قامت زهرة بالإتصال بأحمد عبر شبكة الإنترنت وتحدثت معه على أنها زينب، معيدة الصيدلة. أخبرته أنها يجب أن تحضر إلى العاصمة غداً من أجل التقديم ونقل أوراقها من جامعتها إلى الجامعة المقبلة. وللأسف، خطيبها خارج البلاد في منحة دراسية، لذا لن يستطيع مساعدتها. وطلبت منه أن يوفر لها شقة تكون قريبة من الجامعة لو أمكن ذلك، أو حتى مكان مؤقت حتى تستطيع توفير مسكن مناسب.
هنا طرأ على رأس أحمد فكرة، فهي ممكن أن تبقى في شقة خاله المجاورة له لحين عودته من الخارج، حتى يبحث لها عن مكان آخر. وخاصة أن أمه قد أخبرته أنها سوف تؤجر إحدى الشقتين اللتين يملكها أخوها وسوف تتبرع بالنقود كصدقة. قرر أن يتصل بأمه وطلب منها تأجير الشقة لأحد أصدقائه، ولم يخبرها طبعاً أنها فتاة. وافقت الأم في الحال بعد أن اشترطت عليه أن يهتم المستأجر بنظافة الشقة ويحافظ عليها. ثم أغلقت هالة الهاتف وهي تضحك،
ونظرت لزهرة وهي تقول: "خطتنا تسير على أكمل وجه، وهو الآن يستأجر لك شقة والدك ولا يعرف أننا من خطط لذلك منذ البداية حتى تكوني بالقرب منه. لكن الخطة الأولى تعتمد على جاذبيتك وخطف القلب من النظرة الأولى. فهيا بنا لنشتري ثياباً أنيقة وبعض الإكسسوارات لنبهر هذا الشاب العنيد." بالفعل، ذهبت زهرة وعمتها للتسوق، واشترت العمة لزهرة ثياباً أنيقة ومميزة.
في اليوم التالي، اتصلت زهرة بأحمد وأخبرته أنها ستصل لمحطة القطار بعد ساعة، وعليه أن ينتظرها في المحطة. فأخبرها أحمد أنه لا يعرف شكلها، فكيف سيتعرف عليها؟ أجابته زهرة أنها تعرف شكله من الصور الشخصية التي يضعها على صفحات الفيس بوك وغيرها، وتستطيع التعرف عليه من خلالها. بالإضافة أن الهاتف سيسهل لقاءهم لو لم تتعرف عليه. وجاء وقت اللقاء.
قبل الموعد المحدد، ذهب أحمد إلى المحطة لينتظر تلك الفتاة التي يتحدث معها على الفيس منذ عام ليرى شكلها لأول مرة. وجلس على أحد المقاعد في المحطة منتظراً قدومها. بينما هي وعمتها تريانه وتراقبانه من بعيد، حيث تختفيان خلف إحدى الكبائن، تنتظران وصول القطار القادم من مدينتهم حتى يحبكان المشهد ويصدق أحمد القصة. لما وصل القطار، خرج الركاب من المقصورات. فانضمت لهم زهرة وسارت وسط الركاب وهي تجر حقيبة أنيقة.
وعندما نظر أحمد إلى الركاب القادمين اتجاهه، وجد بينهم فتاة طويلة ممشوقة القوام، تلبس ثياباً غاية في الذوق تجمع بين الحشمة والأناقة، وتضع حجاباً يشبه لون السماء الزرقاء على رأسها. ويشرق وجهها بابتسامة تجعله ينير كأنه القمر، وتلبس نظارات شمسية أنيقة تزيدها جمالاً، ويتدلى من يدها سلاسل رقيقة ذهبية اللون. أخذ ينظر أحمد للفتاة القادمة نحوه منبهراً وهو يقول لنفسه: "هل يمكن أن تكون هي الفتاة المقصودة؟
ثم تمر زهرة أمامه، ولكنها تتخطاه ببضع خطوات. فيقول أحمد لنفسه: "كنت أعرف أنها ليست الفتاة المقصودة." ولكنها تستدير مرة أخرى وتنظر إليه، وتقول له: "هل أنت دكتور أحمد؟ قال لها: "نعم." فاتجهت إليه ومدت يديها لتصافحه، فسلم عليها وهو مصدوم، وهو يقول: "وأنتِ زينب محمد؟ قالت: "نعم." ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. قالت له: "زينب، ما سر ابتسامتك؟
أجاب: "أحمد: لا أبداً، لقد تذكرت شيئاً في الجامعة. هيا بنا لنذهب كي ترى الشقة التي ستعيشين فيها." ثم أخذ الحقيبة من يديها وجرها بنفسه. كانت هالة واقفة من بعيد وهي تراقب ما يحدث، وتقول لنفسها: "أيها الابن المشاكس العنيد، لقد تركت زوجتك وأمك يجران الحقائب منذ يومين في الفندق، والآن تجرها دون أن يطلب منك. صبرك يابني الغالي، لنرى من سيربح في النهاية." توجه أحمد وزهرة إلى العمارة التي يسكن فيها.
ثم سألت زهرة: "في أي طابق سأسكن؟ فقال لها: "الطابق الخامس." وضعت يدها لتضغط على زر المصعد، في الوقت الذي يضع يده هو الآخر، فيمسك بيدها بدلاً من زر المصعد. فاعتذر منها. أخبرته أنها تعرف أنه لا يقصد. ثم وصل المصعد للدور الخامس، فخرجا من المصعد، وأخبرها أن هناك ثلاث شقق في كل طابق، وأن هذا الطابق لا يسكن فيه غيره، فهذه شقته. والتي أمامها حيث ستسكن ملك لخاله، والثالثة ملك لخاله أيضاً ولكن دون أثاث وبها بعض أغراض خاله.
وأنها ستبقى في هذه الشقة المجهزة التي أمام شقته لحين عودة خاله، ثم يمكنها وضع بعض الأثاث في الشقة الأخرى والبقاء فيها إذا أحبت المكان. ثم أعطاها مفتاح الشقة. طلبت منه زهرة أن يحتفظ بنسخة لديه ربما تنسى مفتاحها، فهي معتادة على نسيان المفاتيح. وهي غالباً ما تغلق من الداخل عند تواجدها بالشقة، وهذا لا يعني عدم ثقتها فيه، وإنما تفعل ذاك للأمان فقط. شكرها أحمد على هذه الثقة وقال لها: "إن شاء الله سأكون عند حسن ظنك بي."
قالت: "أرجو منك لو سمحت أن تمر علي غداً عند ذهابك للجامعة، فأنا لا أعرف الطريق إليها." ثم خلعت النظارات الشمسية ونظرت في عينيه مباشرة وهي تقول: "أستأذن منك الآن." رأى أحمد تلك العيون الزرقاء الواسعة والرموش الطويلة، فوقف مذهولاً دون أن ينطق بكلمة. ثم يدرك بعدها بلحظات ما يحدث، فقال لها: "آه، تفضلي بالاذن منك." ويفتح باب شقته ويدخل بسرعة. وقبل أن يقفل الباب، يراقبها وهي تدخل شقته. تدخل زهرة شقة أبيها
وتقف خلف الباب وتقول: "لقد راهنت عليك يا زوجي العزيز بكوب من العصير، سنرى من سيشرب الكوب في النهاية. والآن أعتقد أنني قد ربحت الجولة الأولى." ثم أمسكت بالهاتف واتصلت بعمتها هالة وأخبرتها ما حدث بالتفصيل. قالت لها هالة: "أن هذا ممتاز، وبأنه يجب الانتقال للمرحلة الثانية مباشرة، وهي مرحلة الهجوم لدخول المصيدة. ويكون هذا بداية من الغد، ولكن عليها مراقبته جيداً حتى لا يفلت منها."
دخل أحمد إلى شقته وهو شبه مذهول من روعة الفتاة وجمال عيونها، ثم قال في نفسه: "ماذا فعلت بنفسي؟ لو كنت أعلم أنها بهذا الحسن والجمال لما تدخلت في الأمر. وكأن في عيونها سحراً يجذبني إليها دون أن أشعر، حتى قلبي كان يدق بقوة عندما لمست يدها في المصعد." ثم قال: "إياك أن تتعلق بها يا غبي، فالفتاة قد عقد قرانها، أي أنها من المستحيل أن تكون لك يوماً." ثم قرر أن يتجنب لقاءها بدأ من الغد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!