تخرج لبنى من المشفى بعد أن عرفت نتائج كل الفحوصات وتركب سيارة سماح معها. وبعد أن ينزلها السائق أمام شركتها، يكمل طريقه ليوصل لبنى. قالت لبنى: "لو سمحت، هل من الممكن أن تأخذني للسوق أولاً؟ لأشتري بعض الأغراض قبل ذهابي للبيت." قال السائق: "ليس لدي مانع، فالسيدة سماح لن تحتاجني قبل خمس ساعات على الأقل." ثم يأخذها لأقرب سوق في طريقه. تنزل لبنى من السيارة وتشاهد الأسعار. بينما يساعدها السائق في كيفية اختيار الأصناف.
ثم تنظر للسائق: "لو سمحت اختر لي أنت السلع، فهذه أول مرةً أشتري فيها شيئاً." قال السائق: "من عيوني يا بنتي." وبعد أن يختار لها الطلبات، تقول لبنى للبائع: "لو سمحت زن لي هذه الأشياء." قال البائع: "حسناً يا مدام." ثم يأخذ أكياس الثمار ويزنها. فتعطيه الثمن وتعود نحو السيارة مع السائق الذي يحمل لها معظم الأشياء. قال السائق: "هل انتهيت يا بنتي أم تريدين شيئاً آخر؟
قالت لبنى: "لا، هذا يكفي. لقد اشتريت كل الأصناف التي اقترحتها عليّ، وكذلك اللحم والدجاج." قال السائق: "حسناً، اركبي لأوصلك لمنزلك." تركب لبنى في الكرسي الخلفي. ثم تقول للسائق: "هناك مشكلة أخرى، أنا لا أعرف كيف أطهو هذه الأشياء؟ قال السائق: "يبدو أنكِ تربية عز، حتى لا تعرفي كيف تطبخين." قالت لبنى: "كنت كذلك في السابق، فلقد كان والدي يملك شركة من أكبر شركات بيع السيارات، ولكنه خسر كل شيء قبل وفاته ولم أعد أملك شيئاً."
قال السائق: "لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن لا تقلقي، فالآن كل شيء صار سهلاً وتستطيعين الاستعانة بالنت وستجدين فيه كل ما تحتاجينه من وصفات يمكنك تنفيذها. ولو أردتِ أن تسألي عن شيء بخصوص الطبخ، فهذا رقم زوجتي، خذيه واتصلي بها وهي ستعرفك كل شيء تحتاجينه، فهي بارعة جداً. وأنا بعد أن أوصلك، سأتصل بها وأخبرها بموضوعك لترد عليكِ لو اتصلتِ بها." قالت لبنى: "شكراً لك. قف لو سمحت، هذه هي العمارة التي أسكن فيها."
قال السائق: "يا محاسن الصدف، كنت أظن أنك تسكنين بنفس الحي، ولكن لم أتوقع أنك في نفس العمارة أيضاً، فأنا وزوجتي نستأجر شقة في نفس العمارة في الطابق الأول، ولكن غريبة، لم أرك من قبل." قالت لبنى: "لأننا انتقلنا هنا حديثاً، فقد اشترينا شقة كانت معروضة للبيع منذ عشرة أيام تقريباً." قال السائق: "حسناً، لا تقلقي أبداً، سأرسل لك زوجتي سعدية كي تساعدك وتعلمك الطبخ، فنحن لو أنجبنا طفلاً كان سيصبح في مثل عمرك."
قالت لبنى: "شكراً لك، لا أريد أن أتعبها معي، سأحاول أولاً، وإذا فشلت سأتصل بها كي تحضر وتساعدني." قال السائق: "حسناً يا بنتي، ولكن زوجتي ستفرح بمساعدتك، فنحن لم ننجب أولاداً وستكونين مثل ابنتها. بالمناسبة، أنا اسمي فتحي." قالت لبنى: "تشرفت بمعرفتك عم فتحي." قال فتحي: "قبل أن تغادري، أين شقتك بالضبط؟ قالت لبنى: "أنا وزوجي نسكن في الطابق الثالث في الشقة التي على اليمين." قال عم فتحي: "بالتوفيق يا بنتي."
ثم تنزل لبنى من السيارة وتأخذ أغراضها من الحقيبة الخلفية وتشير للسائق بيدها وهي تدخل من باب العمارة. قالت لبنى: "شكراً لك على التوصيلة." ثم تغادر لشقتها. وعندما تفتح الباب، تجد زياد يتكئ على سلم الحركة ويحاول المشي أمام الغرفة. فتغلق لبنى باب الشقة بسرعة وتضع المشتريات على الأرض وتجري نحوه. قالت لبنى: "لماذا تقف هكذا؟ ألم يخبرك الطبيب ألا تتحرك من مكانك إلا للضرورة؟
قال زياد: "أردت الذهاب للحمام، ولا تخافي، لم أحمل على قدمي المكسورة، فقد استعنت بالحامل الذي أحضره لي صديقي المدرب، وكنت أحمل فقط على القدم السليمة وذراعي." قالت لبنى: "حسناً، تعالي استند عليّ وسآخذك للحمام." قال زياد: "لقد ذهبت بالفعل، وكنت عائد لسريري، شكراً لك." قالت لبنى: "سأسندك كي تعود للغرفة." فتسنده لبنى حتى يعود إلى فراشه وتضع رجله المكسورة على السرير ببطء.
قال زياد: "لقد تأخرتِ كثيراً يا لبنى، ولقد قلقْتُ عليكِ." قالت لبنى: "أنت تعرف أنني لا زلتُ جديدة في موضوع التسوق، لذا أخذت وقتاً وأنا ألفّ في السوق حتى أختار الشيء المناسب. أنا أعرف أنك جعت كثيراً، لذا أحضرت لك بعض سندوتشات الفلافل، فكلها حتى أجهز لك طعام العشاء." يأخذ زياد منها السندوتشات ويأكل، فتقف لبنى متوجهة نحو باب الغرفة. قال زياد: "وأنتِ، ألن تأكلي معي؟
قالت لبنى: "لا، أنت تعرف أنني أكلت قبل خروجي في الصباح، وأنا أتبع حمية ولن آكل إلا في وقت المغرب، وسأكون قد جهزت الطعام وآكل." قال زياد وهو يأكل: "من الشخص الذي كنتِ تركبين معه، فهي السيارة الملاكي؟ قالت لبنى باستغراب: "هل كنت تراقبني؟ قال زياد: "لا حبيبتي، لا يمكن أن أفعل شيئاً كهذا، ولكنكِ تأخرتِ في الحضور وكنتِ تغلقين هاتفك، فقلقت عليكِ ووقفت في الشباك قليلاً فرأيتكِ وأنتِ تنزلين من السيارة وتلوحين للسائق."
قالت لبنى في نفسها: "لقد أغلقت الهاتف عندما كنت أجري الأشعة والتحاليل في المستشفى ونسيت أن أفتحه، يا لغبائي."
ثم تقول لزياد: "آسفة زياد، لقد سقط الهاتف مني وأنا في السوق وأُغلق نفسه، ولم أنتبه له، فأنا جديدة في موضوع شراء الخضر والطلبات، لذا كنت مرتبكة وكل شيء كان يقع مني على الأرض دون أن أنتبه. أما عن الشخص الذي أقلّني إلى هنا بالسيارة الملاكي، فبإمكاني أن أخبرك أن صديق أبي أو من معارفنا، ولكني سأخبرك الحقيقة، أنا لم أره إلا اليوم فقط في السوق، هو عم فتحي أحد الجيران الذي يسكن هو وزوجته في الطابق الأول، وهو يعمل سائقاً في شركة كبرى. وعندما وجدني مرتبكة في السوق والأشياء تسقط مني، حمل لي المشتريات واشترى معي الأشياء التي نريدها وأوصلني إلى هنا عندما علم بأننا جيران."
قال زياد: "لبنى، هل أطلب منكِ خدمة؟ قالت لبنى: "تفضل." قال زياد: "لا أريدكِ أن تركبي سيارة خاصة مع شخص غريب بعد الآن، لأني سأكون قلقاً عليكِ." قالت لبنى: "طبعاً مادمت هذه رغبتك، ولكن لا تقلق، فهو رجل كبير في السن وبعمر والدي، وهو مجرد سائق للسيارة وليس صاحبها، واعتبرت أني أركب سيارة أجرة."
قال زياد: "أي كان سن السائق فلا تفعلي ذلك، فهناك فرق بين رجل يعمل على سيارة أجرة أو تابع لشركة وهذه مهنته والناس تعرفه، وبين آخر يقود سيارة ملاكي شخصية ولا تعرفينه، مهما كان الشخص كبيراً، فلا أحب أن تفعلي ذلك لو سمحت، فلن أكون مستريحاً." قالت لبنى: "وهل تغار عليّ؟ قال زياد: "ببساطة شديدة، نعم." قالت لبنى: "حسناً، حسناً، سأفعل بالتأكيد. والآن سأتركك تكمل أكلك وأغير ملابسي وأحاول إعداد طعام العشاء وأدعو ألا يحترق مني."
ثم تضحك. بعد أن تخرج لبنى من الغرفة، قال زياد لنفسه: "للأسف، كنت أود أن أكسب المال بسرعة حتى أجعلكِ تعيشين في نفس المستوى الذي عشتِ فيه طوال حياتك ولا تعاني معي، أو أساعدكِ على الأقل، ولكنني ها أنا ذا أنام على فراشي عاجزاً حتى عن الحركة ولا أستطيع مساعدة نفسي. كله من هذا الوغد الذي يسمى وحيد هو الذي دمر كل شيء، ولكني لن أتركه حتى يدخل السجن، ولكن بعد أن أقابله في الحلبة وأكسر عظامه كما فعل معي وآخذ حقي منه."
في الشركة، قال وحيد للموظفين: "أشعر إنكم لا تعملون بجد منذ أن أصبحت أنا مالك المصنع، ولكني أحذركم، إذا لم تعملوا بإخلاص كالسابق، سأفصلكم جميعاً من الشركة وأحضر غيركم، مفهوم؟ قال الموظفون: "مفهوم." قال أحد الموظفين: "هناك منافسة شديدة من الشركات الأخرى، ونحن نحتاج لتطوير السيارات والإعلان عنها بشكل أكبر."
قال وحيد: "حسناً، من الغد أريدكم أن تعملوا ما في وسعكم بهذا الشأن، وأريد أن أرى أشخاصاً أذكياء ومتفانين في العمل حتى تعود الشركة لسابق عهدها. هيا، انتهى الاجتماع." يذهب الموظفون لمكاتبهم، بينما يبقى عباس جالساً. ثم ينظر لوحيد قائلاً: "من يراك وأنت تكلم الموظفين يظن أنك رجل أعمال محنك منذ نعومة أظافرك."
قال وحيد: "لقد علمتني مدرسة الحياة أن أغير قدري بيدي لأستحق المكانة التي وصلت إليها، وأن أكون قدر المسؤولية حتى أحافظ على شركتي." قال عباس: "واضح، واضح، ولكنك تشتري ثياباً غالية وتركب سيارة فخمة ويظهر عليك الغنى الفاحش، ولكن عليك ألا تبذر المال هكذا يا صديقي حتى لا نجد أنفسنا في القاع مرة أخرى."
قال وحيد: "المال خُلق لنتمتع به، والمظاهر جزء من العمل وجذب الزبائن، بالإضافة أننا لو أكلنا الأوراق النقدية بدلاً من الطعام، فلن تنفذ حتى نموت، فلدينا ثروة ضخمة. ولكن المشكلة الحقيقية التي تواجهني تكمن في أنني لا أفهم في كيفية عمل الشركة، وأنا لا أثق بهؤلاء الموظفين." قال عباس: "حسناً، عليك أن تجد شخصاً موثوقاً فيه كي يدير معك الشركة."
قال وحيد: "لا أستطيع الثقة بأحد هذه الأيام، وخصوصاً بعدما فعلناه بصبري، فالعاقل من اتعظ بغيره." قال عباس: "حسناً، افعل ما تراه. المهم، ضع لي بعض النقود في الفيزا خاصتي، فأنت من يدير الشركة والأموال كلها بيدك." قال وحيد: "وأين أنفقت المال الذي أعطيته لك؟ لقد وضعت نصيبك من الأرباح في البنك." قال عباس: "سحبته واشتريت به بضاعة ولم أجني الأرباح بعد، فأنا أريد جمع المال لأكبر مثلك وأصبح صاحب شركة خاصة."
قال وحيد: "هل ستظل في هذا المستنقع ولن تخرج منه؟ نحن أصبحنا أثرياء، والأعمال المشبوهة ستضر بنا." تتصل السكرتيرة من خارج المكتب: "سيد وحيد، هناك رجال شرطة يريدون مقابلتك." قال وحيد: "أدخليهم." تدخل الشرطة إلى مكتب وحيد وتخبره أنه سيتم القبض عليه بتهمة الاتجار في الممنوعات. قال وحيد: "ما هذا الكلام الفارغ؟ كيف تتهمون الناس الشرفاء هكذا بدون دليل؟ قال الشرطي: "لقد وجدنا الممنوعات في إطارات السيارات التي تستوردها شركتك."
سيد وحيد ينظر لعباس: "لماذا فعلت هذا يا عباس؟ قال عباس: "ماذا تقصد؟ لماذا تنظر لي؟ قال وحيد: "لأن الشحنة باسمك يا سيد عباس، وهذه الأوراق التي معي تثبت ذلك، وهذا يعني أنك من وضع هذه الأشياء." قال عباس: "لقد كانت الشحنة باسمك أنت، فكيف ومتى غيرتها؟ قال وحيد: "منذ أن شككت فيك." قال عباس: "إذاً أنت قد فعلت هذا عن قصد لتوريطي."
قال وحيد: "قل ما شئت لتتهرب من المسؤولية، ولكنك أنت من وضع الشحنة المشبوهة في وارداتي عن قصد كي تتخلص مني وتستولي على الشركة، هل تظن أنني مغفل؟ لقد كنت أراقب هاتفك طوال الوقت وعرفت ما تخطط له أيها الخبيث. ولكن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها يا سيد عباس. وسأسلم كل التسجيلات التي لدي للشرطة كي تحاكم على جرائمك كلها. تفضل حضرة الشرطي، هذه هي التسجيلات." يمسك الشرطي التسجيلات.
قال الشرطي: "سنستدعيك غداً لتدلي بأقوالك يا سيد وحيد." قال وحيد: "طبعاً، سأكون في الموعد تماماً، فهذا الرجل فعل أشياء بشعة ليس الآن وحسب، بل في الماضي أيضاً، وأهمها اختطافي عندما كنت صغيراً أنا والكثيرين غيري من الأطفال، لذا سأحرص أن يمضي بقية حياته في السجن." قال عباس: "أنت خائن يا وحيد، بعدما ربيتك وأوصلتك لما أنت فيه من ثراء، تفعل هذا معي، يا لك من وغد."
يمسك الشرطي بعباس ويصطحبه لخارج الشركة متوجهاً للقسم، بينما يسب عباس طوال الطريق ويلعن اليوم الذي عرف فيه وحيد. بعد أن يغادر الجميع، قال وحيد: "لقد كنت أراقبك طوال الوقت يا عباس، فقد جعلتني أوقع على الأوراق باسمي لتوقعني في الفخ، ولكني تركتك تفرح بذلك، ثم سرقت منك الأوراق التي تحمل توقيعي ووضعت لك بدلاً منها أوراق تحمل توقيعك. فأنت تظن أنك ذكي، ولكن هناك من هو أذكى منك.
لقد قلت لمساعدك: 'لو نجحت عملية التهريب، فستأخذ الأرباح، ولو اكتشفت الشرطة الأمر، ستتخلص مني وتأخذ الشركة كلها لنفسك'. ولكن ما لا تعرفه يا صديقي هو أنني من بلّغت عنك وعن الشحنة لأوقع بك وأدخلك السجن المؤبد. فأنت تستحق ذلك، فأنت من سرقني من أهلي وأنا صغير وجوعتني وضربتني وعلمتني السرقة والاحتيال، ولكن هذا يكفي، فأنت الآن في مكانك الصحيح وستدفع ثمن كل ما فعلته بي وببقية الأطفال المساكين. أما أنا فسأبدأ من جديد حياة
نظيفة وأنسى الماضي بكل أوجاعه. وسوف أبحث عن أسرتي حتى أجدهم، فلقد اشتقت لرؤية أمي ولي حساب مع أخي الكبير علي تصفيه، ولكن كيف وأنا لا أحمل صورة واحدة لهم، وقد نسيت أشكالهم، حتى أنني لم أعد أتذكر وجه أمي أو أخي الكبير. حسناً، سأحاول تعيين تحري للبحث عنهم. والآن علي الانتقال للشيء الأهم في الوقت الحالي، فلا يجب أن أظل هكذا لا أعرف شيئاً عن إدارة الشركة، لأني قد أتسبب في انهيارها. حسناً، أنا سآخذ كورس مكثف في إدارة
الأعمال وسأبدأ من اليوم، وخصوصاً بعد أن نظفت الشركة من كل القاذورات التي كانت بها، وأقصد عباس ورجاله. صحيح أنني سرقت الشركة من صاحبها، ولكن صبري أيضاً كان لصاً محتالاً فقد سرقها من صاحبها الأصلي قبل ذلك. وفي النهاية، فنحن جميعاً لصوص."
في شقة زياد، يشم زياد رائحة شياط في المطبخ، فينادي على لبنى. قالت لبنى: "نعم، ماذا تريد زيزو؟ أنا مشغولة." قال زياد: "هناك شيء يحترق ورائحة شياط شديدة." قالت لبنى: "تأتي للغرفة وتقف أمام الباب قائلة: 'الحقيقة أن البصل الذي وضعته قد احترق، ولكن لا تقلق، لقد اتصلت بجارتي السيدة سعدية وستأتي لتساعدني.'" قال زياد: "ومتى تعرفت عليها؟ قالت لبنى: "هي زوجة عم فتحي، الرجل الذي أقلني إلى هنا."
قال زياد: "يبدو أنكِ حكيت للسائق قصة حياتك." قالت لبنى: "ليس كلها، هو كان يسأل وأنا أجيب فقط." قال زياد: "عزيزتي، هذا خطأ، فهؤلاء غرباء ولا يجب أن نحكي لهم كل ما يتعلق بنا، فربما كانوا لصوصاً مثلاً." قالت لبنى: "أنا آسفة، لن أفعل هذا مرة أخرى، ولكن في الوقت الحالي ليس لدينا شيء حتى أخاف عليه من السرقة." يطرق باب الشقة. قالت لبنى: "يبدو أن الحجة سعدية قد حضرت، سأذهب وأستقبلها." ثم تغادر الغرفة.
قال زياد لنفسه: "معك حق يا لبنى، فنحن مفلسون ولا نملك شيئاً نخاف عليه من السرقة، فلم يتبق معي سوى بضع دراهم أعطاني إياها المدرب بعد إصابتي." ثم يمسح وجهه بيديه. تفتح لبنى الباب. قالت المرأة: "أنا سعدية زوجة الحج فتحي التي تحدثنا سوياً على الهاتف منذ قليل." قالت لبنى: "أهلاً بك، تفضلي، اجلسي هنا لنشرب شيئاً أولاً." قالت سعدية: "لا وقت للجلوس حبيبتي، هيا خذيني للمطبخ لننجز العمل أولاً وسنتحدث أثناء طهي الطعام."
تأخذها لبنى للمطبخ حيث تعلمها سعدية كيف تعد الوجبة، وتخبرها أنها ستحضر غداً في نفس الموعد لتعد معها حلة محشي لكلا منهما. تعانقها لبنى وتشكرها ثم تنصرف سعدية لشقتها. تضع لبنى الطعام لزياد وتجلس معه كي تأكل، ولكن قبل أن تضع لقمة في فمها يدق هاتفها. فتنظر لترى من المتصل، وعندما تنظر للهاتف تجدها سماح. فتأخذ الهاتف وتخرج من الغرفة إلى غرفة أخرى وتغلق الباب خلفها.
قالت لبنى: "ألو، أهلاً سماح، آسفة تأخرت في الرد عليكِ، فزوجي كان يجلس بجواري. هل جد جديد؟ قالت سماح: "أهلاً بكِ لبنى، لقد وافقت على طلبكِ بأن تكوني أماً بديلة، فأنتِ أفضل المتقدمين حتى الآن من الناحية الصحية والبدنية." قالت لبنى: "أنا سعيدة، فلم أتوقع اتصالكِ وموافقتكِ بهذه السرعة." قالت سماح: "طبعاً، فأنتِ المرشحة المثلى، ولكن كما أخبرتكِ، لن تبقي مع زوجكِ خلال فترة الحمل."
قالت لبنى: "هو الآن مريض وقدمه مكسورة ويعتمد عليّ بالكامل، وبعد أن يشفى سأتركه فوراً، لا تقلقي." قالت سماح: "حسناً، وما الخطة التالية؟ قالت لبنى: "لقد جعلته يقدم طلباً على موقع شركتكِ لعرض مشروعه، كما اتفقنا."
قالت سماح: "وأنا سأتصل به لاحقاً وأخبره أنني وافقت على تمويل مشروعه وأعطيه الدفعة الأولى من المال الذي اتفقنا عليها، وبعد نجاح العملية وثبات الحمل سأعطيه الدفعة الثانية ليؤسس شركته الخاصة، ولكني لن أظهر في الصورة في الوقت الحالي وسأرسل له أختي سالي كي تتفق معه." قالت لبنى: "ومتى سأجري الحقن؟
قالت سماح: "غداً الساعة الحادية عشر قبل الظهر، ولن أوصيكِ بأن هذا الأمر سري ولا يجب أن يعرفه أحد حتى أختي، فهذا شيء غير قانوني وسيُحجب الورثة، لذا سيعترضون لو علموا بالأمر وقد يمنعون الحقن لو تسرب لهم الخبر، وخصوصاً سالي أختي الوحيدة من أمي." قالت لبنى: "حسناً، اتفقنا، فأنا سأهتم بسرية الأمر أكثر منكِ، فلو علم زياد بالموضوع، فلا أعرف ماذا ستكون ردة فعله، فلن يوافق أبداً."
قالت سماح: "حسناً، اتفقنا وسأترككِ الآن حتى لا يشك زياد في الأمر، فقد تأخرتِ عليه وسآتي غداً في الموعد." تعود لبنى لغرفة زياد بعد أن تنهي المكالمة مع سماح. قال زياد: "من المتصل؟ فقد تأخرت والطعام أوشك أن يبرد." قالت لبنى: "صديقة لي لديها مشكلة، ولم أكن أريد إزعاجك بحديثي معها، لذا خرجت من الغرفة لتأكل بهدوء." قال زياد: "حسناً، تعالي كلي، فأنا أنتظركِ ولم آكل شيئاً." قالت لبنى: "ولماذا لم تبدأ في الأكل حتى أعود؟
قال زياد: "أنا أكلت بعض السندوتشات صباحاً، بينما لم أركِ تأكلين شيئاً طوال اليوم، ثم إنكِ تعبتِ في إعداد الطعام ويجب أن تتذوقيه أولاً." جلست حسناً يا سيد زيزو، مع أنني في الحقيقة لم أجهزه وحدي، فالسيدة سعدية هي التي فعلت معظم الأشياء وأنا كنت أساعدها فقط. قال زياد وهو يأكل: "شكراً لكِ يا لبنى." قالت لبنى: "على أي شيء تشكرني؟ قال زياد: "على صبركِ معي، فلقد جعلتكِ تعانين منذ تزوجنا وأنتِ لم تعتادي هذه الحياة الصعبة."
قالت لبنى: "بل أنا من يجب أن أشكرك، فلولاكِ لكنتُ الآن وحيدة وبلا مأوى، ثم إنك لن تظل هكذا للأبد، فسوف تشفى بمرور الوقت، ومن يعلم، قد تصبح رجل أعمال ناجح يوماً ما وتنظر لفتاة غيري."
يبتسم زياد: "أولاً، لا يمكن أن أنظر لغيركِ أبداً. وثانياً، عن كوني سأصبح رجل أعمال مشهور، فلا أظن ذلك، فكل الأمور من حولي محبطة للغاية، وليس من الآن، بل منذ البداية، فلقد مات والدي وتركنا فقراء لا نملك شيئاً وتخلى عنا الجميع واضطررنا لمغادرة قريتنا، ثم ضاع أخي الصغير ولم نعثر عليه، ولكني صمدت في وجه الريح وكافحت حتى صرت من الأوائل على دفعتي، والبرغم من ذلك، تخطوني في الجامعة وعينوا شخصاً آخر غيري كمعيد، لأنه أحد أقرباء عميد الكلية. وبعدها عملت في شركة والدك، وبعد أن أصبحت نائب المدير، طردت منها شر طردة على يد وحيد. ثم حاولت أن أجد وظيفة أخرى فلم أجد، وأخيراً فشلت في تقديم اختراعي لأي شركة."
قالت لبنى: "لا تيأس يا زيزو، فقد قال أجدادنا: 'لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس'." قال زياد: "أنتِ متفائلة جداً، وقد أعطيتني طاقة إيجابية كي أحاول مجدداً." قالت لبنى: "لقد انتهينا من الطعام، سآخذ الصينية وأضعها في المطبخ وأغسل الأطباق ثم آتي لنكمل حديثنا. هل تريد أن أعد لك كوباً من الشاي؟ قال زياد: "لو سمحت، فأنا أحتاج لواحد فعلاً." قالت لبنى: "ستشرب أفضل فنجان شاي."
ثم تذهب لبنى للمطبخ تاركة هاتفها بجوار زياد على السرير. وبعد أن تغادر بوقت قليل، يدق هاتفها أكثر من مرة بينما هي تغسل الأطباق وتعد الشاي. فينادي عليها زياد أكثر من مرة، ولكنها لا تسمعه بسبب ضجيج الشارع بسبب الحفر، لأن الحي يقوم بتوصيل الغاز في المنطقة. فيمسك زياد بهاتف لبنى وينظر ليعرف من المتصل، فيجدها سماح. فيقول لنفسه: "حسناً، سأرد على الهاتف وأخبرها أن لبنى سترد عليها بعد قليل لأنها مشغولة في المطبخ."
ثم يفتح الهاتف. قالت سماح: "لبنى، لقد أرسلت لكِ عدة رسائل ولكنكِ لم تجيبي، لذلك قمت بالاتصال بكِ. لقد تقدم موعد العملية وأصبحت الساعة التاسعة صباحاً بدلاً من الحادية عشر، فلا تتأخري." قال زياد: "من أنتِ وعن أي عملية تتكلمين؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!