ازيكم عاملين ايه
جاهزين؟؟؟
يلا نبدأ
الفصل الثامن و الثلاثون[ محاولة صُلح]
سلمى خالد احمد
**************
في البداية، لم تفهم… أو ربما لم تُرِد أن تفهم.
لكن الكلمات حين تجمّعت، حين اكتمل معناها القاسي، شعرت وكأن شيئًا بداخلها انكسر بصوتٍ مسموع، رغم أن المكان ظل صامتًا.
كان يتحدث عنها… عن أختها.
بذلك الدفء الذي لم تعرفه يومًا في صوته معها.
بذلك الشغف الذي انتظرته طويلًا… ولم يأتِ.
تراجعت خطوة، ثم أخرى، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.
يدها امتدت تلقائيًا إلى الجدار تستند عليه، لا لأن جسدها تعب… بل لأن روحها لم تعد تقوى على الوقوف.
"أنا فعلا عملت كل حاجة علشان انسى ماهي...."
لم تكن الجملة الأعلى صوتًا… لكنها كانت الأعمق طعنًا.
استقرت في قلبها كخنجرٍ بارد، لا يقتلها… بل يُبقيها حيّة لتشعر بكل ما فيه من ألم.
اتسعت عيناها، لا بالدموع، بل بالذهول.
كأنها تحاول أن تُعيد ترتيب الواقع من جديد، أن تُكذّب ما سمعت، أن تُقنع نفسها بأن هناك تفسيرًا آخر… أي تفسير، إلا هذا.
لكن الحقيقة كانت واضحة، قاسية، لا تحتاج إلى تأويل.
هي لم تكن اختيارًا… كانت بديلًا.
ظلًّا باهتًا لامرأةٍ أخرى… امرأةٍ أقرب إليها مما ينبغي.
ارتجفت أنفاسها، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بسرعةٍ غير منتظمة، شعرت حينها بحرارةٍ تشتعل في عينيها، لكن الدموع تأخرت… تأخرت كثيرًا، كأن حتى البكاء خذلها.
كيف لم ترَ؟
كيف لم تفهم تلك المسافات الصغيرة في حديثه، تلك البرودة التي كانت تتسلل إلى كلماته، ذلك الغياب رغم حضوره؟
تذكّرت كل لحظةٍ ظنّت فيها أنه يقترب منها… لتدرك الآن أنه كان يبتعد، لكن بهدوءٍ لا يُلفت الانتباه.
تذكّرت صمته، شروده، نظراته التي تمرّ عليها وكأنها لا تعنيه…
لتفهم أخيرًا أنه لم يكن غامضًا… بل كان صادقًا بطريقته المؤلمة.
ضحكةٌ صغيرة جانبية خرجت منها فجأة… ضحكة بلا روح، أقرب إلى الانكسار منها إلى السخرية.
ثم همست لنفسها، بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"أنا كنت فين؟"
انزلقت ببطءٍ على الجدار حتى جلست أرضًا، تضمّ نفسها بذراعيها، كأنها تحاول أن تجمع ما تبقى منها.
لكنها كانت تعرف… أن ما انكسر بداخلها الآن، لم يكن بسيطًا ليُجمع.
لم يكن الألم فقط في خيانته…
بل في الحقيقة التي تلتها، أنها عاشت قصة حبٍ كاملة… وحدها.
***********
كان يتحرك ذهابًا وايابًا داخل صالة منزل والدته، وهو يضع يداه على رأسه لا يصدق تلك المصيبة التي وقعت فوقه.
نظر إلى هاتفه الذي في يده، وبدأ يقرأ الرسالة التي كتبتها ونشرتها على صفحتها عبر الفيس بوك للمرة الثالثة لعل كل ذلك يصبح وهم، علّه يجد ما يبرائها، ما يخرجه من مأزقه، ما... أي شئ... أي شئ..
ولكنه قرأها هذه المرة كالمرتين السابقتين لا جديد يذكر، وجاءت رسالتها على النحو التالي:
" ماما، اخويا شهاب حبيبي، شاهندا، سامحوني كلكم، حاولت بس مقدرتش، مشاعري كانت طاغية عليا اكتر، قلبي هو اللي حركني.. انا عارفة اني ملقش بيكم ولا اليق بأني اكون بنتكم، بس محدش يدور عليا، انا خلاص اختارت طريقي، والحياة اختيار.
سامحوني لاني اختارت اسيب لكم الرسالة دي بالشكل دا، قصاد الناس على صفحتي، بس انا اضطريت اعمل كدا علشان اضمن إني أكون آمنة واعرّف الكل اني عملت كدا باختياري وياريت محدش يلومني، آسفة ليكم مرة تانية، هتوحشوني بحبكم"
كانت أمه تبكي جانبًا في صوت عالي لا تصدق ما فعلته ابنتها بهما، كيف حدث ذلك؟ هي ربتها، تقسم أنها لم تقصر في تربيتها، فلماذا؟
وتحدثت إلى ابنها في غضب:
_ شوف حل وامسح البوست دا من على الاكونت بتاعها، قبل ما نتفضح اكتر
ثم أزالت دمع عيناها وتابعت:
_ تتحرق، هعتبرها ماتت، من هنا ورايح انا مليش بنت اسمها وعد ومش عايزة اسمع اسمها ولا اعرف اي حاجة عنها ولا صورها حتى هتكون في بيتي
خانتها دموعها فهبطت مرة أخرى، ولكنها أنهت حديثها ولم تستطع ان تتكلم أكثر وعليه هربت من ولديها بدموعها وقهرتها وانكسارها، واتجهت نحو غرفتها في خطوات سريعة.
قالت شاهندا وهي تبكي لاخيها:
_ البوست جاب عدد شيرز كتير، بحاول افتكر ال password بتاعها عشان احذفه
نظر إلى التوقيت الذي نُشر فيه البوست فعلم أنه نُشر قبل ساعتين، متى وكيف خططت لكل ذلك؟
وعليه اقترب من أخته وقال لها:
_ شاهندا ساعديني، وعد كانت بتكلمك عن عز؟ كانت بتقولك اي حاجة تخص أفكارها المنيلة دي؟ ارجوكي متكدبيش، انا عايز اساعدها، هي هتتهان اوي معاه.. أنا خايف عليها
_ صدقني يا شهاب لا، مجبتليش سيرته ابدا ولا قالت لي حاجة.. بس هي كان بقالها فترة فرحانة اوي وأنا سألتها النهاردة قبل ما تمشي على الشغل وقالتلي انها مبسوطة علشان هتتكرم، مجابتش سيرة عز وحتى أما قولتلها هو السبب او فيه جدبد معاه، قالتلي لا
تركها ودخل غرفة أخته الهاربة، ثم أشعل الضوء وأخذ يلتفت بالغرفة ثم دخلها وبدأ يبحث هنا وهناك عن أي خيط او رابط.
جاءت شاهندا وسألته :
_ انت بدور على إيه؟
_ على أي حاجة.. جواب منه، هدية، أي زفت على دماغه ودماغها.
فتح الخزانة خاصتها فوجد ملابسها كما هي، فحك مقدمة رأسه في تفكير، ثم قال:
_ هربت من غير ما تاخد اي حاجة معاها كدا؟ معقول؟
سارت شاهندا في خطوات سريعة ثم قالت:
_ استنى، كانت بتحوش فلوس في الشنطة دي
فتحت الحقيبة فوجدت المال كما هو، فنظرت إلى أخيها في استغراب، وكذلك الآخر بادلها النظرات نفسها، ثم قال:
_ غريبة اوي، هربت من غير هدوم ولا فلوس ولا أي حاجة كدا؟
هي الهروبة جت فجأة ولا إيه!
_ تفتكر هو ضغط عليها؟
ثم أشارت بيدها نحو الغرفة وتابعت:
_ اصل بص، كل حاجتها مكانها!
حاسة ان فيه حاجة حصلت معاها؟
ثم نظرت إليه واضافت:
_ يا شهاب حركة زي دي متطلعش من وعد مش قادرة أصدق.. انت تصدق عليها حاجة زي كدا؟
يا شهاب انت اللي مربينا وعارفنا
هز رأسه بالايجاب ثم قال:
_ انا فعلا مستغرب ومش قادر أصدق ان تصرف زي دا يطلع من اختي.. هدور عليها، هعرف مكان الكلب وبيته فين وهدور عليها في كل حتة ومش هسكت
_ نبلغ البوليس؟
_ اقوله ايه البوليس؟ والنبي شوفلي اختي هربت ليه، اصل شكله عز ضغط عليها؟
بوستها لوحده اللي انتشر دا كفاية يخلي البوليس يطردني، قال هو البوليس عارف يلاقي المخطوفين علشان يدور على الهربانين!
_ على رأيك، دا أما حد بيختفي وأهله بيبلغوا، بيقولوا استنى ٢٤ ساعة الأول، علشان لو رجع او هو اللي طفش بمزاجه، ميكونوش بذلوا مجهود على الفاضي
_ سيبك دلوقتي، انا اللي هدور عليها عنده وبعد كدا لو اتأكدت انه ضاغط عليها او ما شابه هدخّل البوليس وقتها
_ هتجيب عنوانه منين؟
أخذ يفكر في الأمر لحظات... ثم قال:
_ أكيد عنوانه، واسمه بالكامل، موجودين في الشركة عندنا، بكرة اول ما اروح الشركة هدوّر، خلي بالك من ماما وافضلي جمبها وانا هرجّع اختي وهنقذها من الحيوان دا.
************
_ لو ملقتهاش خلال كام ساعة، هقتلك علشان يكون في علمك.. هيام تظهر يعني تظهر، سامع؟
يلا بالسلامة
انهى المكالمة مع محدثه، ثم بدأ يقول محدثًا نفسه في توعد:
" ماشي يا *****، ان ما ربيتك وعلمتك ازاي تعملي حركة زي دي معايا؟ مبقاش انا باسم عواد"
وفي تلك الأثناء، سمع صوت دقات الباب، فقام واتجه نحو الباب كي يفتح، وبمجرد أن فتح، وجد الطارق، خطيبته والتي ابتسمت بمجرد أن رأته وقالت:
_ surprise [ مفاجأة]
ثم دخلت وكل ذلك هو يحاول أن يستوعب مجيئها، مرر سبابته على شنبه ثم غلق الباب وقال لها:
_ إيه اللي جابك؟
_ أيه يا بسومي، بقا دي طريقة تكلم بيها خطيبتك حبيبتك؟
كانت تتكلم وعيناها تتجول في المكان كله، علّه يخبئ فتاة هنا أو هنا، حتى أنها دخلت غرفة النوم الخاصة به وقالت في ابتسامة:
_ اوضتك حلوة جدا...
وبدأت تفتح غرفة تلو الأخرى وهي وتقول:
_ الشقة كلها تحفة، يا ترى شقتنا هتبقى زيها؟
كان يضحك منها ومن تصرفاتها، ولكنه استغرب قليلًا فهي على غير العادة، لم تشك فيه أبدًا، لما بدأت الآن؟
أسند ذراعه إلى الحائط وقال:
_ اترزعي على أي كرسي يا رهف وبطلي تفتيش في الشقة، بدوري على إيه يعني!
توقفت عما كانت تفعل، والتفتت إليه وردت:
_ بدور؟ لا يا حبيبي أنا مش بدور أنا بتفرج عادي على الشقة يعني!
_ اخص عليا، بقيت شكاك الفترة دي أنا!
_ شفت؟
لفظت تلك الكلمة، ثم جلست على الكرسي وتابعت:
_ عامل إيه؟
حرك بؤبؤ عيناه في عدم اهتمام ورد:
_ هو انا مش قولتلك قبل كدا متجيش تزريني في شقتي؟
ردت في ابتسامة:
_ اه قلت بس أنا مش خايفة منك
رفع أحد حاجبيه وسكت برهة... ثم رد:
_ حاسس ان فيه اهانة ليا في الموضوع بس مش قادر احط ايدي عليها
ردت بسرعة مصححة:
_ لا لا يا حبيبي مش قصدي كدا، مش قصدي اني مش خايفة منك علشان انت مش راجل ولا حاجة زي دي طبعا، اقصد مش خايفة منك لاني بثق فيك و بحس معاك بالأمان
رد ساخرًا:
_ ومنطق الشيطان؟
كدا تبوظيه؟
ثم تنهد وتابع في ابتسامة:
_ انا نفسي مش بثق فيا، قد ما انتي واثقة فيا اوي كدا.. أخلاقك بتمسخر أم انحرافي يوم بعد يوم
_ مش فاهمة!
_ ودي أحلى حاجة فيكي عامة
انهى جملته ثم اتجه نحو المطبخ وهو يقول لها:
_ تشربي إيه؟
_ زيك، شوف هتشرب إيه واعملي معاك
دخل المطبخ وبدأ يضع الماء داخل الجهاز، وكانت هي تجلس في الصالون على الكرسي تراقب ما يفعل، تفكر... ثم تكلمت:
_ هو انت كنت فين أول امبارح الساعة ١ بليل يا باسم؟
سكت برهة... يفكر ويتذكر.. ثم رد:
_ آه.. هنبدأ بقا بالأسئلة الشفوي المفاجأة بتاعت المخطوبين دي صح؟
_ بتكلم بجد، كنت فين؟
_ ليه بتسألي؟
سكتت... ترك الماء يلغي، ثم جهز الكوبين وخرج لها، سار حتى جلس على الكرسي قبالتها وقال:
_ من ضمن الحاجات اللي بكرهها في حياتي، هي نوعية الاسئلة دي.. شاكة فيا، متكمليش معايا، بسيطة اهي، لكن تقعدي تسأليني وأسألك احنا مش في امتحان هنا!
توترت للغاية وردت وهي تهز رأسها بالسلب:
_ لا لا يا حبيبي لا، مش قصدي اني شاكة فيك والله، هو....
_ اومال إيه كلامك دا؟
سكتت برهة.. ثم ابتلعت ريقها وردت:
_ اصل... هو...هو...
_ اخلصي يا رهف، انا وقتي ثمين!
_ صراحة كدا، واحدة صاحبتي في الجامعة، هي اللي شافتك وانت في night club, يومها ووقتها وكنت واقف مع بنات كدا وقالتلي
سكت وهو يهز رأسه بالايجاب... ثم قال:
_ امممم، بقا كدا!
وانتي صدقتيها فورا صح؟
_ غلط، والله ما صدقتها ولا حاجة، أنا لو صدقتها يعني كان زمان دا هو اسلوبي معاك؟
انا بسألك اهو وبتناقش معاك وعايزة اصدقك اصلا
_ اولا، صاحبتك دي تقطعي علاقتك بيها تماما، لانها واحدة مش كويسة، انك اصلا تصاحبي واحدة بتروح أماكن مشبوهة زي دي، دا غلط كبير، والا شوية وهلاقيكي رايحة معاها، باسم الصداقة!
هزت رأسها رافضة ثم ردت:
_ عمري ما ادخل مكان زي دا، بس هي حرة وبعدين هي صاحبتي من بعيد وكمان...
قاطعها قائلًا في حسم:
_ هتقطعي علاقتك بيها يعني هتقطعي علاقتك بيها مفهوم؟
ثم تنهد وتابع ما إن رأى علامات الضيق على ملامح وجهها:
_ فيه اسباب لدا يا حبيبتي، اولا هي واحدة مش كويسة بتروح أماكن مشبوهة، ثانيا، كدابة، بتكدب عليكي، عايزة توقع بينا واضحة زي عين الشمس
_ طب ليه هي هتبقى عايزة توقع بينا، عندها حبيبها!
_ رهف، صحابك كلهم غيرانين منك افهمي دا... انتي مخطوبة في وقت بدري، بتحبي خطيبك، خطيبك وسيم وغني وعنده عربية و مدير في شركة كبيرة، وبيحبك.. يبقى لازم يفعلوا خاصية صورم البنات و يبدأوا يقولوا اي كلام علشان بيحقدوا عليكي طبعا وعايزين علاقتنا تبوظ.
_ تفتكر؟
_ ايوا هو دا اللي ينفع يتقال اصلا.. لو فضلتي تسمعي ليهم، علاقتنا هتبوظ وهتكون بسبب كيد البنات، وفي الآخر هما هيروحوا يتجوزوا ويخلفوا ويعيشوا وانتي هتفضلي كدا ملكيش حد وهتكوني خسرتي علاقتك و حُبك علشان كلام ملوش لازمة وانتي حرة في الآخر أكيد
هزت رأسها رافضة ما يقوله، ثم ردت عليه:
_ لا خلاص يا حبيبي انا مصدقاك خلاص، وبكرة أما اروح الجامعة، هشوف شغلي معاها كويس
_ من حسن الحظ انك ذكية وفكرتي تواجهيني واستوعبتي كلامي.
هروح اشوف المياة شكلها اتبخرت
وبالفعل قام ثم تحرك نحو المطبخ.
أسندت يدها على الكرسي وقالت له في ابتسامة مليئة بالشغف:
_ صحيح يا بسومي
_ قوليلي
_ هو فعلا الإنسان بيزهر مع من أحب؟
توقف عم كان يفعل وسكت تمامًا، لم يصدر منه حركة ولم تخرج منه كلمة.. فقد تذكر....
قبل سنتين تقريبًا:
تذكر كيف جذبته تلك الجميلة وكيف أرقته ايامًا وليالًا، وكيف تخيل حياته ونفسه كرجل مختلف معها، معها وحدها....
تذكر دقات قلبه عندما كان يراها، تذكر تلك الابتسامة البلهاء التي كانت ترتسم على شفتيه دون داعي لمجرد رؤيتها.
تذكر انه تابعها و قرأ عنها في جميع صفحاتها، تذكر كيف تمناها بحواره فكل ليلة صعبة مرت كي تهون عليه.
حتى انه تذكر كلام أصدقائه له " اوعى شكلنا وقعنا خلاص يا عم، مين الجامدة اللي قدرت توقع باسم عواد في حبها؟"
" وكمان مش عايز تسهر؟ لا لا دي شكلها غيرتك خالص "
حتى تلك المحادثة الغبية التي دارت بينه وبين أحد أصدقائه، تذكرها:
_ لا قللت سهري جدا وخروجاتي بليل وبفكر اني مش هروح ديسكوهات تاني خلاص
_ مش مصدقك بجد؟ دا ليه كدا؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة الحب ورد:
_ يعني.. معجب بواحدة كدا وهي ملهاش في الجو دا، مش هتقبل واحد بتاع بنات وديسكوات فقررت اتغير
_ اوعى بقا، بقا قررت تتغير علشانها؟ مين دي ارجوك عرفني عليها
_ لا
_ طب اسمها بس حتى!
_ يوه عليك... اسمها روني يا عم.. روني اللي بقت سبب سهر عيوني
_ وكمان خليتك شاعر! لا لا جامدة بجد...
خرج عن شروده وهو يتمتم في نبرة خفيضة للغاية:
" غبي "
_ إيه يا باسم روحت فين أنا بكلمك؟!
_ معاكي... لا، الحقيقة الانسان بيزهر أما بيحب نفسه اكتر
شعرت بالضيق من رد وقالت:
_ يعني إيه؟
_ يعني خلاص بقا يا رهف، اهو هو دا ردي وخلاص!
_ انا همشي
وقفت ثم بدأت تسير نحو الباب كي ترحل فلم ينادي عليها بل ظل يتبع أثرها حتى خرجت ثم قال لنفسه:
" غبي اللي يعلق نفسه ومشاعره في ايد حد، غبي..."
*******
دخلت أسيل، غرفة تالية وغلقت الباب، ثم قالت:
_ إيه بقا مالك؟ من الصبح وانتي زعلانة وسرحانة حصل إيه؟
كانت الأخرى تلوي لها ظهرها ولكنها سرعان ما وقفت قبالتها كي تتحدث معها وجهًا لوجه، وجدتها تبكي بكاء جمًا وكأن عيناها تمطر دموعًا.
اختضت وعليه قالت في خوف:
_ إيه يا تالية مالك، بتعيطي كدا ليه يا قلبي بس؟
ايه اللي حصل؟
بدأت أصوات شهقاتها تتعالى، ثم ردت:
_ جياد..
_ ماله؟
حاولت أن تهدأ وتستجمع نفسها، ثم ردت:
_ عمره ما هيحبني يا أسيل عمره...
تنهدت أسيل ثم ضمتها إليها وردت في نبرة مليئة بالحنان:
_ اهدي يا حبيبتي مش كدا، منين بس جبتي الكلام دا!
ردت في نبرة مليئة بالبكاء:
_ طردني.. روحت له النهاردة الصبح شقته علشان اتكلم معاه، راح قايلي اطلعي برا ومسكني رماني قدام الشقة.. جياد مش عايز يصدق حاجة عليها ولا عايز يطلقها ولا عايز يسمع بس مجرد كلام هيقومه عليها
خرجت من بين ذراعيها وتابعت وهي تمسح دموعها:
_ هانيا عمرها ما هتخرج من جياد، شكله عمره ما هيطلقها
_ هيطلقها متخافيش.. كلمي شهاب بسرعة قوليله يلا، قوليله هانيا سقطت، يعني بعد ما كان صعب يستنى لحد أما تولد وترضع وكل دا، بقا هيستنى ٣ شهور عدة بس، يلا كلميه لازم الضغط يكون على جياد وهانيا من كل النواحي علشان لازم يطلقوا يعني يطلقوا.
هزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ فقدت الأمل مش قادرة مش قادرة
_ تالية، اسمعي جياد متأثر بيها بس الفترة لكن...
قاطعتها قائلة في حسم:
_ سبيني لوحدي يا اسيل بعد اذنك، عايزة اقعد مع نفسي، عايزة استوعب اللي حصل النهاردة دا لوحدي من غير اي كلام
_ تالية خليني معاكي أنا..
_ معلش أسيل شوية بس بعد اذنك شوية
هزت رأسها موافقة ثم ألقت نظرة أخيرة عليها وعلى حالتها، ثم خرجت...
وهي خلف الباب، تضايقت على حالة ابنة خالتها وعليه اتصلت على شهاب مرة و التالية ولكنه لم يجب في أي مرة منهم.
فتمتمت:
" اللعبة لسه مخلصتش.. مش هنتصروا يا بنات السلاب "
*************
فتح جياد باب شقته، فوجد الطارق أخيه يزيد، والذي قال له بمجرد أن فتح:
_ المرادي هدخل اتكلم معاك يعني هدخل، سيبتك امبارح كله اظن
سمح له بالدخول، ثم سبقه وهو يسير نحو الكرسي وجلس عليه.
جلس الآخر قباله وقال:
_ عامل إيه دلوقتي يا حبيبي؟
_ الحمدلله احسن يعني
سكت يزيد برهة يرتب ما سيقول...ثم رد:
_ يارب دايما أحسن... ناوي ترجع القصر امتى وتبقى وسطنا؟
لم يرد عليه... فأضاف:
_ جياد أنا عارف ان اللي حصل لك صعب بس انا من رأيي تسمع هانيا فعلا، اتكلم معاها، اسمعها، شوف عندها إيه وبعد كدا احكم عليها بأنها قتلت الطفل او لا.. خدت اصلا قرار في الموضوع؟
_ قرار إيه؟
_ يعني، اذا كنت هطلقها ولا هتكمل ولا لسه هتفكر، كدا يعني!
تنهد ثم رد ساخرًا:
_ هو انا عارف اخد معاها قرار!
انا من ساعة ما حبيتها وانا نفسي اخد قرار.
ابتسم يزيد ورد:
_ ليه حبيبتها كل دا بجد، قدمت لك إيه طيب؟
سكت يفكر.. هي بالفعل لم تقدم له أي شئ.. ولكنه رد على أية حال:
_ مش عارف.. بس.. بس هي برائتها وابتسامتها ليهم جاذبية خاصة... في الأول كنت معجب بس.
وقعت فيها أما كانت بتبتسم لي كل يوم الصبح ومرات وقفت معايا ومرة حلت لي مشكلة كبيرة وقعت فيها مع ناس صحابي وكنت باخد رأيها وكدا.
من ساعتها بقا، وانا متعلق بيها...
سكت لحظة ثم تابع في ابتسامة:
_هي بالنسبالي، قدمت لي مثلا كوباية لبن.. فقمت انا مقدم لها الزريبة بكل الجواميس اللي فيها بالزرايبي شخصيا.
ضحك يزيد ورد:
_ بضحكني دايما، حتى وانت بتحكي مشاكلك
_ اعمل إيه يعني... مش بدل ما اقوم اولع في نفسي!
سكت الشاب برهة، يفكر.. هو كان يود أن يخبره بشأن ما فعلته والدته أمس في حق زوجته وهانيا ولكنه لم يرغب في مضايقته أكثر حاليًا ولكنه قال:
_ هتتكلم معاها طيب؟
_ مش عارف، بس حاسس إني مش قادر.. انا بس اللي بسعى لوحدي في العلاقة دي وبقيت حاسس إني استنزفت
_ فكر في الموضوع، يلا انا همشي علشان انت عارف أكيد مستنيني على الغدا، ولا تحب اقعد اتغدى معاك او نخرج نأكل برا؟
_ ماشي يلا نخرج نتغدا برا
*********
دخل مجدي منزله، فوجد زوجته تتقدم نحوه بخطوات سريعة وهي تقول:
_ كل دا يا مجدي! اتأخرت ليه كدا؟
_ خلصت شغل وروحت عملت كام مشوار كدا، فيه حاجة ولا إيه؟
_ هانيا، مش راضية تاكل وانت عارف انها بتنزف ولازم لها غذا وهي زعلانة مني علشان رجعتها القصر وكدا، خد انت اديها الأكل يمكن تاكل من ايدك ولو منفعش هرن على أختها تيجي تأكلها هي
هز رأسه موافقًا ثم قال لها:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، كله بسببك، مش عارف ليه بجد عملتي كدا!
_ خلي بس البت تاكل الأول وبعدين نبقا نتكلم
تنهد ورد:
_ ماشي، هاتي الأكل خليني ادخل لها
اعطته صنية الطعام وقالت له:
_ اهو خد الأكل اهو، يارب تاكل من ايدك يارب
حمل الطعام واقترب نحو غرفة ابنته وطرق الباب.
كانت الغرفة ساكنة على نحوٍ مؤلم، كأن الجدران نفسها تخشى أن تُصدر صوتًا في حضور ذلك الانكسار. الضوء خافت، يتسلل بصعوبة من خلف الستارة، فيرسم ظلالًا باهتة على جسد هانيا المنكمش فوق الفراش.
كانت ممددة بلا حراك، شعرها مبعثر، ووجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه على مهل. عيناها مفتوحتان، لكنهما لا تريان شيئًا… كأنها عالقة في مكانٍ لا يصل إليه أحد.
فتح مجدي الباب ببطء ما إن لم تستجب له، يحمل طبق الطعام بيدٍ مرتجفة قليلًا. توقف عند العتبة، حين رآها…
تجمد للحظة، وكأن قلبه انقبض دفعةً واحدة.
دخل بهدوء، أغلق الباب خلفه، ثم اقترب منها بخطواتٍ حذرة، كمن يخشى أن يكسر شيئًا هشًا.
وضع الطبق على الكومودينو، وجلس على طرف السرير، ينظر إليها طويلًا…
لم تكن هذه ابنته التي يعرفها. لم تكن تلك الفتاة التي كانت تملأ البيت حياةً وضحكًا.
تنهد بعمق، ثم مد يده ببطء، وضعها فوق رأسها وربّت عليها بحنانٍ قديم، حنان أبٍ أدرك متأخرًا أنه أخطأ الطريق.
قال بصوتٍ هادئ، مكسور قليلًا:
_ يا هانيا…
لم ترد. فقط رمشت بعينيها ببطء.
ابتلع كلماته للحظة، ثم أكمل، وصوته يحمل ثِقل اعترافٍ لم يعتده:
_أنا عارف إني غلطت… وغلطي كان كبير كمان."
سكت لحظة، وكأنه يمنحها مساحة لتتنفس، أو ربما يمنح نفسه شجاعة الاستمرار، ثم تابع:
_كنت فاكر إني لما أجبرك على الجواز، ببني لك أمان.
كنت فاكر إن الأب لما يختار لبنته، يبقى بيحميها من الدنيا… بس الحقيقة..
أنا كنت بخاف… مش عليكي، لا… كنت بخاف من فكرة إني أسيبك تختاري، فتسيئي الاختيار وتندمي وميكونش لندمك فايدة وقتها.
تنهد، ومرر يده على وجهه بإرهاق، وتابع:
_اللي حصل يا بنتي مش قضاء وقدر بس… ده تدخل غلط منّي أنا في حياتك ومصيرك
تحركت عيناها نحوه قليلًا، وكأن كلماته بدأت تخترق ذلك الجمود، ولكنها عادت تحيد بصرها بعيدًا عنه تارة أخرى
ابتسم ابتسامة باهتة، مليئة بالألم، ثم قال بنبرة أهدى:
_بصي يا هانيا… في حاجة أنا اتعلمتها متأخر…
الإنسان مش بيتكسر من اللي بيحصله، الإنسان بيتكسر لما يُجبر يعيش حاجة هو مش عايزها، وانا في الحالتين ماكنش هدفي اكسرك، انا بس كنت عايز احافظ عليكي، كنت عايز اطمن عليكي مع شخص بيحبك مع راجل ضامنه وواثق فيه كفاية علشان اقدر اسلمه حتة مني، حتة من قلبي...
سكت لحظة، ثم أشار بإيده كأنه بيرسم فكرة في الهوا:
_تخيّلي كدا حد ماسك طير… الطير ده اتخلق علشان يطير، علشان يحس بالهوا… بس انا اللي حبسته في قفص، لاني كنت فاكره امانه، كنت خايف طيور أكبر تاكله او تجرحه
هو ممكن يعيش… آه… بس عمره ما هيبقى حي....
نظر لها مباشرة، وعينيه لأول مرة فيها ضعف واضح وتابع في نبرة مليئة بالندم:
_أنا حبستك يا هانيا… وأنا اللي لازم أفتح القفص
نزلت دمعة من عينه بسرعة، مسحها بيده قبلما تكمل طريقها..
_انتي حرة
قالها بهدوء… لكن بثقل قرار كبير، ثم اضاف:
_لو عايزة تكملي… كمّلي.
ولو مش قادرة… ولو قلبك مش طايق… لو كل يوم معاه بيموتك اوي كدا، سبيه، انا مش عايز حاجه غيرك.. انا مش عايز غير بنتي، لو مش عايزة ترجعي قوليلي وانا مش هرجعك فعلا يا هانيا وانا هروح حالا اقولهم كل شيء قسمة ونصيب.
اقترب منها أكثر، وصوته أصبح أدفأ:
_ ادركت متأخر، بس المهم اني ادركت، الطلاق مش فشل يا بنتي… الفشل إنك تفضلي في وجع إنتي مش مجبورة عليه.
سكت لحظات..وبدأ يلمس شعرها وتابع:
_أنا جنبك في أي قرار.
مش هضغط عليكي تاني… ولا هختار بدالك.
انتي مش طفلة، انتي واحدة عاشت وجع كفاية يخليها تعرف هي عايزة إيه.
مد يده يمسك يدها بهدوء، وضغط عليها بخفة و قال:
_قومي بس من اللي إنتي فيه دا، قومي يلا كلي لقمة، وبعدها قرري براحتك.
بس أوعدك، القرار المرة دي… هيبقى بتاعك إنتي."
التفتت له وأخذت تنظر إليه مطولًا... ثم ردت في نبرة ضعيفة:
_ ولو بيضغط؟ لو قالي لو اطلقتي هقعد في قعدة كبيرة واقول فيها كل حاجة؟
_ هيقول إيه يعني؟
اعتدلت في نومتها وبدأت تجلس كي تستطيع التحدث معه وجهًا لوجه، ثم اجابت بنبرة بها توتر واضح:
_ شهاب مرات كان بيدخل لي اوضتي علشان يعرف اتساب ليه وكدا، اقسملك ما في اي حاجة حصلت بينا.. بس ناس شافتنا وبيهددوني انهم هيقولوا لجياد.. كمان فاطيمة دي، صورت فيديو لشهاب وهو بيخطفني من قدام البيت وهددتني بردو... فكرت كتير في الطلاق، بس الضغط كان بيمنعني اصلا.
مسكها من يدها في هدوء كي تنهض معه وهو يقول:
_ تعالي
نهضت معه وخرجا معًا من الغرفة ثم سارا حتى خرجا من المنزل كله، وفي حديقة المنزل الصغيرة تلك، كانت هناك حمامة تأكل من خشاش الأرض دائمًا ما كانت تأتي لهنا كي تأكل.
وقف مجدي ثم نظر إلى تلك الحمامة وقال لابنته:
_ بصي، شايفة الحمامة دي؟ دي كل يوم بتيجي تأكل عندنا لدرجة اني بقيت اجيب لها أكل معايا وانا جاي من الشغل ولحد دلوقتي معرفش حتى هي بتاعت مين ولا جت منين.
هي بتحب هنا جدا واتعودت تيجي هنا دايما علشان تأكل..
نظرت الفتاة إليه وإلى الحمامة ويبدو انها لا تفهم مقصده، فابتسم وتابع:
_ هستني هفهمك..
اقترب بخطوات حذرة وبطيئة جدا نحو الحمامة وفجأة مسكها مقيدًا حركتها، كانت ترفرف بين يديه تود أن تطير، نظر إلى ابنته وقال:
_ شايفة، شايفة هتتجنن وتطير ازاي بعد ما مسكتها؟
انهى جملته ثم تركها بالفعل فطارت بعيدًا هاربة ناحية بنفسها، كان يتبع هروبها، ثم ابتسم وقال لابنته:
_ طارت ومش بعيد متجيش هنا تاني..
المثال دا بقا هو اكتر مثال حي لعلاقتك انتي وجياد.
_ ازاي؟
تنهد واجاب:
_ المكان دا مريح بنسبة للحمامة جدا ومن زمان ومش مصدر ضغط عليها وجايز كانت هتفضل دايما فيه وجايز كانت مرتاحة وبتاكل ومفكرتش ابدا تطير إلا أما مسكتها... ودي نفسها انتي... علاقتك بجياد بدأت أما انا مسكتك و قولتلك هتتجوزيه يعني هتتجوزيه واجبرتك، وانتي كل هدفك وقتها تطيري وتهربي فكنتي بترفضي وبتصرخي وعايزة تطيري زيها بالظبط، بالرغم من اني لو ماكنتش أدخلت كان زمانك شايفة جياد حاجة تانية، كنتي هتشوفيه مكان آمن بتتحركي فيه براحتك، ومش مصدر ضغط ولا حاجة، زي ما الحمامة كانت شايفة الأول قبل تدخلي.
رفع رأسه نحو السماء ثم تابع:
_ انتي معرفتيش عن جياد، إلا الضغط و الاجبار والإنانية ورافضة تشوفي الجانب التاني منه، الجانب الآمن اللي انا كنت شايفه فيه علشان كدا جوزتك ليه، الجانب اللي الحمامة رفضت تفضل فيه بمجرد ما اتقيدت رغم انه كان مكان رزق واكل وراحة بالنسبالها، ويمكن لو ماكنتش اتقيدت كانت هتفضل رايحة جاية عليه دايما وكان هيبقى مكانها المفضل كمان.
التفت إليها وتابع:
_ اللي انا اقصده يا هانيا، ان القرار قرارك، انا مش هقيدك تاني.. انتي في ايدك تختاري، يا تختاري تشوفي وتكتشفي الجانب التاني الآمن من جياد، الجهة اللي عمرك ما شفتيها لانك كنتي متقيدة وهدفك الوحيد التحرر، تشوفي جياد اللي بيحبك وعايز يعمل كل حاجة في الدنيا علشانك، جياد اللي مستعد يهد الأرض علشان ترضي، جياد المسؤول اللي هيكون اب وزوج وراجل في بيته.. أو تطلقي منه وتستني الشخص اللي ممكن يحبك ربع حبه حتى وانا اشك في دا، لان الإنسان بيتحب مرة واحدة في حياته بشكل لا يُصدق، فيايتمسك بالمرة دي والشخص دا، يا يتنك ويعيش حياة عادية مع حد عادي.
صدقيني مش هتلاقي حد يحبك قده، صدقيني مش بكدب عليكي ولا يضغط عليكي، مجرد بقولك علشان خسارة، خسارة تضيعي حب زي دا وشخص زي دا من ايدك، كفاية شهاب ضاع وانتي عارفة ان طريقك بقا مقفل معاه بالأخص بعد ما اتجوز ماهي الزيني.
خدي وقتك يا بنتي وفكري، فكري وقوليلي وانا معاكي في اي قرار وبخصوص التهديدات، انا بنفسي هقول لجياد اننا متنازلين عن حقوقك مقابل انه ميتكلمش عن اي ماضي حصل واني عندي علم بكل حاجة..
اقترب منها ثم وضع وجهها بين كفيه وتابع:
_ يكفي عندي انك تبقي بخير ومشفكيش في الحاله دي تاني ولا اشوفك بتعيطي كدا تاني.
ثم وضع قُبلة صغيرة على جبينها وأضاف بحنان اب واضح:
_ يلا تعالي ندخل علشان تاكلي، لازم تاكلي انتي تعبانة ومرهقة ولازم تعوضي دا، يلا معايا
ابتسمت له وهزت رأسها موافقة ثم ذهبت معه في صمت ورضا.
**********
كانت في سيارتها لا تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول؟ هل تواجه أم تتخلى؟ هل تنفصل؟ ام تنتظر؟
وعقب وقت طويل قضته في السيارة، لا تجيب على اتصالاته او رسائله، اتصلت به أخيرًا وما إن استجاب، قالت له:
_ إيه يا أمجد
_ إيه يا كاميليا انتي فين؟ أتبخرتي؟
بقالي ساعة برن عليكي!
وجاء ردها بنبرة منخفضة ضعيفة:
_ مفيش حاجة، الموضوع كله ان.. ان ماما تعبت شوية وانا كنت مشغولة بكلم اخواتي ورايحة لهم دلوقتي.. قلت اكلمك اعرفك بس اني رايحة القصر اشوفهم وكدا
_ طب ما قولتليش ليه كنت جيت معاكي؟
_ مفيش داعي، متتعبش نفسك، يلا انا هقفل انا سلام
انهت المكالمة سريعًا، ثم أزالت دمع عيناها وقادت السيارة متجهة نحو القصر.
وبعدما وصلت، مشت على أطراف اصابعها كي لا يشعر بها أحد.. وفي نفس الحركات، صعدت الدرج حتى دخلت غرفة أمجد التي كان ينام بها قبل زواجهما، واشعلت الضوء.. بدأت تبحث هنا وهناك وتقلب هنا وهناك.. حتى وجدت صورتها، صورة أختها محشورة بين خشبة السرير و المرتبة.
التقطتها وبدأت تنظر إليها وحسب.. ثم ابتسمت ابتسامة جانبية ساخرة وحدثت نفسها:
" بقا هي دي الصورة اللي كان بيقعد يكلمها بالساعات واما كان بيشوفني كان بيرميها مني!
كنت ممكن اتخيل اي حاجة إلا انها تطلع أختي.. ليه كدا يا أمجد ليه! "
***********
كان شهاب يجلس على السرير وامامه الحاسوب يركز فيه ويدقق، كالعادة يعمل، فلم يعد لحياته أي أهمية ولم يجد له أي مهرب من أعباء الحياة سوى العمل، ذلك الذي اعتد عليه منذ أن كان في عمر السادسة عشر.
دخلت عليه وهي تحمل صنية بها مشروبات وتسالي، وأخذت تقترب منه.. وفي هدوء وضعتها على الطاولة بجانبه، فقال لها في ابتسامة صغيرة:
_ تسلم ايدك
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم جلست على الكرسي واطرقت شاردة به... كانت تتأمل ملامحه وتفاصيله في حب وشغف.. تنظر إليه هكذا وحسب كأنها لا تشبع منه ومن وجوده و رؤيته أبدًا.
كانت تفكر.. كيف له أن يكون بعيدًا هكذا رغم ضيق المسافة بينهما؟ ألم يعد يهمه سوى العمل؟ ألم يشتق إليها قط؟
قامت من على الكرسي ثم هبطت ببطءٍ إلى ركبتيها تجلس عليهما على الأرض، كأن الأرض وحدها صارت المكان الوحيد القادر على احتواء هذا الثقل في صدرها.
مدّت ذراعيها بترددٍ خافت، وأسندتهما إلى حافة السرير الذي يجلس عليه، كأنها تستمد منه ثباتًا لا تملكه، أو كأنها تتشبث بآخر خيطٍ يربطها به.
ثم رفعت وجهها إليه ووضعت يديها على خديها، في حركةٍ عفوية تحمل كل ما تبقى من ضعفها، وعيناها معلّقتان به، لا تحيدان عنه، لا تهربان، ولا تطلبان النجاة.
كانت تنظر إليه فقط…
لكن تلك النظرة لم تكن عادية.
كانت مزيجًا غريبًا من الحب والانكسار، من الإدراك والإنكار، من قلبٍ يرى الحقيقة كاملة ويرفض أن يتخلى رغم ذلك.
لم يكن في عينيها سؤال، ولا عتاب، ولا حتى دموع في تلك اللحظة، بل شيء أعمق… شيء يشبه التسليم.
كأنها تقول دون أن تنطق:
"أعرف… وأفهم… ورغم ذلك… ما زلت أحبك."
ظلّت على حالها، ساكنة كتمثالٍ نُحت من الألم، لا يتحرك منها سوى أنفاسٍ متقطعة، بالكاد تُسمع.
كانت نظراتها تلامس ملامحه بحذر، تحفظها كأنها تخشى أن تفقدها بعد لحظة.
لاحظ هو تلك الحالة وتلك النظرات وعليه عقد حاجبيه في استغراب وقال مستفسرًا:
_ إيه؟
ردت في نبرة مُسلّمة لواقع اليم:
_ قولي ازاي اقدر اتعافى منك؟ قولي طريقة اعرف اتعافى بيها منك.
أخذ شهيقًا ثم زفره على مهل وترك الحاسوب جانبًا ثم رفعها بيده من على الأرض فنهضت معه، ثم وضعها على حجره وبدأ يلمس شعرها في بطء وحنان وقال:
_ بليز كفاية.. انا معاكي ومش هسيبك خلاص، قولتلك دا ميت مرة يا ماهي!
_ لسانك بيقول حاجة، بس قلبك وعيونك بيقولوا حاجة تانية
_ سيبك بقا منهم، انتي بتهيألك بس.. أما أنا عايزك ومش هسيبك
ابتسمت كأنها تمسكت بذلك الأمل حتى وان كانت لا تصدقه وبدأت تمرر يدها على صدره وردت:
_ يعني مش هتسبني في نص الطريق؟ يعني مش لأي سبب هتتلكك لي وتسبني تايهة؟
هز رأسه رافضًا ثم قال:
_ لا هسيبك في نص الطريق ولا في آخره ولا هسيبك خالص، ارتاحي بقا وكفاية تزعلي وتحطي في نفسك، انتي حامل وابننا محتاج نفسيتك تبقى حلوة وشهيتك مفتوحة وضحكتك مالية الدنيا، تمام؟
هزت رأسها موافقة، وبدأت تفك له اوائل ازار بيجامته، فعلق وهو يمسك يدها:
_ تعبان حاليا والله وحزين جدا، ودماغي مشغولة اوي ومش عايز ازعلك او اكروتك
عقدت حاجبيها في قلق وردت:
_ ليه دا؟ من إيه بس؟ ليه حزين؟
_ وعد... أكيد عرفتي باللي حصل
ابعدها عن حجره، ثم قام وبدأ يسير نحو البلكون فتح بابها ودخل، التفت حوله ثم أسند ذراعيه على السور وبدأ يستنشق الهواء في قوة كأنه يختنق.
دخلت عليه وحزنت لما رأته حزينًا بذلك الشكل.
سارت نحوه ووقفت بجانبه ثم وضعت يدها على كتفه وقالت:
_ متزعلش نفسك طيب، ان شاء الله هتلاقيها، مش قلت هتروح بكرة بلده دي علشان تدور عليها؟
هزت رأسها بالايجاب ثم رد:
_ قلت، بس راسي مشغول.. ليه تعمل كدا بس! ليه تفضحنا بالشكل دا؟
احنا مسحنا البوست بعد ما اتشير واتشهر بينا.. ليه تأذينا وتأذي أختها بالشكل دا وتوقف حالها!
ربتت على كتفه، وردت:
_ معلش يا حبيبي حقك عليا انا... قريب والناس هتنسى كدا كدا، وشاهندا هتاخد نصيبها وربنا مش هينساها ولا هياخدها بذنب أختها ان شاء الله
هز رأسه موافقًا ثم رد في نبرة مليئة بالاسى والخذلان:
_ ان شاء الله.. المهم خليكي عارفة اني بكرة مش هكمل اليوم كله شغل، هبدأ عادي في معادي بس على الساعة ٤ كدا هستأذن علشان يدوب الحق اسافر بلد الحيوان دا واشوفها هناك
_ ماشي يا حبيبي مفهوم، سافر انت ومتشلش هم الشغل، تحب تدخل ترتاح؟
_ لا عايز اشم هوا شوية
_ تمام، خليني جمبك علشان لو احتاجت حاجة
نظر إليها ثم رفع رأسه ينظر إلى السماء في صمت..
***********
دخل يزيد على زوجته الغرفة، وكانت الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل.
انتظرته وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وقالت:
_ كل دا تأخير؟ كنت فين كل دا؟
دخل وغلق الباب خلفه ورد:
_ خلصت شغل وعديت على جياد وكنت معاه بقا ولسه جاي اهو
اقترب من الخزانة وبدأ يبدل ملابسه، قالت له متسائلة:
_ هو جياد عامل إيه؟
_ الحمدلله كويس
_ وصل لأي حاجة تخص هانيا؟
_ بصي، انا مفهمتش منه اوي بس اللي قدرت اتوصله، ان هو سايب القرار المرادي لاختك.. تقريبا عايز يفهم هي عايزة إيه او هتعمل ايه
... حسيت منه كدا يعني
_ طب ليه مسألتوش؟
اجاب وهو يرتدي بنطاله:
_ سألته يا حبيبتي سألته بس هو مش بيرد، بيتوه وانا قولتلك اللي فهمته منه، انتي بقا اختك ناوية تعمل إيه؟
_ مش عارفة، اتصلت عليها من شوية اشوفها ومردتش وماما هي اللي ردت وقالتلي كلت ونامت، هشوفها دلوقتي جايز صحيت.
اتجهت نحو الطاولة ثم التقطت هاتفها وقالت له أثناء تقليبها في الهاتف:
_ قولتلي هردلك اعتبار وفات النهاردة كله اهو يعني!
كان قد انتهى من تبديل ملابسه ثم ألقى بجسده فوق السرير ورد حينها:
_ ما انا مستني افهم جياد هيعمل ايه هو واختك علشان لو كدا يتردلكم اعتبار انتوا الاتنين مع بعض، بالأخص ان هي اللي طردت يعتبر، يعني هي لشخصها اطردت وهي تعبانة وبتعاني وبتنزف، علشان كدا لسه مستنيين نشوفها هتعمل ايه
زفرت في ضيق ثم ردت:
_ شكلها لسه نايمة، برن مش بترد
_ خلاص سبيها هي تعبانة خليها نايمة، كلميها بكرة.
قوليلها حتى لو ناوية على طلاق لازم حقها يرجع لانها اتهانت بجد
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ بعد الشغل بكرة هعدي عليها كدا كدا مش هقضيها تليفونات!
جلست على السرير أولًا ثم تسطحت بجانبه وتابعت:
_ راسك بقت عاملة إيه دلوقتي يا حبيبي؟
_ بتتحسن، فيه معاد دوا؟
_ اه كمان نص ساعة
ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
_ يا روحي انا على اللي فاكرة مواعيد دوايا بالدقيقة
_ اومال انت فاكر إيه!
انت جوزي وتاج راسي، وان ماكنتش فاكرة مواعيد دواك انت يعني هفتكر مواعيد إيه؟ ايه مهم تاني في حياتي غير كدا؟
تنهد في راحة ثم رد في سعادة:
_ يالهوي عليا، بتبلفيني، عمري ما اتبلفت كدا قبل كدا
انهى كلامه ثم تقلب في السرير يعلن عن نعاسه ومن شدة التعب نام فجأة بينما كانت تطفي الضوء، عادت إليه في حماس ولكنها قد وجدته نام.
تضايقت بشدة وزفرت في ضيق ثم تمتمت:
" من ساعة ما بقا ياخد مضاد حيوي وهو بقا ينام زي الخروف بالظبط بالساعات، منك لله يا نيرة بوظتيلي الراجل بالخبطة اللي ادتيهاله على نفوخه دي، خليته باظ ومبقاش شغال "
**********
وفي صباح اليوم التالي، دخلت حورية غرفة ابنتها وبدأت تهزها كي تستيقظ وهي تقول:
_ قومي يا هانيا يلا قومي علشان تفطري معانا، انا وابوكي قبل ما ينزل على الشغل
تقلبت الفتاة ذات اليمين وذات اليسار ثم نظرت إلى والدتها وقالت:
_ كلوا انتوا، انا هكمل نوم مش عايزة آكل
_ لا قومي كلي يلا
ولتها ظهرها ولم ترد عليها، فتابعت السيدة:
_ هانيا، انا عارفة انك زعلانة مني.. بصي كدا كدا ابوكي قالي انه اتكلم معاكي امبارح وان الكل مستني قرارك انتي، بس بالله عليكي خدي حقك الأول ورجعي كرامتك اللي اتهانت ووضحي الأمور وبعدها ابقي انفصلي، مش هينفع تطلقي كدا وانتي مطرودة ومتهانة، ردي اعتبارك الأول على الأقل
التفتت إليها ونظرت إليها قليلًا في ضيق ولم ترد عليها، فتابعت السيدة أيضًا:
_ انا عارفة، انا عارفة كدا كدا انك أما بتبقي زعلانة مستحيل تردي على اللي مزعلك و بتستخدمي معاه أسلوب التجاهل، انا فاهمة دا كويس، بس على الاقل فكري في اللي قولته الأول قبل ما تاخدي اي قرار
_ مش هفطر يا ماما، اظن خدتي جوابك، سبيني لوحدي بقا، هنام شوية لسه
وفي تلك الأثناء، دخلت مايا عليهما وهي تسرع جهة أختها تقول في قلق:
_ هانيا، هانيا حبيبتي عاملة إيه بقيتي أحسن؟
جلست جوارها وبدأت تمرر يدها على شعرها في حنان.. نظرت إليهما حورية ثم قالت:
_ هسيبكم انا تقعدوا مع بعض شوية
وبمجرد خروجها، قالت مايا لأختها:
_ حمدلله على السلامة يا روحي، متزعليش مني لاني ماكنتش جمبك امبارح، بس انا حقيقي عرفت متأخر اصلا، محدش قالي و...
قاطعتها الفتاة قائلة:
_ مايا فكك.. المهم ان البيبي اللي كان مفرق بينا وكنتي شيفاني مميزة عنك بيه، مات، ياريت بقا ترجعي تحبيني من تاني وتعامليني حلو زي الأول
شعرت الفتاة بالخزي من كلام أختها ومنه نظرت إلى الأرض خجلًا منها، ثم ردت في أسف:
_ عمري ما حبك قل في قلبي يا هانيا.. انتي اختي الصغيرة، بنوتي اللي كنت بذاكر لها وبلاعبها.. يمكن كنت بعيدة، او ماشي دايما بعيدة عن الأحداث بس دا لاني والله ورايا أحداث في حياتي مخلياني مش شايفة غيرها ولا عندي وقت غير ليها.
_ خلاص يا مايا بقا، ما انا رفعت عنك الحرج اهو!
حصل خير
ضمتها الفتاة إلى صدرها دون أن تتوقف عن الاعتذار او المواساة
وفي الخارج، كان مجدي يتناول طعامه بينما حورية كانت تتحرك في قلق وهي ترمي بصرها نحو باب غرفة ابنتها، قال لها:
_ ما تقعدي يا حورية رايحة جاية لي؟
_ هو انت فعلا هتوافق تطلقها؟
زفر في ضيق ورد:
_ حورية، انا خلاص قررت واحنا خلاص اتكلمنا في الموضوع دا مليون مرة، ازهقي بقا
_ ايوا بس جياد الزيني ميتعوضتش، هتلاقي زيه فين بس!
_ خلاص، عملنا اللي علينا وورناها انه ميتعوضش وجوزناها بالعافية وعملنا كل حاجة، مش هرتاح انا ولا هنبسط أما اخسر بنتي، كفاية.
هي حرة أما تندم هتفهم اللي كنا بنقوله، وكلام بقا في الموضوع دا تاني انا مش عايز
نظرت إليه في ضيق شديد ثم اتجهت نحو غرفة النوم الخاصة بهما ثم دخلتها وبدأت تفكر لحظات.. ثم اتصلت على جياد.. استجاب قائلًا:
_ الو
_ الو، ازيك يا جياد عامل ايه؟
_ الحمدلله، اخبار حضرتك إيه يا طنط؟
_ انا كمان الحمدلله يا حبيبي، بقولك
_ اؤمري طبعا
_ انت في الشغل دلوقتي؟
_ في طريقي ليه، ليه في حاجه ولا ايه؟
_ يعني.. عايزة اتكلم معاك شوية في موضوع ما، ينفع؟
_ ينفع طبعا، اتفضلي
_ لا، عايزة اقابلك ونتكلم وجه لوجه
سكت برهة... ثم قال:
_ موافق، هبعتلك العنوان، وعامة انا هخلص شغل النهاردة الساعة ٥، تقدري على ٦ بالكتير ٦ ونص تبقي هنا
_ خلاص اتفقنا... سلام
انهت المكالمة معه، ثم قالت:
" مش هينفع تتطلقوا والله.. مش هينفع "
*************
جلس الشيخ عبدالله الزيني إلى رأس الطاولة، بهيبته المعهودة، داخل حجرة الاجتماع، وعيناه لا تكفّان عن قراءة الوجوه قبل الكلمات. أمامه خرائط، تقارير، وأرقام… لكن ما كان يُحسم هنا لم يكن مجرد توسّعٍ تجاري، بل خطوة نحو قارةٍ كاملة لم تُطرق أبوابها بعد.
تبادل الحضور نظراتٍ قصيرة، ثم بدأ الحديث.
قال أحد الحضور القطريين، وهو يُقلّب بعض الأوراق:
_شوف يا بو فاتح، موضوع تشيلي مو بسيط… بس السوق هناك واعد، خصوصًا في قطاع الأزياء الراقية
رد عبدالله بهدوء، صوته واضح، محمّل بثقة:
_ عارف، وعارف إنها خطوة كبيرة… بس اللي يخلّيني أفكر فيها بجد، إننا مش لاقيين منافس عربي قوي هناك.
السوق شبه فاضي من ناحيتنا
تدخّل رجل آخر، بنبرة محسوبة:
_صحيح، وما ننسى إن تشيلي بوابة لأمريكا اللاتينية. لو نجحنا هناك، نقدر نتوسّع لبيرو والأرجنتين بسهولة.
مال عبدالله قليلًا إلى الأمام، وكأنه يقترب من الفكرة ذاتها:
_ تمام، ودا بالظبط رأيي علشان كدا فكرت افتح فرع جديد ويكون خارج نطاق الدول العربية، من هنا لازم ناخد بالنا اننا مش بس بنفتح فرع في دولة بس، إحنا بنفتح باب لقارة كاملة، علشان كدا الخطوات لازم تبقى محسومة.. مش هضيع جنيه في حاجة مش مضمونة!
ابتسم أحدهم وقال:
_بالضبط، وهذا اللي يخلّي المخاطرة محسوبة لا تقلق.
بس خلنا نكون صريحين… في تحديات يا بو يزيد
رفع الشيخ حاجبه باهتمام، وفضّل ان يسمع رأيه، فقال:
_ زي إيه؟
_أول شي المسافة… الشحن بيكون مكلف، ومدة التوصيل أطول. ثاني شي اختلاف الثقافة، ذوق العملاء هناك مختلف عن الخليج ومصر
تنهد الشيخ تنهدًا خفيفًا، ثم قال:
_ دي نقطة مهمة، واكيد مش متجاهلها… بس إحنا نقدر نلعب عليها. يعني نعمل خط إنتاج مخصوص للسوق هناك، يناسب ذوقهم… وفي نفس الوقت نحافظ على هويتنا.
هزّ أحدهم رأسه موافقًا وقال:
_فكرة ممتازة. وأيضًا، العمالة هناك أرخص مقارنة ببعض الدول، وهذا ممكن يقلل التكاليف لو فتحنا مصنع صغير بدل مجرد فرع بيع.
ابتسم عبدالله، ابتسامة خفيفة تحمل مزيجًا من الحذر والطموح:
_يعني بدل ما نصدر بس، هننتج هناك كمان، كده نقلل تكلفة الشحن ونكسب السوق أسرع
رد القطري بثقة:
_ بالضبط، ونكون أقرب للعملاء. بس لازم ندرس القوانين كويس، لأن في بعض القيود على الاستيراد والتصنيع
ساد صمتٌ قصير، كأن الجميع يُعيد ترتيب الصورة في ذهنه.
ثم قال عبدالله، بنبرة حاسمة لكنها غير متعجلة:
_ أنا شايف إن المميزات مغرية جدًا… سوق جديد، منافسة أقل، وفرصة انتشار كبير. العيوب موجودة، بس مش مستحيلة.
إحنا بس محتاجين خطة صح، وخطوط واضحة وبلاش تهور او استعجال وان شاء الله نفتحه ونتوسع اكتر واكتر، انا طموحي ملهوش حد.
ابتسم أحد الحضور وقال:
_ واضح إنك مقتنع يا بو فاتح
رد وهو يعتدل في جلسته:
_مش مقتنع بس، كمان حاسس إن دي نقلة نوعية لينا.
بس القرار مش هيطلع غير لما نكون دارسين كل تفصيلة… أنا مش بحب أخش معركة من غير ما أبقى ضامن سلاحي، هتستنوا اما ادرس المشروع دا مع ولادي و مديري أعمالي مجدي السَّلّاب
هزوا رؤوسهم بالقبول وتبادل الحضور النظرات، وفي أعينهم بريق اتفاقٍ يتشكل ببطء.
لم يُحسم القرار بعد… لكن بذرة التوسع زُرعت، وبدت تشيلي، على بُعد آلاف الكيلومترات، أقرب مما كانت عليه قبل دقائق.
ومن ضمن الحاضرين في الاجتماع، خرج أحدهم بعدما انتهوا من قول كلامهم المهم، وعقب خروجه أخد يتلفت حوله، ثم اتصل على شخص ما قائلًا بمجرد استجابته:
_ صفوت بيه، اعتقد في كلام مهم، لازم تعرفه....
**********
وفي نفس الوقت ولكن في مصر، أثناء جلوس باسم على مكتبه يعمل، صدح صوت هاتفه، التقطه ورد قائلًا:
_ إيه يا صفوت خير، عرفت تعطل خالي؟
_ ايوا، قولتله عرفت انك في قطر وانا بعد اربع ايام جاي قطر، خليك عايز اتكلم معاك، واهو نحل بدل ما انا هفضل حاطط عيالك في دماغي
_ ليه مقولتلوش اسبوع، ليه اربع ايام بس؟
_ ماكنش راضي بيهم اصلا، بيقولي انا يومين وهرجع وانجز، فضلت بقا اقوله مش هعرف قبل اربع ايام وبتاع وكدا كدا مش هقابله يعني، بس اديني اهو عطلتهولك يومين كمان
_ ماشي
_ في حاجة عايز اقولهالك
_ قولي
_ خالك، الإمبراطور عبدالله، قرر يوسع الإمبراطورية بحيث يغزو أمريكا اللاتينية بمنتجات عربية اصيلة وقرر يبدأ بتشيلي
_ بتهزر يا صفوت!
_ لا والله ما بهزر.. الراجل قال ان طموحه ملوش حد... وفروع جديدة يعني فلوس أكتر يعني ورث ليكم اكتر وأكتر
سكت باسم يستوعب حجم الثروة التي سيتركها خاله، وتذهب كلها سُدى وتبقى من حق أولاده واحفاده من بنات السلاب، دون أخته وابنة خالته... وتمتم:
" شكل طموحك هيجيبك الأرض يا خالي والله... عمال تطمعنا فيك اكتر واكتر وليه بس! "
_ بتقول حاجة يا باسم؟
_ لا لا يا صفوت، كتر خيرك انت، تابع وقولي لو في جديد
_ اتفقنا.. وياريت متنسنيش بقا من فلوس خالك الكتيرة دي.. دا انا اللي شايل كل بلاويك واي نصيبه بتنسبها ليا فورا
_ متخافش يا صفوت أكيد مش هنساك يعني، يلا باي دلوقتي
انهى المكالمة معه، ثم بدأ يفكر فيما قال قليلًا.. ثم حدث نفسه:
" أما نشوف أما ترجع يا خالي، هتتكلم في الموضوع دا معانا ولا هتطلع تعلب مكار وهتخبي؟ "
************
وفي المساء، وصل شهاب البلد الخاص بعز، ثم نزل من السيارة بعدما دفع للرجل.
أخذ ينظر إلى تلك المنطقة العشوائية القذرة وإلى ذلك المبنى القديم والمهُلك، ثم تأكد أنه العنوان.
سار بين المارة وسأل أحدهم:
_ بقولك لو سمحت، هو دي العمارة اللي عايش فيها عز خضر صح؟
_ ايوا هي
_ طيب، تعرف هو شقة في الدور الكام؟
_ مين الأستاذ؟
_ صاحبه في الشغل من القاهرة
_ آه.. طيب هو عامة عايش في الدور الخامس، اللي قبل الأخير
نظر شهاب إلى العمارة ثم إلى الرجل وشكره وانصرف، وبمجرد أن دخل المبنى، نظر حوله في قرف وتمتم:
" هو كمان مفيش اسانسير؟
منك لله يا وعد بجد.."
وبدأ يصعد على رجله.
************
دخل جياد، شقته وبدأ يسير حتى الاريكة ووضع فوقها الجاكيت، ولم يجلس حتى او يرتاح، وذلك لان أحدهم طرق باب منزله.
اتجه نحو الباب كي يفتح وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، ظنًا منه أن الطارق، حماته، وبمجرد أن فتح الباب، وجد الطارق زوجته.. شعر حينها بدقات قلبه تتسارع.. وبشكل تلقائي ارتسمت على شفتيه ابتسامة أوسع من الأولى وقال:
_ هانيا!
قبضت على يد الحقيية التي كانت تعلقها على كتفها، وردت في ابتسامة خفيفة:
_ اقدر ادخل ونتكلم مع بعض شوية؟
_ اه اه طبعا تقدري، اتفضلي تعالي
دخلت فغلق الباب، وبمجرد دخولها ارتاح كثيرًا وأيقن أنها قد جاءت في محاولة صُلح، أو لما قد جاءت إذًا، لو لم تكن تريد صُلحًا؟
***********
متنسوش الفوت
دمتم بخير
لقاؤنا يوم الجمعة
سلمى خالد احمد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!