بعد خروج نادر إلى المطار، ركب سيارة أجرة هو ومروة، ثم طلب من السائق أن يأخذه إلى أحد الفنادق المعروفة. نظر من شباك السيارة التي تنطلق مسرعة وقال: "أخيرًا، عدت إلى موطني." قالت مروة بغيظ: "وما المميز هنا بالنسبة لك؟ انظر من حولك، الطرق مزدحمة، والباعة الجائلون في كل مكان، والشحاذون لا حصر لهم، والقمامة في كل مكان. انظر، لم أُكمل حديثي وأحدهم أخرج الأكياس من صندوق القمامة وقطعها وسكبها خارج الصندوق." قال:
"هذه سلوكيات بعض الناس وليس الكل، وكما نظرتِ للسلوك السيئ، لماذا لا تنظرين للحسن؟ انظري لهذا الشاب الذي يساعد العجوز على مرور الشارع، وهؤلاء الناس الذين يوزعون أكياسًا للمحتاجين، وهؤلاء الصغار الذين توجهوا للجامع من أجل الصلاة وحفظ القرآن. كل هذه الأشياء لا تستطيعين رؤيتها في البلاد هناك، فهناك كل شخص يهتم بنفسه فقط." قالت مروة:
"لا تقارن بين هنا وهناك لأنك ستخسر. لقد قلت بعض السلوكيات الإيجابية ولكن السلبيات أكثر بكثير." قال نادر: "هناك جزء من السلوكيات نابع من الفرد نفسه، ولكن نظام التعليم والتربية الصحيحة قادرة على تحسينه لو طُبق بطريقة صحيحة. المهم أننا عدنا، اليوم سننام في فندق لنستريح من عناء السفر، وغدًا سنبحث عن مكان مناسب نسكن فيه."
في اليوم التالي، استيقظ نادر باكرًا قبل مروة التي عادة تستيقظ قرابة العصر، وذهب للحي الذي كان يسكن فيه مع أمه. عندما يمر من تحت العمارة تمر به كل ذكريات الطفولة والشباب، ويتذكر حين حمل بسمة لشِقته، ويتذكر ومضات من تلك الليلة التي قضاها معها. عندما يصعد السلم ويقف أمام باب الشقة يجدها مغلقة بقفل قديم قد أكله الصدأ، فيمسك به قليلًا ثم ينزل ليسأل عم مسعد البقال عن أمه وبسمة ولماذا شقتهم مغلقة؟
دخل للبقالة وألقى السلام على عم مسعد الذي ينظر إليه بدهشة: "من أنت؟ فشكلك ليس غريبًا عليّ." قال نادر: "عم مسعد، ألا تتذكرني؟ أنا نادر عبدالله الذي أسكن في الطابق الثالث، ألا تذكر الحجة ثرية؟ قال عم مسعد: "هل تمزح معي؟ الحي كله يعرف أن نادر توفي وجلسنا في عزائه." قال نادر: "انظر لي جيدًا، أنا لم أمت، لقد نجوت من الحادث لأنني ركبت طائرة أخرى." قال عم مسعد:
"آه، أنت فعلًا تشبه نادر كثيرًا. ولماذا لم تعد إذا ما دمت لم تمت أو حتى تتصل؟ فلقد حزنت أمك عليك كثيرًا." قال نادر: "لقد، لقد، لقد كنت فاقدًا للذاكرة. المهم، أين أمي ولماذا بيتنا مغلق؟ قال عم مسعد: "لقد انتقلت الحجة ثرية من هنا بعد مو... أقصد بعد سفرك بعدة أشهر. ومن حوالي أسبوع واحد قرأنا في الصحيفة نعيًا لها، الله يرحمها." يجلس نادر على كرسي جانبه من الصدمة، وتتساقط الدموع على وجهه. قال عم مسعد:
"البقاء لله وحده. لقد كانت المرحومة تعاني من أمراض كثيرة، ولكن الحق يقال، بسمة كانت تخدمها كأنها أمها." يتذكر نادر بسمة فيقول: "عم مسعد، وهل تعرف مكان بسمة؟ قال عم مسعد: "لا يا بني، لقد سافرت مع أمك للعاصمة حتى تتزوج، ثم انقطعت أخبارها نهائيًا." قال نادر لنفسه: "تزوجت! إذًا كنت أعتقد أنها ستنتظرني. أنت أناني فعلًا، ما فعلته معها لم يكن زواجًا بل كان شيئًا آخر أنت تعرفه. ثم ماذا كنت تنتظر؟
هل تريد أن تنتظر بعد أن أوهمتها بموتك؟ جيد أنها وجدت شخصًا يؤنس وحدتها وأتمنى أن يكون شخصًا جيدًا ويستحقها." ثم يقف ويمسح دموعه: "شكرًا يا عم مسعد، بالإذن منك." ثم يقول لنفسه: "كنت أود أن أعود للعيش في شِقتنا، ولكن مروة لن تقبل أبدًا بالعيش في حي فقير كهذا، ولن تقبل أبدًا بالشقة بسبب صغرها. لذا عليّ أن أذهب للسماسرة لأشتري بيتًا في مكان راقٍ."
ثم يمر على تجار العقارات حيث يعرضون عليه الكثير من البيوت ويذهب لمعاينتها، وفي النهاية يشتري بيتًا في منطقة راقية، وبعدها يعود للفندق. قالت مروة: "لماذا تأخرت هكذا وحتى لا ترد على هاتفك؟ قال: "لقد ذهبت لشراء عقار نسكن فيه وفصل شحن هاتفي." قالت: "وهل وجدت شيئًا جيدًا؟ فأنت تعرف ذوقي ولن أقبل بأي شيء إلا إذا كان ممتازًا." قال:
"طبعًا، لقد وجدت منزلًا وبسعر مناسب وسوف يعجبك جدًا سواء موقعه أو ترتيبه أيضًا، وغدًا سننتقل لهناك." ثم يريها صور المنزل فتعجب به جدًا. تحتضنه مروة: "أنت فعلًا شخص مذهل طبعًا حبيبي. هناك بعض قطع الأثاث ستحتاج لتغيير." قال نادر: "تحت أمرك حياتي، عندما ننتقل إلى هناك لو أردتِ تغيير شيء سأفعل بالتأكيد."
بعد مرور شهر كان نادر قد استقر في بيته الجديد، وقد استأجر مكتبًا لشركته الجديدة في مكان راقٍ وجهزه بشكل جميل، وبالفعل بدأ مشروعه الذي تقدم بسرعة وغزا سوق العمل.
تمر الأيام ويمضي عام على وفاة ثرية، وتقرر بسمة الانتقال للعيش في المدينة التي كانت فيها في منزل خال نادر الذي تركه ميراثًا لثرية، وقررت فتح فرع لشركة الإعلانات لأن المجال هناك أوسع ومعظم عملائها من هناك، وبالفعل تنجح الشركة وتكبر حتى تصبح معروفة خلال فترة قصيرة.
كان منزل خال ثرية منزلًا أنيقًا له حديقة صغيرة وجدران زجاجية تستطيع أن تتحكم فيها من حيث الرؤية وذلك خلال نظام ضوئي بحيث تجعلها عاكسة إذا أرادت وشفافة لو أحبت أن تراقب ابنها عندما تكون في الحديقة، فهي دائمًا خائفة مما قالته الجدة بشأن ألا يتحطم الخاتم، فقد كانت تظن أنها قصدت بودي ابنها بالخاتم فكانت دائمًا تراقبه حتى لا يحدث له مكروه.
في إحدى الأيام تأخذ بودي وتذهب للتسوق في إحدى المولات الكبرى، ثم تمسك بيده وتتمشى معه بين أقسام المول ليتفرج على الملابس والأحذية ويختار منها ما يناسبه.
وفجأة يصطدمها شخص في كتفها بقوة، ثم ينظر إليها الرجل معتذرًا. بينما بسمة تتسمر مكانها عندما ترى من بجوارها. لقد كان نادر وهو يمسك بيد فتاة جميلة ويمشي معها، ولم يتعرف عليها. تنظر إليه في ذهول ولا تقول كلمة واحدة، وكأن لسانها عُقد عن الكلام، فتومئ برأسها كأنها قبلت الاعتذار، ولكنها تشعر أن قلبها يدق بقوة وسيقفز من مكانه.
ولكن مروة تسحب نادر من يده وتمشي وتعاتبه لأنه كان ينظر للفتاة الحسناء بشكل واضح. بينما تقف بسمة مكانها وتنظم إليه بينما يبتعد أكثر وأكثر، وهي تسأل نفسها: "هل يعقل أن يكون أحدهم يشبه نادر بهذا الشكل؟ من المؤكد أنني كنت أتوهم، هذا مجرد خيال." ثم تجد بودي يفلت يدها ويجري وراء نادر: "عمو عمو انتظر! يقف نادر بسبب الطفل الذي يشده من ثيابه: "نعم حبيبي، هل تريد شيئًا؟ بينما تقف بسمة في مكانها لا تدري كيف تتصرف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!