قلت لصديقي: هل تزوجت؟ قال مستغربًا: ماذا حصل لموازين الكون؟ يسأل عن؟ فقلت له بلهجة أكثر حدة: كف عن الثرثرة وأجبني فقط!! هل تزوجت؟ فقال معيدًا كلامي: لا، لم يشفق عليها أحد بعد ويتزوجها ههه. ضربته على كتفه وكأنه قد مس جزءًا مني وقلت: هراء! وتركته وذهبت إلى البيت لأرتاح قليلاً -كما زعموا كنت مصابًا بجروح طفيفة فقط، استطعت علاجها وحدي. لم تستوجب حالتي طبيبًا أو مستشفيات.
منحتني الدولة 14 يومًا كفترة نقاهة من الحرب اللعينة، لكن حقيقة لم أستطع الصبر كل تلك المدة. عدت لعملي في المستشفى بعد يومين فقط! قضيتهما بالنوم لا أكثر. لم أكن أملك حتى لنفسي مبررًا لعودتي المبكرة! فكل من يعمل عملي المرهق يتمنى ولو يومًا واحدًا من الإجازة! لكنني كنت موقنًا، أن الحروب النفسية أشد وطئًا من تلك التي في ساحات المعارك، والتفكير بشخص واحد ربما... أشد من إصابة برصاصة بندقية!
وكانت الساعة مبكرة جدًا من صباحات ديسمبر فذهبت مباشرة إلى حيث تعمل هي. كانت منهمكة في سماع نبض امرأة عجوز، فاقتربت منها، وكما اقتضت العادة ألقيت تحية صباحية وقلت: سأساعدك في هذه المريضة! فقالت: حالتها بسيطة لا داعي! أصررت على ذلك وفعلت حقًا. فلم تستغرب عودتي المبكرة، ولا إصراري على مساعدتها. تعاملت مع الأمر وكأنه إجراء روتيني! قرأت ملف المريضة الراقدة ووصفت لها دواءً وناقشت في حالتها.
وأعطيتها الرأي الثاني، وبالفعل لم تكن تعاني من شيء خطر جدًا. بقيت معي قليلاً ثم استأذنت لعلاج مريض آخر! وضعت سماعتي على رقبتي وما إن أردت الخروج حتى قالت لي تلك العجوز: دكتور!! نعم يا خالة تفضلي. بني أنت طبيب جسد، لكنني طبيبة قلوب. لم أكن بمزاج يسمح لي بالحديث معها كثيرًا، لكن شدتني جملتها كثيرًا! فقلت: ماذا تقصدين؟ أجابت بابتسامة الأمهات: أنت تحب تلك الطبيبة أليس كذلك؟ تفاجئت كثيرًا، لم أستطع الإجابة...
فاستأذنت فقط وخرجت. جلست في حديقة المستشفى وحدي، أشرب كوب شاي ساخن. لم تكن حديقة فخمة لكنها هادئة بما يكفي للتفكير بجملة مريضتي! (بالفعل، استطاعت غريبة تفسير شعور لم أستطع حتى لنفسي البوح به. أنا حقًا أحببتها، أحببت تلك الفتاة التي نعتتها بالقبيحة! فـــــــــ مصارحتها! ذهبت راكضًا إليها، لم أحضر كلماتي، نسيت كوب الشاي، وبخفقان قلب شديد دخلت هناك!! رأيتها أمامي، وكأن القدر يسوقها إلي دوما. فقلت بغير مقدمات:
أجابت بلهجة قلقة: نعم علي! لا أعلم ماذا أقول لك... لكن! هل المريضة التي تركتك معها بخير؟ شعرت أن الحروف نست مخارجها عندي وقلت بتلعثم: نعم، نعم... الحقيقة!!! ما بك رجاءً؟ أنا أحبك!! شعرت بصدمتها، من نظرتها، من حركة يديها، من تلكؤها بالكلام! فأكملت قائلًا: أحبك بصدق وأريد الزواج منك!! وكمن أطفأتها جملتي قالت ببرود: شفقة علي أيها؟ ألست أنا القبيحة ذاتها؟ ثم استأذنت مني و تركتني واقفًا وحدي هناك...
مر صدفة قربي وقال مازحًا: ما بك، تبدو في الجبهة لا عائد منها ههه!! فأخبرته بغير تفكير: أنا أحبها.. وأريد الزواج منها مهما كلفني الأمر!! فقال: من سعيدة الحظ ذي؟ تحدثت له عنها وعن مشاعري.. عن ندمي على عبارتي التي سمعتها.. عن شخصيتها القوية، طيبتها، حكمتها. عن جمالها العظيم الذي عميت عنه عيني ذات يوم... عن ملامح باتت لي! فرح كثيرًا على الرغم من تفاجئه بما سمع ووعدني بمساعدتي.
تحدث معها عني، عن حبي لها الذي نما ببطأ، كأساسات ناطحة سحاب لا تميلها رياح! عن ندمي.. وشغفي بها!! وعلى هذه الحال، لم أمل أبدًا من المحاولات. تحدثت لأهلها، ولصديقتها المقربة، ساعدتها بكل شيء، كنت لها سندًا في كل الأوقات! أخبرتها أني أحبها واني لن أتعب من رفضها حتى ترضى! وكانت تقرأ كتابًا في غرفة الأطباء. قررت الحديث معها مرة أخرى. فجلست قربها وقلت: إلى متى؟ وبغير تهكم أو تغابي أو سؤال أجابت فورًا بثقة: إلى يوم غد!
نهضت من مكاني... وقلت: ماذا تقصدين؟ أقصد ما قصدته أنت! فقلت مبتسمًا: هل ستوافقين غدًا؟ فقالت: لو سمحت!! من قال موافقة أو رفض؟ سأرد الجواب لك غدًا! و تركتني في فرحتي و قلقي.. حيرتي و أملي منتظرًا الغد بكل حماس!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!