بعد أن ينتهيان من الطعام، قال زياد: غداً سنترك هذا الفندق، فقد وجدت شقة صغيرة مكونة من غرفتين وصالة ومطبخ صغير وحمام، نستطيع البقاء فيها حتى أجد عملاً مناسباً. قالت لبنى: كما تحب. ثم تمسك الأكياس لترفعها من فوق الطاولة، في نفس الوقت الذي يمسك زياد بها، فيمسك يدها عوضاً عن الكيس. قال زياد: آسف، لم أقصد. قالت لبنى:
لا تهتم، لم يحدث شيء. بالإضافة أنك زوجي، وليس عيباً أن تمسك يدي. والآن ستجلس لتتحدث معي قليلاً، فأنا لم أعد أكلم أحداً بعدما تصدرت صوري بفستان الزفاف وهروب العريس الصحف وأصبحت حديث وسائل التواصل، ولم أعد أرغب في تبرير الأمر لأحد. قال زياد: أعرف أنك بقيت وحدك طوال اليوم وتريدين أحداً تتحدثين إليه، ولكني لن أستطيع السهر والحديث معك لأني متعب جداً من العمل وأريد أن أنام بشدة. قالت لبنى:
لا تهتم لأمري، فلدي باقة نت سنوية وسأتسلى من خلالها. هيا تعال ونم على السرير حتى ترتاح، فأنا نمت طوال النهار ولن أنام الآن. قال زياد: لا، أنا مستريح على الأريكة. قالت: هيا نم على السرير، فأنا لن أنام إلا قرابة الفجر. قال: حسناً، مادمت مصرة سأفعل. ثم يستلقي على السرير ويغمض عينيه، وبسبب التعب في العمل يغط في نوم عميق بعد دقائق قليلة. تجلس لبنى بجواره وهو نائم.
أشعر أنني مستهترة، فبينما عملت طوال النهار لتوفير المال للسكن والطعام، أنفقته أنا بسهولة ودون أن أفكر. ولكني من الآن وصاعدًا سأكون زوجة مدبرة. ولكن ياترى بماذا تشعر نحوي؟ فأنا كلما أقتربت منك كأن مغناطيساً يجذبني إليكِ. ولقد شعرتُ بالخجل عندما أقتربت منك. هل ياترى تستلطفني كما استلطفك؟ وهل كلمات الحب التي أرسلتها لي كانت حقيقية أم مجرد كلام عابر أرسلته لي حتى ترضي أبي؟
أنا لازلت أقرأ كلمات الشعر التي أرسلتها لي فيدق قلبي وأجملها حين كتبت لي. لا أدري، ولكن هناك شيء يقول لي أن هذه الكلمات التي أرسلتها لي كانت من قلبك، ومن يدري، ربما تقول لي الحقيقة يوماً ما وتخبرني أنك مغرم بي. والآن علي أن استغل النت في شيء مفيد.
ثم تتمدد بجوار زياد على السرير وتبحث في شبكة الإنترنت، فتجد بعض الإعلانات عن وظائف خالية، فتكتب العناوين في مفكرة صغيرة كي يراها زياد في الصباح ويتقدم للعمل بها، فربما يقبل في واحدة منها. ثم تغمض عيونها فتنام. يستيقظ زياد في الصباح فيجد لبنى نائمة بجانبه. ثم يترجل من فوق السرير ويغير ثيابه ويذهب للبحث عن عمل.
ولكن لليوم التالي على التوالي لا يجد عملاً مكتبياً، فيضطر لحمل بعض أكياس الأسمنت لنقلها لإحدى العمارات، ثم يكمل اليوم وهو ينقلها للطابق السادس عبر رافعة للبناء. وفي آخر اليوم يعود للفندق وقد أنهكه التعب، فيدفع إيجار غرفة الفندق ويصعد لغرفتها. فيجد لبنى قد أحضرت بعض الطعام عن طريق طلبات سريعة للمرة الثانية. عندما يرى الأكياس يغضب ويقول لبنى:
لقد نبهتك أمس أنني ليس لدي القدرة على دفع ثمن ما تشترينه، ولم أعاتبك أو أقسو عليكِ، ولكني لن أستطيع أن أفعل هذا كل مرة. أنت الآن لست ابنة صبري علوان، رجل الأعمال الشهير الذي كان يمتلك أكبر شركات السيارات، أنت الآن زوجة زياد، الشاب المشرد الذي لا يجد عملاً. قالت لبنى: لقد دفعت ثمن الطعام من مالي الخاص، ولن أطلب منك شيئاً. قال زياد: ومن أين أحضرت المال؟ قالت: لقد بعت قرطي. قال زياد بغضب: ولماذا فعلت ذلك؟ قالت:
أردت أن أساعدك وحسب. قال: أرجوك لا تساعديني مرة أخرى. هيا أخبريني أين بعت القرط؟ قالت: عند محل المجوهرات الذي بأول الشارع. قال: حسناً. ثم يهم بالانصراف. أفقت لبنى: إلى أين تذهب؟ ألن تأكل؟ قال زياد: سأغيب لحظات ثم أعود. هات ما تبقى معك من مال القرط. تعطيه لبنى المال. يخرج زياد للشارع ويتوجه نحو محل المجوهرات ويسأل صاحبه. قال: هناك سيدة قد باعت لكم قرطاً منذ قليل، وأنا أريد استرداده. قال البائع:
ولكن ستدفع مبلغاً إضافياً. قال زياد: لا يهم، أحضره لي. كم ثمنه؟ قال البائع: الثمن. يخرج المال الذي معه كله ويعطيه للبائع، فيأخذه البائع ثم يعطي القرط لزياد، فيأخذه منه وينصرف وهو يقول لنفسه: والآن أنا مضطر لأبدأ من جديد، فلم يعد لدي درهم واحد. ولكن لو استمرت لبنى على هذا الوضع سأدخل السجن قريباً. ثم يعود لغرفته في الفندق وهو يحمل العلبة ويمدها للبنى قائلاً: تفضلي، هذا قرطك. قالت: لماذا أعدته؟ قال زياد:
لن أقبل أن تبيعي قرطك من أجل أن آكل به. ولو سمحت لبنى لا تشتري شيئاً إلاَّ بعد أن تخبريني. قالت لبنى: هيا لتأكل فقد حضر الطعام وانتهى الأمر. لقد أردت أن أفعل شيئاً أساعدك به. قال: ما يساعدني هو ألا تتصرفي من تلقاء نفسك حتى لا نتورط في أمر يزعجنا لاحقاً. قالت: حسناً، سأفعل ما تريده، ولكن لا تغضب مني. قال: سأحاول ألا أفعل، فالإجهاد يزيد الغضب.
ثم يجلسان ويتناولان الطعام، وبعد أن ينتهي ترفع لبنى الأكياس وتضعها في القمامة. ثم يغسل زياد يديه ويصلي ويجلس على أريكته. قال زياد: آسف أنني وبختكِ، فأنا في وضع حرج هذه الأيام، ولا أجد وظيفة وليس لدينا سكن، ومشروعي الذي أعمل عليه يحتاج لمال كي أنفذه، والدنيا تضيق في وجهي ولا أعرف كيف أتصرف؟ تجلس لبنى على قدميه وتنظر في عينيه قائلة:
لست غاضبة منك، على العكس، أنا أشعر بأنني غاضبة من نفسي، ولكن ما عشته من حياة مرفهة في السابق هو السبب. يرتبك زياد لجلوسها فوق قدميه ويحاول النظر بعيداً. قالت لبنى تضع يدها على وجهه وتدير وجهه نحوها مرةً أخرى: لماذا أنت مرتبك هكذا؟ قال زياد: لا، لست مرتبكاً، ولكني لم أعتد على الأمر بعد. قالت لبنى: عليك الاعتياد عليه، فقد أصبح لك زوجة. قال زياد:
لا أريد أن أورطك معي في حياة ليست واضحة المعالم. لقد عشتِ حياة سهلة في بيت والدك، أما ما نمر به الآن فحياة قاسية لن تحمّليها، فلقد وصّاني والدكِ عليكِ ولن أخون الأمانة وأجعلك تعانين معي. قالت لبنى: ولكني أريد خوض هذه التجربة معك، فربما أتعلم شيئاً ينفعني في حياتي، وأقصد تجربة الزواج والفقر معاً. قال زياد:
أنت تقولين ذلك لأننا في البداية والإنجذاب هو من يحرك مشاعركِ نحوي، ولكن عندما تعيشين معي لفترة طويلة وتعانين ستفقدين الشغف نحوي وستجدين تجربة الفقر والجوع مؤلمة وحينها سينتهي بسببها كل شيء حتى الحب. قالت لبنى: لو كان الحب صادقاً لن ينتهي بسبب امتحان صغير وسيتغلب على كل الصعوبات التي قد تواجهه. قال زياد:
صدقيني، فبمجرد أن نعتاد على بعضنا البعض ويحصل كل منا على الآخر سينتهي الحب وتظهر الحقيقة العارية، لأن الأشياء التي لم نكن نراها بسبب الرغبة، ستظهر واضحة أمام أعيننا ونشعر بها، وساعتها ستندمين، وأنا لن أعرضك لتجربة قاسية كهذه. لذا فعلينا أن نكون بعيدين عن بعضنا قدر الإمكان الفترة المقبلة. ولو كان ما بيننا حبًا سيصمد حتى أقف على قدمي ونخرج من هذه الورطة، وإلا فالتجربة ستغيرنا ونصبح غرباء وساعتها لن نبقى مع بعضنا.
تضع لبنى كلتا يديها حول وجهه. ولكني أحبك، فكيف أتجاهلك وأنت أمامي طوال الوقت؟ ثم تقترب منه وتطوقه بذراعيها. قال زياد: لا، أرجوك لبني، فأنا لست قوياً كفاية كي أمنعك. لكن لبنى تقترب منه، ولكنه فجأة يستفيق من سكرته ويقول لنفسه: ماذا تفعل؟ أنت تورطها معك. ثم يبعدها عنه. قالت لبنى: لماذا تبعدني عنك؟ ألست زوجي؟ قال زياد: عندما أستطيع الإنفاق عليك وتوفير سكن مناسب سأكون زوجك وقتها، وحتى هذا الوقت يجب أن أظل بعيداً عنك.
قالت: ألا يمكن أن تلغي عقلك قليلاً وتدع قلبك يتحكم بك لبضع دقائق؟ قال زياد: لا، لن أفعل، فعندما ألغيت عقلي ارتكبت خطأ في لا يزال يؤرقني حتى الآن. قالت: وما هو؟ قال زياد:
لقد كنا أنا وأخي جالسين على المحطة، وبينما ذهبت أمي تشتري لنا الطعام وطلبت مني ألا أترك أخي وأكون على قدر المسؤولية. أردت دخول الحمام بشدة، وكان من الممكن أن أنتظر والدتي بضع دقائق فقط حتى تعود ثم أذهب، ولكنني تركت أخي الصغير الضعيف وحده وغادرت. وعندما عدت وجدته قد اختفى ولم نعثر عليه إطلاقاً. لذا تعلمت أن رغباتي الشخصية يجب تأجيلها للوقت المناسب، وخصوصاً لو كانت ستدمر حياة شخص آخر. قالت لبنى: فهمت، أنت لا ترغب في.
قال زياد: أنت لم تفهميني للأسف، فعلى العكس، أنا أرغب فيك بشدة ولكن مصلحتك أهم عندي من اشتياقي لك. قالت لبنى: ربما كانت مصلحتي بقربك مني. قال زياد: عندما أملك المال سيكون كلامك صحيحاً، أما الآن وأنا لا أستطيع إطعامك فلا. قالت لبنى: الحب يعطينا الشعور بالأمان والدفء. قال زياد: الطعام هو من يعطينا هذا الشعور، لأنه عندما يقرصك الجوع، فلا الحب ولا غيره يبقيك على قيد الحياة. قالت لبنى: ولكني أريدك. قال زياد:
قلت لك لن يحدث شيء بيننا حتى أضمن مستقبلنا. قالت: لماذا أنت قاس هكذا؟ قال زياد: لأن ما حدث معي في صغري من جوع ونوم تحت القنطرة أنا وأمي في البرد القارص وبدون غطاء علمني أن أتحمل المسؤولية وأن لا شيء مهما كان إغراؤه قوياً عليه أن يؤثر في. قالت لبنى: ما تقوله غير صحيح وكله من وراء قلبك. جرب أن تكون بقربي وسينتهي الألم وستزول الذكريات السيئة العالقة برأسك. ثم تقترب منه وتضمه. قال زياد لنفسه:
سيطر على نفسك زياد، ولا تفعل ذلك، فلرب لذة ساعة ستجعل لبنى تحزن حزناً طويلاً. فيبعدها عنه برفق ويلتقط مفتاح السيارة ويجري خارج الغرفة ويغلق الباب. فتجلس لبنى وتضع يدها على خدها. على كل عموم، لن أيأس يا سيد زيزو، فأنا متأكدة أنك تحبني، وسأجعلك تعترف لي بذلك قريباً جداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!