بعد انصراف مرام بقليل عادت فاطمة زوجة إسلام وحاولت فتح الباب فلم ينفتح لأن إسلام يجلس خلف الباب. عندما شعر بأن أحد يدفع الباب ترجل من خلفه سريعاً ومسح عينيه بسرعة. دخلت فاطمة من الباب هي والأولاد. نظرت لإسلام فوجدت عيناه حمراء ويبدو عليه أنه كان يبكي. فمازحت الأولاد: "هيا ياصغاري اذهبوا وغيروا ثيابكم وعلقوها مكانها واغسلوا أسنانكم لتناموا فقد جاء موعد نومكم". قال إسلام: "ألن يتناولوا طعام العشاء؟
الأولاد: "لا يا أبي، فلقد أكلنا طعاماً لذيذاً عند جدي الجديد والد ماما". قال: "حسناً، افعلوا ما قالته أمكم وهيا لتناموا". إنطلق الأولاد نحو غرفتهم. نظرت فاطمة لعينيه المحمرتين وقالت: "ما بك يا إسلام؟ يبدو عليك الحزن. تعالي لغرفتنا لنجلس ونتحدث قليلاً". ثم مسكت بيده وتوجهت نحو غرفتهم وجلست على السرير: "لو سمحت، اجلس بجواري. هيا أخبرني ما بك؟ قال: "لاشيء، أنا بخير".
قالت: "لا تحاول أن تخفي حزنك، لقد كنت تجلس خلف الباب وتبكي وأنا لم أعلق على ذلك أمام الأولاد حتى لا يلاحظوا شيئاً". قال: "أبداً، لقد كنت أحاول إصلاح الباب فقط، فهو يصدر أزيزاً منذ فترة لذا كنت أقف خلفه". قالت: "ولكن الباب لازال يصدر نفس الصوت". قال: "دعك من الباب الآن. هل ذهبت لمواساة إخوة مرام في وفاة والدهم؟
وآسف أنني طلبت منك الذهاب مع الأولاد لرؤية جدهم وتوديعه قبل دفنه، لأنني لم أستطع الذهاب للجنازة بسبب تكليفي من قبل صاحب الشركة ببعض الأعمال في المصرف. والمرحوم قريبي والواجب يحتم أن يذهب أحدنا على الأقل بغض النظر عما حدث معي آخر مرة والفضيحة التي تعرضت لها أمام الجميع في بيتهم، ولكن الواجب واجب. وللأسف بعد أن أنهيت عملي جئت مسرعاً لألبس وألحق بالجنازة ولكن جاء ضيف وأخرني عن الذهاب".
قالت: "ولم تتأسف، فأنا من اقترحت عليك الأمر ولست منزعجة من ذهابي بدلاً عنك. على العكس، ذهبنا وقمنا بواجب العزاء أنا والصغار. وبعد أن ودع الأطفال جدهم ونظروا لوجهه خرجت الجنازة، بينما جلسنا قليلاً أنا والصغار في عزاء السيدات. وللأسف سمعت كلاماً مؤسفاً عن مرام، لذلك شعرت أن علي الذهاب خوفاً من أن يفهم الصغار شيئاً. فأخذتهم لبيت أبي، وهناك لعبوا مع أولاد أخي قليلاً وتناولوا العشاء ثم انصرفنا".
وهو ينظر للأرض حتى لا ترى عينيه المليئة بالدموع. قال: "لقد أحسنتِ صنعاً يا فاطمة، فلقد أكرمني الله بكِ، فأنتِ زوجة طيبة وأم حنون على أولادي. ياليت كل النساء في أخلاقك".
قالت: "لا تقل هذا، فأنا كما تعلم طُلقت من زوجي السابق لأنني لا أنجب وأعتبر سارة وساهر أولادي. على كل عموم، مادمت لا تريد مصارحتي سأتكلم أنا، لأنني أعرف سبب بكائك ولا أظن طبعاً أنك حزين على والد مرام لهذه الدرجة. فلقد علمت من نساء الحي في العزاء أخباراً سيئة عن زوجتك السابقة مرام، فللأسف تطلقت وذلك بعد أن عرفت زوجة محسن بزواجه منها وخيرته بينها وبين مرام، فاختار زوجته وأبناءه وطلقها. لقد جاءت للعزاء وللأسف طردوها. ولحسن الحظ أن ذلك حدث قبل أن أصل هناك أنا والأولاد، وإلا لحدثت مشكلة لو رآوها الصغار".
قال: "الحمد لله، فهم لازالوا صغاراً ولن يفهموا شيئاً، وخصوصاً أن جدهم قد أخبرهم بعد هروب أمهم أن أمهم ماتت". قالت: "أنا سأقول لك شيئاً يا إسلام، بالرغم أنه صعب علي نفسي، فالمرأة بطبيعتها تحب أن يكون زوجها لها ولا تشاركها فيه أخرى. لكن لو كنت تريد ردها فليس لدي مانع، فأنا أشعر أنك لاتزال متعلقاً بها". قال: "ما الذي تقولينه يا فاطمة؟
هذا لن يحدث أبداً، فمن لديه زوجة مثلك لا يفكر في أخرى، فأنتِ مثال للزوجة الصالحة التي لا أحتاج معها لأحد". قالت: "أنا فعلاً أتكلم بجدية، فليس لدي مانع من أن أكون زوجة ثانية. المهم أن أراك سعيداً ويتربى الصغار مع أمهم". ضمها إسلام لصدره: "لن تكوني زوجة ثانية أبداً وستظلين الأولى والأخيرة. وأنتِ قادرة على تربية الأولاد وأتمنى من كل قلبي أن يكونوا مثلك. وسأخبرك بما حدث وبسبب حزني، فأنا لا أحب أن يكون هناك أسرار بيننا".
"لقد جاءت مرام إلي هنا قبل حضورك بقليل لتعتذر مني، ولكني طردتها". قالت: "وهذا سبب حزنك إذاً؟ قال: "السبب الوحيد لحزني أن أم أولادي أصبحت مشردة. فهي ليست موظفة لتنفق على نفسها وأهلها تخلوا عنها وزوجها الذي تركت الدنيا من أجله طردها من حياته وطلقها، وليس لها مكان تلجأ إليه. لذا شعرت بالمسئولية تجاهها". قالت: "لذلك أقول لك تستطيع أن تردها بعد انتهاء العدة، فزوجتك طائشة وقد تتعرض للخطر لأنها تتصرف دون تفكير".
قال إسلام: "لقد رحلت مرام وانتهى الأمر، والله وحده أعلم أين ستذهب الآن؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!