تأخذ الطعام وتذهب لشقتها وتقدمه لهاني ثم تهم بالانصراف. قالت: هاني أين ستذهبين؟ ألن تأكلي معي؟ قالت سجدة: خالتي تريد مني أن أجلس مع بعض الضيوف ولا يصح أن يأتوا للسؤال عنك ونتركهم بمفردهم، وخصوصاً أنك لن تستطيع النزول لأن إخوتك خارج المنزل وهم من يحملونك لتنزلق. قال هاني: ومن هم الضيوف المهمين لدرجة أن تتركني وحدي وأنا آكل وتذهبي إليهم؟
قالت سجدة: ليسوا أهم منك، ولكنهم زميلاتي في العمل ولا يعرفن أحدا هنا غيري وقد جئن ليطمئنوا عليك ولا يصح أن أتركهم وهم لا يعرفون غيري هنا. قال هاني: يبدو أن لهم معزة خاصة، فقد كنت تقولين أنك جائعة منذ قليل. قالت سجدة: نعم هم كذلك. هيا تناول طعامك وسآكل بعد أن ينصرف الضيوف. قال: كما ترغبين حبيبتي، ولكن لا تتأخري حتى ننجز المهمة التي تعرفينها. تقبّل سجدة جبينه. قالت: لا تقلق، لن أتأخر وبمجرد أن ينصرفوا سأحضر فوراً.
ثم تلقي له قبلة في الهواء وتنزل لمطبخ عنايات. وبعد أن تنظف المطبخ وتغسل الأواني تنظر في الثلاجة لعلها تجد شيئا تأكله فلا تجد أي طعام، فقد أخذت مفيدة باقي الطعام لشقتها عن عمد حتى لا تجد سجدة شيئا تأكله. فتأخذ سجدة قطعة من الجبن وتضعها في كسرة خبز لتأكلها. ولكنها قبل أن تقربها لفمها تشعر بدوار وتسقط على الأرض مغشيا عليها بسبب انخفاض ضغطها من شدة الجوع.
يدخل عامر المنزل وبعد أن يصعد بضع درجات متجهاً نحو شقته يسمع صوت ارتطام شئ بالأرض. فينزل مرة أخرى ويجري نحو المطبخ ليري ماذا يحدث فيجد سجدة واقعة على الأرض أمام الثلاجة وفاقدة للوعي وفي يدها كسرة خبز. فينادي على أمه التي تسمعه فتأتي مسرعة. قالت عنايات: ماذا حدث؟ لماذا تصرخ هكذا؟ لقد افزعتني. قال عامر: انظري زوجة أخي مغشي عليها ووجهها أصفر. ثم حملها ووضعها على سرير في إحدى غرف الطابق الأول. بينما تمط
عنايات شفتيها وهي تقول له: لا تتوتر هكذا، كنت أظن أن كارثة قد حدثت. قال عامر: سأحضر لها الطبيب فوراً. قالت عنايات: لا داعي، أنا أعرف سبب الإغماء فلا تحرجنا أمام الطبيب، هي لم تأكل لذلك حدث ما حدث. قال عامر وهو يرش على وجهها الماء: ولماذا لم تأكل حتى الآن؟ لقد أكلنا جميعاً منذ ساعتين وأنا ذهبت لأكمل عملي في الأرض وجئت. قالت عنايات: نسيناها، فهي جديدة ولم نترك لها شيئا. قال عامر: كيف نسيناها؟
ونحن ظللنا نتكلم عنها طوال الوقت ونحن نأكل وكدنا نتشاجر بسبب ذلك. هل هذا يعني أن أخي هاني لم يأكل أيضاً؟ قالت عنايات: لا، لقد أكل هاني، فقد أبقيت له نصيبه ولم يكن هناك إلا قطعة واحدة من الدجاج فاعطيتها له، أم تريد أن تأكل هي ونترك أخيك المريض؟ قال عامر: طبعاً أريد أن يأكل كلاهما. ثم كيف لم يتبق شيء؟
أنت أعطيت أخي فهمي قطعتين وقلت له أن عليه أن يأكل نصيبه ونصيب زوجته الغاضبة في منزل والدها، وكذلك أعطيت قطعتين لأختى هيام، فلماذا لم تبق لها هي الأخرى قطعة؟ قالت عنايات: ابني وإبنتي أولى من الغريب. قال عامر: هذا منطق غريب. هل نتركها ليغشى عليها من الجوع لأننا نفضل أنفسنا؟ أليست بشرا وتحتاج للطعام؟ ماذا سيقول الناس إذا عرفوا؟ قالت عنايات: لن تقول شيئا، فأنا لا أسمح لها بالذهاب عند الجيران أو التحدث معهم.
قال عامر: ولأنها صامتة نفعل معها ذلك؟ ماهذا المنطق؟ المهم أين باقي الأكل لنحضر لها شيئا، فقد نظرت في الثلاجة ولم أجد شيئا. قالت عنايات: زوجتك هي من طبخت كمية قليلة ونفذت، فلا تعاتبني وعاتبها هي لو استطعت، فأنت أسد علي ونعامة معها.
قال عامر: أمي، أنا أعرف أن ما فعلته مفيدة خارج عن كل القوانين الأرضية، وأنت تعرفين لماذا لا أجادل معها في شيء. فهي مع أقل كلمة تريد ترك المنزل وأخذ أولادي مني، وأنا متعلق بهم ولا أريد أن يتربوا بعيداً عني. وعندما يحدث خلاف بيني وبينها تهددنا بالمؤخر الكبير الذي كتبناه لها. بالإضافة أنك تعرفين مكانة والدها وما يستطيع فعله معنا لو حدث صدام بيننا، لذالك أتجنب الجدل معها وأتحمل أنانيتها حفاظاً على أولادي وبيتي. ولكنك أنت هنا كبيرة البيت وتستطيعين العدل بين زوجات أبناءك.
قالت عنايات: لو عدلت بينهم ستفكر زوجتك هي الأخرى في ترك المنزل والسكن في شقة بعيدة عنا، كزوجة فهمي التي ترفض العودة إلا لشقة بعيدة عن هنا.
قال: على الأقل لا ترمي الحمل كله عليها وتحرميها من الطعام، فلو حدث شئ لهذه الفتاة فلن تجدي من يحمل ابنك ويخدمه وهو مقعد على كرسي متحرك، وما خفي كان أعظم وأنت تفهمين قصدي. وأنت تعلمين جيداً أنها الوحيدة التي ستقبل بذلك لأنها وحيدة. ونحن كما تعلمين أنا أذهب للعمل ولا أعود إلا وقت الغداء ثم أذهب مرة أخرى ولا أعود إلا قرب المغرب. وأخي المدلل فهمي يذهب لعمله أيضاً ثم يأتي ويجلس على القهوة معظم الوقت. وحتى لو كان هنا فلن
يساعد في شئ، وأختي في الجامعة تنهي دراستها وبعد أشهر ستتركنا وستذهب لبيت زوجها قريباً، ففرحها اقترب. وأنت لن تستطيعي حمله وحدك أبداً. فأرجوك أمي، هذه الفتاة هي الحل الوحيد بالنسبة لأخي، وهي من ستقف بجواره وتطعمه وتخدمه، وخصوصاً في الأشياء الخاصة مثل تغيير الثياب والذهاب للحمام وغيره. وأنت تعاملينها بشكل سيء جداً، ولو أن لها أهل يسألون عنها ما فعلت بها هذا، فلا تستغلي ذلك وعامليها بإنسانية قليلاً. فأنت تعاملين زوجتي
بشكل مختلف لأن أسرتها تقف في صفها.
ثم ينظر لسجدة. قال: ها هي تستفيق، الحمد لله على سلامتك يا زوجة أخي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!