على الرغم من محاولاتي الكثيرة وحبوب المنومات ومهدئات الأعصاب ومسكنات الألم، إلا أنه لم يغفو لي جفن! انتظرت الشمس.. فحين تشرق ستأتي! وأتى الصباح.. مارست طبيبتي عملها باعتيادية غريبة، وكأن شخصاً لا ينتظر، وكأن كلاماً لم يقال! وعند الثانية ظهر ذاك اليوم، قبل نهاية الدوام، أتيت إليها.. كانت تضع أغراضها في أماكنهم مستعدة للمغادرة. فقلت لها: كيف حالك؟
لأول مرة أشعر بأن هذه الفتاة مضطربة إلى هذا الحد، مترددة بالكلام، متلعثمة بالجمل. فرّدت وهي تفرك يديها ببعض خجلاً أو خوفاً: الحمد لله وأنت؟ أنا أنتظر جوابك! لا أعلم ماذا أقول لك! قولي لي ما عندك! في الحقيقة يا فكرت كثيراً... منذ أن صارحتني وأنا أفكر بكلامك. وأتساءل.. هل يمكنني الزواج من بوسامته التي سيفنيها الكبر؟ هل يمكنني أن أبني معه أسرة؟ وجملتك القاسية تلك، لكن أكون قد كذبت عليك إن قلت لك أني نسيتها يا ...
كلامك عن قبح مظهري بناظرك.. عن الشفقة!! أقل ما يصفه أنه كان (خنجراً بقلبي) فأنا أعلم، أعلم أني لا أملك معايير الجمال، لكن صدقني لو كان الأمر عائداً لي، لأبقيت منظري على ما هو عليه!! فأنا بي راضية وجداً.. لكن أنت؟ وقبل أن تكمل جملتها قلت لها: يا أنا راضٍ بك، جملتي كانت سطحية، لم أكن أعلم من أنت، لم أرى جمال قلبك، وشخصيتك، أريدك بصدق، ستكونين جميلة جداً بالفستان الأبيض، وستكونين أماً رائعة لأطفالي، ارجوك!
لا تحرميني قلبك الياسميني على ذنب قديم! فابتسمت قائلة: صحيح أني لن أنسى جرحك ذاك، وصحيح أنه أبكاني كثيراً، وجعلني أنظر إلى مرآتي في اليوم عشرات المرات، لكن بالمقابل.. (النفس تميل لمن يستثنيها) لا أنسى استثناءاتك لي، نظراتك، واهتمامك، حنية قلبك المتعجرف هه وصبرك علي شهوراً طويلة ومحاولاتك! شعرت بالدم يسري في عروقي وقلت: هل هذا يعني أنك موافقة؟ فأجابت وهي ترفع حاجبها الأيسر: لا من أخبرك! قلت إني لن أنسى فقط!
قلت لها: لكن يا أنا أحببتك والله! كان وجهها محمراً جداً، تبدو وكأنها حبة طماطم ههه وقالت: لكن يا أنا موافقة!! لن أنسى عظمة تلك اللحظة بالنسبة لي! رهبة أن تكون ملكي في آخر المطاف!! أن لا تضيع كل تلك الأتعاب.. أن لم أسر في طريق غير طريقي.. لم لك الحمد يا الله.. ــــــــــــم تقدمت لطلب يدها من الرجل الذي رباها، قلت له (أني أريد جميلتك الأميرة لتكمل جميلتي كملكة!
أعلننا خطبتنا الرسمية وسط انبهار الجميع، ضحكنا معاً على غروري في ذلك الموقف الذي وصفتها فيه بالقبيحة، صراحة، أصبحت ممتناً له، فهو من جعلني ألتفت على جمال مكنون فيها! احتفلنا بالخطبة احتفالاً بسيطاً بالتفاصيل مليئاً بالحب.. كانت المرة الأولى التي أراها بهذا القدر من الجمال ارتدت فيه فستاناً خمرياً، وضعت كحلاً وأحمر شفاه فقط وإكليل ورد وعطر! لطالما أحببت بساطتها، بل أن أكثر ما لفت انتباهي إليها أنها
-لم تحاول لفت انتباهي ضحكت مع من قلبي.. شعرت أني ولدت معها بقلب آخر، عملنا معاً في المستشفى، تحدثت لها عن تلك العجوز التي عالجناها معاً. خططنا لحفل الزفاف المرتقب بعد شهور قصيرة.. أسمينا أطفالنا الذين لم يولدوا بعد، قررت أن أسمي ابنتي أريدها كوالدتها اسماً ومسمى! فلهذا الاسم معنى (الدوام الذي لا بدء له) وكذلك كان حبي..!! عشت أجمل أيام عمري معها، حلمت بها كعروستي، وشكرت الله على عطيته السماوية ذي...
ومع بعضنا شهراً.... حتى شعرت بتغيرها معي، لم تعد سعيدة بحضوري كما كانت... لم تعد ذاتها تلك المتفتحة منذ الأزل! لم تعد تعمل كثيراً، وحين تأتي للمستشفى.. تتجاهلني! حاولت فهم الأمر منها، سألت أهلها.. سألت صديقاتها.. ولكن عبثاً أحاول! وقبل أن تخرج من المستشفى ذات يوم أتيت إليها وقلت: حبيبتي مابك؟ هل بدر مني ما يجعلك هكذا؟ هل أخطأت بحقك؟ فقالت: لا يا لا تفكر بهذه الطريقة! لكنني متعبة قليلاً!!
فأمسكتها وضممتها إلى صدري وما أن فعلت حتى أجهشت بالبكاء!! وقالت: أريد أن أفصل!! مسحت المطر الغزير الذي جادت به عينيها... هدأتها وضممتها إلي لم أجادلها بشيء، حاولت أن أستوعبها فقط! ظلت تبكي كثيراً كمن تبكي عن العمر كله، وحين هدأت تحدثنا.. قالت لي آخر ما كنت أريد سماعه في عمري.. قالت أنها مؤخراً اكتشفت إصابتها بسرطان شرس، قد التهم أجزاء جسدها.. لم أستطع أن أقول شيئاً، فبعض الحزن لا يعبر عنه بغير دمع!
فلم أفعل سوى أن أشاركها البكاء! حضنتها وبكيت كثيراً.. كدموع طفل.. كدموع فاقد ابن! ككل الوجع في هذا العالم!! ــــــــى تغيرت الموازين.. وجلست تواسيني بدلاً من العكس!! وبالفعل ما مر شهر.... إلا وودعت فيه إلى مثواها الأخير.. دفنت حلمي بها معها، دفنت فستان الزفاف الذي لم ترتديه لي بعد ودفنت ابنتي التي لم يكتب لها القدر أن تولد... أني بكيت بحياتي على شيء كما بكيت بعدها
رحلت رحيلاً مبكراً جداً، وكأنها أقسمت أن لا تكون لي حتى وإن كانت، وكأنها أصرت أن تضل..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!