الفصل 45 | من 49 فصل

الفصل 45

المشاهدات
5
كلمة
6,908
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

رواية قيود من حرير بقلم سيليا البحيري

في قلب جامعة القاهرة، وفي غمرة صخب الظهيرة بالخارج، كان هدوء مكتبة كلية الهندسة عالماً قائماً بذاته، لا يكسره سوى حفيف تقليب الصفحات وصرير أقلام متفرقة فوق الأوراق. على إحدى الطاولات الجانبية، جلس سليم وخلفه كومة ضخمة من المراجع؛ كان يضع نظارته الطبية تارة ويرفعها تارة أخرى وهو يغرق في ملاحظاته بتركيز شديد. وأمامه مباشرة، كانت ميار تنكبّ على دفاترها، تربط شعرها الأسود بعفوية زادت من هدوء ملامحها وجمالها الفتّان.

ظاهرياً، لم يكونا سوى طالبين مجتهدين يستعدان للامتحانات، لكن الحقيقة كانت تكمن في تلك النظرات المسروقة التي يتبادلانها كل دقيقة. رفع سليم رأسه قليلاً ليختلس النظر إليها، فلم يملك إلا أن يبتسم حين رآها تعض طرف قلمها وهي غارقة في التفكير. همس لنفسه بإعجاب: "حتى وهي متوترة.. جميلة." وفي تلك اللحظة بالذات، رفعت ميار عينيها لتجده يراقبها، فداهمتها خفقة سريعة في قلبها وهي تقول في سرها: "ليه حتى وهو ساكت بيرفع ضغطي؟

" وما إن التقت أعينهما حتى خفض الاثنان رؤوسهما بسرعة مضحكة، وبعد ثانيتين من الصمت، غلبهما الضحك بخفوت. همست ميار وهي تحاول استعادة وقارها المصطنع: -"ركز في دروسك يا بشمهندس." رفع سليم حاجبه بمكر، وردّ بنبرة هادئة: -"أنا مركز على فكرة." نظرت إليه بشكّ وقالت: -"آه طبعاً.. وعشان كدة بقالك خمس دقايق فاتح نفس الصفحة؟ نظر سليم للكتاب الذي أمامه، ثم أغلقه ببطء وقال بابتسامة مستسلمة: -"ماشي.. انكشفنا."

انفجرت ضاحكة رغم محاولتها الجدية، فاقترب سليم قليلاً بجسده فوق الطاولة وهمس: -"تعالي نعترف.. إحنا فاشلين جداً في موضوع 'الدراسة باحترام' ده." عضّت شفتها لتقمع ضحكتها وردت بصوت خفيض: -"المشكلة إنك كل شوية تبصلي." اتسعت عيناه بصدمة مصطنعة: -"أنا؟! ده إنتي اللي مركزة معايا أصلاً عشان تعرفي أنا ببص ولا لأ." شهقت بخفوت وهي تبتسم: -"وقح! ساد بينهما صمت مريح، تنهد سليم على إثره بعمق وقال بلهجة جادة:

-"أخيرًا الأمور هديت شوية بعد اللي حصل لغزل." تلاشت الابتسامة من وجه ميار وحلّ محلها الحزن: -"الحمد لله إنها رجعت بالسلامة.. أنا لحد دلوقتي بخاف لما بفتكر الموضوع." أومأ سليم بصمت وهو ينظر لدفتره: -"غيث اتغير بعدها كتير." فأجابت ميار بيقين: -"وغزل كمان." رفع عينيه نحوها وقال بهدوء: -"كلنا اتغيرنا." تأملته طويلاً، ثم ابتسمت بخفة وقالت لتكسر حدة اللحظة: -"بس إنت لسه مستفز." فضحك بخفوت وهو يشعر بدفء كلماتها.

وفجأة، اخترق هذا الهدوء صوت أنثوي متصنع، اقترب من طاولتهما ليدمر اللحظة: -"أوه.. واضح إني قاطعت لحظة رومانسية عظيمة! تجمدت ابتسامة ميار، بينما ظهر الضيق جلياً على وجه سليم. كانت "نور" تقف أمامهما بكامل أناقتها المبالغ فيها وابتسامتها المستفزة. اقتربت دون استئذان وجلست بجانب سليم مباشرة، بمسافة أقرب مما ينبغي، تحت نظرات ميار التي كانت تراقب المشهد ببرود يحمل خلفه بركاناً. قالت نور بدلال:

-"سليم.. بعتلك الملف اللي طلبته إمبارح، شفته؟ قطب جبينه وأجاب بجفاء: -"آه.. شكرًا." لكن نور لم تكتفِ، بل مالت نحوه وقالت بنبرة عتاب مصطنعة: -"بس بصراحة زعلت منك." سألها باستغراب: -"ليه؟ نفخت بخفة وهي تنظر لميار بطرف عينها: -"كل مرة أكلمك تكون مشغول مع الآنسة خطيبتك." أغلقت ميار قلمها ببطء شديد، وقالت بنبرة هادئة لكنها مخيفة: -"عندك مشكلة؟ ابتسمت نور ببراءة زائفة: -"لا خالص.. أنا بس بقول إن سليم شخص اجتماعي ولطيف."

فردّ سليم ببرود قاطع: -"ومرتبط." تلاشت ابتسامة نور لثانية، لكنها استعادت قناعها سريعاً وقالت: -"أكيد طبعاً.. بس يعني.. الارتباط مش سجن." نظرت إليها ميار طويلاً، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة جعلت القلق يتسرب لنفس نور: -"معاكي حق فعلاً." استغربت نور الرد، لكن سليم فهم فوراً أن ميار قررت إنهاء السجال بطريقتها. أغلقت ميار كتبها بحزم ثم نظرت لسليم مباشرة وقالت بدلال مقصود: -"حبيبي.. قوم نغير مكاننا."

اتسعت عينا نور عند سماع كلمة "حبيبي"، بينما ابتسم سليم بانتصار، مستمتعاً بغيرة ميار التي نادراً ما تظهر. وقف يجمع أغراضه ثم انحنى قرب أذن ميار وهمس بمكر: -"غيرانة؟ نظرت له ببرود مصطنع: -"لا." ضحك بصوت منخفض: -"كذابة." فضربته بكتابها بخفة على ذراعه وهي تبتسم رغمًا عنها. أما نور، فكانت تراقبهما وهي تضغط على أسنانها بغيظ مكتوم. وبمجرد أن ابتعدا، أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة قصيرة: "شكله الموضوع مش سهل زي ما كنت فاكرة."

🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في الكلية العسكرية بالقاهرة، كان الوقت يقترب من الظهيرة. الساحة الواسعة تضجّ بصوت الخطوات المنتظمة وصرخات المدربين وصفارات التدريب التي لا تهدأ، بينما يتحرك الطلاب بانضباط شديد بزيّهم العسكري الداكن تحت الشمس. داخل إحدى القاعات، انتهت المحاضرة أخيرًا، فنهض الجميع بسرعة شبه تلقائية؛ ساد الهرج والمرج، وبدأ الطلاب في جمع أوراقهم بتوتر، بينما تعالت نقاشاتهم الجانبية حول التدريب العملي الشاق الذي ينتظرهم بعد ساعة.

أما ريان، فكان كعادته هادئًا بشكل مستفز. كان يجمع كتبه ببطء شديد، ويرتب أوراقه بدقة متناهية، وكأن تلك الضوضاء المحيطة به تنتمي لعالم آخر لا يخصه. اقترب منه أحد زملائه وهو يتأفف بضيق، ثم قال بنبرة متعجبة: -"إنت بني آدم طبيعي يا ريان؟ الدكتور كان هيقتلنا بالأسئلة وإنت قاعد بكل البرود ده! رفع ريان عينيه نحوه بنظرة فاترة، وردّ بلهجة جافة: -"كان بيسأل من المنهج.. مش من وكالة ناسا." ضحك الشاب رغمًا عنه وهزّ رأسه بيأس:

-"المشكلة إنك بتقولها وكأنها حاجة سهلة! أغلق ريان كتابه ببطء، وألقى كلمته الأخيرة قبل أن يتحرك: -"هي سهلة فعلاً." شهق الشاب بصدمة مصطنعة وصاح خلفه: -"لا.. إنت مستفز رسميًا يا أخي!

غادر ريان القاعة بهدوئه المعهود. وفي الممر الطويل، كانت النوافذ العالية تسمح لأشعة الشمس بالنفاذ في خطوط حادة سقطت فوق الأرضية اللامعة. مرّ بجانبه عدة طلاب، أدّوا له التحية العسكرية باحترام واضح؛ فلم يكن مجرد طالب عادي، بل كان اسماً يتردد بتقدير بين المدربين والطلاب كأحد أوائل الدفعة.

كان يسير بوقار وهو يراجع شيئاً ما على هاتفه، لكنه توقف فجأة. رفع عينيه ببطء، وتجمدت ملامحه لثانية واحدة كانت كفيلة بكشف دهشته المكتومة. أمام باب المبنى، كانت لارين تقف بملابسها الأنيقة، وشعرها الأسود الطويل، وتلك النظرة الباردة التي تميزها. بدا عليها هي الأخرى أنها لم تتوقع لقاءه بهذه السرعة. ساد بينهما صمت ثقيل، صمت مشحون بذكريات لقائهم الأخير.. الغابة، الاختطاف، والتحقيق المرير. أغلق ريان هاتفه، ووضع يده في

جيبه وهو يقول بنبرة ساخرة: -"واضح إني ضيعت خبر مهم.. هو إنتوا حولتوا كلية الحقوق لكلية عسكرية ولا إيه؟ رفعت لارين حاجبها بتحدٍ، وردت على الفور: -"وأنا كنت هسألك نفس السؤال.. بس واضح إنهم بقوا يقبلوا أصحاب الشخصية الجليدية هنا." نظر إليها ريان لثانية، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة للغاية، كادت ألا تُلحظ، لكنها كانت تعني الكثير. اقترب منها بخطوات واثقة وسألها: -"إيه اللي جابك هنا؟ عقدت ذراعيها

أمام صدرها وقالت بغموض: -"يمكن غيرت مجالي." ردّ عليها بلمحة ذكاء: -"مستحيل.. الكلية دي محتاجة ناس عندها مشاعر أقل." ضاقت عيناها وهي تسأله: -"تقصد نفسك؟ فأجابها بإيجاز: -"أقصدك إنتي." كان التوتر بينهما قابلاً للانفجار، لكن ملامح لارين تبدلت فجأة؛ تلاشت رغبتها في السجال وحلّت مكانها جدية حادة. لاحظ ريان ذلك التحول فوراً، فاستقام في وقفته وتخلى عن بروده، متحولاً إلى إنسان يقظ يترقب الخطر. سألها بصوت منخفض: -"فيه مشكلة؟

التفتت حولها تتأكد من خلو المكان من المتلصصين، ثم قالت بهمس: -"عايزة أتكلم معاك.. لوحدنا." أدرك ريان أنها لم تأتِ لزيارة عابرة. أشار برأسه نحو ممر جانبي مهجور، وتحركا معاً حتى وصلا إلى شرفة تطل على ساحة التدريب العريضة. في الأسفل، كان صراخ المدربين يملأ المكان، أما هنا، فكان الصمت سيد الموقف. استند ريان على الحاجز المعدني، ونظر إليها مباشرة: -"اتفضلي.. سامعك."

أخرجت لارين ملفاً صغيراً من حقيبتها ومدته إليه. بمجرد أن وقعت عيناه على الغلاف، تلاشت آخر ذرة هدوء في ملامحه؛ فقد رأى اسماً يطارد أحلامه ويشعل نيران تساؤلاته.. "دارين". رفع عينيه إليها ببطء، بينما قالت هي بثبات جليدي: -"أعتقد إن الوقت حان تبطل تعاملني كطالبة حقوق عادية." ساد صمت مطبق، قبل أن ينطق ريان بصوت خرج عميقاً ومتحشجاً: -"وأنا أعتقد إنك من البداية ما كنتيش عادية أصلاً." ثبتت نظراتها في عينيه، وقالت الجملة التي

قلبت موازين حياته في لحظة: -"أنا عارفة الحقيقة عن دارين.. وعن أبوك كمان يا ريان." 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎 في اليونان.... كانت الأجواء توحي بنهاية حرب دامت طويلاً؛ هدوء يلف المكان، بحر مفتوح، وشمس دافئة تميل نحو الغروب لتعلن عن بداية جديدة. الأمواج الزرقاء كانت تداعب الشاطئ بخفة، بينما نسيم البحر يداعب خصلات شعر "غزل" البندقية الطويلة وهي تسير حافية القدمين، تاركةً آثار أقدامها على الرمال المبللة.

بجانبها، كان "غيث" يسير بخطوات ثابتة، حاملاً بين ذراعيه "ياسين" الصغير، الذي كان يطلق ضحكات بريئة تقطع سكون الموج كلما لامست قدماه الصغيرتان الماء. انطلقت من ثغر الصغير صرخة حماسية: -"دااااا... ضحكت غزل بخفة، وقالت وهي تنظر للصغير بحنان: -"واضح إنه حب البحر أسرع مننا كلنا." التفت غيث إليها، ثم نظر لابنه، وارتسمت على وجهه أخيراً ابتسامة حقيقية بددت غيوم التوتر التي رافقته لأيام. قال بنبرة مرحة:

-"ده طالع مغامر زي أمه بالضبط." رفعت غزل حاجبها فوراً وقالت بإنكار: -"أنا؟! أومأ غيث برأسه ببراءة مصطنعة وأكمل: -"صحفية.. وبتجري ورا المافيا والمجرمين.. وكمان بتستخبى من جوزها." عضّت غزل شفتها بخجل، وخفضت عينيها وهي تشعر بوخزة الندم؛ تلاشت ابتسامتها تدريجياً، ثم توقفت عن المشي ونظرت للأفق البعيد حيث تذوب الشمس في الماء. همست بصوت متهدج: -"أنا آسفة يا غيث." توقف غيث هو الآخر، واقترب منها ببطء حتى صار ظله يغطيها.

تابعت غزل بنبرة حزينة: -"عارفة إني غلطت لما خبّيت عليك كل حاجة.. بس كنت مرعوبة عليك، وعلى ياسين.. كل رسالة كانت بتوصلي، كنت بحس إني هخسركم بسببي." ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى صوت تلاطم الأمواج. تنهد غيث بعمق، ووقف أمامها مباشرة، ليرغمها على النظر في عينيه. قال بصوت هادئ، لكنه يحمل عتاباً موجوعاً: -"بس أنا جوزك يا غزل.. لما تخبي عني حاجة زي دي، كأنك بتقوليلي إني مش قادر أحميكي." هزت رأسها بسرعة

والدموع تترقرق في عينيها: -"لا.. والله ما قصدت كدة أبداً." ابتسم غيث ابتسامة مرهقة، ومد يده ليزيح خصلة تمردت على وجهها، ثم قال برقة: -"عارف.. بس أوعديني، أي حاجة تضايقك بعد كدة، أي خطر أو تهديد، أكون أنا أول واحد يعرف." أومأت ببطء وهي تشعر بصدق كلماته ينفذ إلى قلبها: -"أوعدك." هنا، استعاد غيث مكره المعتاد، ومال نحو أذنها يهمس بصوت منخفض: -"كويس.. عشان قلبي مش ناقص جلطات جديدة بسببك." ضحكت غزل رغماً عنها ودفعته بخفة:

-"أنا برضه؟! ده إنت اللي كنت بارد ومستفز! رفع حاجبه بتحدٍ: -"كنت بزعل.. بس برضه بحبك بجنون." احمرّ وجه غزل فوراً، وبينما كان غيث يميل نحوها لتقبيلها، اخترقت اللحظة صرخة قوية من ياسين: -"باااااااه! نظر الاثنان للصغير الذي بدأ يضرب وجه والده بكفه الصغيرة ويضحك بصخب. تجمد غيث مكانه، ثم نظر لابنه بغيظ مصطنع: -"إنت بتختار التوقيتات دي بإرادتك صح؟ تعالت ضحكات غزل بقوة، بينما استمر ياسين في الضحك وكأنه حقق انتصاراً ساحقاً.

تنهد غيث باستسلام وحمل ابنه عالياً: -"طيب يا عم.. بوظت الرومانسية خلاص." وفجأة، طبع قبلة حانية على خد ياسين، فانضمت لهما غزل تحتضنهما معاً في مشهد دافئ، وكأن العالم قد توقف أخيراً عن مطاردتهما. لكن، سرعان ما تبدلت ملامح غيث؛ عاد الوجوم لوجهه ونظر للبحر بنظرة حادة كالنصل، وقال بصوت يحمل تهديداً مرعباً: -"وبالنسبة للحقير اللي كان بيبعت الرسائل.."

تلاشت ابتسامة غزل تدريجياً وهي تشعر بتغير نبرته. أحكم غيث قبضته على يدها بينما يضم ابنه باليد الأخرى، وأكمل بقسمٍ غليظ: -"أقسم لك يا غزل.. مهما كان هو مين، هعرفه." نظرت إليه، فرأت في عينيه غضب الرجل الذي لن يرحم من تجرأ على ترويع عائلته. ختم كلامه بثبات: -"والمرادي.. مش هسيبه" 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في أحد المطاعم الهادئة المطلة على نيل القاهرة، كانت الأضواء الخافتة تنعكس فوق الطاولات الزجاجية بأناقة باردة. المكان راقٍ، هادئ، ومناسب تماماً لتلك الاجتماعات التي تُعقد في الظلام، بعيداً عن الأعين الفضولية. جلست "هايدي" قرب النافذة، تشبك أصابعها بتوتر لم تفلح محاولات تماسكها في إخفائه، بينما كانت عيناها تترصدان عقارب الساعة في قلق. فجأة، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المطعم. وبعد ثوانٍ، دخل "ياسر".

كان يتحرك ببدلته السوداء الأنيقة وخطواته الواثقة التي تضرب الأرض ببرود، وبنظرة عينين لم تعد تشبه ذلك الشاب الطيب الذي عرفته قبل واحد وعشرين عاماً. رفع عينيه نحوها، ثم اقترب ببطء وجلس أمامها دون أن ينبس ببنت شفة، أو حتى يلقي تحية اللقاء. ألقى عليها نظرة سريعة مشبعة بالاشمئزاز، ثم قال بنبرة جافة: -"قولي اللي عندك بسرعة.. وقتي أغلى من إني أضيعه هنا." شعرت هايدي بوخزة مؤلمة من أسلوبه، لكنها ابتلعت غصتها وردت بهدوء:

-"لسه بتكرهني لدرجة دي؟ ضحك ياسر ضحكة ساخرة، قصيرة وخالية من أي دفء، وردّ بحدة: -"إنتي فعلاً مستغربة؟ خفضت عينيها هرباً من نظراته، أما هو فمال بجسده للأمام قليلاً، وقال بصوت منخفض لكنه يحمل تهديداً مرعباً: -"إنتي كنتِ تعرفي إني بريء.. حتى لو ما عرفتيش كل التفاصيل، إنتي كنتِ تعرفي إن دارين كذابة ومريضة." ساد الصمت، وكان صمت هايدي في تلك اللحظة بمثابة اعتراف كامل. ابتسم ياسر بسخرية موجعة وأكمل: -"بس سكتّي."

أغمضت عينيها وكأنها تحاول حماية نفسها من كلماته، وقالت بضعف: -"كنت خايفة." قهقه ياسر بصوت بارد جداً هز أركانها: -"وأنا؟ حد فكر إني كنت خايف؟ حد فكر فيا وأنا بنطرد من بيتي.. ومن عيلتي.. ومن بلدي؟ ازدادت قسوة صوته مع كل كلمة يلفظها، وتابع بمرارة: -"سليم كان بيطاردني كأني مجرم.. وبابا ممدوح تبرأ مني.. وميار بصتلي بقرف.. حتى زياد.. توأمي.. صدق إني حيوان."

ارتجفت ملامح هايدي بحزن شديد وهي تراه يبتسم تلك الابتسامة الهادئة المرعبة؛ ابتسامة رجل احترق قلبه منذ زمن ولم يعد يخشى النار. قال ببرود: -"دلوقتي جايين مستغربين إني رجعت؟ مستغربين إني اتغيرت؟ ثبّت نظراته القاسية في عينيها وأردف: -"أنا هرجع لهم كل حاجة عملوها فيا.. واحد واحد." ابتلعت هايدي ريقها بصعوبة، وهمست بخوف: -"حتى زياد؟ رد فوراً وبقسوة لا تلين: -"خصوصاً زياد."

انكسرت نظرتها وساد صمت ثقيل للحظات، قبل أن تأخذ نفساً عميقاً وكأنها تلقي بنفسها في الهاوية. رفعت عينيها نحوه بثبات وقالت: -"أنا هساعدك." قطب ياسر جبينه ببطء، فمن الواضح أن هذا العرض كان آخر ما يتوقعه منها. سألها ببرود: -"تساعديني؟ أومأت برأسها وأكملت: -"أنا تعبت من دارين.. ومن قذارتها.. ومن خوفي منها. واللي حصلك زمان كان البداية بس." ضاقت عيناه باهتمام مفاجئ وسأل: -"قصدك إيه؟ ترددت لثانية، ثم ألقت بقنبلتها الأخيرة:

-"أنا أعرف الراجل اللي خططت معاه دارين زمان." في تلك اللحظة، اختفت ضوضاء المطعم من أذني ياسر. رفع عينيه إليها ببطء شديد، وتحولت نظرته من الغضب إلى تركيز قاتل ينم عن وحش استيقظ للتو. قال بهدوء مخيف: -"كملي." لكن هايدي هزت رأسها بالرفض وقالت: -"مش هنا.. دارين أخطر مما تتخيل يا ياسر، وإنت لسه ماتعرفش نص الحقيقة."

ظل ينظر إليها طويلاً، وعيناه السوداوان ثابتتان عليها بشكل بثّ الرعب في أوصالها. استند إلى خلفية كرسيه ببطء، بينما كان داخله يشهد ولادة من نوع جديد؛ إنها لم تعد رغبة في الانتقام الأعمى فحسب، بل رغبة في إحراق الجميع بنور الحقيقة. 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في شقة فاخرة تطل على ساحل الإسكندرية، كانت الأضواء الخافتة تنعكس فوق الأرضية الرخامية السوداء، بينما تنساب موسيقى إيطالية هادئة في الخلفية، في تناقض صارخ مع الجو المشحون الذي يطبق على المكان. وقفت "فالينتينا روسي" أمام النافذة الزجاجية الضخمة، متألقة بفستان أحمر داكن وشعر أشقر مموج ينسدل بعشوائية أنيقة، وفي يدها كأس نبيذ تارة ترفعه وتارة تهزه ببطء.

لكن عينيها لم تكونا هادئتين كالموسيقى؛ بل كانتا تشتعلان بشيء مريض.. حقد أعمى، وهوس، وغضب مجنون. ضحكت بخفة وهي تسترجع في مخيلتها ملامح الرعب على وجه غزل عندما رأت غيث فاقداً للوعي، ثم همست لنفسها بصوت فحيح: -"لا.. ده كان مجرد بداية يا غزل الشرقاوي." ارتشفت رشفة صغيرة، ثم تابعت بنبرة تقطر سماً: -"أنا لسه مبدأتش أصلاً." اقتربت من الزجاج حتى كاد نَفَسها يغطيه بضباب رقيق، وعيناها تلمعان بجنون:

-"أقسم إني هحرق قلبك.. زي ما اتحرق قلبي على لورانزو." ثم أفلتت منها ضحكة قصيرة باردة وهي تتذكر اسم من تعتبرها عائقاً أمامها: -"وأما الزعيمة العظيمة دارين؟ تلك الحمقاء المتعجرفة! بصقت الكلمة الأخيرة باشمئزاز واضح، وتحولت ملامحها فجأة إلى ملامح شيطانية وهي تتابع: -"طول عمرها تتعامل معانا كأننا عبيد عندها.. تأمر.. تهدد.. تتحكم.. بس بعد ما أخلص من غزل، هيكون دورها." وفي تلك اللحظة.. اخترق الهدوء

طرقات قوية على الباب: دق.. دق.. تجمدت فالينتينا في مكانها، وقطبت جبينها باستغراب؛ فمن يجرؤ على زيارتها في هذا الوقت؟ اقتربت من الباب بحذر، وما إن فتحته حتى تيبّست أطرافها. كانت "دارين" تقف أمامها بوقارها الأسود المعتاد ونظرتها الجليدية التي لا ترحم. لم تمنحها دارين فرصة للنطق بكلمة واحدة؛ بل اندفعت نحوها وأمسكت بخصيلات شعرها الأشقر بعنف شديد، دافعةً إياها إلى داخل الشقة بصرخة ألم مزقت سكون المكان. صاحت دارين بغضب

مرعب زلزل كيان فالينتينا: -"مين سمح لكِ تتحركي بدون أوامري؟! دفعتها بقوة أخرى لتصطدم فالينتينا بالطاولة الزجاجية، فتطايرت الكؤوس وتحطمت على الرخام في ضجيج صاخب. صرخت فالينتينا وهي تحاول التحرر: -"آه.. سيبي شعري! لكن قبضة دارين ازدادت قسوة، واقتربت بوجهها منها وعيناها تفيضان بسواد مخيف: -"أنتِ فقدتِ عقلك؟! خطفتي غزل الشرقاوي؟ واستدرجتي غيث؟ وأظهرتِ نفسك للشرطة؟! ثم صرخت في وجهها فجأة بصوت هز الجدران:

-"مين اللي اداكي الحق؟! كانت فالينتينا تتألم بشدة، لكن الحقد الذي يغلي في عروقها كان أقوى من الخوف. دفعت يد دارين بعنف وابتعدت عنها وهي تلهث، ثم رفعت رأسها بعينين تشتعلان بالكراهية: -"مش هتبع أوامرك تاني خلاص." ساد صمت خطير.. صمت يسبق الانفجار. ابتسمت دارين ببطء، وكانت تلك الابتسامة الباردة أكثر رعباً من صراخها. اقتربت من فالينتينا بخطوات هادئة ومنتظمة، وسألتها بفحيح مرعب: -"قلتي إيه؟

ابتلعت فالينتينا ريقها، لكن كبرياءها المنكسر دفعها للعناد: -"أنتِ فاشلة.. لورانزو مات بسبب خططك، وشحناتك بدأت تقع، والشرطة بقت في ظهرنا." أشارت إليها بازدراء وتابعت: -"أنتِ مابقتيش الزعيمة اللي بنخاف منها." تجمد الهواء في الغرفة لثوانٍ، ثم.. صفعة!

هوت يد دارين على وجه فالينتينا بقوة أسقطتها أرضاً. رفعت فالينتينا رأسها بصدمة، بينما كانت دارين تنظر إليها كأنها مجرد حشرة لا قيمة لها. انحنت نحوها ببطء وأمسكت فكها بعنف، ضاغطةً عليه حتى تأوهت الأخرى ألمًا: -"اسمعيني كويس يا فالينتينا.. أنا اللي صنعتك، وأنا اللي قادرة أمسحك من الوجود في دقيقة واحدة." ارتجفت نظرات فالينتينا رغم محاولتها التماسك، بينما تابعت دارين ببرود يقطر سماً: -"نسيتي مين حماكِ بعد موت لورانزو؟

مين أعطاكِ المال؟ السلاح؟ الرجال؟ الاسم؟ اقتربت من أذنها وهمست بكلمات كأنها طعنات خنجر: -"أنتِ ولا حاجة بدوني." أغمضت فالينتينا عينيها بغضب مهين، بينما ابتعدت دارين أخيراً، وعدلت أكمام معطفها ببرود وكأن شيئاً لم يحدث، ثم قالت وهي تعطيها ظهرها: -"هتختفي الفترة اللي جاية.. ومش هتتحركي إلا بأمري."

لم ترد فالينتينا، كانت عيناها تحترقان كراهية، لكنها كانت تدرك جيداً أن دارين لا تهدد عبثاً؛ بل تنفذ. توجهت دارين نحو النافذة، ووقفت تنظر إلى البحر المظلم بصمت، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة ومرعبة وهي تهمس: -"غزل الشرقاوي.. الكل بيحارب عشانك.." استدارت ببطء، وتابعت بنبرة واثقة: -"لكن محدش فيهم يعرف.. إن الجحيم الحقيقي لسه مبدأش." 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في جناح سليم وميار داخل فيلا الشرقاوي، كان الليل قد انتصف تقريبًا، والهدوء يخيّم على أرجاء المكان بعد الأيام العصيبة التي عاشتها العائلة في أعقاب اختطاف غزل. لكن ذلك الهدوء الظاهري لم يجد طريقاً إلى غرفة سليم؛ حيث كانت جدران الغرفة تشهد عاصفة من نوع آخر.

كان سليم يتحرك بعصبية حادة، يفك أزرار قميصه بعنف ثم يعيد إغلاقها في حركة آلية تدل على تشتت ذهني كامل، يدور في أرجاء الغرفة كوحش كاسر حُبس خلف القضبان. أما ميار، فكانت تراقبه بصمت وقلق شديد؛ فهي تعرف هذه الحالة جيداً.. سليم حين يغضب حقاً، يتحول إلى إنسان آخر، إنسان يثير الرعب في القلوب. توقفت خطواته فجأة أمام الطاولة الخشبية، وهوى عليها بقبضته بقوة هائلة جعلت الزجاج يرتجّ بعنف، وصرخ بصوت يقطر غضباً:

-"الحقير رجع يا ميار! أغمضت ميار عينيها للحظة، مدركة أنه لا يقصد سوى شخص واحد: "ياسر". اقتربت منه بحذر، محاولةً لمس كبريائه الجريح: -"سليم.. اهدى شوية.." لكنه قاطعها بعنف وهو يستدير نحوها، وعيناه تشتعلان بنار الغضب: -"أهدى؟! بعد كل اللي عمله؟ بعد ما حاول يدمرك؟ ارتجفت نظراتها قليلاً؛ فبعد واحد وعشرين عاماً، لا يزال سليم يصدق تلك الكذبة بالكامل، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة المشؤومة. اقتربت منه أكثر، محاولةً

استحضار منطقه الهادئ: -"إحنا لسه خارجين من مصيبة غزل.. مش وقته الكلام ده خالص." لكن كلماتها كانت كالزيت المصبوب فوق النار، فأشار بعصبية نحو الباب وكأن ياسر يقف خلفه مباشرة: -"بالعكس! ده وقته! الكل مشغول بغزل، والحقير ده رجع من تحت الأرض فجأة.. أكيد مخطط لحاجة! مدّت يدها لتمسح على ذراعه لعله يهدأ، لكنه أبعد يدها بعنف نسبي غير مقصود، وصاح بصوت مرتفع: -"ابعدي عني يا ميار!

أنا مش ضامن نفسي دلوقتي، ومش عايز أفرغ غضبي فيكي! مرر يده فوق وجهه بقوة وكأنه يحاول انتزاع ملامحه، بينما شعرت ميار بحزن عميق عليه؛ فهي ترى رجلاً يتألم من ذكرى خيانة لم تحدث أصلاً. قالت بهدوء: -"أنا فاهمة غضبك.. لكن.." قاطعها بصراخ هز أركان الجناح: -"لا! إنتي مش فاهمة! كل ما أتخيل إن ابن عمك.. اللي دخل بيتنا.. وأكل معانا.. ووثقنا فيه.." قبض على يده حتى ابيضت مفاصله، وتابع بصوت مخنوق:

-"كان ناوي يلمسك.. بحس إني عايز أقتله بإيدي! انكسرت نظرات ميار قليلاً؛ فرغم أنها كانت تصدق الرواية القديمة، إلا أن الشك بدأ يتسرب إلى قلبها، خاصة بعد انكشاف وجه دارين الحقيقي مؤخراً. قالت بتردد: -"بس إنت بنفسك عارف إن دارين كذابة.. ومريضة.. وممكن تعمل أي حاجة." تجمد سليم لثانية، وكأن الفكرة لامست عقله، لكن كبرياءه غلب عليه فضحك بسخرية قاسية: -"حتى لو دارين شيطانة، الأدلة كانت واضحة! ولا إيه؟

عايزاني أصدق إن ياسر ملاك مظلوم؟ خفضت ميار عينيها بصمت مرير، فأخذ سليم نفساً عميقاً وعاد لبروده المخيف، وهو يجلس فوق المقعد بعنف: -"أنا أعرف ياسر أكتر من أي حد.. كان طيب بزيادة، وساذج بزيادة، لكن اللي شفته وقتها بعيني خلاني أتمنى موته." ارتجف قلب ميار وهي تسترجع ذكريات ذلك اليوم، وكيف تحول ياسر من أقرب أصدقاء سليم إلى عدوه الأول. رفع سليم عينيه نحوها ببطء، وقال بثبات مرعب:

-"ولو رجع يلعب بأي حد من عيلتي.. أقسم بالله المرادي مش هرحمه." وفي الخارج، كان الليل يزداد سكوناً، هدوءاً خادعاً لا يناسب أبداً العاصفة التي بدأت تتشكل ملامحها خلف الأبواب المغلقة. 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في شرفة غرفتهما الواسعة، كان ليل القاهرة هادئاً بشكل ساحر؛ أضواء المدينة البعيدة تلمع كآلئ منثورة تحت سماء داكنة، بينما كان النسيم البارد يداعب ستائر الشرفة البيضاء فتتحرك بخفة كأجنحة الفراشات. أما في الداخل، فكانت الإضاءة الخافتة تضفي دفئا حميمياً على المكان.

جلست "شغف" فوق الأريكة الخارجية، وقد لفت جسدها ببطانية خفيفة، تضُمّ ساقيها إليها في صمت مطبق. منذ اختطاف غزل، ومنذ ذلك الشجار العنيف مع "أوس"، وهي تشعر بثقل جاثم فوق قلبها؛ فرغم تصالحهما، لا يزال هناك شيء يؤلمها في الأعماق. فجأة، شعرت بلمسة دافئة؛ يدان تلتفان حول كتفيها من الخلف، ثم تلاهما صوت أوس الهادئ قرب أذنها: -"بردانة؟ ابتسمت بخفة دون أن تلتفت إليه، وأجابت بصوت رقيق: -"شوية."

اقترب أوس أكثر، ووضع معطفه فوق كتفيها بعناية، قبل أن يجلس بجوارها. ساد بينهما صمت طويل، لكنه لم يكن صمت الغضب المشحون كالسابق، بل كان صمت شخصين نال منهما الإرهاق مأخذه. نظر أوس للأفق طويلاً، ثم أطلق تنهيدة عميقة وقال: -"أنا آسف." التفتت إليه شغف بذهول، أما هو فبقي بصره معلقاً بأضواء المدينة وهو يتابع: -"أنا عصبت عليكي زيادة." خفضت عينيها في خجل وقالت بصوت منخفض: -"وأنا غلطت لما خبّيت موضوع الرسائل."

مرر أوس يده فوق وجهه بتعب، ثم استدار نحوها أخيراً، ليلتقي بريق عينيه بنظراتها: -"عارفة إيه اللي جنني فعلاً؟ هزت رأسها بالنفي، فدنا منها وقال بنبرة خفيضة: -"إنك كنتِ خايفة.. ومع ذلك ملجأتِيش ليا." شعرت شغف بوخزة في قلبها، وحاولت التبرير: -"غزل هي اللي طلبت مني مأقولش.." قاطعها بهدوء، لكن بنبرة حازمة تحمل الكثير من التقدير: -"وأنتِ أهم عندي من أي حد يا شغف." تأملته بصمت، فرأته يبتسم ابتسامة مرهقة وتابع:

-"أنا مش زعلان عشان الرسائل بس.. أنا اتخضيت. يوم ما غزل اختفت، وأنا شايفك منهارة، كل اللي كان بيدور في دماغي.." أمسك يدها فجأة وضغط عليها برفق، وأكمل بعينين تشعان بصدقٍ جارح: -"لو كنتِ إنتي مكانها؟ أنا ممكن أتحمل أي حاجة.. إلا إني أخسرك." انكسرت ملامح شغف أمام فيض مشاعره، وهمست بحزن: -"أنا آسفة." رفع يدها إلى ثغره وقبّل أصابعها ببطء شديد، قائلاً بمرح خفيّ ليخفف من حدة الموقف: -"تبقي آسفة لو كررتيها بس."

ضحكت شغف بخفة رغم الدموع التي لمحت في عينيها، فتهللت أساريره لرؤية ضحكتها التي تذيب غضبه دوماً. أسندت رأسها على كتفه، وعاد الصمت ليجمعهما، لكنه كان صمتاً مريحاً هذه المرة. بعد لحظات، رفعت رأسها قليلاً وقالت بخفوت: -"كنت مرعوبة على غزل يا أوس.. لما شفتها بعد ما رجعت، حسيت إني كنت هفقدها فعلاً." ابتسمت بحزن وأكملت: -"إحنا كبرنا مع بعض.. غزل مش بس صاحبتي." نظر إليها أوس بحنان غامر، ومسح خصلة شعر تمردت على وجهها:

-"عارف إنها أختك.. بس إنتِ كمان أخت روحي يا شغف." اتسعت عيناها بخجل، وضربت كتفه بخفة قائلة: -"إيه الكلام الغريب ده؟ ضحك بخفوت ورد بمكر: -"يعني بحبك.. بس بشكل شاعري محترم." عادت الحياة لملامحهما، واقترب منها أوس حتى لفحت أنفاسه وجهها، وهمس بخبث بسيط: -"بس في حاجة مهمة.. من النهاردة، أي سر تعرفيه.." أشار لنفسه بفخر مصطنع وتابع: -"القائد العظيم أوس الحديدي يعرفه الأول." قهقهت شغف بقوة: -"قائد عظيم مرة واحدة؟

رفع حاجبه بثقة: -"طبعاً.. ده أنا حتى سامحتك بسرعة." ضيقت عينيها نحوه متظاهرة بالغضب: -"أوس..! همت بضربه بوسادة صغيرة، لكنه كان أسرع منها، إذ جذبها نحو صدره لتستقر بين ذراعيه في لحظة سكن فيها كل شيء. تجمدت أنفاسها وهي تنظر في عينيه اللتين تفيضان حباً، وهمس لها بعمق: -"متخبيش عني حاجة تاني." أومأت ببطء وهي تذوب في دفء حضنه: -"أوعدك."

ابتسم أخيراً، وضمها إليه بقوة وكأنه يحاول إقناع قلبه بأنها بخير، وأنها لا تزال هنا.. ملكه وحده، وبعيدة عن كل خطر. 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في فيلا ياسر، كان العشاء هادئاً على غير العادة. الثريا الكريستالية الفاخرة تتدلى من السقف لتلقي بظلالها فوق الطاولة الطويلة، ولا يقطع الصمت سوى أصوات الأواني الخافتة. جلس ياسر في مقدمة الطاولة ببروده المعهود، وبجانبه ليان التي كانت تراقبه بصمت، بينما جلس ريان في المقابل بملامحه الجامدة كتمثال رخامي. أما آدم، فكان الضيق يكسو وجهه بوضوح منذ عودته من مدرسته الجديدة. رفع ياسر عينيه نحو ابنه الأصغر وألقى سؤاله بهدوء:

-"ها؟ إيه أخبار المدرسة؟ زفر آدم بضيق وهو يعبث بطعامه بفتور: -"كويسة." رفع ياسر حاجبه بخبرة الأب الذي يعلم ما وراء الكلمات؛ فواضح أن ابنه يجامل فقط. قال بمغزى: -"يعني سيئة." هز آدم كتفيه باستسلام: -"مش سيئة.. بس مختلفة." انطلقت ضحكة خافتة من ريان، الذي قال بنبرة متهكمة: -"ترجمة كلامه: أعيدوني إلى لندن فوراً." رمقه آدم بنظرة مستاءة وردّ بحدة:

-"طبعاً.. هناك الناس طبيعية على الأقل، مش يطلع لك عم فجأة يقتحم البيت ويكسر النوافذ! توقفت يد ياسر فجأة عن الحركة فوق كأسه، بينما أخفضت ليان عينيها بهدوء. نظر ريان نحو والده مباشرة، وسأل بنبرة مراقبة باردة: -"مين زياد بالظبط؟ ساد صمت ثقيل أطبق على أنفاس المكان. تحولت نظرة ياسر ببطء نحو ليان، كانت نظرة حادة كالنصل، فهمتها هي على الفور، فسألها بمرارة: -"قلتيلهم؟ لم تتراجع ليان، بل ردت بثبات: -"كان لازم يعرفوا يا ياسر."

ظل ياسر يحدق بها لثوانٍ طويلة، قبل أن يطلق تنهيدة تعبٍ بدت وكأنها أضافت سنوات إلى عمره في لحظة واحدة. وضع كأسه جانباً، واستند للخلف وهو يقول بصوت خرج عميقاً: -"زياد.. أخويا التوأم." اتسعت عينا آدم بصدمة حقيقية وصرخ: -"إحنا عندنا عيلة في مصر فعلاً؟! ضحك ياسر ضحكة ساخرة مريرة: -"للأسف." قطب ريان جبينه، كان يراقب أباه بصمت، ولأول مرة يلمح ذلك الحزن العتيق الكامن في عينيه. مرر ياسر يده فوق وجهه، وبدأ يسرد ماضياً دُفن

منذ عقود: -"زمان.. كنا عيلة كبيرة جداً. كبرت وسطهم.. وسط عيلة البحيري والشرقاوي." ابتسم بسخرية وهو يتابع: -"كنت غبي وقتها.. طيب زيادة عن اللزوم. كنت بعتبر سليم الشرقاوي أخويا، وزياد نصي التاني، وميّار.." توقفت كلماته لثانية، غصّة مجهولة حالت دون النطق، ثم أكمل: -"كانت بنت عمي." كان الجميع ينصت بذهول، حتى آدم توقف عن العبث بطعامه. تابع ياسر ببرود موجوع:

-"في يوم.. دارين قررت تدمرني. لفقتلي تهمة إني حاولت أعتدي على ميار." شهق آدم بصدمة: -"إيه؟! أما ريان، فبقي صامتاً، لكن نظراته أصبحت أكثر حدة وخطورة. ضحك ياسر ضحكة فارغة: -"عارفين إيه المضحك؟ إن الكل صدقها. سليم حاول يقتلني بإيده، وعمي طردني، والعيلة كلها بصتلي كأني قذر.. حتى زياد." خفضت ليان عينيها، بينما انقبض قلب آدم وهو يسمع والده يقول بسخرية باردة:

-"فضلت فترة أهرب من مكان لمكان.. محدش شغلني، محدش وقف جنبي.. وصل بيا الحال إني كنت شبه شحات." همس آدم بنبرة متهدجة: -"بابا.." لكن ياسر كان في عالم آخر، يكمل كأنه لا يسمعه: -"لولا صاحبي اللي ساعدني أسافر بريطانيا، كان زماني مت في الشارع هنا." نظر ياسر نحو ليان، ولأول مرة ظهرت ابتسامة حقيقية صغيرة على ثغره: -"وهناك.. عرفت أمكم." ابتسمت ليان بخفة حزينة، بينما بدأ آدم يستوعب كل شيء، فقال بصوت منخفض:

-"عشان كدة رجعنا مصر.." أومأ ياسر ببطء، وتحولت ملامحه تدريجياً إلى الجمود مجدداً: -"رجعت آخد حقي." انقبض فك ريان، ثم سأل بغضب مكتوم: -"ليه مألتلناش قبل كدة؟ نظر إليه ياسر طويلاً وأجاب بهدوء قاتل: -"لأني مكنتش عايزكم تشوفوني ضعيف." اهتز شيء ما داخل ريان، بينما أخفض آدم رأسه بخجل شديد: -"أنا.. أنا آسف يا بابا. كنت كل يوم بضايقك عشان نرجع لندن وأنا مش فاهم أي حاجة." لان وجه ياسر قليلاً، وربت على يد ابنه بخفة:

-"أنت مالكش ذنب." أما ريان، فقد لزم الصمت، لكنه كان صمتاً يسبق العاصفة. تذكر إهانة سليم الشرقاوي لوالده أمام عينيه، وبينما كان وجهه هادئاً كالماء الساكن، كان داخله يغلي ببركان من الانتقام لن يهدأ إلا بحرق الجميع. 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في فيلا ساحلية فاخرة بإحدى جزر اليونان، كان الليل يلف المكان بسكونه الساحر، وصوت تلاطم الأمواج يختلط بنسمات الهواء الباردة القادمة من عمق البحر. انعكست الأضواء الذهبية الخافتة فوق الشرفة الواسعة، حيث جلست "غزل" فوق الأريكة الوثيرة، تحتضن "ياسين" الصغير الذي استسلم لنوم عميق وآمن فوق صدرها. أما غيث، فكان يقف عند الحافة الزجاجية، بقميصه الأبيض الخفيف الذي يداعبه النسيم، غارقاً في شرود طويل أمام امتداد المياه المظلمة.

ابتسمت غزل وهي تراقب صمته، وقالت بنبرة تمزج بين المداعبة والمكر: -"أنت من ساعة ما جينا هنا، وأنت عامل نفسك بطل فيلم أجنبي حزين." التفت إليها غيث ببطء، وانفرط عقد صمته بضحكة خافتة قبل أن يقترب منها ويجلس بجوارها، ممرراً يده برفق فوق شعر طفله النائم: -"وأنتِ من ساعة ما جينا هنا بتراقبيني أكتر من ياسين." ابتسمت بخبث وقالت: -"أراقب جوزي.. حقي الشرعي." لانَت ملامح غيث وهو يتأمل طفله وقال بهدوء: -"شكله تعبكم كلكم معاه."

نظرت غزل للصغير بحب فياض: -"لا.. هو الشيء الوحيد اللي بيخليني أنسى كل اللي حصل." أمسك غيث يدها برفق، وسأل بنبرة جادة اخترقت هدوء اللحظة: -"وغزل؟ هل نسيتِ فعلاً؟ تنهدت بخفة وأجابت: "بحاول." لكن قبل أن يكملا حديثهما، شقّ صمت المكان رنين هاتفها. تجمدت ابتسامتها وانقبض قلبها فجأة؛ كان رقماً مجهولاً. لاحظ غيث شحوب وجهها فسأل بقلق: "غزل؟ ابتلعت ريقها وأجابت ببرود حذر: "مين؟ جاءها الرد عبر الهاتف، صوتاً هادئاً

بشكل يثير القشعريرة: -"مساء الخير يا غزل الشرقاوي.. اليونان جميلة في الوقت ده من السنة.. صح؟ تصلبت ملامحها، بينما أصبحت عينا غيث حادتين كالصقر. نهضت واقفة وصاحت بحدة: "أنت مين؟! ضحك المجهول بهدوء مستفز: -"أنا؟ بس بني آدم عارف إنك قاعدة دلوقتي في شرفة فيلا بتطل على البحر.. ومعاكي جوزك العزيز، و ابنك ."

تسارعت أنفاسها، وتحول وجه غيث إلى قناع من الغضب المكتوم. لكن غزل استعادت في تلك اللحظة روح الصحفية الجريئة التي لا تُقهر، وقالت باحتقار: -"اسمعني كويس.. غيث عارف بكل حاجة دلوقتي، ولو كنت فاكر إن تهديداتك هتخوفني تبقى واهم." ضحك الرجل بسخرية لاذعة هزت ثقتها للحظة: -"غيث؟ قصدك الفقير اللي لزق فيكي عشان يبقى غني؟ ولا الراجل اللي عايش على حس اسم عيلة مراته؟ بصراحة.. أنا مش شايفه راجل أصلاً."

هنا، انفجرت غزل بغضب مرعب، صدم غيث نفسه. صاحت بصوت مشتعل بالدفاع عن كرامة رجلها: -"اوعك تتكلم عنه كدة! غيث أشرف وأنظف راجل شفته في حياتي كلها! ولو كنت فاكر إنه احتاج يوم لفلوسي أو اسم عيلتي تبقى حقير ومريض! على الطرف الآخر، كان "حازم" يجلس داخل سيارته السوداء الفاخرة، بعيداً عن الفيلا بمسافة كافية ليراقب دون أن يُرى. استمع لانفعالها بصمت وعينان مظلمتان، ثم قال ببرود: -"غريب.. بتدافعي عنه بالطريقة دي!

ضغطت غزل على الهاتف بعنف: "ومين أنت أصلاً عشان تتكلم عنه؟ راجل جبان مستخبي ورا تليفون؟ ابتسم حازم ابتسامة خفيفة، فخطته بدأت تؤتي ثمارها في زعزعة الاستقرار. قال بنبرة غامضة: -"احذري بس يا غزل.. في حاجات حواليكي ما تعرفيهاش.. وأحياناً، أقرب الناس هما أخطرهم. اتكلمي بوضوح! لكن الخط انقطع فجأة. أنزلت الهاتف ببطء وأنفاسها تضطرب بشدة. نظر إليها غيث بحدة وسأل: "هو نفسه؟ أومأت برأسها،

ثم انفجرت من جديد: "إزاي يتجرأ يهينك كدة؟ فوجئ غيث برد فعلها، ثم ضحك بخفة غير متوقعة ونظر إليها بحنان غامر: -"كل الغضب ده عشاني؟ ردت بعصبية حقيقية: "طبعاً عشانك! المعتوه ده بيتكلم وكأنك استغليتني! اقترب منها غيث وأمسك وجهها بكفيه برفق: "غزل.. اهدي." لكنها استمرت في الغليان: "أنا أتحمل أي حاجة إلا إن حد يهينك قدامي." ابتسم غيث ابتسامة صغيرة دافئة، واحتضنها مع "ياسين" في حضن واحد يلم شتات العائلة.

بينما بعيداً جداً، كان حازم يتأمل صورة قديمة في هاتفه لعائلة الشرقاوي مجتمعة. كانت عيناه غارقتين في صراع معقد؛ لم يكن مجرد كره أو انتقام، بل كان شيئاً أعمق بكثير يدفعه لحرق كل ما يحيط بغزل، ليرى من سيصمد في النهاية.....

تجمدت غزل في مكانها للحظات بعد انقطاع الاتصال، كان السكون الذي أعقب صوت المجهول أشد وطأة من الكلمات نفسها. ثم فجأة، انفجر البركان الكامن داخلها. استدارت نحو غيث بعينين تشتعلان بشرر الغضب، وصاحت بصوت مرتفع هزّ أركان الشرفة: -"الحقير ده تجاوز كل حدوده! هرع غيث نحوها بسرعة، محاولاً الإمساك بكتفيها لتهدئتها: -"غزل.. اهدي يا حبيبتي."

لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالهدوء؛ كانت تذرع الشرفة جيئة وذهاباً بخطوات عصبية، تقبض على الهاتف بقوة جعلت مفاصل أصابعها تبيضّ من شدة الضغط، وتابعت بصراخ: -"مين فاكر نفسه عشان يتكلم عنك بالشكل ده؟ مين مدي له الحق أصلاً؟ التفتت إليه، ملامحها تعتصر ألماً وغضباً من أجله: -"بيقول إنك استغليتني؟ إنك مش راجل؟

ظهر الانزعاج جلياً على وجه غيث، لم يكن انزعاجاً من كلمات المجهول التي لا تعنيه، بل من نبرة صوتها التي بدأت تخترق سكون الليل الساحلي. نظر سريعاً نحو ياسين النائم بسلام على الأريكة القريبة، وقال بنبرة محذرة وهادئة: -"غزل.. وطّي صوتك. الولد نايم." لكن غزل كانت قد فقدت السيطرة تماماً، الغضب أعماها عن كل شيء حولها، فاستمرت في ثورتها: -"أقسم بالله لو عرفت هو مين ما هرحمه أبداً!

وبحركة طائشة، ضربت الهاتف فوق الطاولة الزجاجية بعنف، وصرخت بملء صوتها: -"حقير! مريض! جبان! وفجأة.. انقطع حبل الصراخ بصوت بكاء صغير، حاد ومذعور. تجمد الاثنان في مكانهما كأنما أصابتهما صاعقة. فتح ياسين عينيه الصغيرتين بفزع، وارتجف وجهه الأحمر قبل أن ينفجر في نوبة بكاء مريرة، شهقاته المتقطعة كانت تمزق سكون الليل وتعلن عن رعب طفولي لم يتحمل حدة الصوت. شهقت غزل بذعر، وتبخر غضبها في جزء من الثانية ليحل محله ندم قاتل:

-"ياسين! ارتمت نحوه بسرعة، حملته بين ذراعيها وتشبثت به بقوة، لكن الصغير كان يبكي بحرقة، وجسده الضئيل يرتجف بين يديها وكأن "الخطر" الذي كانت تصرخ بسببه قد تجسد له في صوتها. همست بصوت متهدج وهي تهدهده: -"آسفة.. آسفة يا حبيبي.. ماما هنا.. خلاص يا روحي." دفنت وجهها في شعره الناعم، محاولة امتصاص خوفه، بينما كان غيث يراقب الموقف بحزن هادئ. اقترب منها ووضع يده على كتفها بحنو: -"قلتلك اهدي.."

رفعت غزل عينيها نحوه، والدموع تغالبها، قالت بصوت مكسور: -"خوفته مني.." احتضنت ياسين أكثر، والصغير لا يزال يتشبث بثيابها بأصابعه الصغيرة وهو يشهق. بدأ غيث يربت على ظهر ابنه برفق: -"هو بس خاف من الصوت.. هيهدا دلوقتي." لكن غزل لم تهدأ تماماً؛ بل تحول غضبها إلى حقد أسود ومركّز. رفعت رأسها فجأة، وبنبرة منخفضة لكنها أخطر من صراخها السابق، قالت: -"أقسم بالله.. البغيض ده هيدفع الثمن غالي." نظر إليها غيث بصمت، فتابعت

وهي تقبل رأس ياسين بمرارة: -"بيرعبني.. بيهددني.. ودلوقتي خوف ابني كمان! مش هسكت له المرة دي.. أبداً." وفي تلك الأثناء، بعيداً خلف زجاج سيارته المظلم، كان حازم لا يزال يحدق في هاتفه المغلق. أغمض عينيه ببطء، وفي لحظة تجلٍّ غريبة، بدا وكأن صدى بكاء ياسين المذعور قد اخترق المسافات ووصل إلى مسامعه، تاركاً غصة مجهولة في حلقه.. وكأن انتقامه بدأ يصيب الأبرياء قبل المذنبين. 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في قلب الصعيد، وداخل منزل عائلة الجمال الكبير، كانت الأجواء مفعمة بدفء مألوف؛ رائحة الخبز الطازج الممتزجة بعبق الشاي الصعيدي الثقيل تملأ المكان. لم يكن يقطع هدوء الصالة الواسعة سوى صوت المروحة القديمة وهي تدور برتابة، بينما جلست "أمينة" ترتب بعض الملابس الصغيرة الخاصة بحفيدتها بتمهل، لكن عينيها لم تستقرا على القماش؛ بل كانت تختلس النظر نحو الباب الخارجي كل دقيقة، وكأنها تستحثه على الانفتاح.

وفجأة، تحققت رغبتها؛ فُتح الباب بهدوء، ودلفت "لارين" بخطواتها الواثقة والباردة المعتادة. كانت ترتدي ملابس بسيطة تليق بوقار المكان، وتعلّق حقيبتها السوداء فوق كتفها بجمود. رفعت عينيها نحو أمينة وقالت بنبرة خفيضة: -"السلام عليكم." في ثانية واحدة، تركت أمينة كل ما في يدها ونهضت بلهفة: -"أهو حضرتِ أخيراً يا بنتي! هرعت نحوها رغم وهن جسدها، وأمسكت وجه لارين بين كفيها اللتين تفوح منهما رائحة الحنان،

وتابعت بعتاب مغلف بالمحبة: -"بقيتِ ما تسأليش حتى! أنا خلاص هعتبر نفسي مش موجودة عندك." حدقت لارين بها لصمت لثوانٍ، وكأنها تحاول استيعاب هذا الكم من الدفء الذي تفتقده في عالمها المظلم، ثم حدث ما لم يكن متوقعاً.. ابتسمت. كانت ابتسامة صغيرة، نادرة، بدت وكأنها خرق لقواعد لارين الصارمة، مما جعل أمينة تتوقف عن الكلام من المفاجأة. قالت لارين بنبرة هادئة: -"كل التمثيل ده لأني تأخرت يومين؟ شهقت أمينة بصدمة مصطنعة: -"يومين؟!

دي أسبوع كامل يا باردة! انحنت لارين قليلاً، وقبّلت رأس أمينة بوقار وهدوء، وقالت بصوت أخف بكثير: -"حقكِ عليّ." تجمدت أمينة للحظة؛ فلارين لا تعتذر، والكبرياء يسري في دمها مسرى النيل، لكنها ابتسمت أخيراً وربتت على خدها بحنو: -"ربنا يهديكِ يا بنتي.. أنا قلبي بيتعب عليكِ." جلست لارين فوق الأريكة وأغمضت عينيها بتعب واضح، مما جعل أمينة تجلس بجوارها بقلق: -"أنتِ مرهقة يا لارين." فتحت لارين عينيها وأجابت باختصار: "عادي." رفعت

أمينة حاجبها بعدم اقتناع: -"لارين.. أنا اللي مربياكي، وأعرف وشك لما تكوني تعبانة." تنهدت لارين، ومررت يدها فوق جبينها وكأنها تمسح غبار المعارك التي تخوضها سراً: -"فقط الدراسة.. والمشاريع.. وأشياء كثيرة." سألتها أمينة بتركيز: "كل ده عشان كلية الحقوق بس؟ تجمدت لارين لثانية واحدة، وهي تلمح الشك في نبرة أمينة، لكنها استعادت قناعها فوراً وأجابت: "أكيد." لم تقتنع أمينة،

فقالت بصدق يمزق القلوب: "أحياناً أحس إنك شايلة الدنيا فوق كتفك يا بنتي." خفضت لارين نظرها؛ فكلمات أمينة كانت تلامس الحقيقة الموجعة. هي بالفعل لا تحمل كتب القانون فقط؛ بل تحمل أسرار المخابرات، ملفات المافيا، مؤامرات إيطاليا، وظل دارين الذي يلاحقها. لكنها اكتفت بقول: "لا تقلقي عليّ." ساد صمت دافئ بينهما، قبل أن تخرقه أمينة بمكر الأمهات الصعيدي: -"ولا يكون فيه شاب شاغل تفكيرك؟

رفعت لارين عينيها ببطء، وألقت على أمينة نظرتها الباردة المعهودة، مما جعل العجوز تضحك فوراً: -"خلاص خلاص.. نفس النظرة القديمة." لكن أمينة، بخبرتها الطويلة، لاحظت ما لم تفعله لارين هذه المرة؛ لارين لم تنفِ بقوة، بل فقط أشاحت بنظرها بصمت غريب.. وصمت لارين في مواقف كهذه، كان أبلغ من أي اعتراف. 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في أحد المراكز التجارية الراقية بالقاهرة، كان الصخب يملأ المكان؛ مزيج من الموسيقى الهادئة، همسات المتسوقين، وبريق الواجهات الزجاجية الفاخرة. وسط هذا الزحام، كان ريان يسير بخطىً آلية، وعقله يدور في حلقة مفرغة من الصدمة؛ فالمعلومات التي سربتها له "لارين" صباحاً في الكلية العسكرية لم تكن مجرد ملفات، بل كانت زلزالاً أعاد ترتيب كل ما يعرفه عن ماضي والده.

كان غارقاً في تفاصيل تلك الصورة القديمة التي قلبت موازينه، حتى اصطدم فجأة بجسدٍ أمامه، مما أدى لسقوط حقيبة يد من صاحبتها. جاءه الصوت فوراً، حاداً، متعالياً، وممتلئاً بالغطرسة: -"أنت أعمى؟! رفع ريان عينيه ببطء، وفي تلك اللحظة، تجمد الزمن. كانت هي.. "دارين". حدقت به لثوانٍ، محاولةً استحضار ملامحه، قبل أن تتذكر ذلك الضابط الشاب الذي رأته في فيلا الشرقاوي. ضيقت عينيها وقالت بازدراء: -"أنت.."

انحنى ريان بهدوء، التقط الحقيبة وناولها لها ببرودٍ يثير الأعصاب، متمتماً بكلمة واحدة: "المعذرة." لكن نبرته المستفزة أشعلت غيظها، فانتزعت الحقيبة بعنف وقالت: -"يبدو أن الكلية العسكرية أصبحت تقبل أي شخص هذه الأيام! ساد صمتٌ قصير، ثم ارتسمت على شفتي ريان ابتسامة صغيرة، باردة جداً، ابتسامة جعلت القشعريرة تزحف في أوصال دارين دون أن تفهم السبب. قال بهدوء: -"وأنا أقول لماذا الهواء هنا ثقيل فجأة."

قطبت جبينها بغضب: "ماذا تقصد؟ اقترب منها خطوة واحدة، فبدا حضوره طاغياً ومخيفاً، وقال بنبرة خفيضة: -"لا شيء.. فقط تذكرت أن بعض الناس يدخلون أي مكان، فينشرون السموم فيه." اتسعت عيناها بصدمة، بينما بدأ المارة يلتفتون نحوهما. صاحت بحدة: "احترم نفسك أيها الشاب! رفع ريان حاجبه بسخرية لاذعة: -"أنا محترم جداً، لذلك ما زلت أتحدث بهدوء.. رغم أن بعض الأشخاص وجودهم نفسه إهانة للمكان."

خرجت ضحكة مكتومة من إحدى الفتيات القريبات، مما جعل دارين تشعر بالإحراج لأول مرة في مكان عام. لكن ريان لم يكتفِ، بل أكمل ببرود قاتل: -"لكن لا بأس.. التمثيل موهبة نادرة فعلاً." تجمدت دارين. شيءٌ ما في نبرة هذا الشاب كان يقرأ ما وراء الأقنعة. سألت بتوتر: "ما الذي تحاول قوله؟ أمال ريان رأسه قليلاً، وقال بلهجة أخطر من الصراخ:

-"فقط أعتقد أن بعض الناس لو دخلوا عالم التمثيل من زمان، لكانوا حصلوا على الأوسكار بسهولة.. خصوصاً من يجيدون لعب دور الضحية، وهم أصل الكارثة." شحب وجه دارين تدريجياً؛ هل يلمح لشيء؟ هل عرف الحقيقة؟ كان ريان يراقب أدق اهتزاز في ملامحها بعينين حادتين كالنصل، وتابع بابتسامة خفيفة: -"انتبه لكلامك! " قالتها بصوت منخفض حاد. ضحك ريان بخفة مستفزة: "ولماذا؟ هل تخافين أن تُكشف المسرحية أخيراً؟

شهقت بخفوت، بينما أخرج هو هاتفه بهدوء وكأنه ينهي الحوار بشروطه الخاصة. وقبل أن يغادر، نظر إليها نظرة أخيرة اخترقت كبرياءها: -"على كل حال.. الكذب يعيش طويلاً أحياناً، لكنه لا يعيش للأبد."

تركها ريان واقفة في مكانها، تتخبط في ذهولها وسط همسات الناس الساخرة، بينما كان يشعر هو بنشوة النصر الأول. لقد بدأ القناع يتشقق، ودارين، التي تلاعبت بالجميع لسنوات، بدأت تشعر لأول مرة بأن نهايتها قد تأتي على يد هذا الشاب الذي يشبه "ياسر" في هدوئه، ويشبه "القدر" في حتميته. 🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎🤎

في صباح اليوم التالي، وداخل المقر الرئيسي لشركة الشرقاوي، كانت الأجواء تبدو هادئة للناظرين من الخارج، لكن خلف الأبواب المغلقة لغرفة الاجتماعات الكبرى، كان التوتر يملأ الفراغ ويخنق الأنفاس. القاعة الفاخرة بطاولتها السوداء الطويلة وشاشاتها التي تعرض ملفات الشراكة الجديدة بين عملاقي السوق "الشرقاوي" و"الحديدي"، كانت تشهد ترقباً لم يسبق له مثيل.

جلس سليم الشرقاوي في صدر الطاولة بملامح كأنها نُحتت من صخر، جامدة وصارمة. وبجانبه جلس جاسر الحديدي بهدوئه الرزين، بينما انشغل إلياس بمراجعة الأوراق، واكتفى أدهم الحديدي باحتساء قهوته في صمت بليغ. وفجأة، اخترق صوت "إياد" المستفز هذا السكون الثقيل: -إياد: "يعني إحنا بقالنا نص ساعة قاعدين مستنيين 'الشريك العظيم' ده.. وفي الآخر هيطلع واحد أقرع واسمه محسن مثلاً! رفع جاسر حاجبه بضيق وملل:

-جاسر: "اسكت يا إياد.. مش وقته خالص." لكن إياد، كعادته، لم يعرف للصمت سبيلاً: -إياد: "لا بجد.. أنا متوتر.. حاسس إن الراجل داخل يتجوزنا مش هيعمل معانا شراكة! ضحك إلياس بخفة رغم الأجواء المشحونة، أما سليم، فلم تتحرك في وجهه عضلة واحدة. كان مزاجه في أسوأ حالاته منذ أيام؛ اختطاف غزل، والشكوك التي تنهش رأسه، وعودة ياسر الغامضة.. كل هذا جعله قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. لاحظ جاسر هذا الشرود، فسأله بهدوء:

-جاسر: "مالك يا سليم؟ في إيه؟ تنهد سليم بحدة وهو يضغط على القلم بين أصابعه: -سليم: "مش مستريح.. الوضع كله مش عاجبني." تدخل أدهم الحديدي متسائلاً: -أدهم: "تقصد الشراكة؟ هز سليم رأسه ببطء: -سليم: "حاسس إن في حاجة وحشة هتحصل." رفع إياد يديه في الهواء بشكل درامي: -إياد: "يا أخي ما تخوفنيش.. أنا أصلاً وافقت آجي الاجتماع ده بالعافية! ثم مال نحو أذن جاسر وهمس بمكر: -"لو الشريك الجديد ده دمه تقيل.. أنا ماشي."

رمقه جاسر بنظرة باردة: -جاسر: "وهو أنت أصلاً بتعمل إيه هنا؟ فتح إياد فمه بصدمة مصطنعة: -إياد: "إهانة على الصبح؟ لا بجد ذوق جداً! وقبل أن يتطور الجدال، دخل السكرتير بخطى هادئة: -السكرتير: "يا سليم بيه.. الشريك الجديد وصل." ساد صمت مطبق فوراً، واعتدل الجميع في جلستهم وكأنهم يستعدون للمعركة. ضيق سليم عينيه ببرود ونطق بكلمة واحدة: -سليم: "خليه يدخل."

ثوانٍ معدودة.. وفُتح الباب ببطء، ليدخل رجل طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء فاخرة فُصلت خصيصاً له، يتحرك بخطوات واثقة وهادئة بشكل يستفز الأعصاب. رفع رأسه ببطء لتنكشف ملامحه بوضوح تحت أضواء القاعة. في تلك اللحظة.. تجمد الزمن. تجمد الجميع في أماكنهم، أما سليم، فقد اتسعت عيناه بصدمة عنيفة، سرعان ما تحولت لنظرة كره مرعبة تجري في عروقه كالسم. -سليم (بصوت مخنوق ومتحشرج) : "... ياسر؟

وقف إياد من مكانه مذهولاً، وعقد جاسر حاجبيه بقوة يحاول استيعاب الموقف. أما ياسر.. فاكتفى بابتسامة باردة، لاذعة، ومنتصرة. جلس بهدوء وثقة أمامهم، واضعاً حقيبته فوق الطاولة وكأنه هو من يملك المكان والزمان. -ياسر: "صباح الخير يا جماعة." ثم وجه نظره مباشرة نحو سليم، بعينين تلمعان بتحدٍ قديم لم يطفئه الزمن: -ياسر: "وحشتك يا صاحبي القديم؟ الفصل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...