقد أحببت بتول بكل جوارحي وظننت أنني لا أستطيع نسيانها أبدًا، وعندما اختفت من حياتي، وجدتني أتعلق بماجدة بنفس المقدار وربما أكثر، وبمرور الوقت استطعت أن أنسى الماضي بكل آلامه وأوجاعه، وغفرت لماجدة أخطاء لا تغتفر بسبب الحب، وهذا ما سيحدث معك صدقني." قال بلال: "أتمنى ذلك يا أبي." ثم يبتعد عن حضن والده:
"والآن أنا مضطر للذهاب للقسم، فلدي وردية مسائية." قال عاصم: "حسنًا يا بني، اهتم بنفسك." ثم يغادر الغرفة ويغلق الباب، بينما يكمل بلال لبسه ويذهب للقسم. يذهب عاصم لغرفته فيجد ماجدة قد نامت. فيقول لنفسه: "هذا أفضل شيء فعلتيه حتى أنسى ما سمعته منذ قليل أمام غرفة ماهي، فلو كنت مستيقظة لا أعرف ماذا ستكون ردة فعلي نحوك، وقد أفتح كل الجراح القديمة. سأنام لعل قلبي يبرد بعدما سمعته الليلة وأنسى ما حدث." "ماذا تفعل!
أنت تعرف أن ماهي ليست ابنتك، فلماذا تكابر؟ لا، هي ابنتي الوحيدة وقد تعبت في تربيتها طوال حياتي، ولن تحمل سوى اسم عاصم حتى أموت، فهي ابنتي أنا وستظل كذلك رغمًا عن الجميع، ثم يبدل ثيابه وينام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!