ازيكم عاملين ايه؟
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الواحد و الأربعون[عرفت الحقيقة]
سلمى خالد احمد
*************
كانت تحتسي القهوة داخل منزل ابن عمها فها هي وصلت منذ فترة قليلة، وقال لها الشاب وهما يجلسان على الأريكة في الصالون:
_ لحد أما تيجي روني بقا، قوليلي
_ اقولك إيه.. اومال فين حلا يا معتصم؟
_ عند أمها، شوية وجاية.. قوليلي انتي بقا عاملة إيه مع جياد؟ عمي قالي انك المرادي رجعاله بمزاجك وتقريبا حبتيه، حبيتي جياد فعلا؟
هزت رأسها نافية، ثم تركت كوب القهوة وقالت:
_ لا محبتوش.. فيه فرق بين اني اديله فرصة واني أحبه
_ وبتعملي في نفسك كدا ليه؟ طالما عمي سابلك الحرية، ليه مطلقتيش؟
ليه تعيشي مع واحد مش بتحبيه؟
ليه تظلمي نفسك وتظلميه معاكي؟
اطرقت..... فتابع:
_ سكوتك مش مطمني... انتي لسه بتحبي شهاب؟
لم ترد أيضًا، فتنهد وتابع:
_ يا هانيا بطلي سكوت وجاوبي.. لسه بتحبي شهاب؟
اغمضت عيناه لحظة ثم فتحتمها سريعًا وردت:
_ منستوش
هز رأسه بالايجاب ثم علق سريعًا وفي جدية:
_ اطلقي واتجوزي شهاب
_ مش نافع خلاص الموضوع دا
_ ليه؟ اعتقد ان هو كمان مش مرتاح في جوازه!
_ شهاب مراته حامل، هو مبقاش نفس شهاب اللي كان يخصني زمان، مبقاش شهاب بتاعي.. بقا شهاب جوز ماهي وابو ابنها اللي جاي.. مش انا اللي ممكن اسرق واحد من بيته ومراته وابنه.. هو كدب عليا، أما خطفني ساعة ما حكيتلك في التليفون اللي عمله مع بابا، قالي اطلقي ويلا مع بعض وقرري وكله بمزاجك انتي، وانا فعلا فكرت في كلامه وكنت بخرب بيتي وانا وجياد كانت علاقتنا بتفتش تقريبا، في حين البيه كان متمم جوازه منها حقيقي من قبل ما يخطفني اصلا، لان مفيش يومين وقالتلي انها حامل، طب كان بيخطفني ليه طيب؟
ابتسم كناية عن تعحبه ورد في استغراب:
_ يعني انتي مكملة مع جياد، علشان شهاب بقا مش متاح؟
هزت رأسها نافية، ثم ردت:
_ لا، انا كان ممكن اطلق واقابل فيما بعد شخص تالت خالص، انما انا قررت ادي فرصة تانية لجياد علشان ماكنش خسرت شخص بيحبني كل دا... انا عارفة انه بيحبني بس الظروف ماكنتش احسن حاجة، فاهمة حتى ليه كان بيضغط عليا و ليه كان أناني معايا وليه كان عصبي و بيجبرني احيانا.. فاهمة انه عمل كل دا لانه راجل عارف ان اللي معاه مش بتحبه والراجل اللي بتحبه عايش معها في نفس البيت فكان لازم يكون مضغوط وطالما هو مضغوط هيضغط عليا.. انما دلوقتي شهاب مشي ووعدني انه هيبعد وهيديني مساحتي وهي دي بقا الفرصة اللي هقدر اشوف فيها شخصية جياد الحقيقية، لو طلع في الحقيقة أناني ومتسلط كدا، هنفصل، انما لو طلع دا كله كان نتيجة ضغط، هكمل، لان بصراحة انا مش هعرف اعيش مع واحد أناني ومتسلط بطبعه.
هز رأسه متفقًا، ثم قال:
_ جياد شخص كويس فعلا وعامة اولاد الشيخ كلهم ناس محترمة، هو فعلا يستاهل فرصة تانية
ردت في استغراب مع ابتسامة صغيرة:
_ غريبة! فكرتك هتشوفه همجي بعد اللي عمله معاك في المستشفى!
_ لا لا، هو كان عمل إيه يعني!
هو بيغير عليكي وانا علشان راجل زيه متفهم شعوره جدا.. الراجل أما بيحب خلاص، بيشوف اللي معاه بتاعته هو وتخصه هو بس، وبيغير عليها من الهوا الطاير جمبها، هو لو معملش كدا كنت استغربت اصلا وقلت انه مش بيحبك.
سكتت برهة.... وساد صمت للحظات... ثم قالت وهي تشبك اصابع يديها في بعضهما البعض:
_ كل حاجة صعبة عليا انا قدرت اتجاوزها، كل مُر، كل ضغط، كل وحش... إلا حاجتين مش عارفة اتخطاهم
_ ايه هما؟
ابتلعت ريقها ثم تنهدت وردت:
_ الأولى، الحركة اللي عملها معايا جياد بالاتفاق مع روني.. وقتها انا حسيت بطعنة في قلبي، كأن.. كأن قلبي وقف لحظات وبعدها رجع يدق بصوت عالي.. صوت مليان قهر وخوف ووجع.. مش بس لاني مبقتش مع شهاب، لا.. علشان اللي طعنوني دول، اخواتي...
توقفت تستجمع نفسها، تعمل جاهدة لمنع سقوط دموعها، ثم تابعت:
_ طول عمري كنت بعتبر جياد اخويا وصاحبي، وروني كمان اختي وصاحبتي واقرب حد ليا.. فاني اكتشف فجأة انهم اتحدوا ومنعوني اعيش حياة فضلت سنتين ونص احلم بيها، احس بنغزة في قلبي جامدة... اثر الطعنة اللي مش عايزة تروح..
هو فكر في نفسه وهي فكرت في مصالح وأمور عقيلة بحتة وفي النهاية هي مع جوزها سعيدة وهو اتجوز البنت اللي بيحبها وحاليا بياخد معاها فرصة تانية اهو، ومحدش خسر ولا دفع التمن غيري.. ويارتني دفعته مرة واحدة، لا انا كل يوم بدفعه.
سكتت نتيجة لنزول دموعها وفي هدوء وصمت يشبهها، أخذت تزيلهم كعادتها.
كان صامتًا شاعرًا بذلك الوجع وتلك الكسرة وذلك القهر الذي يسكن ملامحها منذ وقت طويل... قال في شفقة:
_ انتي بقالك ٦ شهور بتعيطي.. ناوية توقفي عياط امتى؟
ردت في ابتسامة وهي تهز رأسها بالسلب:
_ مش بعيط، حساسة انا بس شوية مش اكتر.. اعتقد القناة الدمعية عندي خلصت في الست شهور دول
ابتسم الشاب ابتسامة تحمل الحزن، فهو يعلم انها تبتسم ابتسامة بها اليأس و الأسى واضحًا، تبتسم كناية عن وجع هلكها واتعب فؤادها منذ وقت طويل.
وبينما هي تضحك وهو يشاركها التبسم، بكت... بلا مقدمات بكت وتحولت البسمة إلى عبس و الضحكة إلى بكاء بصوت واضح، وبيديها خبأت وجهها منه، كانت تكره أن يبان ضعفها أمام الجميع هكذا.
حينها شعر الشاب بالحزن الشديد عليها ولم يعرف كيف يواسيها او ماذا يمكنه ان يقدم لها.. لهذا فضل أن يتركها تبكي قليلًا حتى تهدأ.
وبالفعل شيئًا فشيئًا بدأت تمسح بالمناديل الورقية دموعها المتناثرة على ملامح وجهها، ثم مسحت أنفها.
قال لها:
_ بقيتي أحسن؟
اهدي.. اهدي يا هانيا اهدي
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ بقيت أحسن اه، انا تمام دلوقتي
تنهد وقال:
_ طب الحمدلله.. مش عارف اللي هقولهولك دلوقتي ممكن يريحك شوية على الاقل ولا لا، بس... طول ما انتي مقتنعة ان جياد اللي اجبرك على الجواز منه.. طول ما انتي مقتنعة انه السبب في انه يفرق بينك وبين حبيبك، هتتعبي نفسيا وهتفشلي تصلحي علاقتك بيه حتى لو ادتيله ميت فرصة مش فرصة تانية.
حاولي تدركي وجهة النظر التانية هتخفف على قلبك لو صدقتيها وهتخليكي تعيشي معاه وانتي راضية
_ إيه هي؟
_ لو ادركتي ان الحب يا هانيا ليه كذا نوع وكذا شكل، وكل واحد بيحب بطريقته واسلوبه.
انا بحب بطريقة وغيري بيحب بطريقة، انا ممكن أقبل حاجة تحت مسمى الحب، غيري ميقبلهاش تحت مسمى الحب وهكذا....
جياد بيحبك، بس بيحبك بطريقته.. هو فضل يحاول يقرب وأما لاقاكي خلاص بضيعي منه، قال أتقدم وزي ما تيجي تيجي، يمكن هي تشوفني افضل منه كفرصة ليها، يمكن أهلها يشوفوني افضل لبنتهم واهو اكون عملت اللي عليا
_ ليه جيه في نفس وقت شهاب، كان ممكن يجي في اي وقت تاني، كان ممكن يسألني الأول انا جاي وعايز أتقدم وانا كنت هرفض فورا.. ليه يستخدم الأسلوب الرخيص دا، وهو عارف ان بابا لو أدى موافقة للشيخ مش هيقدر يرجع فيها بسهولة؟
ليه يلعب في نقطة صلة القرابة اللي بينا وصلة بابا بالشيخ؟
_ ماشي ماشي هو غلط وغلط كبير كمان، بس هو دماغه سحوته لهنا.. هو بيحبك وفكر بأنانية متفقين على دا، بس اللي انا عايز أكد ليكي، ان لو انتي كنتي رفضتي وصممتي على رفضك رغم ضغط عمي والدنيا كلها عليكي، كانت خطة جياد كلها باظت... هو كله اللي عمله خد وقت ومعاد شهاب، لو كان عمي مأجبركيش لو انتي رفضتي بكل الطرق، ماكنتش خطته دي هيكون ليها اي لازمة.
ردت في عصبية وصوت عالي نسبيًا:
_ كنت عايزني اجيب لكم العار؟
انا وشهاب كانت علاقتنا ببعض بيحصل فيها تمادى و كان لازم نتجوز اصلا، لان لو كنا سبينا نفسنا لشيطانا اكتر كان زمان كل حاجة باظت.
بابا رفضه رفض قطعي، قالي هو دا بالذات دا، كان هياخد باله من تصرفاتي وهيراقبني دايما، بالأخص انه عرف ان انا وهو الشركة كلها عارفة قصتنا مع بعض، هو حلف بالطلاق من ماما انه مش هيجوزني شهاب، وانا بضعف قصاد شهاب ولو قالي تعالي نهرب علشان نضغط على اهلك.. لو قالي اي حاجة هعملها... حتى لو مجاش جمبي، انا كنت هدور عليه واشوفه فين واروح له والشيطان شاطر وياما بنات وقعت وضعفت... انا هربت منه ومن ضعفي لما خفت وحسيت بالخطر... انا قبلت جياد علشان ماكنتش اعرف انه السبب في كل دا، كنت فكراه جاي يتقدم من قبيل الصدفة، لكن اقسم بالله وقتها لو كنت اعرف انه سبب كنت رفضته تماما وكنت حبست نفسي في البيت لحد أما يجي لي شخص تالت خالص، بس هما كلهم ضغطوا عليا وقالولي طالما ابوكي ضغط عليكي وحلف بالطلاق انك مش هتتجوزي شهاب، وافقي على جياد، بيحبك وشاري وهيبسطك وكل يوم كانت واحدة منهم عندي شكل تضغط عليا وتزين لي جياد في عيوني.
قلت لنفسي طالما شهاب بقا مستحيل، طالما ماخدتش اللي بحبه، خلاص خليني اخد اللي بيحبني وافتكرت الموضوع بسيط وسهل وهعرف اموف اون وكدا كدا جياد كويس وانا عارفاه بس اما اتجوزته، لا خالص.. كنت شايفة وشه شهاب ٢٤ ساعة، حسيت اني اتجننت، ازاي الموضوع صعب كدا؟
ازاي مش عارفة اتخطى كدا!
_ فاهمك، بس هو بقا جياد ميعرفش كل معاناتك دي، هو واحد أتقدم وعمل اللي عمله وخلاص، ساب الباقي عليكم، يا توافقوا يا ترفضوا، مهم تعرفي انه...
قاطع تحدثه، صوت رنات هاتفها، فقالت له:
_ استنى معلش هقاطعك، هشوف مين
أخرجت الهاتف من الحقيبة فوجدت المتصل زوجها، فتابعت:
_ جياد، استنى هرد
استقبلت المكالمة قائلة:
_ الو
_ هانيا تعاليلي حالا
_ في إيه خير؟
_ تعالي بس، انا طالع على مستشفى yang look
ردت في خضة:
_ ليه مستشفى ليه؟ خير خوفتني!
_ متخافيش لا، تعالي بس وهفهمك بس متخافيش مفيش حاجة تقلق والله.. الموضوع يخص ابننا اللي مات مش اكتر
_ طيب طيب، انا جيالك اهو، باي
انهت المكالمة معه وبدأت تلم اشيائها وتعدل ملابسها وشعرها قبل الذهاب، وسألها الشاب:
_ خير؟
_ مفيش حاجة، خير ان شاء الله، جياد بس عايزني في موضوع يخص موت ابننا، شكله وصل لحاجة
_ هاجي معاكي
_ لا لا بلاش، هو بيدايق من وجودك شوية.. انا بقوله اصلا اني رايحة لحلا وكدا علشان ميغيرش ويزهقني، متقلقش عليا، المستشفى كدا كدا قريبة من القصر
_ ماشي اللي يريحك، طب وروني؟
_ هكلمها اقولها، يلا باي
_ باي، خلي بالك من نفسك.
**********
اتجهت فاطيمة نحو فرد الأمن الذي أعطى لجياد التحليل، وقالت له:
_ جياد بيه كان عايز منك إيه؟
_ جاله تحاليل من المعمل بس وانا ادتهاله، هو ماكنش عايز مني حاجة
_ راح فين طيب، انا شفته ماشي؟
_ مقالش والله يا هانم
_ طيب روح على شغلك
وبعدما انصرف الرجل، تمتمت :
" كدا انا عرفت انت روحت فين يا جياد "
ثم اجرت مكالمة هاتفية مع شخص ما، قائلة بمجرد استجابته:
_ الو، أسمع هقولك ايه.. جيه دورك اهو، بس بسرعة.
*********
توقفت سيارة جياد أمام المشفى، ثم خرج وترجل في خطوات سريعة.
وأثناء سيره، وجد طيب توهه خارجًا من باب المشفى وها هو ينزل السلم وبمجرد أن لمحه ابتسم وقال:
_ جياد بيه
توقف جياد وابتسم له وقال:
_ اهلا وسهلا، هو حضرتك تعرفني؟
_ هو فيه حد في مصر ميعرفكش يا راجل!
انا بحبك جدا انت واخواتك ووالدك الشيخ عبدالله الزيني المحترم
ابتسم الشاب وقال له:
_ ربنا يعز مقدارك يارب
رد عليه الطبيب:
_ الله يكرمك، انا دكتور رمضان بالمناسبة، شغال في المستشفى دي، لاحظت انك داخل المستشفى وشكلك كان مستعجل خير؟ ان شاء الله الأسرة الكريمة كلها بخير؟
_ اتشرفت بحضرتك يا دكتور، خير ان شاء الله، انا بس كنت عملت تحاليل للحصانة بتاعتي وجاتلي على البيت وكان مكتوب في ورقة مفصلة الحالة كلها، اللي اتعرضت ليه حصانتي، بس انا بردو كنت حابب اسأل دكتور بنفسي واستفسر منه أكتر واكتر
_ اقدر اساعدك، وريني التحاليل دي
أعطاها الشاب له ووقف ينتظر رده... بدأ الطبيب يقرأ ويقرأ حتى انتهى وقال له:
_ شوف مستر جياد، الحصانة بتاعتك اتعرضت لجرعات من الحشيش في الأكل بتاعها
_ الحشيش يجننها لدرجة توقع مراتي من فوقه؟
_ اه طبعا ويعمل اكتر من كدا...
الحشيش فيه مادة اسمها THC بتأثر على الجهاز العصبي.
الحيوانات عمومًا (ومنهم الحصان طبعا ) أكتر حساسية للمادة دي من الإنسان.
والأعراض اللي ممكن تظهر:
ترنّح أو فقدان توازن
خمول شديد أو العكس: توتر وهيجان
تسارع ضربات القلب
ارتباك وعدم استجابة طبيعية
في حالات كبيرة: ممكن يحصل تسمم خطير ليه أصلا لو كانت الجرعات دي زيادة، خير مراتك بخير؟
_ هي بخير الحمدلله، بس ابننا هو اللي سقط علشان كدا انا مهتم افهم الحصان ليه اتجنن فجأة وعمل كل دا لانها قالت انه رماها فعلا
رد عليه الطبيب فورًا:
_ دي شبهة جنائية طبعا، لازم تبلغ البوليس، أكيد حد من أهل بيتك او الحرس او غيره، بيتنالوا الحشيش دا او مدخلينه بيتك بشكل من الأشكال، لو انت مبلغتش والبوليس شم خبر ان في بيتكم حشيش هتروحوا في داهية وكمان لازم تفهم هو ازاي الحشيش وصل للحصان... هو أكل الحصان بيتحط فين؟
_ مش عارف.. بس تقريبا عند البواب يعني
_ حلو، زي ما قولتلك بقا بلغ البوليس بسرعة لان دي شبهة جنائية وفي مصيبة في بيتك زي الحشيش دا
هز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ حاضر، حاضر هبلغ حالا.. على كل حال اشكرك يا دكتور
_ العفو
وأثناء سيره، قال الطبيب له:
_ ابقى طمني بالتليفون ولو احتاجت أي حاجة كلمني، هكون برا القاهرة لفترة
استدار الشاب له وقال:
_ تمام، خد رقمي اهو
وبعدما اعطاه الرقم، تابع طريقه للذهاب وحينها وجد زوجته تقبل نحوه في سرعة وهي تقول:
_ ايه يا جياد اللي حصل، طمني
أمسكها من يدها وقال:
_ متخافيش، تعالي، تعالي نركب العربية وهفهمك كل حاجة.
ظل ذاك الطبيب، أو الشاب الذي تصنع انه طبيب واقفًا يراقبهما حتى ذهبا، ثم اتصل على شخص ما وقال له:
"الو يا باشا، عملت كل اللي أمرت بيه، الفلوس امتى؟... تمام مستني سلام "
************
حينما ادركت أن ذلك السافل يجلس أمامها ويبتسم هكذا مثل المجرمين، استدارت كي ترحل في صمت، ولكنه هم بالنهوض وأسرع خلفها، ثم عرقل طريقها وقال:
_ لا لا، انا خلصت كلامي خلاص وماشي اصلا، تقدري تقعدي مع صاحبتك زي ما انتي عايزة، متخافيش كدا
كانت لا تنظر إليه بل تلقي بصرها بعيدًا عنه وملامح وجهها تحولت جميعها إلى ملامح تحمل الضيق والقرف.
ابتسم لذلك ثم خطى بخطوات مستقيمة نحو الباب كي يخرج، وبمجرد أن خرج، اتصل صفوت عليه عبر تطبيق ماسنحر وقال له بمجرد أن استجاب:
_ كل اللي طلبته اتنفذ بالحرف
ابتسم ورد:
_ جدع، اقفل يلا
انهى المكالمة معه، وبدأ يسير نحو سيارته وهو يطلب رقم أحدهم، فتح باب السيارة ودخل، وقبلما ينطلق، يعني اثناء ارتدائه حزام الأمان واستعداده وهكذا، استجاب الشخص له، فقال له على الفور:
_ كدا يا ماما اللي انتي عايزاه اتنفذ.. دورك بقا تعمليلي اللي انا عايزه.
وفي الداخل، وقفت نيرة وقالت في ابتسامة:
_ روني ازيك، تعالي اقعدي
ردت عليها في ايجاز:
_ كان عايز إيه؟
_ طب اقعدي طيب
_ قولي لو سمحتي بسرعة، كان عايز إيه دا؟
عقدت حاجبيها في استغراب وردت:
_ روني، هو دا مش تقريبا ابن خال جوزك؟
تنهدت تنهيدة طويلة فهي تكره سيرته وتكره رؤيته وتكره كل ما يخصه، وأثناء صمتها، سمعت صوت هاتفهما يصدح، اخرجته من الحقيبة واستجابت قائلة:
_ ايه يا هانيا؟
_ انا مش عند معتصم، حبيت بس اعرفك علشان لو جاية علينا
_ اومال انتي فين؟
_ رايحة القصر مع جياد، قضية قتل ابني هتتفتح النهاردة، بلغنا البوليس وهو في طريقه لينا
_ طب انا جيالكم حالا، سلام
قالت لها نيرة في استغراب:
_ معقولة ماشية؟
كنتي جاية في إيه وماشية في إيه؟
_ بعدين يا نيرة بعدين
ردت في ايجاز وهي تسرع جهة الباب.
**********
كانت ماهي تقف أمام المرآة تضع الميك اب خاصتها بعدما ارتدت فستانها الأحمر الجذاب الجرئ، وانتهت من تسريحة شعرها الأنيقة، ها هو لم يبق سوى الميك اب.
دخل شهاب من باب الشقة وهو ينادي في صوت عالي وعصبية واضحة:
_ ماهي، ماهي.. ماهي
كرر اسمها حتى دخل الغرفة عليها واختضت الفتاة من صراخه بذلك الشكل، وبمجرد ان دخل قالت في خوف:
_ نعم؟
اقترب منها في خطوات سريعة والغضب يكسو ملامح وجهه، ثم قال في صوت عالي اجش:
_ انتي روحتي قولتي لجياد ان اختي هربت او اتخطفت؟
بدأ التوتر يظهر عليها ولم ترد.. فتابع في نفس النبرة:
_ هو انتي كل تفة هتفها في البيت هتروحي تقوليها لاخوكي ولا إيه؟
لا ودا بالذات، وانتي عارفة احنا نحب بعض قد إيه طبعا!
ابتلعت ريقها وردت في نبرة صوت منخفضة بها الخوف:
_ هو...هو أيه اللي حصل؟
رد في صراخ:
_ اخوكي الوسخ دا عارف اني بكرهه وبتعقد اما بشوف خلقته وقلت ميت مرة مش عايز اتجمع في شغل معاه واصلا مليش انا اي شغل معاه والشكر لله.. يجي هو بالعافية عايز يمارس دور المدير عليا وعمال يقولي يلا على المكتب يلا على المكتب وانا رفضت وقولتله مش رايح المكتب يعني مش رايح وفكك مني السعادي وسبته ومشيت..
تابع في نبرة أعلى وأكثر عصبية وحدة:
_ يقوم يجي ورايا زي الشيطان الرجيم، ويقولي بردو روح المكتب كأن كم الرفض دا مأقنعهوش، كالعادة رفضت وانا بقول يارب نخلص بقا، وكله كان شغل في شغل، بس اخوكي قرر يتقمص دور خالتي ويفرش على المصطبة ويتكلم عن النسوان بقا والشرف و الحق والفضيلة وادعى الحكمة وقعد يقولي كما تدين تدان واللي بيحصل في اختك دا علشان اللي انت عملته في اختي وفي مراتي وهو كأس وهيمر على الكل و كل الكلام اللي بتنقله خالتي من بيت لبيت دا.
لا كلام مدير ولا كلام شغل ولا كلام رجالة اصلا، وطبعا انا على أخري كله الا الموضوع دا، انا خلقي في مناخيري اليومين دول وانتي عارفة، خلاني اتفتحت عليه وسمعته من المنقي واللي مش منقي واي حاجه خطرت على بالي قولتها، ليه بقا؟ ها؟ ليه؟ ليه اخوكي يوصل الإنسان انه يغلط ويتعصب ويقعد يسب ويلعن فيه وفي العيشة؟
ليه يخليني اقول كلام ماكنتش احب اقوله؟
مالها اختي بالموضوع؟ مالها اختي بأني اقبل اروح المكتب ولا لا؟
هو خلاص مبقاش عارف يجازيني ازاي كمدير فقال أما أحرق دمه باخته؟
طب هو ميعرفش ان الرجالة مينفعش تجيب سيرة النسوان في مشاكلهم؟
طب هو اخوكي دا امتى هيبقى راجل؟
كانت صامتة خائفة، لم تراه بمثل تلك الحالة من قبل ولم تسمعه يصرخ بذلك الشكل من قبل أيضًا، فردت في نبرة صوت منخفضة وضعيفة:
_ انا أسفة، انا أسفة والله
هدأ قليلًا وبدأ صوته ينخفض شيئًا فشيئًا، ثم رد في نبرة صارمة واضحة بها شدة:
_ اسمعي، اقسم بالله دي آخر مرة تنقلي اي حاجة بتحصل هنا في الشقة دي تخصني او تخصنا، لأي حد من أهلك.. ليكي تتكلمي مع أهلك في اللي يخصك بس، انما انا لا، اي حاجة تخصني بعيدة تماما عن أهلك، والا هتشوفي مني وش وتصرف مش هيعجبوكي ابدا، سامعة؟
هزت رأسها مؤكدة ثم ردت:
_ سامعة
تنهد ثم اتجه نحو الخزانة وبدأ يخرج ملابس البقاء في المنزل.
كانت تقف صامتة تترقب فعله وانتظرته حتى انتهى من تبديل ملابسه وجلس على السرير وهو يسحب الحاسوب الخاص به من فوق الكومودينو.
قالت في شئ من التوتر كي لا يرفع صوته عليها مرة أخرى:
_ اقدر امشي؟ انا اتأخرت على العيد ميلاد
رفع رأسه نحوها، ثم رد في ضيق:
_ هو إيه القرف اللي انتي لبساه دا؟
_ إيه؟
_ إيه إيه؟ إيه انتي؟
شايفك ما شاء الله لابسة فستان أحمر يعني لون ملفت ومفتوح من كل حتة و ضيق عليكي كدا ليه، قالولك انك متجوزة قرني؟
_ شهاب ما دا استايل لبسي من زمان وبعدين..
قاطعها قائلًا في ايجاز واضح:
_ بلا من زمان بلا بطيخ، غيري يلا القرف دا والا اقعدي مفيش مرواح في حتة
بدأت تتضايق وتعقد حاجبيها في اعتراض واضح، ثم قالت:
_ على فكرة طول عمر دا استايل لبسي وانت ماكنتش بتتكلم!
_ وبقيت اتكلم، ايه معترضة ليه؟ ولا انتي اللبس المقفل هيقرّصك؟
_ لا بس حاسة ان دا تحكم وخلاص علشان مدايق مني، لان دي ماكنتش طريقتك
_ ماهي، انا قبل كدا، انتي كلك على بعضك ماكنتيش فارقة معايا، انتي عارفة اللي فيها زمان كان إيه، ماكنتش بركز اصلا لا معاكي ولا مع لبسك، انما دلوقتي انتي بقيتي مراتي قولا وفعلا وملزمة مني وهتحاسب عليكي، فهمتي ولا لسه؟
ردت في ضيق:
_ شهاب هو ممكن تهدى وتبطل تكلمني بالاسلوب دا؟
_ استغفر الله العظيم يارب.. يلا يا ماهي غيري الفستان دا يلا وخلي الليلة دي تعدي علشان انا اقسم بالله على أخري.
_ يا شهاب والله كل الفساتين عندي مفتحة
نظر إليها نظرة من شدتها وحدتها كانت كافية لتجعلها تصمت وتتحرك نحو الخزانة وتبدأ بالتقلب بين الفساتين لتختار آخر.
كانت تهمهم في اعتراض وهي تقلب:
" مش عارفة انا إيه دا.. كل الناس عارفة كويس اوي ماهي الزيني بتلبس ايه ولازم تكون طلتها عاملة ازاي فكل مناسبة، بقا على آخر الزمن البس اي حاجة كدا وخلاص؟"
قال لها في صوت عالي كي تسمع:
_ انتي ماهي مظهر دلوقتي مش ماهي الزيني، واضح؟
نظرت إليه ثم هزت رأسها موافقة وقالت:
_ واضح.. على فكرة انا مش معترضة، انا بس كنت عايزاك تعرفني من قبلها علشان كنت جهزت فستان تاني مناسب يعني مش أكتر!
سحبت فستان ثم عرضته له وهي تقول:
_ دا كويس؟
أخذ يتطلع جيدًا وهو يتخيله عليها كيف سيبدو ثم حرك اصبعه بالسلب.
تضايقت وزفرت في غيظ، ثم بدأت تبحث عن آخر... حتى وجدت واحدًا وسألته:
_ طب دا؟ اهو طويل وبكم ومقفل!
هز رأسه رافضًا، فقالت في عصبية:
_ ليه بقا؟
_ مفتوح من عند الصدر اهو، فاتحة باينة للأعمى!
_ يا شهاب انا تعبت، انا مش لاقية واحد مقفل كله مش لاقية!
ينفع طيب يبقى مقفول كله بس دراعي باين باكتافي؟
_ ورهولي كدا
عرضته له، فقال:
_ لا بردو، مبين درعاتك كلها و ماسك من ورا اوي والله
رمته من يدها ووقفت يائسة وهي تضرب الأرض بقدمها.. فقال:
_ خلاص البسي بدلة فورمال
_ لا يا شهاب انا مش هلبس بدل أنا هو انا في شغل!
لكل مقال مقام، ودا عيد ميلاد بيستي لازم البس فستان!
_ خلاص يا ماهي متروحيش!
_ يا شهاب بقا بجد حرام والله!
قام من مكانه واتجه نحو الخزانة أخرج منها جاكيت فورمال طويل وبنطلون واسع قليلًا وتيشرت اسود ثم وضعهم على السرير وقال:
_ هو دا اللي هتلبسيه عامة لو ناوية تلبسي بدل يعني او لو ناوية تلحقي العيد ميلاد اصلا
صاحت في ضيق:
_ كمان! كمان جايب البليزر الطويل على البنطلون الواسع!
دا مش بتاع دا!
_ هو دا اللي هيتلبس
_ شهاب بجد، مش هينفع هو...
رد بشكل قطعي :
_ المناقشة خلصت، خلصنا خلاص.. يا التقم دا، يا فستان طويل وواسع ومقفل، غير كدا معنديش ومتروحيش
ثم تركها ودخل المرحاض.. تتبعت اثره ثم تمتمت في ضيق:
" منك لله يا جياد، عملت في إيه بس، جننتهولي بالشكل دا! "
وفي النهاية قررت أن ترتدي البدلة نظرًا إلى تأخرها على الموعد وعدم توافر فستان يتوافر به شروط زوجها.
*******
يقف جياد بجانب زوجته جهة اليمين بينما تقف روني بجانبها جهة اليسار وأمامهم يقف الشرطي والعساكر قد انتشروا في كل ارجاء الحديقة، بالأخص تلك الأماكن التي كانت تتردد عليها الفرس أو أكلها.
وبعيدًا عنهم قليلًا كانت تقف كلًا من حليمة وفاطيمة تترقبا ما يحدث وهما تتصنعا الخوف والتوتر.
وقال الشرطي لجياد وهو ينظر إلى التحاليل التي في يده والتي كان يقرأها:
_ انت عملت التحاليل دي فين؟
_ في معمل جوا مستشفى yang look القريبة هنا من الكومباوند
_ كدا كدا لازم نتأكد من صحتها بطريقتنا بردو
_ اعملوا اللي تشوفوه مناسب أكيد.. كل اللي يهمني ان المجرم اللي مدخل حشيش في بيتي وأذى بيه حصانتي ومراتي واتسبب في موت ابني، يتمسك ويتعمل معاه اللازم
_ أكيد طبعا
وفي تلك الأثناء، خرج أثنان من العساكر ومعهما الكلب وقال أحدهما:
_ يا فندم، لقينا حشيش في دولاب الحارس دا، والدولاب تحته العلف بتاع الحصانة علطول.. وكمان لقينا في السجاير اللي بيشربها ملفوفة حشيش، اتفضل شوف
أخذ منه ما وجدوه وأخذ يتطلع عليه، واخرون خرجوا بالحارس قابضين عليه و الكلبش يقيد يداه.
كان الحارس يصرخ :
_ انا برئ يا بيه انا برئ، انا معملتش حاجة
وسأل جياد الشرطي:
_ طب هو ليه يعمل كدا في حصانتي؟
_ هيظهر في التحقيقات أكيد.. بس هو الواضح حاليا انه وهو بيطلع ممكن وقع منه في العلف بدون قصد او وهو بيلفه وقع منه أجزاء في أكلها، لان انت قلت ان الجرعات ماكنتش كبيرة صح؟
_ اه
_ وهي فين الحصانة؟
_ هي عند الدكتور طبعا، ودتها اطمن عليها
_ عايز عنوان الدكتور دا
اعطاه ما طلب، ثم نظر إلى الحارس نظرة بغيضة مليئة بالكره والغضب.
وصاح موجهًا حديثه له:
_ هي دي الأمانة يا سافل يا حقير، بدخل قذرات زي دي في بيتنا، في بيت الراجل اللي أئتمنك على حراسة بيته؟
كلب
تحدث الشرطي:
_ خلاص يا مستر يا جياد، بلاش توجه له اي كلام، هو بقا معانا خلاص واحنا هنقوم بالواجب
أتى الباقون من كل مكان قد انتشروا فيه وقالوا للشرطي:
_ مفيش حاجة يا فندم
التفت إلى جياد وقال:
_ كدا القصر مفيهوش حاجة، والدليل الوحيد على الحارس لانه خرج من اوضته وعلبة سجايره
ثم نظر إلى العساكر وتابع:
_ خدوه يلا على البوكس وانا جاي وراكم
سحبوه وهو يصرخ بالبراءة وجياد يسبه ويلعنه.
وبعدما اخذوه وذهبوا به، ابتسمت هانيا وقالت في راحة:
_ الحمدلله يارب، كدا اللي آذاني واذى ابني وحصانتي هياخد جزاته
بينما روني كانت تقف بجانبها لا تصدق تلك المسرحية التي حدثت وان كانت واقعية كفاية ولكنها تعرفهم جيدًا وأكثر من أي شخص آخر، فمن منهم تأذى بسببهم، غيرها؟
كانت تنظر إليهما في شك وقرف بينما هما كانتا يتحدثان معًا، فقالت حليمة لها:
_ زي ما كنا عايزين يا فاطيمة.. ادي الحارس اللي لبسها زي ما خطتنا بالظبط
_ الحمدلله
_ هو الولا اللي قابل جياد وعمل نفسه دكتور دا، قاله اللي في التحاليل بالظبط؟
_ ايوا طبعا لان مصير جياد هيتأكد ماكنش ينفع نكدب ولا مضطرين، هو بس كل دوره زي ما قولتلك انه يحط في دماغ جياد فكرة انه يبلغ البوليس، علشان البوليس ببساطة هيعرف الحشيش فين
_ ايوا بدل ما كان الشيخ هو اللي يقعد يحقق معانا
_ بالظبط وكدا اهو اتسجن وفيه دليل مادي ملموس عليه وخلصنا منه ومن القضية دي خالص
انهتا كلامهما وقالت فاطيمة في ايجاز بصوت عالي لجياد كي يسمعها:
_ مبروك يا ابن اخويا، لولا بس اني واخدة على خاطري منك بسبب اللي عملته معايا انا و عمتك وبنتي كنت جيت حضنتك
انهت كلامها ثم انصرفت هي واختها متجهتان نحو داخل القصر.
زفر جياد في ضيق، ثم قال لزوجته:
_ هروح اشوف عمته، وبعدها هسبقك على الاوضة
تحرك وبمجرد تحركه، قالت روني لأختها:
_ هما اللي قتلوا ابنك
انتبهت لها وعلقت في استغراب:
_ إيه؟
_ حليمة وفاطيمة هما اللي عملوا كدا وهما اللي لبسوا الحارس فيها
_ ازاي؟ دا جياد هو اللي سأل الدكتور وهو اللي بلغ الشرطه!
_ بشكل او بآخر بس اقسم لك بالله هما اللي وراها
_ وجابوا الحشيش منين يعني؟
ردت في ابتسامة ساخرة:
_ ماهم عندهم باسم بسم الله ماشاء الله أكبر تاجر حشيش وممنوعات في مصر، هيغلبوا يعني!
دول شياطين، شياطين والشياطين دايما بيلاقوا حلول علشان تنفذ الفاحشة كاملة مهما كانت صعوبتها.
قلقت الفتاة حيال ذلك ثم ردت:
_ وهنعمل إيه؟
_ هنركز بقا، دورنا بقا نرد.. كفاية لحد هنا، عمالين ناخد على دماغنا وبس.. معايا ننتقم من الحربايتين دول ونكشف وشهم الحقيقي للشيخ والكل؟
_ معاكي طبعا، هي دي محتاجة كلام؟
بس هنبدأ منين وازاي؟
_ هقولك...
**************
كان كل شئ قد تم تجهيزه بشكل يناسب حفلة عيد الميلاد الخاصة بمنى. حيث جهزت حديقة فيلتها بالزينة الكاملة والاغاني وغيرها.
دخلت ماهي وبدأت تتلفت حولها على منى، فوجدتها تقف هناك وسط زملائها تبتسم وتضحك معهم، وبمجرد ان لمحت ماهي تركت الجميع واسرعت جهتها وهي تقول في فرحة:
_ ماهي، اتأخرتي فكرتك مش جاية
_ وانا اقدر بردو!
طالعتها من أعلى إلى أسفل ثم قالت في استغراب:
_ ايه دا اومال فين الفستان الأحمر؟
مش قولتيلي انك جبتي فستان أحمر تحفة لعيد ميلادي؟
ردت في أسف:
_ اصل.. شهاب مرضيش
_ طظ فيه إيه شهاب دا! كلح بأمانة جوزك دا، كنتي ألبسيه غضب عنه
_ اه انتي عايزاني أطلق بقا!
_ ما تطلقي بجد، مش عارفة متمسكة بجوزك التنح دا ليه!
_ احترمي نفسك يا منى شوية، انا مش عايزة اطلق انا، انا بعشقه يا ستي، الله!
_ ما علينا، اشبعي بيه.. جياد فين؟ هو جياد مجاش؟
انا أما ملقتهوش مع عايلتك قلت أكيد هيجي معاكي
_ لا مجاش معايا ومعرفش مجاش ليه.. فكك منه، هتعوزي منه إيه!
نظرت إليها في ضيق، فهي كانت تود مجيئه وبشدة، ولكنها سحبتها وذهبتا معًا جهة باقي الأصدقاء.
وفي الجانب الآخر، رحبت والدتها بعبير هانم والتي اتت مخصوص لحضور عيد ميلاد منى.
وقالت لها:
_ العيد ميلاد نور والله يا عبير هانم
_ المكان منور باصحابه يا مدام سناء.
وكل سنة ومنى طيبة وعقبال ما تفرحي بيها يارب
_ يارب يا حبيبتي يارب
جلست عبير بجانب السيدة وعيناها مسلطة على منى وحركاتها وطريقتها، فهي تخطط كي تزوجها من ابنها لذا كانت مهتمة بمعرفة كل تفاصيلها.
كانت الفتاة تقف على المسرح وحولها أصدقائها، حتى حانت الفقرة الخاصة بها وبماهي، وجاء الفنان [ أحمد سعد] وحييوه في صوت عالي وحرارة مبالغ بها وبدأ يغني [ بحبك يا صاحبي ]
وفي المنتصف اثناء غناءه، كانت منى تقف قبالة ماهي ترقصا معًا وحولهما على شكل دائرة يقف باقي الأصدقاء يصفقون ويغنون ويتفاعلون مع المغني.
كانتا ترقصا و تغنيا وتحتضنا بعضهما البعض والابتسامة لا تفارق شفتيهما، فإن كلمات الاغنية كانت مفصلة عليهما وعلى طبيعة العلاقة بينهما لذا كانت الفرحة تغمرهما والحرارة تشتعل بينهما فاندمجتا سويًا بشكل رائع ولفت الانتباه بشكل كبير.
وكانت عبير تشاهد رقصة ابنتها مع الفتاة وهي تبتسم ابتسامة عريضة وقالت محدثة نفسها:
" لا ماشاء الله عليها نغشة، مش زي البومات اللي عندنا في القصر "
وسمعتها مايا الواقفة بجانب كاميليا على الجانب الآخر من جلوس عبير، وكالعادة اسرتها في نفسها.
كانت ترمي منى بنظرات مليئة بالغيرة والضيق وبدون مقدمات التفتت حولها تبحث عن زوجها فوجدته يجلس هناك مع اخو منى ووالدها يتحدث معهما وبجانبه يجلس حسان.
شعرت بالغيرة بشكل أكبر والخوف تملك منها وبقت عيناها مسلطة عليه لا تتخيل إلا السوء، تتخيل انه يطلب من الوالد الزواج من منى، لم يصدر منه ما يجعلها تتخيل ذلك حتى ولكن عقلها صوّر لها هذا المشهد وحسب.
وعلى المسرح، انتهت فقرة الفنان وصافح الفتاة ثم انصرف، وفجأة اشتعلت أغاني المهرجانات في الارجاء وحينها أقبل كل شاب صديق لمنى والتفوا حولها هي وماهي التي كانت في المنتصف حينها، وبدأوا يقفزون ويرقصون الرقص الخاص بالشباب، حينها خافت ماهي وتركت يد منى وبدأت تتسلل من بين هولاء الشباب حتى خرجت من تلك الدائرة ووقفت بعيد، واكتفت بالتصفيق وحسب.
كانت منى وحدها وسط عدد هائل من الشباب أصدقائها، كانوا يرقصون حولها واحدهم كان يرقص قبالتها.
كانوا يمسكون في يدهم الشموع التي بها شرارة كبيرة ويطوفون بها حول الفتاة وصوتهم الرجولي كان صاخبًا للغاية.
وكانت هي في المنتصف تمسك بواحدة مثلهم، ترفع يدها بها للأعلى وتقفز مرات متتالية مع الرقصة وضحكاتها عالية.
وعندها لمحت وقوف ماهي بعيدًا، فأشارت لها بأن تنضم لهم، ولكن الفتاة حركت اصبعها بالسلب رافضة ثم رفعت يدها اليسرى واشارت لها نحو خاتم الزواج.
لاحظت مايا، التفاف كل هؤلاء الشباب حول منى ومنهم من شاركها الرقص بذلك الشكل الجنوني، رقص عبارة عن قفزات وصراخ.
ثم التفتت إلى عبير وقالت:
_ بقا هي دي اللي هتناسب عايلة الزيني بردو؟
ما شاء الله، مش ظاهرة في الشاشات لينا من كتر ماهي غرقانة وسط كوم شباب، عمالة ترقص وتتنطط وكل شوية واحد مختلف ينزل يرقص قصادها وقمة قلة الأدب وعدم الحياء، هي دي اللي بتفضليها عليا؟
عموما عمرها ما هتلفت انظار فاتح
رفعت السيدة أحد حاجبيها وردت في ايجاز رغم الضيق الذي بها:
_ بكرة أما تتجوز، ربنا هيهديها، أصلها عيلة بردو!
رمقتها مايا في قرف... ثم التفتت نحو زوجها الجالس هناك مع الرجال تارة أخرى ولازالت الغيرة تسري في دمها.
وعند ماهي، أقبل نحوها شاب من أصدقائهم وقال لها في ابتسامة:
_ إيه يا ماهي بلاش كآبة تعالي ارقصي معانا يلا
ردت في ابتسامة:
_ لا معلش يا تامر مش هينفع والله
_ ليه بس؟
_ شهاب هيزعل والله
_ آه، جوزك فلاح يا ماهي.. بجد إيه المشكلة يعني؟ كلنا صحاب وبنرقص وبنفرح!
_ معلش يا تامر بقا، قولتلك جوزي هيدايق، مش هقدر والله
_ هو فين طيب؟
_ مجاش
_ طب وعاملة حوار ليه طالما مجاش، هيعرف منين هو!
وقبلما ترد، رد أمجد والذي جاء من خلفها وقال له:
_ ما خلاص بقا يا عسل، قالتلك لا هو الكلام مش مفهوم!
التفتت ماهي نحو الصوت فعلمت أنه أمجد، بينما رد الشاب عليه:
_ ومين حضرتك؟
_ أمجد الكبير، ابن عمتها حضرتك
_ طب ماشي روق كدا!
_ بقولك إيه...
وقبلما يكمل، قاطعته ماهي قائلة:
_ خلاص يا أمجد..
ثم التفتت إلى الشاب وتابعت:
_ خلاص يا تامر، انا مش هرقص خلاص بعد اذنك، روح يلا ارقص مع الباقي.
انصرف الشاب، بينما قال لها أمجد:
_ عاملة إيه؟
_ تمام
احادت بصرها بعيدًا عنه وبقت تنظر نحو منى وباقي الأصدقاء.
فقال هو:
_ على فكرة شكلك حلو اوي في البدل الفورمال كمان
نظرت إليه وردت في نبرة حادة جدية:
_ احترم نفسك يا أمجد، اظن قولتلك قبل كدا الموضوع دا ميت مرة!
_ ماهي هو فيه إيه؟
انا اللي مربيكي، وانتي بنت خالي وصاحبتي، ليه مش عايزاني اتكلم معاكي شوية حتى، ليه مش طيقالي كلمة!
زفرت في ضيق وقررت أن تتركه وتذهب، ولكن أثناء تحركها، أمسكها من ذراعها يمنعها من متابعة السير وهو يقول:
_ استني هنا انا بكلمك!
حدقت به، ثم سحبت ذراعها بقوة من يده وصاحت في ضيق:
_ اوعى تتجرأ وتلمسني تاني، فاهم!
انا حدودي واضحة جدا وبابي مقفول مش موارب، انا مش ماهي الزيني بتاعت زمان انسى، انا دلوقتي ماهي مظهر وانت تبقى جوز اختي كاميليا الكبير، فجو الصحاب اللي كان بينا دا انساه تماما، وفوق وركز انت جوز اختي، فاهم؟
هكذا انهت كلامها وتركته وذهبت دون ان تترك له مساحة أن يتكلم.. وكانت كاميليا تقف هناك وقد رأت كل ما حدث بينهما... وحتى لا تنهار أمام الجميع، سارت في خطوات سريعة جهة المرحاض، وأثناء ذهابها فكرت.. هو يعلم أنها هنا ولكنه لم يفكر في الكلام معها حتى وكل ما شغله هو التحدث مع ماهي والاهتمام بها وبوجودها، مما أكد لها قرارها وأكد لها انها كانت على صواب وقتما فكرت في الانفصال.
تمنت الفتاة أمنية وقطعت الكعكة وغنوا لها.. وحينها قام فاتح واتجه إلى أمه وقال لها:
_ يلا يا ماما نروح؟
عندي شغل بكرة بدري
_ يلا، يلا نروح نسلم عليها ونمشي
حينها، سحبت مايا يد فاتح وقالت:
_ هنستناكي انا وفاتح برا يا ماما لحد ما تبقي تسلمي عليها
أمسكت السيدة يده الثانية وقالت:
_ لا، فاتح هيجي يسلم عليها معايا
نظر إليها فاتح وقال:
_ خلاص يا ماما سلّمي انتي، انا كدا كدا باركت لها أما جينا مش لازم تاني، هستناكي اهو
نظرت إليه في قرف ثم إلى زوجته ثم ذهبت.
وفي نفس الوقت، خرجت كاميليا من المرحاض بعدما هدأت وعدلت الميك اب وغيره وسألها فاتح:
_ في إيه بينك وبين أمجد؟
_ بعدين هقولك
_ بعدين امتى؟
_ فاتح ارجوك متتغطش عليا، بعدين هقولك والله، وارجوك متسألهوش هو.. انا كدا كدا هقولك كل حاجة انت عارف اني مس بخبي عنك حاجة يعني
أقبلت نحوهم ماهي وضمها فاتح إلى صدره وهو يقول:
_ وحشتينا يا بنتي بجد، عاملة إيه؟
_ كويسة يا حبيبي والله وانتوا كمان وحشتوني
ثم ضمت حسان إلى صدرها ذلك الذي بدأ يربت في حنان على ظهرها وهو يقول:
_ شعنونة البيت، القصر من غيرك ضلمة، ارجعي اقعدي معانا تاني
_ شهاب مش هيرضى انت عارف.. بس قريب هنجيلكم زيارة حلوة.
ثم تابعت في ابتسامة أكبر:
_ كوكي، وحشتيني موت
ابتسمت لها الفتاة ابتسامة عريضة وضمتها إليها في حب.. نعم هي أختها وحبيبتها وصغيرتها، كيف لها أن تكرهها؟ كيف لها أن تغير منها؟
وعند ضمها إليها، علمت ان ذلك الحضن لا يساوي الدنيا وما بها، فأختها أغلى عندها من كل شئ ولاجل الحفاظ على علاقتهما، تضحي في المقابل بألف أمجد، لا أمجد واحدًا....
************
كان يجلس على السرير يفكر في ذلك الذي حدث، بينما هي كانت تقف أمام الخزانة تخرج ملابس لها.
قال لها:
_ حاسس اني مش مرتاح كتير اما الحيوان دا اتمسك، كان نفسي أمسكه اخنقه بأيدي بسبب اللي عمله، وبسبب الخيانة اللي اتسبب فيها
ردت وهي تخرج ملابس:
_ المهم إننا عرفنا مين اللي قتل ابننا واديه اهو بياخد جزاته.
انا هدخل آخد شاور
وبالفعل دخلت المرحاض وغلقت الباب خلفها..
أما هو فكان يتحرك ذهابًا وايابًا يفكر في الأمر وقرر أن يفاتحها في أمر سفرهما عقب خروجها.
فتح الخزانة وبدأ يختار لنفسه بيجامة انيقة ومغرية تبرز عضلاته واناقة جسده واعتداله.
اختار واحدة ثم وضعها على السرير.
ذهب نحو المرحاض وبدأ يتحرك حوله وهو يفكر.. وفجأة أمسك المقبض يحاول فتح الباب، ولكنه وجده مغلقًا من الداخل.
اغتاظ وضرب الباب بيده في ضيق، بينما جاء له صوتها وهي تتساءل:
_ عايز حاجة؟
_ عايز سلامتك يا عنيا، هعوز إيه يعني!
ثم انصرف من أمام المرحاض وارتدى بيجامته تلك الجذابة وبدأ يمشط شعره ويضع عطره الخاص.
وعقب مرور وقت، خرجت وهي ترتدي بيجامتها الشتوية وتضع المنشفة على رأسها.
فقال حانكًا بمجرد ان رآها:
_ توب علينا يارب من البيجامات.
ثم تابع:
_ هانيا، عايزين نسافر، هنروح شرم هنقعد أسبوع
بدأت تجفف شعرها وردت اثناء فعلها ذلك:
_ ليه؟ دا مش وقته إجازات أصلا، دا احنا في عز الشغل ليه نسافر؟
سكت... في الحقيقة صدمته بردها، أتفضل العمل والجلوس على المكتب بالساعات على أن تسافر معه؟
تذكر حينها كلام شهاب له، صباح اليوم، تذكر كيف آلمه وكيف ضايقه للغاية.. ثم فكر في أن يخبرها عما قاله له في حقها، وكيف خان أمانتهما وافشى سرهما له، لزوجها.
ولكنه قبل أن ينطق، فكر قليلًا في الأمر وعليه تراجع.. خاف في أن يظل عقلها مشغولًا بذلك او أن تواجه شهاب بما قاله في حقها ويصبح بينهما حديث يحاكى فيه.
نظر إلى نظيره في المرآة وقال لنفسه في صوت لا يُسمع:
" هو بيكدب عليك.. هو بيستفزك.. هو لا واعدها ولا كلمها ولا قابلها حتى، بس قالك كدا علشان يقولك انهم اتقابلوا ويخليك تتخانق معاها ويخليها تكرهك.. اهدى هو بيكذب عليك صدقني.. هانيا رجعالك بمزاجها.. هي فعلا قالتلك انا عايزة تجربة جديدة معاك، مش مجبورة، مش مغصوبة، هو كداب، واوعى تسيبوا بكدبه وتزويره يخرب حياتك انت ومراتك"
ثم استدار لها وقال:
_ انتي نفسيتك تعبانة ومحتاجة تسافري، وانا كمان قلت اسافر ونغير جو مع بعض، مش مخطوبين بقا؟
ردت وهي تمشط شعرها:
_ ايوا بس دا مش وقته سفر!
احنا عندنا ضغط شغل، والدنيا مش متظبطة في الشركة، وانا غبت كتير اوي، مش كل شوية هغيب كدا، انا مبقتش عارفة حاجة في الشغل وعمري ما هتطور كدا.. ساعة البرد غبت أسبوع واول الحمل غبت اسبوع وبعد ما سقطت غبت أسبوع وكل شوية اغيب أسبوع، مديرة أعمال ايه دي بقا اللي مش شايفين لها أعمال دي؟!
الاجازة في وقت الاجازة والسفر في وقت السفر
اطرق وتحسس منها للغاية وفسر الرفض على انه رفض له ولوجوده بجانبها وحدهما في مكان لا يوجد فيه سواهما.
وسريعًا أعاد له عقله ذلك الكلام الذي لم ينساه أبدًا ولن..
كلمات شهاب له والتي ظلت عالقة في ذهنه لا تذهب:
" بقالك ٦ شهور متجوزها، وعمرها ما عملت لك مفاجأة، عمرها ما بادرت بحاجة، عمرها ما عبرت عن حبها ليك، عمرها ما كانت طفلة معاك بتجري وبتلعب، ولا عمرها قالت لك كلمة حلوة حتى.. "
تنهد في صوت عالي وقد شعر أن ثباته ينهار، في الحقيقة كل ما قاله حقيقة، حقيقة مرة للغاية ولكنها حقيقة.. هي لم تقدم له أي شيء وفي المقابل إذ قدم هو، رفضت عرضه واستخدمت جميع الحجج للتتخلص منه ومن طلبه..
نظر إليها في بطء وكانت تلم شعرها استعدادًا للنوم، وبينما عيناه مسلطة عليها، تذكر...:
"مستحيل مش بتحبك افهمها بقا افهم، هي معاك عايشة جسد بلا روح، متقبلة الأمر الواقع وبتمشي حياتها، انما هانيا منطفية، هانيا فاقدة الشغف في الحياة من ساعة ما اتجوزتك دمعتها حتى مانشفتش من على خدها "
شعر حينها أن الهواء يضيق من حوله وأنه يختنق لا يحتمل هذا الضيق كله وكأن الأكسجين سحب من الغرفة فجأة، لذا أسرع جهة البلكون كي يلتقط أنفاسه...
**********
كان المكان أشبه بصالةٍ واسعة تضجّ بالحياة، تتوزّع فيها طاولات البلياردو في صفوفٍ منتظمة، يعلو كلّ واحدةٍ منها مصباحٌ يسلّط ضوءه مباشرةً على سطحها الأخضر، فيبرز لونها وسط الإضاءة الخافتة التي تغمر بقية الأرجاء. تتداخل الأصوات في فضاء القاعة؛ ضحكاتٌ متقطّعة، وأحاديثٌ جانبية، ونداءاتٌ عابرة، تختلط جميعها بصوت ارتطام الكرات ببعضها، ذلك الصوت الحادّ المنتظم الذي يتردّد كإيقاعٍ مألوف في المكان.
على الجدران، تنتشر عصيّ اللعب مصطفّةً، وبالقرب منها يقف بعض اللاعبين يتأمّلون الطاولات أو ينتظرون دورهم، بينما ينهمك آخرون في اللعب بتركيزٍ واضح، تتبدّل ملامحهم بين الحماس والانتصار أو الضيق عند الخطأ. وفي الزوايا، يجلس روّاد المكان على مقاعد متفرّقة، يتابعون المباريات بنظراتٍ متفحّصة أو يتبادلون الأحاديث بصوتٍ منخفض، في حين تظلّ الأجواء مشبعةً بحركةٍ دائمة، لا تهدأ إلا لتعود وتتصاعد من جديد.
وعلى مقربةٍ من الطاولة، يقف يزيد وصاحبه، يتبادلان النظرات والتحدّي، تتبدّل ملامحهما بين التركيز والابتسام، فيما تتحرّك أيديهما بثقةٍ فوق العصيّ، وكأنهما يخوضان لعبةً تتجاوز مجرد التسلية، لتصبح صراعًا صامتًا من الدقة والمهارة، وابتسم يزيد وهو يضرب الكرة بالعصا، ثم صاح فرحًا:
_ yes
ايوا كدا
قولتلك هقطعك
ليرد صاحبه:
_ لسه اللعبة بتبدأ
_ يا عم اتنيل وعمال بس تقولي انا حريف بلياردوا حريف بلياردوا!
وفي تلك الأثناء، صدح صوت هاتفه، اخرجه من جيبه فوجد المتصل، شهاب، استغرب من ذلك ولكنه استجاب له على أية حال:
_ الو
وبمجرد استجابته لاحظ شهاب الاصوات الصاخبة التي تضج من حوله فما إن تكلمه، لا يسمعه يزيد، حتى طلب منه أن يبقى في مكان هادئ، وبالفعل تحرك خارج المكان كله حتى وقف في الشارع أمام المكان من الخارج وقال له:
_ قولي يا شهاب؟
ماهي كويسة؟
_ ماهي كويسة وبتجهز العشا في المطبخ ومفيش حاجة.. انا متصل بيك بخصوص اللي حصل الصبح.
حبيت بس اوضح لك وجهة نظري، انا مش عايزاكم تكونوا مدايقين مني، في كل الأحوال احنا هنبقى عايلة واحدة وانتم خلان ابني، لو انا بكره جياد وكرهي ليه واضح وهو كرهه ليا واضح، فأنا مش عايز اعمل عداء لا معاك انت ولا فاتح ولا حسان.
حبيت اوضح لك اني فعلا تعبان جدا، تعبان اوي واعصابي بايظة بسبب التفكير المفرط.. مش مركز ومش بنام حرفيا الا ساعتين في اليوم وكل دا بسبب اختفاء اختي ومحدش حاسس بيا وانا شايل المسؤولية لوحدي، وغيره وغيره انا مسؤولياتي مش بتنتهي.. اخوك هو اللي بدأ هو اللي جاب سيرة اختي الأول ونسب دا لانتقام ربنا مني وطلع نفسه مظلوم في الحكاية وشمت فيا لمجرد اني رفضت استقبل منه شغل.. ايه دخل الشغل بأختي؟ ليه يدخل عندي في منطقة حساسة زي دي انا متحسس منها جدا؟
انا غلطت اه، في كلام ماكنش ينفع اقوله خوفا على هانيا منه حتى... بس في النهاية انا قلت كل دا وانا في قمة غضبي وضيقي منه وضيف على كدا اني بكرهه فالكلمة منه بتنزل على قلبي زي السم اللي بيهري في الجسم كدا، خلقته لوحدها بتعصبني والله يا يزيد.. عايز اوضح لك انك غالي عليا والله وانا بعزك انت وفاتح جدا، ومش عايز مشاكل معاه، خليه يبعد عني ويتقي شري ويبطل يأذيني حتى لو بكلمة وكفاية اوي اللي عمله معايا لحد هنا
انتظر يزيد حتى انهى الشاب كلامه تمامًا ثم رد:
_ المهم انك عرفت غلطك.. ابعد عن جياد وهانيا تماما واي حاجه تخصها وصدقني يا شهاب، مش لان ماهي اختي، بس انت فعلا معاك جوهرة، وانت اللي اختارت تتجوزها.. ماهي برا لعبتك مع جياد اختي لو اتأذت منك بأي شكل، هنزعلك، فعلا نكون حبايب افضل، انت تخرّج ماهي برا اللعبة واحنا مناخدش صف جياد ونفضل كارهينك وخلاص.
_ موافق، وهو دا اللي انا عايزه اصلا وقلت عليه من زمان
_ تمام يا شهاب، سلام
_ سلام
بمجرد أن انهى المكالمة معه، صدح صوت هاتفه مرة أخرى ولكن المتصل تلك المرة كانت زوجته، فرد قائلًا:
_ اؤمري يا نفرتيتي
_ انت فين يا يزيد؟ قلت لي رايح عيد ميلاد منى وكل اللي كانوا في العيد ميلاد رجعوا، انت فين بقا؟
_ مرحتش العيد ميلاد، فقدت الشغف على آخر لحظة وروحت ألعب بلياردوا أحسن مع صحابي
_ راجع امتى؟
_ يعني نصاية كدا
_ متتأخرش عن كدا بعد اذنك الساعة بقت واحدة!
_ حاضر يا ستي حاضر
سكتت برهة ثم ردت:
_ يزيد هو باسم معاكم؟
_ لا، اشمعنى؟
_ اصلك بتاخده في اي حتة يعني علشان كدا سألت... عارف
_ إيه؟
_ لقيته النهاردة عند نيرة في البيت
_ بتهزري!
_ والله
_ كان بيعمل ايه؟
_ مهتمتش اعرف، وملحقتش اعرف منها، هانيا اتصلت بيا وروحت لها
سكت برهة... ثم قال:
_ هبقى اسأله.. يلا باي خليني اروح أكمل الجيم
_ ماشي وتاني متتأخرش
_ ماشي وتاني حاضر، باي
************
كان داخل البلكون من وقتها يشعر بالاختناق والضيق، غارقًا في تفكيره وفي تلك المعاناة التي يعيشها.
ثم ابتسم ساخرًا من نفسه وتحدث صوته الداخلي:
" بقالك نص ساعة واقف في البلكونة ومجاتش سألتك بتعمل إيه كل دا ... طب رجعت لي ليه وقالت لي ناخد فرصة تانية؟
معقولة؟
معقولة ابوها او أمها اجبروها تاني؟
ثم تذكر تلك الجملة من بعض الجمل التي ألقاها عليه شهاب والتي ترن في أذنه لا تذهب ولا تنتهي:
" مستحيل مش بتحبك افهمها بقا افهم"
أخذ يتنفس في عمق وهو مغمض العينين.. ثم استدار خلفه لينظر ماذا تفعل في الخارج، فوجدها تجلس على السرير وتقلب في هاتفها وهي تضع الغطاء على ساقيها.
احاد بصره بعيدًا عنها وعلقه في الفضاء... ينظر إلى السماء.. إلى القمر.. إلى النجوم.. اي شيء مضيء يعيد له الأمل بدلًا من عتمة حياته.
وفي نفس الوقت، سمع صوت هاتفه يرن في الخارج، خرج من البلكون والتقطه فوجد المتصل، يزيد، ثم دخل البلكون تارة أخرى واستجاب له قائلًا:
_ إيه يا يزيد
_ إيه يا جياد، عامل إيه؟
_ كويس
_ جياد، انا متصل بيك علشان اقولك ابعد عن شهاب وعن سكته تماما
_ هو انا يعني كنت جيت جمبه؟ دا هو اللي...
_ جياد، الراجل كلمني وقالي انك انت اللي بدأت وجبت سيرة اخته وشمت فيه
_ ايوا بس أكيد مقالكش هو اتوسخ ازاي وهو بيكلمني، وهو بيجيب سيرة مراتي على لسانه بمنتهى الوقاحة وقلة الأدب!
_ ايا كان قال ايه، انا ليا البداية كانت فين؟
مش كل شويه تبدأ معاه وتزعل من ردة فعله؟
الراجل بينزف بسببك، انت جرحته جامد وخدت منه البنت اللي بيحبها، وهو عمل اللي عمله بس في النهاية ماهي متقبلة وكلمتني وهي فرحانة وقالتلي اتغير معايا وفعلا بيديني فرصة، يعني الراجل بيضمد جروحه اهو وعايز يلتئم، رايح تعوره تاني ليه وهو بينزف؟
وفاكر انك أما تيجي تعوره هيسكت؟ هيشحورك هيقولك كل ما يخطر على بالك وما لا يخطر على بالك، لان دا واحد مجروح.. ملكش دعوة بيه تاني لا في خير ولا في شر ولا تديله نصايح ولا تشتغل معاه، سيبك منه خالص اعتبره مش موجود وبس.
رد في غيظ شديد فوق غيظه وكيده:
_ يعني دلوقتي بقيت انا اللي غلطان؟
اقفل يا يزيد
ثم انهى المكالمة والقى الهاتف بعيدًا عنه على الكرسي المقابل وبدأ يضرب سور البلكون بيده، من شدة غضبه، فكر في أن يلقي بنفسه من فوق البلكون تلك كي يتخلص من كل تلك الالآم التي يشعر بها بسبب عشقه اللعين لهانيا، حبه لها اللامحدود، والذي لا يعرف سببه.
*********
وصل باسم في منتصف الليل، إلى المكان الذي تقبع فيه هيام، وكان مكان وسط اراضي زراعية وسكون تام، لا يوجد بشر ولا أحد حوله.
فتح له راجله والذي كان عندها مختص بحمايتها و راعيتها كي لا تهرب وغيره.
قال له في ايجاز:
_ فين؟
_ في الاوضة الخاصة بتاعتك يا بيه
خلع الجاكيت الخاص به ثم أعطاه له وبدأ يرفع أكمام قميصه حتى ساعديه وهو يسير نحو الغرفة.
فتح الباب ودخل.
كانت الغرفة معزولة عن العالم الخارجي عزلًا شبه تام، جدرانها مغطّاة بطبقاتٍ سميكة من مواد تمتصّ الصوت، فلا يتسرّب منها همسٌ ولا صرخة. الإضاءة خافتة، مائلة إلى الاصفرار، تتدلّى من مصباحٍ وحيد في السقف، فيلقي ظلالًا ثقيلة تُشعر الداخل بالاختناق.
في أحد الأركان، وُضعت طاولة صغيرة تعلوها زجاجاتٌ مفتوحة، تفوح منها رائحة نفّاذة، رائحة خمور فتزيد الجو ثقلاً واضطرابًا. وعلى الجدران، عُلّقت أدواتٌ متفرّقة، لم يكن ترتيبها عشوائيًا، عصا... سوط.. وغيرها من أدوات الضرب و التعنيف والتعذيب، مما يبعث في النفس شعورًا قاسيًا بالتهديد.
الأرضية باردة، صلبة، خالية من أي مظهرٍ للراحة، وكأن المكان لم يُعدّ لراحة أحد، بل لفرض السيطرة وإشعار من يدخله بالضعف والعجز.
لم يكن بها أثاث سوى ذلك السرير وكرسي أمامه وحسب
كل تفصيلة فيها كانت توحي بأن هذه الغرفة لم تُنشأ للعيش، بل لإخفاء ما لا ينبغي أن يُرى أو يُسمع.
كانت جالسة على الكرسي وجسدها كله مقيد بتلك الاحبال السميكة والتي اتعبته للغاية.
بمجرد أن رأته بدأت تصرخ، انتابتها حالة من الصراخ المصحوب بالهلع، فصاح في وجهها بشكل صارم وبنبرة قوية حادة:
_ بس اخرسي، انا لسه مجتش جمبك علشان توّرمي دماغي بصويتك دا!
بدأت تخفض صوتها ولكن حالة الذعر التي كانت بها لا تنتهي ولا تهدأ وشهقاتها تتلاحق، وقالت له في ترجي وتوسل ودموعها تنهمر:
_ ارجوك متقتلنيش، ابوس ايدك سبني أعيش، ارجوك ارجوك، ايدك ابوسها، رجلك ابوسها بس سبني أعيش، عارفة عارفة اني غلطت يوم ما فكرت اهرب منك، بس..بس..بس والله خوفت، خوفت اوي، خوفت جدا، خوفت خوفت
بدأ يتحرك أمامها ذهابًا وايابًا، يفكر.. ثم قال لها:
_ امممم... طبعا انتي عارفة انك خونتيني، وعارفة كويس ان الخيانة عندي تمنها عمرك كله، ولكن بما انك عايزاني اسامحك وانا اصلا السماح مش في قاموسي... يبقى هتوافقي على طلبي وساعتها بس مش هقتلك ولا هدفنك مكانك
هزت رأسها موافقة مرات متتالية وهي تقول:
_ موافقة موافقة... اي حاجة هتقولها موافقة عليها
فرك باصبعه أسفل ذقنه... ثم هز رأسه بالايجاب وصوب عيناه نحو السوط المعلق، ثم إلى العصا التي كانت معلقة بجانبه.
كانت تحملق تنظر إلى ما ينظر في رعب، لا تصدق ما خطر على باله توًا..
ابتسم وقال لها:
_ ايوا هو اللي جيه في بالك دا دلوقتي... الطلب اللي طلبته منك قبل كدا ورفضتي وقولتيلي مش بحب العنف بالشكل دا، وانا عايز اعمله.. بس انا راجل ديمقراطي ومش بحب اعمل حاجة غضب عن حد.. فكنت مستني الظروف تتهيأ والأمور تلف تلف لحد ما توافقي بارادتك وتسلميلي نفسك من غير ما تقرفيني، ها قلتي ايه موافقة؟
كانت الفتاة في صدمة، تنظر إليه في رعب وذهول، وقد ايقنت انه لا هروب ولا مفر، آلام ووجع مقابل حياتها، فقالت في بكاء ونحيب:
_ ارجوك ارجوك، والله، والله السوط دا هيلسعني جامد اوي اوي والله مش هستحمله
_ مش هضربك جامد اوي، وبعدين انتي احسن من الحيوانات في إيه؟
كل يوم آلاف من الحمير والاحصنة بتتضرب بيه وعادي عايشين!
ثم اضاف في نبرة أكثر حدة:
_ اخلصي انا معنديش وقت، ورايا شغل الصبح!
موافقة ولا لا؟
ردت وهي مغلوب على أمرها.. بنبرة منخفضة وضعيفة ومهزوزة:
_ بس..بس براحة ها، والنبي براحة
_ لو مشيت مش هتعرفي ترجعيني تاني وهقولهم يخلصوا عليكي
هزت رأسها بالايجاب:
_ خلاص خلاص موافقة.
ابتسم ورد:
_ حلو...
ثم تحرك وخرج من الغرفة ودخل الغرفة التي بجانبها واحضر منها ملابس مكشوفة وقصيرة وجريئة لها ثم دخل عندها مرة أخرى وغلق الباب.
ألقى الملابس على السرير، واقترب منها وبدأ يفك الاحبال عنها، كانت تتأوه وهي تنظر إلى يديها الحمراواتين بشدة وإلى ذراعها المخطط باللون الأزرق.
قال لها في ايجاز:
_ يلا البسي البتاع دا وبسرعة انجزي نفسك مش بحب المياعة...
*********
هرب النوم من جفونه، فها هو يتقلب على السرير ذات اليمين وذات اليسار، فقط يتمنى أن تغفل عيناه، ولكن عقله كان يأبى، فقد يذكره بالمعاناة التي يعيشها وبالحقيقة التي يرفض تصديقها.
نظر صوبها فوجدها تولي له ظهرها، غارقة في نومها.
فحينها سريعًا، تذكر جملت عدوه تلك :
" هيفيد بإيه سريرها، سريرك دا، وهي بتديك ضهرها ومنعاك عنها؟ "
لم يستطع أن يتحمل أكثر فبدأت أنفاسه تقل للغاية لدرجة انه شعر بأنه يختنق لا محالة، كان يحاول بكل الطرق أن يلتقط أنفاسه قبلما يموت، لكنه كان يفشل، فقد تعرض لازمة تنفس واضحة من شدة الضغط والتوتر الذي يتعايش معهما منذ مدة طويلة.
وبيده وفي صعوبة أخذ يهزها كي تستيقظ وتلحقه، هزة والثانية، فتحت عيناها واستدارت كي تفهم ماذا يريد، فوجدته في تلك الحالة، يلتقط نفسه في صعوبة وملامح وجهه بهتت للغاية وبدأت تظهر علامات زرقاء عليها... وبمجرد ان رأته هكذا، صرخت في خضة ثم ركضت سريعًا وخرجت من الغرفة... دقيقة لا أكثر وعادت إليه هي ويزيد وهما يركضان.
انكب يزيد عليه ثم
وسريعًا جعله يقعد في وضع مريح
قعدة مستقيمة أو مائل للأمام قليلًا.. ثم فك ازرار قميصه في سرعة رهيبة وبدأ يتفوه بتلك الكلمات:
_ بس بس اهدى يا حبيبي اهدى، مفيش حاجة مستاهلة..
ثم قال لهانيا:
_ بسرعة يا هانيا، اجري هاتي انبوبة الأكسجين من تحت، هتلاقيها جمب المطبخ متعلقة
ركضت سريعًا ودون تفكير.
فعاد إليه قائلًا في حنان:
“خد نفس ببطء… أنا معاك، اتنفس براحة، واحدة واحدة براحة.. اسحب نفس وطلعه جامد.. اسحب نفس وطلعه يلا معايا واحدة واحدة، ست مرات يلا "
بدأ الشاب يسمع له ويفعل ما يطلبه منه وكان يزيد معه خطوة بخطوة يطمنه ويعمل على تهدئته ويطلب منه تلك الخطوات حتى يستعيد نفسه بشكل طبيعي ومتوازن..
فقال له:
" دلوقتي خد نفس ببطء من مناخيرك وطلعه من بؤك بهدوء يلا وكرر معايا..
كان يزيد يفعل التمارين أمامه والآخر يقلده في تلقائية.
وفي تلك الأثناء، دخلت هانيا ومدت يدها ليزيد بأنبوب الأكسجين.
أخذه منها وقال له:
_ محتاجه؟
عارف تتنفس طيب؟
جلست هانيا جواره من الناحية الأخرى وقالت له في نبرة صوت مليئة بالحنان:
_ بقيت كويس؟ رد عليا.. نحطلك الأكسجين؟
نطلب الإسعاف؟
التفت إليها ونظر إليها قليلًا.. ثم قال:
_ خايفة عليا؟
وفي تلقائية ضمته إلى صدرها في فرحة وهي تشكر الله:
" الحمدلله الحمدلله، عرفت تتنفس تاني اهو، الحمدلله.."
وبينما هو داخل حضنها، ابتسم، فابتسم له يزيد وقال مازحًا:
_ ايوا يا عم... ما انت في حضنها بقا، ترد عليها هي وبس، طب ما انا بقالي ساعة بقولك رد عليا، ولا علشان انا مش هانيا!
_ بس يالا
قبلما يذهب قال لهانيا:
_ ممكن بس قبل ما اسيبكم، اتكلم مع جياد شوية لوحدنا؟
هزت رأسها موافقة ثم ابتعدت عنهما.
قال له أخيه:
_ متزعلش مني لو كنت كلمتك بشكل يضايقك او قسيت عليك في الكلام، يتحرق شهاب انت اهم حاجة عندي يا ولد، دا انت الرفيق والاخ والصديق.. انا بس يمكن قلت لك علشان عايزك بقا تنتبه لنفسك ولحياتك، ها؟
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ ماشي يا يزيد فاهمك، وعامة حصل خير
قام الشاب وقال له:
_ تصبح على خير
ثم قال لهانيا:
_ خلي بالك لايتعب تاني
_ حاضر
ذهب يزيد ووجد حينها زوجته على الباب تسأله ماذا حدث للشاب، فقال لها:
_ تعالي ندخل اوضتنا وهفهمك
ثم غلق الباب خلفه.
اقتربت هانيا من مكان جلوس جياد وقالت له في قلق:
_ بقيت أحسن دلوقتي صح؟
_ الحمدلله
_ بتجيلك الازمة دي من وقت لوقت؟
هز رأسه نافيًا ثم اجاب:
_ الحقيقة اني عمري ما اتعرضت لازمة تنفسية في حياتي.. جديدة عليا، كل الامراض زي الضغط والعصبي والارق والتعب والزهق والحزن، كلهم جداد عليا، جولي مع بعض حزمة واحدة زي حزمة الجرجير كدا من ساعة ما اتجوزتك.
ابتلعت ريقها وردت في خجل:
_ والله يعني بقيت انا سبب امراضك كلها؟
نظر إليها ولم يرد... فتابعت:
_ للدرجادي؟ طب إيه مخليك مكمل مع واحدة جيبالك الامراض كلها حزمة واحدة؟
رد في تلقائية:
_ مش بأوفر فعلا بس انتي سبب مرضي وانتي دوايا بردو.. لو بطلتك أموت.
اي مريض في الدنيا، محتاج دوا وللأسف انتي الدوا دا.
أعمل فيكي ايه بس اعمل إيه.
ردت في سرعة:
_ تمام تمام، داري على الغلط اللي قولته.
ابتسم ورد:
_ مدايق بصراحة
_ مني؟
_ من يزيد
_ اشمعنى؟
_ علشان عملي الاسعافات الأولية وانا ماكنتش محتاج كدا..
ابتسم وتابع في خبث:
_ انا بس كنت محتاج قُبلة الحياة مش أكتر.. بدل ما كنتي تنادي يزيد الغتت دا، كنتي بوسيني علطول هتلاقيني اتنفست وكله تمام!
ابتسمت وردت ساخرة:
_ يعني حتى وانت كنت بتموت قليل الأدب!
_ مدخلنيش في تفاصيل بقا يا ستي!
انا عارف انا كنت محتاج إيه، هي قُبلة الحياة صدقيني..
ثم اضاف في تصنع الصعبانية:
_ وحاسس كدا اني يعني لو مخدتهاش، ممكن يجيلي ضيق تنفس تاني لقدر الله وانا نايم!
تنهدت ثم ردت:
_ محن في المرض مش عايزة
_ يا قاسية، يا قاسية، لو جالي ضيق تنفس تاني هتبقي انتي السبب بس كدا
_ عامة موافقة
رد دون تفكير:
_ طب يلا بوسي يلا
_ مش قصدي موافقة على قلة الأدب دي... قصدي موافقة نسافر مع بعض.. شكلك مضغوط جامد ومحتاج تفصل.. هسافر معاك
_ يعني كان لازم اموت قدامك يعني!
_ معرفش انك مضغوط اوي كدا لدرجة هتفطس مننا، فقلت لنفسي حرام غلبان، هاخده افسحه وخلاص
_ كتر الف خيرك والله، مش عارفين نودي كرم أخلاقك دي كلها فين.. على العموم متشكرين...
_ اي خدمة
_ طب وقبلة الحياة يا حجر!
تنهدت ثم قالت له:
_ هتكون صغنونة ماشي؟
رد في ابتسامة:
_ ماشي
اقتربت منه في حذر وهو كان متأهب ينتظر كمن ينتظر فريسته.. كانت تضحك من طريقته ونظراته لها المليئة بالترقب وقالت له مازحة:
_ احترم نفسك شوية احنا مخطوبين بس الله!
_ ما انا واخد بالي، انجزي
بمجرد أن لامست شفتاه.. تشبث بها ولم يتركها، كان يضمها إليه في قوة ويقبلها في فرحة مغمورة بالحب والحنان، ولم يكتف بواحدة وحسب.... وبينما وجدته اندمج للغاية.. قالت له في محاولة لتوقفه:
_ جياد، جياد انا لسه عندي عذر
لم يرد عليها بل تابع ما يفعل، فعادت كلامها:
_ جياد مش هينفع!
همس جانب أذنها بكلمات معينة.. فسكتت.. ولكنه عقب وقت فهم ما كانت تقصده، فابتعد عنها في صعوبة وهو يتنفس في صوت عالي وصدره يعلو ويهبط، وقال في ايجاز:
" آسف "
ثم ارتمى على السرير كي ينام .. تقلب قليلًا ثم قام من جوارها تمامًا واتجه نحو المرحاض.
تابعت أثره وتمتمت:
" ولا شكله موضوع الخطوبة دا هينفع"
*********
كان نائمًا على ظهره والسوط لا يزال في يده، وشرد يتذكر.....
عندما كان في عمر الرابعة عشر [ ١٤] كان حينها في الصف الثاني الاعدادي.
كان يركب مع والده السيارة يقول في فرحة:
_ اخيرا، اخيرا فضيت لي يوم وفكرت هتخرجني يا بابا؟
بس ليه مأخدناش تالية معانا؟ كانت هتفرح جدا، كان نفسها تخرج معاك زيي
رد الوالد في ابتسامة:
_ بس المشوار دا للرجالة بس.. تالية هبقى اخدها في يوم تاني واخرجها خروجة تناسب البنات
فرح الصبي للغاية وقال لوالده في ابتسامة عريضة:
_ انا بقيت راجل خلاص صح؟
_ اه بقيت راجل وسيد الرجالة، انت تميت ١٤ سنة يعني بلغت خلاص وبقيت راجل زيك زيي يا عم
وكانت الساعة الثانية عشر منتصف الليل حينها، وقف الوالد أمام مقهى ليلي وطلب من ابنه أن ينزل، نزل الصبي من السيارة وهو ينظر بابنبهار إلى تلك البناية من الخارج وقال لوالده:
_ night club?
_ إيه رأيك؟
_بس ماما لو عرفت، ها..
_ ما احنا مش هنقول لماما بقا، فيه راجل يخبث لأمه بردو!
يلا معايا ندخل
دخل الصبي مع والده وبمجرد دخوله، اقبلت نحوه سيدة وضمته إليها وقالت متسائلة:
_ ابنك؟
_ ايه رأيك؟
_ مز زيك طبعا
ابتسم وقال لها:
_ شوية وجايلك روحي دلوقتي
غمزت للفتى ثم ذهبت، بينما هو كان ينظر إليها في استغراب، قال له والده في ابتسامة:
_ ايه هو اللي انت تعرفه عن الحياة؟
_ بذاكر وبنجح وبخرج مع صحابي.. بتفسح.. بلعب كونغ فو والبوكسينك، و football كدا بس
تنهد والده ورد:
_ بص يا باسم انا مش عايزك تفضل عيل عبيط كدا.. انت لازم تبقى فاهم كل حاجة، انت خلاص كبرت وبقيت راجل.
كان الصبي لا يفهم مقصده بشكل واضح، وذلك لان فاطيمة كانت تبعده كل البعد عن الهاتف وعن كل المواقع وغيرها كي لا يهتم إلا بمذاكرته.
كان لا يعرف في سنه هذا بسبب تربية أمه له، سوى الدراسة والنادي.
كانت أيضًا تشغل وقته في الكونخ فو والبوكسينك، لذا كان متفوقًا وذكيًا للغاية منذ نعومة اظافره.
ابتسم لوالده وسكت.. لحظات واقبلت سيدة في الثلاثون من عمرها وقالت له في دلال وهي تمضغ العلكة بشكل مستفز:
_ خير، هتدفع كام المرادي؟
_ هدفع اللي انتي عايزاه، بس المرادي مش انا، انا عايزك تاخدي ابني باسم و...
ثم اقترب من أذنها وأوضح مقصده بشكل أكبر....
نظرت إلى الصبي وقالت له:
_ مش صغير شوية!
_ بلغ خلاص
_ ماشي..
ثم قالت للصبي:
_ يلا معايا
نظر إلى والده وقال في قلق:
_ مين دي وهتاخدني على فين يا بابا؟
_ روح بس معاها متخافش، هيعلموك الجانب الآخر من الحياة
جذبته السيدة من يده وكان هو يتحرك معها وهو ينظر إلى والده نظرة مليئة بالتساؤل و الاستنكار.
دخلت به عند سيدة في اواخر الثلاثين من عمرها ثم همست جانب اذنها، والصبي ينظر إليهما في ترقب وحذر.
قامت السيدة ثم سحبته من ذراعه وبدأت تتجه به نحو الغرفة، كان يصرخ فقد خاف منها، فبدأ يصرخ وهو ينادي على والده:
_ يا بابا تعالى خدني يا بابا
فنهرته في صوت عال ثم هدأت قليلًا وقالت:
_ يا حبيبي برا في أوروبا والدول المتقدمة بيعملوا كدا، وانت كبرت خلاص، متخافش.. تعالى معايا، مش هأذيك ومتبقاش عيل كدا، انت كبرت المفروض!
لم يفهم مقصدها حينها ولكنه هدأ قليلًا وبدأ يسير معها ليفهم عم تتحدث، وما اسكته أكثر هو فضوله فإن المراهقين غالبًا ما يحركهم، الفضول للتعرف على الاشياء...
خرج عن شروده بعدما تذكر تلك الذكرى البائسة والتي كان يكرهها وتفوه:
" بكرهكم... بكرهكم كلكم، بكرهكم.."
ثم ترك السوط جانبًا وارتدى ملابسه في صمت.
بينما الفتاة كانت ملقية على الأرض تتألم وتتأوه والكدمات تملأ جسدها.
نظر إليها في قرف، ثم قال لها:
_ أخر مرة تتجرأي تفكري تهربي فيها مني، واحمدي ربنا انه كتب لك عمر جديد وسبتك عايشة، علشان تعرفي بس مدى غلاوتك عندي
ثم فتح الدرج واخرج منه انبوب مرهم والقاه بجانبها وقال:
_ حطي من المرهم دا
ثم تركها وخرج وغلق الباب خلفه بالمفتاح وقال لراجله:
_ سيبها النهاردة ترتاح من الربط وبكرة ابقى قيدها
_ اوامرك
أخرج المحفظة الخاصة به ثم سحب عدد من المال واعطاه له، فشكره الرجل في ابتسامة فقال له باسم:
_ لو فضلت كويس كدا ومطيع هزودك الشهر الجاي ضعفهم
_بس كدا، اوامرك يا بيه، اوامرك ربنا يخليك للغلابة يا بيه
ابتسم له وقال:
_ مش هقدر اقول آمين على دعاء زي دا..
يلا Au revoir يا مرعي
_ اورتوكار يا بيه
نظر إليه لحظات.. ثم رد في ابتسامة:
_ اورتوكار يا مرعي..
********
وفي صباح اليوم التالي، وعلى سفرة الطعام داخل قصر آل الزيني، جلست عبير مع حليمة وفاطيمة على سفرة أخرى منفصلة عن سفرتهم، فمنذ ما حدث وهي لا تريد أن تأكل مع أولادها مثل سابقًا.
أشار فاتح لاخويه بعينه صوب والدتهم يقصد بتلك الحركة أن يتحدثا معها كي تعود مرة أخرى لتأكل معهم وبالفعل تحرك الشابان نحو السفرة التي تجلس عليها ووقف كل منهما جانبها من جهة، وقال يزيد مفتتحًا الحديث:
_ يلا يا ماما ارجعي كلي معانا يلا متقعديش لوحدك تاكلي
ردت عليه بنبرة حادة:
_ وانت عايز مني إيه ان شاء الله، يكفي مراتك الزرافة قاعدة جمبك
كانت دائمًا ما تلقّب روني بالزرافة نظرًا لطولها، فكان طولها يبلغ ١٧٣سم.
تنهد الشاب وقال:
_ لا طبعا انتي مهمة عندي بردو، انتي امي ومقدرش على زعلك
فأضاف جياد:
_ يا ماما انتي غلطتي واعتذرتي عادي، ليه زعلانة دلوقتي؟
_ طبعا ما انت مش فارق معاك حاجة انت كمان في الدنيا، غير ام بوز لازم تنول رضاها علشان تفرد بوزها في وشك بدل ما هي شبه البومة كدا، فتيجي عليا انا بقا امك وتقل مني وتخليني اعتذر لعيله في سن بنتي والا تمشي وتسبني.. تهددني بانك تسبني، كل دا علشان مين؟ مراتك!
طب خليها تنفعك
تنهد ثم قبّل رأسها وأخذ يقول في حنان:
_ معلش يا ماما حقك عليا، مقدرش استغنى عنك بردو، دا انتي امي وأغلى حد في حياتي طبعا
وكذلك يزيد، قبّل يدها وتابع على نفس منوال أخيه:
_ انتي البركة اللي في حياتنا يا أمي، متزعليش بقا ويلا تعالي كلي معانا يلا، ارجعي مكانك يلا
وفي نفس الوقت قال فاتح في صوت مسموع وهو هناك يجلس على السفرة:
_ يلا بقا يا ماما تعالي بقا، السفرة مضلمة من غيرك
حينها التفت حسان إلى أسيل وسألها:
_ هو في إيه؟
ردت في تلقائية بضيق:
_ فيه بلح الشام مرشوش عليه شانتيه
_ يعني إيه؟
_ يعني حمد لله على السلامة يا حسان، لسه فاكر تسأل في إيه؟
_ ما تنجزي علطول يا أسيل وتقولي في إيه!
_ اخواتك بيصالحوا امك لان بقالها ٣ تيام غضبانه ومش بتقعد معانا على السفرة
_ ايوا ما انا لاحظت دا بس مش فاهم ليه.. يعني إيه السبب؟
_ نسوان اخواتك، اللي ممشينهم على عجين ميلغبتهوش، أمروهم، يخلوا امك تعتذر لهم والا هيسيبوا القصر ويحرمونا من طلتهم البهية
وعبير هانم اعتذرت غضب عنها أما ضغطوها وعلشان كدا زعلانة.. فهمت بقا انا قولتلك ليه اتمسك بشغلك في الشركة وسيبك من المشتل دا خالص؟
نسوان اخواتك بنات السلاب دول، نسوان قُدّر، واخواتك ملهمش كلمة قصادهم.. اديك شايف اهو مخليين امهم بنفسها تعتذر منهم، يبقا انا حقي اخاف على مستقبلي معاك ومستقبل ابننا بعد كدا ولا لا؟
عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ غريبة!
طب ليه اصلا؟ ماما عملت إيه علشان البنات تطلب اعتذار؟
_ ولا عملت اي حاجة.. كل الموضوع قالت لهانيا روحي بيت اهلك لان ابني قال انك متلزميهوش.. هو مش قال كدا فعلا في المستشفى؟
سكت الشاب برهة يتذكر... ثم قال:
_ اه قال
_ طب شفت؟ شفت اخواتك عدماء الشخصية ازاي مع مرتاتهم؟
تنهد ورد:
_ على العموم خلاص، هكلم فاتح النهاردة واقوله خلاص مش متفاتحش بابا في حوار المشتل دا وانا هفضل في الشركة زي ما انا معاكم زي ما اتفقنا
ابتسمت وردت:
_ ايوا.. ايوا كدا تعجبني..
وعقب تحايلات ومحاولات، قامت عبير موافقة أن تجلس معهم على السفرة الرئيسية رفقة حليمة وفاطيمة بعدما اعتذرا لهما الشابان أيضًا حتى لا تزداد الأمور تعقيدًا
وقبلما تجلس على السفرة قالت لولديها:
_ جياد، يزيد، تعالوا اقعدوا جمبي وانا بفطر
نفذا ما طلبت، وجلب كلًا منهما الكرسي الخاص به ووضعه بجانب أمه، يزيد في جهة اليمين وجياد في جهة اليسار.
تضايقت روني وكذلك هانيا، فإن الحرب النسائية لازالت تبدأ ولم تنته بعد.
تركت هانيا الملعقة وظلت هكذا تنظر إلى الطبق في صمت.
حتى لاحظ جياد فقال لها:
_ ايه يا روحي، ما تاكلي!
ردت وهي تهز رأسها بالرفض، فأضاف:
_ ليه مش عايزة تاكلي؟
اجابت في دلال أنثوي:
_ مليش نفس.. عايزاك انت تأكلني بأيدك
لم يكد يصدق أذنه حتى أنه ظل ينظر إليها لحظات ليرى هل هي حقيقية أم خيال... ثم قال في عدم تصديق وهو يشير إلى نفسه:
_ أنا؟
_ ايوا انت، هو انا متجوزة حد غيرك ولا إيه!
تنحنح ثم قال لأمه:
_ ماما، الفرصة مش بتيجي الا مرة واحدة
_ نعم؟
تنحنح تارة أخرى ثم ابتلع ريقه وقال:
_ ماما.. هانيا مسقطة انتي عارفة، ونفسيتها وحشة جدا جدا من وقتها.. و..و مش بتاكل ورافضة الأكل ولازم انا اللي أكلها علشان تاكل
_ يا سلام!
ردت ساخرة، فتابع:
_ ايوا زي ما بقولك كدا.. وانا بقا لو مأكلتهاش دلوقتي.. هتقوم ومش هتاكل وهتفضل على لحم بطنها لحد المغرب، يرضيكي؟
حرام.. حرام دي بتنزف يا ماما، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء يا ماما يا ام قلب كبير انتي
_ والله! أما قصة عِبرة بصحيح!
هز رأسه كأنه مضطر لفعل ذلك ثم قبل رأس والدته وقال:
_ استودعكم الله يا أمي.. هروح أأكل زوجتي المريضة ولا حول ولا قوة إلا بالله
_ انت عبيط يا ابني ولا إيه!
قام من مكانه سريعًا ثم حمل الكرسي وبدأ يتجه نحو جانب زوجته اي مكانه الأول وهو يقول لوالدته الناظرة له في ذهول:
_ معلش مريضة، تعبانة بس
وضع الكرسي جانبها ثم جلس وقال في ابتسامة:
_ جيتلك اهو علشان أأكلك يا بيبي
بدأ يسحب خبز التوست ثم يضع فيه الجبن الذي تحبه ثم يقسمه ويضعه في فمها وهو يقول:
_بالهنا
كانت الفتاة تأكل من يده، في ابتسامة وهي تنظر بعينيها نحو عمتيه وأمه تكيدهن.
ضحكت روني على فعل أختها، بينما أسيل حمدت الله أن تالية ليست هنا.
وعلى طريقة جياد، بدأ فاتح يتهامس هو ويزيد وهما ينظران إليه في ابتسامة، أما حسان فكان متعجبًا من جراءة أخيه على الطعام، بينما العمتان كانتا تشعلان النيران من أذنيهم اثر الغيظ مما فعلته ومن تصرفاتها ونظرتها لهما.
لم تهتم عبير حينها كثيرًا كي لا تسحبها من شعرها.
قالت لزوجها في ابتسامة وصوت رقيق:
_ شبعت، هروح اغسل ايدي علشان منتأخرش على الشغل
_ ما يولع الشغل، خلينا شوية، ما انا بأكلك اهو
_ ما انا شبعت يا حبيبي
_ حبيبك؟
وضع يده على جبينها وهو يقول:
_ انتي سخنة؟
حدقت به وقالت في همس اقرب إلى تهديد:
_ شيل ايدك وخليك رومانسي، عايز تبيني مجنونة قصاد الناس؟
ابعد يده فورًا وهو يقول:
_ حاضر اهو شلتها.. شكلك اتجننتي يارب تفضلي مجنونة كدا علطول، عايز كمان ابقى أأكلك على الغدا
ابتسمت ثم قامت وذهبت.. وعقب ذهابها، قال لعمتيه مبتسمًا في نبرة صوت منخفضة واضحة لهما فقط:
_ كيدوا بعض علطول، انا المستفاد، شكرا
ثم قام هو الآخر حتى يغسل يده.
فقالت حليمة لأختها:
_ هو الواد دا اهبل ولا إيه؟
_ مش عارفة، شكله كدا.
***********
ركبت كاميليا مع أخيها فاتح السيارة كي يذهبا إلى العمل، وأثناء القيادة قال لها:
_ قوليلي يا ستي بقا، ايه المشكلة بينك وبين أمجد؟
سكتت برهة.... ثم نظرت من النافذة وردت في نبرة عادية ولكن الحزن يختلط بها قليلًا:
_ انا وامجد هنتطلق
اندهش الشاب من كلامها ورد:
_ إيه!
ليه هبب إيه الحيوان دا؟
كاميليا حبيبتي انتي ملحقتيش!
_ هو انا يعني كنت عايزة اطلق يا فاتح؟
ليا أسبابي أكيد!
_ يا حبيبتي ما انا عارف طبعا، اقصده هو من كلامي.. ملحقتوش علشان يزعلك الحيوان دا!
عمل إيه؟
اجابت وهي لا تزال تحيد عيناها عن اخيها، خشية هبوط دموعها أمامه:
_ هو كان متعلق بالاكس بتاعته زمان، وطلب مني استمر معاه لحد أما ينسى وقالي انه حاول ينساها كتير بس مش عارف.. انا رفضت قولتله مش هقدر اعيش معاك ولا اكمل معاك الرحلة دي وانا غيري في قلبك حتى لو بتفكر تنساها
رد الآخر في عصبية من فعل الشاب:
_ وهو بيتجوز ليه من قبل ما بعمل موف اون؟ وبعدين طالما ميت فيها كدا، كان اتجوزها!
_ يا حبيبي ما هي اصلا اتجوزت وسابته من زمان.. بس هو اللي لسه بيموف اون وانا مقدرتش اكمل يعني، معنديش طاقة اعيش معاه ظروف زي دي
هز رأسه متفقًا ثم قال:
_ معاكي حق فعلا انتي مش مضطرة تعيشي مع واحد دماغه تعبانة ومش قادر ينسى ست متجوزة.. خانك؟ كلمها؟
ردت في سرعة نافية:
_ لا لا معملش اي حاجة من دي، كل الموضوع سمعته بيتكلم عنها مع واحد صاحبه في التليفون وبيقول انه مش قادر ينسى وكدا وبيحاول واني كويسة معاه جدا ومش عايز يضيعني من ايده وبتاع، فواجهته وفهمني وطلب فرصة وقالي هنسى بس انا اللي رفضت.. ارجوك يا فاتح اقفل على الموضوع دا بقا خلاص، لا تكلمه ولا تقوله حاجة ولا تجيب له سيرة اصلا، انا مستنية بابا يرجع علشان ننفصل في هدوء، مش عايزة اي محاولات صلح ولا اي محاولات للرجوع ولا محاولات عتاب حتى.
_ لا لا متخافيش مش هتكلم معاه.. وليه اتكلم معاه اصلا، بلاش وجع دماغ!
مادام انتي قررتي خلاص، انا واثق في قرارك وعارف انك دايما بتختاري القرارات الصح.
والحمدلله انك محملتيش في طفله ولا لحقتي تعيشي معاه وتتعلقي بيه وان فترة جوازكم كانت صغيره أصلا.
التفتت إليه ثم وضعت يدها على بطنها في صمت ولم تتكلم...
**********
ومع الساعة الثالثة عصرًا، كان جياد يسير في طرقات الشركة متجهًا صوب غرفة الاجتماعات حيث استدعاه مجدي.
وأثناء سيره، قابل تالية كانت تسير هي الأخرى، فتوقف أمامها فوقفت، فقال لها في ايجاز:
_ تقدري ترجعي القصر تاني.. عمتو زعلت للي حصلك، وفي الأول وفي الآخر دا بيت خالك وهو اللي طلب منكم تيجوا تعيشوا معاه.
ثم انصرف على الفور، تابعت أثره وانتظرت حتى تعرف اين سيذهب وبمجرد أن دخل حجرة الاجتماعات، استقبلت مكالمة نزار لها وقالت:
" تمام موافقة، نتقابل النهاردة على الساعة ٩ في نفس الكافيه "
وبمجرد أن دخل جياد، وجد مجدي يجلس في مقدمة الطاولة ويجلس معه على نفس الطاولة كل من، شهاب وهانيا وماهي.
سار نحوهم، ثم سحب الكرسي الذي كان بجانب هانيا وجلس عليه، وقال لمجدي:
_ دلوقتي عددنا كمل يا عمي، تقدر تقول طلباتك
تنحنح مجدي ثم قال في جدية واضحة:
_ الاجتماع النهاردة بخصوص حاجتين، الحاجة الأولى ان جياد وهانيا مسافرين النهاردة الفجر، يعني كدا شغلهم لمدة أسبوع، هتساعدوا فيه انت كماهي وشهاب لحد أما يرجعوا، وكدا كدا جياد هيشتغل اونلاين ومش هيقصر
علقت ماهي قائلة:
_ ويا ترى مسافرين ليه؟ خير؟
ليرد جياد:
_ بعدين هفهمك يا ماهي، بس سفرنا ضروري والله
سكتت، فتابع مجدي:
_ الحاجة التانية.. ان بداية من الأسبوع اللي بعد الجاي، كل التاسكات اللي بين هانيا وشهاب هتنتهي، وكل تاسكات شهاب هتتحول تلقائيًا لجياد و...
قاطعه شهاب قائلًا في اعتراض:
_ و ايه انت لسه هتكمل!
دا مش قانوني، انا مليش شغل مع جياد، قواعد شغلي ونظامه برا نظام شغل جياد تماما، ولا هو اي حاجة؟
_ اولا، جياد مدير القسم ويقدر يقوم بمهامه ومهام هانيا ومهامك ومهام ماهي عادي جدا، بس احنا بنجيب له مساعدين نظرا لكثرة الشغل وضيق الوقت.. بس هو قال انه هيقدر عادي على شغله وعلى شغل هانيا في الجزء اللي يخصك.
دلوقتي بقا كل اللي انا محتاجه منك، تمضي هنا بعدم تسلم اي تاسكات تانيه مع هانيا الزيني بداية من الأسبوع اللي بعد الجاي، علشان الامضا دي توصل لرئيس مجلس الإدارة اما يرجع من قطر.
تابع وهو يزيح الورق نحو شهاب:
_ اتفضل، الامضا تحت على الشمال
سحب شهاب الورق و تطلع فيه لدقيقة ثم قال:
_ مش همضي على حاجة، ولو عايزين تمنعوا شغلي مع هانيا للابد، هاتلي تصريح قانوني مش مطبّخ منكم، من رئيس مجلس الإدارة الشيخ عبدالله الزيني، بيمنع فيه عملي مع مدام هانيا ووقتها بس همضي.
انهى كلامه ثم ازاح الورق بيده نحو مجدي تارة أخرى، فعلق الرجل في ضيق:
_ ليه مش هتمضي واحنا ممكن نمشيها ودي؟
كانت ماهي حينها تجلس بجانبه تشعر بالحرج والضيق، ترميه بنظرات مليئة بالغيظ.
فرد على مجدي:
_ إيه اللي يمنع شغلي مع مدام هانيا؟ ايه صدر مننا غلط؟
تنهد الرجل ورد عليه:
_ انت وهي كانت بتجمعكم علاقة عاطفية في الماضي ممكن تؤثر على جودة العمل
_ لا لا متقدمش البلا قبل وقوعه بس انت، مفيش حاجة هتؤثر ولا حاجة ان شاء الله..
بقالي كتير بشتغل معاها وجودة العمل ممتازة ومفيش شكوى واحدة مننا ولا من شغلنا.. لازم تكون حيادي يا مستر مجدي وتقول كلمة حق بردو... الشغل بيني وبين مدام هانيا، بيؤثر على كبرياء وغرور وغيرة المدير مش على العمل!
تضايق جياد وقام من مكانه واقترب من شهاب وقال له في صرامة:
_ هتمضي وهتخلصني من الموضوع دا لان وقتي ضيق
رد في برود:
_ دا مش منظر واحد وقته ضيق، دا منظر واحد فاضي، دي تصرفات فاضي عامل فيها قاضي.. مش همضي
أخذ شهيقًا ثم زفره على مهل يتحكم في اعصابه وقال:
_ هوديك ورا الشمس لو ممضتش
رد الآخر في ابتسامة:
_ مش قولتلك انت مريض!
هي الفلوس فعلا بتعمل كدا، بتحدف علينا مرضى مهووسين ومتسلطين ومختلين وعدماء كرامة وفاكرين نفسهم محور الكون زيك
_ والفقر بردو كدا، بيحدف علينا بلاوي جاعنين، وطماعين وانتهزاين وعدماء الرباية والأخلاق وريحتهم وحشة زيك
تحدثت هانيا في صوت مسموع:
_ جياد، جياد هو ممكن تيجي هنا وتتكلم هنا بردو من مكانك ومتوجهش ليه كلام بشكل مباشر بالطريقة دي كدا؟
تحرك حتى يعود إلى مكانه مستجيبًا لها وهو يقول اثناء سيره:
_ بردو هتمضي
ثم سحب الكرسي وجلس عليه.
قال شهاب لمجدي:
_ لو هنفضل في نفس الكوبليه بتاع بردو هتمضي وانا اقول بردو لا، فأنا استأذن علشان ورايا شغل
كانت ماهي تضرب الأرض بقدمها وتهز ساقها وتطرق بالقلم الذي كان في يدها على الطاولة من شدة الغيظ والضيق منه.
زفر مجدي في ضيق ثم قال له:
_ بص يا شهاب، احنا مش عايزين شوشرة، اهم حاجة هنا هو الاحترام المتبادل، شغلك مع هانيا جايب مشاكل، امضي في سكات افضل، ليه...
_ معلش يعني، ما تقول الكلام دا لجياد؟
قوله مش عايزين شوشرة ولا مشاكل وسيب الناس تشتغل تاسكتها زي ما رئيس مجلس الإدارة موزعها، وتفعل وضعية الغيرة في اي مكان الا الشغل!
ليه انا اللي عامل مشاكل يعني؟
بالعكس شغلي سليم ١٠٠%
سكت مجدي برهة يفكر.. ثم قال له:
_ طب انت ليه تحب تشتغل مع حد مش حابب يشتغل معاك؟
انا ودي كنت هقدم امضائكم للشيخ واقوله هما الاتنين مش مرتاحين للشغل مع بعض وادي امضتهم وخلاص، ليه نضطر نقدم موافقة حد والتاني يتجبر؟
رد عليه ساخرًا:
_ شوف بقا اسلوب الضغط اللي انتوا متعودين عليه، هتبطلوه امتى؟
تحدث مجدي إلى هانيا:
_ خدي امضي انتي، وكدا كدا هو هيمضي هيمضي
نظرت إلى الورق.. ثم إلى والدها و زوجها، وقالت في جدية وثبات:
_ مش همضي على حاجة إلا في وجود استناد قوي اقدر أقدمه لرئيس مجلس الإدارة والا كدا احنا بنلعب مش بنشتغل
ضحك شهاب ضحكة قصيرة بها السخرية... ثم قال:
_ اعتقد لازم اقوم امشي انا بقا واسيبكم في قاعدة عائلية مع بعض علشان تضغطوا عليها براحتكم بدون ازعاج.
وقبل ذهابه قال لجياد اثناء سيره صوب باب الخروج:
_ وبالمناسبة يا جياد، انا لا همضي ولا هستناك في مكتبك.
ثم فتح الباب وخرج.
كانت عيني جياد مازالت متسلطه عليها، يرميها بنظرات مليئة بالغضب على ردها.. نظرت إليه وقالت:
_ إيه؟
فتحدثت ماهي في صوت عالي نسبيًا به الغيظ:
_ عاجبك انتي الشغل معاه اوي صح؟
ردت عليها الأخرى في نفس النبرة:
_ كان بقاله ساعة قاعد بيرفض انه يمضي، واول ما مشي، افتكرتي تتكلمي!
رمتها بنظرات مليئة بالازدراء ثم سحبت حقيبتها وبدأت تسير في خطوات سريعة مغاضبة.
وبمجرد خروج ماهي هي الأخرى، صاح جياد في ضيق:
_ ليه؟
فردت عليه في صوت عالي نسبيًا تدافع بها عن نفسها:
_ قبل بس ما تزعق وصوتك يعلى عليا، افهمني.. اني امضي بأني مش عايزة اشتغل تاني مع شهاب وهو مش راضي يمضي، يبقى معناها اني لازم اقدم سبب قوي للشيخ أقنعه بيه ليه فجأة كدا بقيت رافضة اشتغل مع مدير اعمال ماهي، عملي إيه يعني.. واكيد احنا مش هنقول اصل كان فيه علاقة عاطفية زمان كانت بتجمع بينا!
لو الشيخ شاف اني مقدمة طلب رفض العمل مع شهاب وهو مش رافض، هيجيبه يسأله ليه هيقوله مش عارف، اسألها ووقتها انا مش هلاقي كلام اقوله للشيخ ولو قلت لان شغله وحش او جودة عمله سيئة هكون بتبلى عليه وكدا كدا الشيخ هيتأكد من كلامي وهيعرف انه كدب، يبقى علشان تمنع الشغل بيني وبين شهاب ودي زي ما انتوا عايزين وعاملين الاجتماع دا علشان كدا، يبقى لازم احنا الاتنين نوافق مش طرف واحد، والا وقتها ميكونش ودي، يكون اتفاق بالاجبار والضغط.
انهت كلامها ثم سارت مغاضبة هي الأخرى خارجة من تلك الغرفة.
وبمجرد خروجها، ضرب جياد الطاولة بقبضة يده غاضبًا، ثم صاح:
_ شايف يا عمي شايف!
_ هانيا معاها حق يا جياد، هي طبيعي مش عايزة شوشرة تتقال عليها هي وشهاب قصاد الشيخ لانه لو دور وسأل هيعرف بالعلاقة اللي كانت بينهم، الشركة كلها عارفة أصلا.
علشان كدا انا قلت نتفق، بس هو متفقش، الحق مش عليها.
_ وديني ما هسكت، هلاقي طريقة يعني هلاقي طريقة ومش هشغله معاها يعني مش هشغله معاها، خليه يتحداني كويس اوي ال ******* دا
_ كدا كدا معاك أسبوع تفكر وهي معاك، طول ما انت مسافر فكر في طريقة بس تكون طريقة شرعية ومفيهاش غش ولا تزوير، الشيخ بيشم الكلام دا وساعتها هيطين عيشتنا كلنا
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ هفكر... هفكر وهلاقي حل وهوريه.. خليه فرحان بنفسه شوية
**********
ذهبت مايا إلى الشيخ عطاالله وهذه المرة لم تكن خائفة كالمرات السابقة وأكدت لنفسها أنها آخر زيارة عند ذلك الشيخ واذ لم يعطيها حل في الحال مثلما وعدها، لن تأتيه ثانية.
وبمجرد دخولها، ابتسم لها الشيخ وقال:
_ تعالي يا مدام مايا اتفضلي... جبتي اللي طلبته منك علشان افك لك العمل؟
_ جبته... بس وعد فعلا هيتفك العمل وهحمل صح؟
_ وعد، ووعد الرجال دين، ما بالك بقا براجل وشيخ في نفس الوقت!
*********
وبعد الانتهاء من ساعات العمل، نزل شهاب باستخدام المصعد الكهربائي إلى الدور الأرضي متجه نحو مكان الاستقبال، وقال للفتاة الواقفة في ابتسامة:
_ مساء الخير
فردت في ابتسامة:
_ مساء الخير مستر شهاب، اؤمر
_ كنت عايزك بس تفرّغيلي الكاميرات اللي في قسم السيلز، واللي قدام الشركة علطول، بتاريخ ١٧ من الشهر دا
_ بس....
_ معايا أمر من مديرة القسم، ماهي الزيني متقلقيش.. وبعدين الأمر يخص اختفاء اختي من بعد خروجها من الشركة يعني مهم اشوف اتحركت ازاي يومها
_ تمام
بدأت تفتح الحاسوب وتقلب فيه حتى حصلت على اليوم نفسه.. قال لها سريعًا وهو يبعد يدها عن الفارة [ الماوس] :
_ بعد اذنك بس، خليني اشوف انا، ايوا هي دي، عايز اشوف بنفسي بعد اذنك
تحركت تاركة له المكان كله ووقفت بعيدًا قليلًا حتى ينتهي.
بدأ يسرع في الفيديو منذ ان جاءت فوجدها تحدثت مع فريقها ثم عملت بشكل طبيعي، ثم تحدثت مع عز لمدة دقائق معدودة.. ثم عادت إلى العمل مرة أخرى... بدأ يسرع أكثر حتى انتهاء اليوم، فوجدها تخرج من المصعد الكهربائي رفقة عز، تسير بجانبه وهي تضحك وهو يبتسم... راقب خطواتهما حتى خرجا من الشركة، ثم فرغ الكاميرات التي أمام الشركة، فوجدها تركب معه سيارة غريبة سوداء كبيرة بكامل ارادتها... ومن شدة ذهوله وصدمته فقد الاستيعاب وقتها وظل بصره معلقًا بما يرى، معلقًا بشاشة الحاسوب، معلقًا على شرفه وسمعته...
***********
ومع دقات الساعة السابعة، كانت كلًا من حليمة وفاطيمة تجلسان معًا في زاوية نائية وبعيدة عن الجميع في حديقة القصر، بالقرب من حمام السباحة الخاص بالنساء، تحتسيان القهوة.
من ضمن ما قيل في حديثهما، ان حليمة قالت:
_ بس كدا.. كدا فل.. يبقى الفيديو بتاع شهاب أما خد هانيا وخرج بيها من بيت مجدي، وراح بيها شقة، هيوصل للشيخ وعبير وجياد من جارهم، اللي شاف الواقعة وسمع صوت صويتهم، وبكدا احنا نكون بعيد تماما وهما عرفوا كل حاجة من برا وجياد يطلقها بقا ونخلص منها
فردت فاطيمة:
_ بالظبط، وانا هعمل نفسي زي ما قولتلك ان السلسلة بتاعتي اختفت وهطلب من عبير تفرغ الكاميرات علشان اشوف مين سرقها وهعمل نفسي بالصدفة كدا، اني بقلب وهخليها تشوف اما شهاب دخل لهانيا وهرب من البلكونة بتاعتها وخرج من اوضة روني.
ابتسمت حليمة واضافت:
_ وباسم يبعت الصورة اللي كان مصورها لشهاب وهو خارج من اوضة هانيا في الجزيرة للشيخ.. على انه فرد أمن من الجزيزة وبعتها فورا اما لاحظ حاجة غير شرعية بتحصل خوفا على سمعة المكان.
تعالت ضحكاتهما.. وسكتتا برهة.. ثم قالت فاطيمة:
_ خلاص كدا، البت دي هتطلق بمجرد ما نبعت كل دا وبكدا نكون خلصنا منها
فردت حليمة:
_ ايوا زي ما خلصنا من ابنها، الحمدلله ربنا ميسر معانا كل حاجة
_ جدا، واهو الحارس لبسها والموضوع خلص ومحدش هيدور ورانا
_ للحق هي فكرة جامدة.. فكرة اننا نحط حشيش للحصانة والعلف في اوضة الحارس، فكرة تحفة يا حليمة، تسلم دماغك اللي فكرت، واحنا بعاد عن كل حاجة
_ ايوا في السليم
وقد سمعت مايا كل ما قد قيل بينهما من أول المحادثة حتى آخرها وكذلك عرفت الحقيقة.. كانت في صدمة مما سمعته، تقف في ذهول وخوف وفي يدها تمسك بالهاتف والذي سجل كل ما قد قيل بصوتهما...
************
مش هفكركم بالفوت والكومنت متنسوش الفوت والكومنتس دول اللي بيشجعوني استمر وبس، مفيش مقابل لتعبي في كتابة كل دا غيرهم
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الاتنين
سلمى خالد احمد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!