تحاول لبنى التقرب من زياد ولكنه يشعر نحوها بالمسؤولية. فيأخذ مفاتيح السيارة ويجري نحو الباب. قالت لبنى: إلى أين تذهب؟ حسناً، تعالي ولن أتقرب منك. ولكن زياد يخرج ويغلق الباب. ثم يخرج من الفندق ويذهب لينام في سيارة الشركة التي لا تزال بحوزته. وبعد أن يتمدد على الكرسي الخلفي يقول لنفسه: جيد أنني لم أرجع السيارة للشركة، فهي على كل الأحوال لن تعود لصاحبها بل للسارق.
فصاحبها الحقيقي هي لبنى، ولكني لا أستطيع التصرف به أو بيعها لأنني لا أملك أوراقها. وإلا لكنت بعتها واشتريت شقة صغيرة بثمنها لتعيش فيها لبنى بدلاً من البقاء في الفندق أو تلك الشقة الضيقة التي كنت أنوي الانتقال إليها. ولكني سأتصرف وأبيعها قطعة قطعة وأضع عليها المبلغ الذي كنت أنوي أن أبدأ به مشروعي. وسأشتري شقة صغيرة للبنى كي تعيش فيها.
وبعد تأمين السكن سأبحث عن عمل جديد وتستقر حياتي وأستطيع التقرب منها، فهي تكاد تطيّر عقلي. ولولا أنني سيطرت على نفسي في آخر لحظة كنت سأنْجرف خلف مشاعري نحوها وأبادلها الحب. ما بك يا فتى؟ هي زوجتك فلماذا تعذب نفسك وتعذبها؟ فهي تحبك كما تحبها، وكل قبلة منها تجعلني أذوب أكثر وأكثر. وهل ستطعمها بالحب أم نسيت النوم تحت الكباري وأنت خاوي المعدة؟ ألا تتذكر والدك الذي مات لأنه لم يجد ثمن العلاج؟
لقد كان يحب أمك أيضاً ويتغزل فيها ليل نهار، ولكنها كانت تنام معظم الأيام بلا طعام. ثم تركنا في النهاية نعاني من الفقر والجوع. يكفي زياد، وفر لها المسكن والمال ثم بادلها الغرام كما تشاء، فهي على كل حال حبيسة عندي ولعل الأمور تتحسن. هيا نم وكفاك سخافة، فلديك الكثير من الأشياء يجب عليك أن تنهيها غداً. ثم يغمض عينيه. تجلس لبنى بعد انصراف زياد. ماذا أفعل الآن؟ لقد غادر زيزو ولا أعرف أين ذهب. ربما يكون ذهب ليبات عند أمه.
أعرف أنه يحبني، فنظراته لي تدل على إعجابه بي، ولكنه يعتقد أن تقربه مني سيضيع مستقبلي. ولكن مستقبلي قد ضاع بالفعل وهو من انتشلني من الضياع. فلولاه لكنت الآن في الشارع أو مع أخوتي في المصحة النفسية. يكفي لبنى، فلا فائدة، قد غادر زياد وعليّ أن أبحث عن شيء يسليني. الحمد لله أنني جددت الاشتراك السنوي للنت قبل حدوث تلك الكارثة وموت والدي.
وبعد بضع ساعات، وبينما يظهر في الخارج أحد العمال وهو يفتح إحدى الغرف، فجأة تسمع لبنى باب الغرفة ينفتح من الخارج. فتنظر على الطاولة التي بجوارها فتجد مفتاح الغرفة لا يزال موجوداً. لا، ما هذا؟ زياد نسي مفتاحه، فمن الذي يفتح باب الغرفة؟ ثم تجري بسرعة وتختبئ خلف الستارة وهي تقول لنفسها: لقد كان عامل الفندق الذي أحضر لي الطعام منذ قليل غير مريح بالمرة، فهل يعقل أن يكون هو؟ وقد يكون علم أنني بمفردي بعد مغادرة زياد.
وبينما هي تقف خلف الستارة خائفة، يفتح باب الغرفة ببطء شديد. وتشاهد لبنى من خلف الستارة شبحاً يدخل من الباب. قالت لبنى لنفسها: آه، تذكرت، سأرن على زياد ليحضر بسرعة. فتتصل على هاتف زياد، ولكنها تسمعه يرن فوق الطاولة. لا، غير معقول، لقد نسي زياد هاتفه، ماذا أفعل الآن؟ بينما تنظر أمامها فتجد الشبح يتجه نحوها ويمسك بطرف الستارة كي يزيلها، ولبنى ترتجف خلفها وتغلق عينيها. ولكنها فجأة تسمع صوت زياد يقول: ماذا تفعلين هنا؟
ترتمي لبنى في حضنه. لقد أرعبتني يا زيزو، لماذا دخلت على أطراف أصابعك هكذا كالصوص؟ يبتسم زياد وهو يبعدها عنه: لقد نسيت هاتفي وأتيت لأخذه، فلقد نمت في السيارة وعندما استيقظت بحثت عنه كي أنظر كم الساعة فلم أجده، فعرفت أنه هنا، ولكني خفت أن تكوني نائمة فلم أود أن أزعجك. قالت: لو أزعجتني لكان أفضل، لقد خفت جداً. ولكن كيف دخلت ومفتاحك لا يزال على الطاولة؟ قال زياد: أحضرت مفتاحاً إضافياً من الاستقبال.
ولكن الوقت قد تأخر جداً، فلماذا لم تنامي حتى الآن؟ قالت لبنى: لقد اعتدت على النوم قرابة الفجر لذا لم أستطع النوم. قال زياد: ولكن هذا يشكل خطراً على الصحة ويفسد الساعة البيولوجية للجسم، حاولي أن تغيري هذه العادة. قالت: ولكني قد اعتدت على ذلك بالفعل والساعة البيولوجية عندي قد تكيفت على الوضع الجديد. قال: حاولي أن تغيري عادتك هذه، فإن امتحاناتك قد اقتربت وأنت متضطرة للذهاب في الصباح الباكر.
قالت لبنى: سأحاول وأنت ستساعدني أليس كذلك؟ قال زياد: حسناً، لقد أخذت هاتفي وسأغادر الآن لأكمل نومي في السيارة، فلا يزال هناك وقت طويل حتى تشرق الشمس. قالت لبنى: أرجوك لا تفعل ذلك، وابقى معي، فبعد ما حدث لن أستطيع النوم وأعدك أنني لن أقترب منك. قال زياد: حسناً، سأنام على أريكتي. ثم يتمدد على الأريكة. قالت: نم أنت على السرير وسأنام أنا على الأريكة. قال زياد: لا، هيا نامي على سريرك.
قالت: عجبًا، أنا أتذكر المرة الأولى التي التقينا فيها طلبت منك البقاء معي في الغرفة لأني شاهدت فيلم رعب وكنت خائفة فرفضت وقتها. قال: الوضع كان مختلفاً، فلم تكوني زوجتي وقتها، ولأني كنت أعرف أنك تمثلين عليّ بالإضافة إلى أنني خفت أن يتلاعب الشيطان بعقلي وأقترب منك وأنت لا تحلين لي، لذا فضلت الابتعاد. أما الآن فأنتِ خائفة بالفعل، بالإضافة إنك زوجتي، والشيطان ليس غبياً ليجعلني أتقرب منك. ثم يضحك.
قالت لبنى: حسناً سيد زياد، وأنا عند وعدي، سأترك وشأنك. ثم تذهب لسريرها وتنام. بينما ينام زياد على الأريكة وهو ينظر للسقف تارة ولبنى تارة أخرى وهو يقول لنفسه: يبدو أن شيطاني غبي فعلاً، فهو يحرضني على التقرب منك، وربما ليس شيطاني الذي يفعل ذلك، وإنما قلبي، فهو غبي هو الآخر لأنه غارق في حبك. ثم يبتسم ويغمض عينيه وينام بعد فترة. في الصباح، يذهب زياد بالسيارة لأحد الأماكن التي تفكك السيارات.
لو سمحت، أريد تفكيك السيارة وبيعها بالقطعة، هي ملكي وهذه رخصة قيادتها، ولكن أوراقها الثبوتية ضاعت مني. قال الرجل: مفهوم، مفهوم، تريد بيعها كخردة، ولكن سنأخذ نصف المال. قال زياد: النصف كثير، سأعطيكم الربع. قال الرجل: حسناً، سآخذ الثلث وهذا آخر كلام عندي. قال زياد: حسناً، موافق، هيا أعطني المال. يعطيه الرجل ثلثي المبلغ بعد تقدير قيمة كل جزء في السيارة، ويأخذه زياد وينصرف. ثم يضعه على المال الذي في دفتره بالبنك.
ثم يذهب لأحد السماسرة ويطلب منه شقة صغيرة بالمبلغ. قال السمسار: حظك جيد، فهناك شقة لقطة بفرشها وصاحبها يريد بيعها لأنه مهاجر للخارج ويحتاج للنقود بسرعة. ولولا أنني لا أملك ثمنها لكنت اشتريتها فوراً، تعال معي لتشاهدها. يذهب زياد معه ويشاهد الشقة. قال زياد: إنها في منطقة شعبية ولكنها مناسبة وعلى قدر المبلغ الذي معي. قال السمسار: ولكنها شقة واسعة ومريحة وبها أثاثها، ولو اشتريت مثلها في مكان مميز ستكون بأضعاف سعرها.
قال زياد: حسناً، توكلنا على الله. قال السمسار: إذا تعالى معي لنتفق مع صاحب العقار وأخذ نسبتي. ثم يضحك: هذه أسرع صفقة تمت في حياتي كلها. قال زياد: للأسف، أنا مضطر لشراء شيء أسكن فيه لأني أقيم في فندق وهذا مكلف. قال السمسار: ولكنك لن تندم على شرائها، فأنا أسكن هنا وهي منطقة هادئة وكل شخص في حاله. قال زياد: أتمنى ذلك. قال السمسار: حسناً، صاحب العقار ينتظرنا على القهوة القريبة من هنا، هيا نذهب إليه ونتفق معه.
ثم يقابلان الرجل ويكتبان العقد، ويكتب له زياد شيكاً بالمبلغ. ثم يذهبان لتسجيل الشقة في الشهر العقاري باسم لبنى. ويعود زياد للفندق. قالت لبنى: لقد جئت باكراً اليوم. قال زياد: لأننا سنغادر الفندق وننتقل لشقتك الجديدة. قالت: وكيف اشتريتها وأنت لا تملك النقود؟ قال زياد: لقد بعت سيارة الشركة الخاصة بوالدك وأكملت بالمبلغ الذي كنت أدخره واشتريتها وكتبتها بسمك.
قالت لبنى: ولكنك كنت تحتاج النقود لمشروعك، فلماذا لم تستفد بها وتخرج المشروع للنور؟ ثم كنا نستطيع شراء شقة لاحقاً. قال زياد: أولاً، المسكن أهم، فلن أتركك تعيشين في غرفة الفندق وتتعرضين لدخول أحدهم عليك وأنا غائب، فلن أكون مطمئناً. وثانياً، النقود التي معي كانت قليلة لا تكفي لبدء مشروعي في تطوير السيارات الكهربائية، فكفاك ثرثرة وهيا لترَي شقتك الجديدة. يجمع زياد ولبنى أغراضهم ويضعونها في الحقائب، ثم يدفع إيجار الفندق.
وبعدها يركبان سيارة أجرة تقلهم للشقة الجديدة. وبعد أن يصلان لمنزلهم الجديد، قال زياد: تفضلي ادخلي برجلك اليمنى. ثم يتجولان في الشقة. هذه غرفتك وهي تطل على الشارع الرئيسي وواسعة، وأنا سآخذ الغرفة الأخرى. قالت لبنى: ولماذا لا تبقي معي في نفس الغرفة كما كنا في الفندق، ألست زوجي؟ قال زياد: لقد أخبرتك من قبل أنني يجب أن أكون جديراً بك أولاً، قبل أن يحدث شيء بيننا.
قالت: أنا أراك زوجاً مناسباً، لقد اشتريت شقة، وغداً ستجد عملاً مناسباً ونستطيع أن نبدأ معاً من الصفر. قال زياد: آسف لبنى، ولكني سأظل هكذا بعيداً عنك حتى أجد عملاً أو أتعاقد على مشروعي وأخرجه للنور. قالت: حسناً، أعرف أنك تفعل هذا حرصاً علي، ولكن أنا أراه حرصاً مبالغاً فيه، فهناك كثير من الأزواج يبدؤن حياة بسيطة ثم يكبرون معاً.
قال: أعلم هذا، ولكنك تربيت بطريقة مختلفة وعشت حياة مرفهة، وواجبي ألا أربطك بي حتى أصل لمكانتك ومستواك الاجتماعي. قالت: ولكني أستطيع النزول إليك ببعض الخطوات. قال: لن أسامح نفسي لو عانيت، فأنت لم ترَ الفقر والذل الذي رأيته أنا، ولن أقترب منك وبعدها ننجب أطفالاً يعانون كما عانيت في طفولتي حتى أضمن لك ولهم مستقبلاً جيداً. قالت لبنى: حسناً، لنغير الموضوع، ماذا سنأكل؟
قال زياد: لقد تبقى معي ألف درهم فقط وعلينا أن نعيش بها لبقية الشهر، فهل ستستطيعين العيش بهذا المبلغ البسيط؟ قالت لبنى: أنت قرر ماذا سنفعل وقم بالإنفاق بطريقتك، لأني لم أشترِ شيئاً بنفسي سوى الملابس والأكلات السريعة. قال زياد: حسناً، سأتدبر أمري. هل تأكلين؟ في اليوم التالي، يذهب زياد لعرض مشروعه على شركات السيارات، ولكنه لا يجد قبولاً منهم. فيعود وهو حزين. قالت لبنى: ماذا حدث؟
قال: لم يعد هناك أمل في تبني مشروعي من قبل الشركات الكبرى. قالت: حسناً، حاول أن تنفذه بنفسك. قال زياد: لا أملك المال لهذا، فلو أردت أن أنفذه سأحتاج لمبلغ كبير، وحتى هذا الوقت عليّ أن أجد عملاً. قالت لبنى: حاول مجدداً ولا تيأس هكذا. قال زياد: لقد حاولت كثيراً. عن إذنك سأذهب لأنام. بالمناسبة، قد أحضرت لك خبزاً وبعض البسطرمة التي تحبينها. قالت لبنى: ولكنها غالية الثمن وأنت لا تملك المال، لماذا اشتريتها؟
قال زياد: لأنك تحبينها. عن إذنك، فأنا أحتاج للنوم لأنظم أفكاري وأعيد ترتيبها من جديد. ثم يذهب لينام. تأكل لبنى بعض السندوتشات ثم تجلس على سريرها وتقلب في إعلانات شبكات التواصل الاجتماعي. فتجد إعلاناً لسيدة تطلب تأجير رحم لطفلها لأنها تعاني من سرطان في الرحم مقابل مبلغ كبير. قالت لبنى: ولما لا؟ على أن أساعد زياد بشكل ما، فالسيدة تعرض مبلغاً كبيراً جداً، سأتصل بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!