بعد مرور سبعة أعوام على بقاء نادر في أوروبا، كانت مروة تجلس مع نادر على الغداء. قال نادر: أعتقد أننا أصبحنا أفضل مما أردنا، وجمعنا مالًا كثيرًا، فما رأيك لو عدنا لبلدنا وفتحنا مشروعًا هناك؟ فقد اشتقت لكل شيء هناك: أمي وبيتي وأصدقائي. قالت مروة: أنت تمزح، صحيح؟ نحن أصبحنا في مقدمة الشركات هنا، وأنت تريد أن تعود لنبدأ من الصفر؟ لن يحدث هذا أبدًا.
قال نادر: مروة، اسمعيني ولو لمرة واحدة، أنا لست مرتاحًا هنا ولا أجد نفسي، وأشعر أن شيئًا ما ينقصني. لو سمحتِ يا مروة، فكري في الأمر جيدًا، ستجدين أنه الأفضل لنا. قالت مروة: قلت مستحيل ولن أعود إلى هناك. قال نادر: آسف، ولكني اتخذت قراري بالرجوع، وحولت جزءًا كبيرًا من نقودي إلى البنك هناك. قالت مروة: كيف تفعل ذلك؟ هل جننت؟ كان عليك أن تأخذ رأيي. من أعطاك الحق لتقرر عني؟ قال نادر: ها قد أخذت رأيك.
قالت مروة بسخرية: أنت تمزح، صحيح؟ أخذت رأيي بعد أن قررت وحولت المال بالفعل. أنا فعلًا متضايقة منك. قال نادر: بالمناسبة، سبق وقررتِ عني وحجزتِ التذاكر إلى هنا بدلًا من ذلك البلد الذي سقطت فيه الطائرة، وبالتالي خسرت سنوات من التعب في الدراسة ولم أحصل على الدكتوراه كما كنت أخطط، ومع ذلك تقبلت قرارك دون نقاش، وحان دورك لتتقبلي قراري أيضًا. قالت مروة لنفسها: هل زال السحر أم ماذا؟
فمنذ أن قابلنا العرافة العجوز وأمسكت يده، بدأ يتمرد ولا يسمع كلامي. ولكنها قالت إن السحر لن يزول إلا بالدماء. آه يا ويلي! تذكرت! لقد أصيبت يده بعدها بيوم جراء الكوب الذي انكسر وأخذ ينزف كثيرًا. لو حدث ذلك سأكون في ورطة. ثم تقول لنادر: لو مصرّ على العودة، فأنا لن أذهب معك. ثم تخرج من المنزل غاضبة. قال نادر: إلى أين تذهبين؟ قالت مروة: إلى الجحيم. ثم تخرج وتضرب الباب خلفها بقوة.
تخرج مروة بعد نقاشها مع نادر وهي غاضبة، وتقود بسرعة على الطريق السريع، وفجأة تصدم شخصًا يركب دراجة نارية، فتطرحه بعيدًا بينما تتحطم دراجته. وبدلًا من أن تتوقف لتنقذ الشاب الذي صدمته والذي ينزف بشدة من جراء سقوطه، نظرت حولها لترى إن كان هناك أحد قد رأى الحادث أم لا. وعندما تجد الطريق فارغًا، تنطلق مسرعة لمنزلها تاركة الشاب ينزف على قارعة الطريق. وعندما تدخل من الباب لا تجد نادر، فقد ذهب للمصنع لتصفية بعض الأعمال وبيع نصيبه المتبقي منها. فتجلس مروة
على الأريكة وتقول لنفسها: ماذا لو حدث شيء للشاب؟ هنا لديهم وسائل متقدمة لمراقبة الطرق وسوف يصلون إلي بالتأكيد. حسنًا، سأبحث على وسائل التواصل الاجتماعي، ربما أعرف شيئًا عن الحادثة. ثم تبحث على المواقع الإخبارية لعلها تجد خبرًا منشورًا عن الحادث. وبالفعل، تجد خبرًا يقول إن هناك حادث سير وقع في شارع كذا، وأن الشاب وجدوه متوفيًا من أثر النزيف الحاد بعد إصابته في الحادث، ثم نشروا صورة للشاب. تشهق
مروة وتضع يدها على فمها: يا للمصيبة! يجب أن أسمع كلام نادر ونمشي فورًا من هنا قبل أن يتوصل البوليس إلي، وساعتها لن يرحموني. ثم تبدأ في تجهيز الحقائب. بينما يدخل نادر فجأة، فيجدها قد وضبت كل الحقائب واستعدت للسفر. وعندما تراه تقول له: حبيبي، كل شيء أصبح جاهزًا، ولقد وضعت كل ملابسنا في الحقائب. فيقول لها نادر: غريبة! ماذا حدث لتغيري رأيك بهذه السرعة؟
قالت مروة: لقد فكرت في كلامك جيدًا، وعرفت أنني لا أستطيع العيش بدونك حبي، فماذا أفعل في هذا البلد الغريب وحدي؟ لذا فأنا جاهزة للسفر من الآن. قال نادر: سبحان مغير الأحوال. حسنًا حبيبتي، غدًا سأحجز التذاكر، وربما نغادر غدًا أو بعد غد. في الجانب الآخر، وبعد أسبوع، يدخل عبدالله بودي من الباب ويضع حقيبته على الأريكة. قالت بسمة: تعال لحضني وإلا شكوتك لجدتك. ثم لماذا تهرب مني؟ هل تراني قبيحة مثلًا؟
قال بودي: بل أنت جميلة يا أمي، وأجمل من كل الأمهات في المدرسة، وعليك أن تأتي معي لحفلة للغد. قالت بسمة بسخرية: لهذا السبب تمدحني وتضمني؟ لأنك تريد أن أذهب معك للحفلة. حسنًا حبيبي سأفعل بالتأكيد. ولكن ما مناسبة هذا الحفل؟ قال بودي: لأنني نجحت في الفصل الدراسي الأول في الصف الأول الابتدائي، وغدًا سيوزعون علينا الجوائز. قالت بسمة: ابني أصبح رجلًا ومتفوقًا أيضًا، يا فرحتي.
ثم تضمه وتقبله قائلة: هيا اذهب الآن لتسلم على جدتك، وغدًا سأذهب معك لا تقلق. قال بودي: هي لا تتعرف علي منذ أسبوع يا أمي، وتسألني دائمًا "من أنت" عندما أذهب وأسلم عليها. قالت بسمة: فعلًا، جدتك حالتها ساءت جدًا الأسبوع الماضي بسبب فيروس الكبد، وهي دائمًا تنزف وشبه غائبة عن الوعي، ولا أعرف ماذا يحدث معها. ثم تكمل
الحديث كأنها تكلم نفسها: لقد أحضرت لها الطبيب مرتين أمس، وقال إن ما تعاني منه هو أعراض الفيروس مع الشيخوخة المبكرة، وأعتقد أن ما مرت به في حياتها من فقد زوجها ثم ابنها الوحيد جعلها تعاني من الضغط المرتفع الذي أثر على الكبد وزاد حالتها سوءًا، هذا غير معاناتها مع الشلل النصفي منذ سنوات. كان الله في عونها. قال بودي: أنا أحب الجدة كثيرًا ولا أريد أن تموت.
قالت بسمة: وهي أيضًا تحبك، وكتبت لك كل العقارات التي تملكها والأموال التي في البنوك التي ورثتها من خالها بعد وفاته، وذلك بمجرد أن جئت إلى الحياة، وأصبحت أنا الوصية عليك الآن. قال بودي: أمي، أجيبي بصراحة، قلت أن الجدة حزنت بسبب غياب ابنها أي أبي، فمتى سيعود أبي؟ لقد اشتقت له كثيرًا، فلماذا لا يحدثني عبر الهاتف مثل باقي الآباء؟
قالت بسمة لنفسها: لقد وعدت ثرية ألا أخبرك بموته حتى تكبر وتدرك ذلك بنفسك، ولا أعرف إلى متى سأستطيع الكذب عليك فلقد أصبحت تفهم كل ما يدور حولك. ثم تنظر لابنها: لن يعود قريبًا للأسف، وعندما تكبر قليلًا سأخبرك بكل شيء. هيا، جدتك استفاقت وتنادي عليك.
ينطلق بودي نحو جدته التي تحسنت حالتها فجأة، ويصعد على السرير ويضمها ويطلب منها أن يلعب معها قليلًا. فتخبره إنها تشعر ببعض التعب وعندما تتحسن ستلعب معه كالماضي، ولكنها ستأكل معه. ثم تقول لبسمة: هيا يا بسمة هاتي الطعام، أريد أن آكل مع حفيدي. قالت بسمة: من دواعي سروري يا خالة. ثم تذهب وتحضر الطعام الذي أعدته مدبرة المنزل. وعندما تعود تجد ثرية نائمة.
قال بودي: لقد نامت الجدة فجأة، وقالت لي أن أخبرك أن تحرصي على الخاتم حتى لا ينكسر. قالت بسمة: أي خاتم تقصد؟ هل أعطتك شيئًا؟ قال بودي: لا، هي قالت ذلك ثم نطقت الشهادتين ونامت مباشرة. تمسك بسمة يد ثرية التي وضعتها على صدرها، ولكن يدها تسقط بجوارها فتشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي. فتنادي بسمة بخوف: خالة، خالة، لقد أحضرت لك الطعام. ثم تهزها ولكن تلاحظ أنها لا تتنفس. قال بودي: لماذا نامت جدتي بهذه السرعة؟
قالت بسمة: اذهب لغرفتك حبيبي لتبدل ملابسك. يجري بودي نحو غرفته بينما تحاول بسمة جس نبض ثرية فلا تسمع شيئًا وتجد جسدها أصبح باردًا جدًا، فتتصل بالطبيب الذي يسكن بالقرب منهم فيأتي مسرعًا. وعندما يكشف عليها ينظر لبسمة قائلًا: البقاء لله. ثم يغادر الغرفة. بينما بسمة تشهق بصوت مرتفع وهي لا تكاد تصدق: إنا لله وإنا إليه راجعون. تدخل العاملة سيدة للغرفة بعد أن أوصلت الطبيب للباب، فتجد بسمة
تبكي بصوت مسموع فتقول لها: كيف حدث ذلك؟ لقد كانت تتكلم معي منذ بضعة دقائق قبل أن يحضر بودي من المدرسة. ولكن بسمة كانت حزينة وتبكي فلم ترد عليها، وأخذت تقول لنفسها: لقد توفيت خالتي، ولكن ماذا كانت تقصد بالخاتم يا ترى؟ لقد ماتت ودون أن تخبرني عن أي خاتم تتحدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!