كل شيئ نستطيع تمزيقه...
الا الذكريات هي التي تمزقنا!!.
___________________________________________
دهشتهم وصدمتهم في تلك اللحظه كانت كبيره بشكل كبير وهم ينظرون الى تلك المرأة التي اختفت من حياتهم منذ سنين طوال بعد ان تدمروا تماماً، ذهبت دون عوده ودون ان تصلهم اي اخبار عنها، ها هي اليوم تقف امامهم بشموخ وقوه وابتسامه واثقه تزين ثغرها...
للحظات جميع ذكرياتهم معها عادت كشريط سينمائي سريع، كل لحظه، وكل ألم، وكل دمعه، تذكروا ماضيهم بسرعه لرؤيتهم لوجهها من جديد الآن...
تذكر "أسيف" بكائه بين احضانها، وبكائه حين ذهبت، تذكرت "سابين" تمسكها بثياب والدتها وتوسلها بأن لا تذهب، تذكروا معاناتهم الحقيقيه بعد ذهابها...
اخرجهم من ذكرياتهم صوتها الهادئ الذي خرج مع ابتسامه: مالكم يا ولاد، مش مبسوطين عشان شوفتوني ولا ايه؟.
اقتربت بخطوات متمهله لتقف امام "أسيف" الذي تجهمت ملامحه مع اقترابها منه...
رفعت انامله لتتلمس وجهه وهي تتمتم بابتسامه: ازيك يا "أسيف"...
عاد بجسده خطوه للخلف قبل ان تلامس يدها وجهه وضل على نفس تجهمه الصامت...
اعادت يدها بجانبها بحرج قبل ان تنتقل بنظرها نحو ابنتها لتهم بالأقتراب منها هاتفه بحنين:"سابين" حبيبتي...
_ متقربيش، خليكي بعيده!.
اوقفتها "سابين" بصوتها الصارم مانعه اقترابها لكن "هايدي" لم تنصت بل اقتربت اكثر لتقف امامها...
ابتسمت بحنان متمتمه: انتي وحشتيني ياحبيبتي، انا موحشتكيش؟.
حاولت احتضانها لكن الأخيره ابتعدت بسرعه هادره بتحذير: قولتلك متقربيش، انتي مبتفهميش ليه؟!.
اختفت ابتسامتها واكتسى الحزن ملامحها وهي تردف: ليه كده ياحبيبتي، انا عايزه اخدك في حضني!.
_ جايه ليه يا "هايدي"؟.
كان هذا صوت" أسيف " الذي خرج واجماً لتلتفت له الأخيره قائله بابتسامة مستنكره: "هايدي"؟ انت نسيت كلمه عمتو ولا ايه؟.
اقترب منها قائلاً بجمود: رجعتي ليه يا... "هايدي"؟!.
ضغط على حروف اسمها باستفزاز لتزفر هي بقوه قبل ان تجيبه بجديه: رجعت عشان بنتي!.
عقد ما بين حاجبيه باندهاش مصنطع وهو يلتفت يمين ويسار هاتفاً: بنتك؟ بس انا مش شايف بنتك هنا، الضاهر انتي غلطتي في العنوان، معندناش بنات ليكي هنا!.
صاحت به بحنق: انت هتستعبط، بلاش الشغل دا معايا يا "أسيف"...
قلب عينيه بملل قائلاً: شغل ايه دا، بقول مفيش بنات ليكي هنا، الواضح انك فعلاً مبتفهميش زي ما"سابين" قالت!.
كورت قبضتها بغضب من هذا المستفز لتهمهم من بين اسنانها: انا جايه اتكلم مع بنتي، مش مع واحد مجنون زيك!.
هذه المره استطاعت هي استفزازه واشعال غضبه الخطير الذي سيطولها حتماً...
تحدثت الى ابنتها ثانياً قائله بلطف: "سابين" انا جيت عشان اخدك معايا ياحبيبتي و...
قاطعتها باستنكار: عفواً، تاخديني فين حضرتك انا مش فاهمه؟.
_ هاخدك معايا، هتبقي مع مامتك!.
_ مامتي! تصدقي الكلمه دي غريبه عليا؟!.
اقتربت منها اكثر لتكمل بنبره متحشرجه مريره: مامتي مين، مامتي اللي سابتني وانا عندي خمس سنين، ولا مامتي اللي حتى مصعبتش عليها وانا ماسكه هدومها عشان متمشيش، ولا مامتي اللي راحت من غير ما تبص وراها وكان كل همها تخلص نفسها، ولا مامتي اللي مفكرتش ببنتها وايه اللي هيحصل معاها بعد ما سابتها مع حيوان ميرحمش، قوليلي انهي مامتي فيهم، انا معنديش أم يا مدام "هايدي"، امي ماتت من اليوم اللي سابتني فيه، انا معنديش أم!.
ترقرقت العبرات داخل مقلتيها بسبب كلمات أبنتها التي تظن بها السوء دون ان تتفهم وضعها في ما مضى...
اخذت وجهها بين راحتيها لتهتف بتبرير: انتي فاهمه غلط يا "سابين"، والله انا عملت كده غصب عني، ابوكي كان...
قاطعتها بصراخ وهي تنفض يديها عنها: متقوليش ابوكي ومتجيبيش سيرته قدامي أبداً، اللي زي" سالم" عمره ما كان أب ولا حتى حاول يبقى، هو مجرد شيطان، دمر حياتي ودمر الكل، انتي سبتيني معاه بكل بساطه، ودلوقتي جايه وبتقوليلي بنتي وكمان عايزاني اجي معاكي وفاكره ان وجودك دلوقتي هيكون شيئ جميل مش كده، بس خليكي عارفه ياهانم ان وجودك وعدمه ميفرقش عندي، وهنكون مرتاحين اكتر لو رجعتي من مكان ما جيتي!.
هتفت بأستماته: طيب اسمعيني مره واحده، خليني ابررلك وقولك انا عملت كده ليه، انا...
_ اظن الجواب وصلك يا "هايدي" هانم، ملوش لازمه انك تبرري حاجه!.
نظرت بحنق غاضب نحو "أسيف" الذي هتف ببرود ليسترسل: بلاش دور الأم المثاليه اللي ضحت عشان بنتها ومش عارف ايه، عشان الدور دا مش لابقلك خالص...
هدرت به بانفعال: انت ايه، شيطان، بقيت زي ابوك وعمك....
_ اوعي!!.
هدر بها بصوت جوهوري افزع الجميع وقد تحولت نظراتها الى اللون الأحمر القاتم من شده غضبه...
رفع سبابته امام وجهها هاتفاً بتحذير: اوعي تعيديها تاني وتشبهيني بيهم عشان بجد مش هرحمك!.
هتفت بنفس انفعالها: انا مقولتش حاجه غلط، انت فعلاً بقيت شبههم بكل حاجه، انا متأكده ان انت اللي خليت بنتي تكرهني ومش طايقه تشوفني، بسببك "سابين" بقت كده، غيرت البنت وخليتها تحمل الحقد والكره بقلبها لأقرب الناس ليها زيك!.
قابل صياحها وانفعالها باخر: متحاوليش تبرئي نفسك من الغلطه اللي عملتيها زمان، انتي كنتي انانيه لدرجه انك سبتي عيلين بايد جلاد، متجيش دلوقتي وتبرري عملتك، انتي كان كل همك انك تنجدي نفسك وبس!.
هزت رأسها بعدم تصديق لتهتف: انت اللي بتتكلم كده يا"أسيف "، دا انت كنت بتستخبى في حضني وتعيط و...
قاطعها بغضب: عشان كنت غبي، كنت غبي وافتكرت انك ممكن تكوني شبهها وتكوني حنينه عليا زيها، بس انتي طلعتي زي جوزك، بتفكري بمصلحتك وبس...
ابتسمت بتهكم قائله: قصدك "آسيا" مش كده، حتى دي مش قادر تقول اسمها؟!.
زج على اسنانه بغضب جحيمي وقد بدأ هدوئه يخرج عن السيطره ان استمرت تلك المرأة في ذكر تلك الأسماء امامه...
اقتربت منه اكثر لتتمتم بتسليه: مالك؟ مش عايز تنطق اسمها ليه، دي "آسيا" حبيبه قلبك!
زمجر بصوت مخيف: اخرسي، ومتجيبيش سيرتها على لسانك والا...
قاطعته ببرود: ولا ايه يا"أسيف"، هتهددني انك تمحيني من الوجود زي ما عملت زمان، هتعمل ايه يعني؟.
لم يرد اكتفى فقط بتحديجها بنظرات تذيب العظام لتتنهد هي بقوه ثم تتمتم بهدوء نسبي: بص يا "أسيف"، انا مش جايه اعمل مشاكل او غيره، انا جايه عشان اشوف بنتي اللي اتحرمت منها، بس كده!.
رد بحسم: انتي اللي حرمتي نفسك من بنتك محدش حرمك منها، يبقى تستحملي بعدها عنك وتكملي حياتك من غيرها..
هدرت بنفاذ صبر: انت بتعمل معايا كده، انت كنت شاهد على كل اللي كان بيحصلي هناك، لازم تعذروني اني كنت عايزه اهرب بس اضطريت اني اسيبك واسيب بنتي!.
هتفت "سابين" بقوه هذه المره: وانتي كمان كنتي شاهده وقتها على اللي كان بيحصلنا، كنتي تشوفي هو بيعمل فينا ايه بس ببساطه تقفي تتفرجي علينا عشان كنتي خايفه، كنتي بتشوفي بنتك تتعذب بس متقدريش تخلصيها بسبب خوفك منه، "رامز" بس اللي كان يقف بوشه، مع انه كان عيل صغير بس عنده نخوه وشهامه وعنده الجرئه انه يحمينا، مش زيك بتتفرجي وبس!.
هتفت بها بتبرير: صح، كلامك صح، بس انا بني ادمه وبخاف من اللي كان بيعمله فيا ولو قربت منكم مش هيرحمني انا....
اوقفتها باشاره من يدها قائله: مش عايزه تبرير او اي حاجه تانيه، انتي خرجتي من حياتنا من سنين طويله، ايه اللي رجعك دلوقتي؟ لو كنتي معشمه نفسك اني ممكن اسامحك او اني اجي معاكي، هقولك ان نجوم السما اقربلك يا هانم!.
هدرت بيأس: انتم مش عايزين تسمعوني وتغفرولي الغلطه دي ليه، انا كان ذنبي ايه يعني اني استحمل اللي كنت عايشاه من غير ما يكون ليا ذنب...
اجابتها ابنتها بمراره وغضب: واحنا ذنبنا ايه تسيبينا بأيد واحد ميرحمش، انتي عارفه هو كان بيعمل فينا ايه بعد ما انتي مشيتي، عارفه ولالا، اكيد مش عارفه عشان كنتي بعيده، شوفتي حياتك وعشتي لنفسك وبس، نسيتي بنتك الصغيره وروحتي عشان تعيشي سنك، عارفه، انتي متفرقيش عن جوزك، انتم التنين اوسخ من بعض، ولو هو كان سكير وبتاع نسوان فأنتي سبتينا عشان تقضيها كل يوم مع واحد...
_ اخرسي!!.
هدرت بها "هايدي" بغضب كبير وهي ترفع يدها عالياً ناويه صفعها بعد كلمات ابنتها التي قللت من شأنها وسمعتها...
جحضت عيناها بصدمه حين تلقى الصفعه شخص اخر غير ابنتها، بل "أسيف" من كان يقف امامها وقد كانت الصفعه من نصيبه هو بدل من "سابين" لتشهق الفتاتين بذهول...
"أسيف الجارحي" تعرض لصفعه قويه من يد أمرأة، صفعه جعلت رأسه يلف الى الجهه الأخرى مع خيط دماء رفيع سال من جانب شفتيه بسبب أضافرها الطويله...
حدقوا به جميعهم بانشداه وذهول ليميل رأسه إلى الجانب محدقاً بها بهدوء غريب مع ابتسامه جانبيه مخيفه تراقصت فوق شفتيه!.
ابتلعت ريقها بتوجس حين تمتم بنفس الهدوء: دلوقتي زي الشطوره كده تلفي وتوريني طلتك البهيه وانتي خارجه لبرا، ومش هتخليني المح خيالك قريب مننا تاني، يله!.
لا تنكر خفقان قلبها بتلك اللحظه من نظراته التي تقسم انها رأت نظرات "عادل" امامها، لكنها لم ترد ان تبين خوفها وارتباكها الآن...
فهتفت بتحدي مزيف: انا مش همشي يا "أسيف" من غير ما اخد بنتي معايا و....
شهقت بقوه أثر قبضته التي التفت حول معصمها ليعكسه خلف ضهرها حتى شعرت انه كاد يُكسر!.
تطلعت له بهلع حين قربها منه ليهمس بالقرب من أذنها بفحيح اشبه بالافاعي دب الرعب بقلبها: صدقيني يا "هايدي"، لو ممشيتيش دلوقتي ونفدتي بجلدك مني، انا احلفلك ان جحيم الكلاب بتاع زمان هيكون ولا حاجه قدام جحيمي انا، ارجعي من مطرح ما جيتي عشان مخلكيش هنا طول عمرك بس مش فوق الأرض، لا هتكوني نايمه تحت التراب جنب جوزك واخوه، وانسي "أسيف" بتاع زمان اللي كان يستخبى بحضنك وانتي تطبطبي عليه، عشان اللي قدامك دلوقتي جهنم الحمرا ارحم منه بكتير، امشي عشان متحصليش جوزك!.
انتهى من تهديده الذي كان يضغط على كل كلمه به كأنه يؤكد لها انه سينفذه دون تردد لينفضها عن بقوه كأنها شيئ منبوذ او مقزز، حتى انها تراجعت عده خطوات الى الخلف!.
هتف بصرامه: امشي ومتخلنيش اشوف وشك تاني، يله بالسلامه!.
لم ترد ولم تتحرك قيد انمله، فقط تحدق به والى هيئته المخيفه لتتذكر فوراً حديث "هشام" حول شكوكه ناحيه "أسيف"!.
اخرجها من شرودها صوته ثانياً الذي هتف باستحقار: باين انك مش حابه تخرجي من هنا بكرامتك، وماله نخرجك بالأهانه، انتم يا اللي برا...
صاح باخر كلمه بصوت عالي جداً ينادي الحراس اللذين يقفون في الخارج ليكونو في غضون دقيقه امامه يقفون باحترام...
اشار لهم قائلاً ببرود: ارموها برا!..
اتسعت عيناها باستنكار لتهتف به: انت بتقول ايه، انت اتجننت؟!.
اجابها بفظاظه: قولتلك تخرجي بكرامتك بس انتي عايزها تتمسح في الأرض، اعملك ايه انا؟.
ثم نظر لرجاله ليأمرهم بخشونه: وانتم مستنيين ايه، ارموها برا!.
تقدم الرجال ناحيتها ليمسكو بها ويقومون بسحبها لتصيح هي بانفعال: ابعد عني يا حيوان انت وهو، "أسيف" اللي بتعمله دا غلط، وانا هدفعك التمن غالي، والله هندمك، سامع هخليك تندم يا ابن "عادل"، انا مش هسيبك ومش هخليك ترتاح، هندمك يا"أسيف"...
ضل الرجال يسحبونها الى الخارج بطريقه مهينه وهي ما زالت تتوعد بانها ستدمرهم الى ان قامو بألقائها خارج القصر لتسقط على الأرض...
نظرت امامها بعينين تنطق بالجحيم، هي بالفعل لن تتغاضى هذه المره عن اهانتها بهذا الشكل المخزي والأسوء امام ابنتها وزوجته...
نهضت عن الأرض لتنفض التراب عن يديها بحنق وغضب، التفتت ناظره الى ذلك القصر بحقد شديد...
تمتمت لنفسها بتوعد: والله هندمك يا "أسيف"، هخليك تندم على اللحظه اللي شوفتني فيها، هلففك حوالين نفسك زي المجنون، وهتشوف!.
انتشلت حقيبتها عن الأرض لتعبث بها بعصبيه ثم تخرج هاتفها النقال، ضغطت عليه لثوان قبل ان تضعه على أذنها منتظره الرد...
اتاها الرد بعد لحظات لتهتف هي بقوه ونظرات مصممه: انت مش كنت عايز حاجه تثبت فيها ان"أسيف" مجنون؟... وانا عندي اللي يثبت دا... لو عايز اللي معايا يبقى تجيني بالليل على العنوان (........)... تمام... هستناك!!.
اغلقت الهاتف لترتسم ابتسامه ملتويه على شفتيها وهي تردف: انت انتهيت يا "أسيف"، كنت جايه عشان نقعد ونتفاهم بس انت رفضت، يبقى استحمل اللي هيحصلك!!.
___________________________________________
ضلو بمفردهم بعد طرد تلك المرأة من منزلهم، نظر الى ابنه عمه ليجد الدموع تملئ مقلتيها وصدرها يعلو ويهبط بشكل ملحوظ وكأنها قد أوشكت على البكاء!.
همس بحروف أسمها، همس وصل إليها لترفع عينيها ناحيته بألم، فهز هو رأسه كعلامه ان لا تبكي لكنها لن تستطيع، فاستدارت راكضه نحو الأعلى تبكي بحريه ودون قيود على ماضي عاد الآن بسبب من تسمى والدتها!.
ضل ينظر الى اثرها بغضب شديد وهو يلعن تلك الـ "هايدي" الف مره، هو تعب كثيراً ليجعل حالتها تتحسن كي تتناسى ماضيها بعض الشيئ، لكن بسبب تلك الحمقاء حالتها ستسوء لا محاله...
فرك وجهه بقوه بين راحته قبل ان يتحرك هو الآخر متجهاً نحو غرفه مكتبه ويقوم باغلاقها عليه دون ان يكلف نفسه عناء النظر الى زوجته حتى!.
زوجته "ليلى" التي كانت تتابع الثلاثه ببلاهه وصدمه وعدم فهم لكل ما يحدث بينهم فقط تتابعهم بصمت واخذت وضع المتفرج لا غير، لكنها حقاً مندهشه، لم تكن تعلم بوجود والده تلك الشقراء، كانت تظن انها يتيمه الابوين أيضاً، وحقاً دهشتها زادت اكثر مما سمعت عن والد "سابين"، اهو كان يعذبها هي أيضاً، ولما تلك المرأة تركتهم من قبل، ولما لا يودون سماعها، لما يكرهونها هكذا وأيضاً يكرهون ابويهم، ماذا حدث في الماضي ليكرهونهم هكذا و... مهلاً.."آسيا"، من"آسيا" تلك، ولما المرأة المسماه بـ "هايدي" قالت انها حبيبه قلبه، ماذا يحدث ياللهي، هل هناك أمرأه اخرى في حياه زوجها من قبل...
نفضت رأسها بقوه وتذمر لتتمتم بتأفف: اووووفة، حد يفهمني في ايه عشان حاسه اني هتجنن، هو في ايه وليه بيتكلمو كده، ايه اللي حصل زمان، هموت واعرف ايه اللي حصلهم، ياربي ومين "آسيا" دي كمان، معقول تكون حبيبه الاولانيه، دا انت نهارك هيبقى اسود يا "أسيف" لو طلعت تحب واحده قبلي، والله مش هرحمك!.
اكتسى الحزن ملامحها فجأة لتكمل: بس هو اتضايق اوي من الست دي، وكمان الحربايه ضربته، اكيد هو دلوقتي متعصب اوي وزعلان، ياحبيبي يا "أسيف"، اللهي تتكسر ايدها يا قادر يا كريم، طالعه حيه زي بنتها، لا بس بنتها برضو صعبت عليا، المسكينه مستحمله كتير، ربنا يكون في عونها ويقويها...
تنهد بضجر مسترسله: طب انا دلوقتي هعمل ايه يعني، اواسي مين فيهم، الباشا دخل مكتبه وقفله عليه وانا متأكده انه مش هيكلم حد دلوقتي عشان متعصب، والست طلعت اوضتها وقاعده بتعيط اكيد وبرضو مش هتتكلم مع حد، اروح فين انا، التنين سابوني لوحدي ومفكروش فيا، اخص عليهم بجد، تؤ بس يله هم محتاجين يقعدو لوحدهم شويه، متبقيش زنانه ورخمه يا" ليلى" وسيبيلهم خصوصيه، بس يارب الخصوصيه دي متطولش كتير عشان مولعش بنفسي وفيهم وفي الست الحربايه دي وفي الحراس اللي برا، يارب شيل الحزن من قلبهم بسرعه وخليهم يفرحو ويرجعو زي ما كانو!.
تنهدت ثانياً بأسى قبل ان تتجه نحو الأعلى قاصده غرفتها كي تجلس بها منتظره خروج زوجها من داخل مكتبه...
اما داخل المكتب كان "أسيف" يستند بكفيه على طاوله مكتبه، ينكس رأسه للأسفل وينفث انفاس سريعه ساخنه، وعينيه عباره عن لوحه باللون الأحمر من شده غضبه...
ها قد عاد شخص من ماضيه الذي اخفاه عن الجميع، ماضيه الذي لا يريد تذكره حتى مع نفسه، كان يتجنب دائماً اي شيئ يذكره بالماضي لكن وكأن هذه الحياه تتحداه لتعاود رسم ماضيه امامه من جديد لتدمر حاضره ومستقبله...
ضلت كلماتها وتوعدها له يدور داخل رأسه بشكل متكرر ومزعج جداً مما جعل غضبه يتزايد اكثر واكثر ليزئر بصوت عالي وهو يطيح بكل ما يوجد على مكتبه ويسقطهم على الأرض...
ضرب الطاوله بعنف عده مرات وصوت زئيره يملئ المكان لكن هذا لم يستطع خمد غضبه ليمسك بالطاوله ويرفعها عن الأرض دون ان يهتم لحجمها ووزنها ليرميها على الأرض حتى تحطمت لنصفين...
حطم كل ما تطوله يديده لتصبح الغرفه عباره عن فوضى عارمه تشهد على جنون صاحبها...
وقف بمنتصف الغرفه وصوت انفاسه العاليه هي ما كسرت هذا الصمت المريب...
تحدث مع نفسه بحنق: رجوعك مش كويس أبداً يا "هايدي"، اتحديتيني ورجعتي من غير ما اعرف ومسمعتيش كلامي، ايه اللي رجعك تاني، وعايزه ايه، بس انا مش هسيبك هنا اكيد، لازم ترجعي عشان وجودك هنا خطر عليا!!.
___________________________________________
حل الظلام على السماء وما زال كل من" سابين" و"أسيف " على وضعهم، و"ليلى" تجلس بانتظارهم لا تريد التدخل الآن، ارادت ان يهدئو مفردهم تاركه لهم مساحه وخصوصيه حتى لو لم يعجبها هذا الوضع لكنها مجبره!.
تجلس على سريرها ضامه ركبتيها لصدره وتدفن وجهها بينهما تبكي بحرقه على ما حدث اليوم وما حدث من قبل...
عوده والدتها من جديد لم يكن بالأمر الهين عليها ابداً، هي هكذا اعادت لها ما حاولت نسيانه او تناسيه فقط لتكمل حياتها بشكل طبيعي، لكنها اليوم تذكرت وتذكرت وتذكرت الا ان هُلكت اعصابها ونزفت روحها ألماً، فتذكر الماضي يجعل كل الجروح التي دفنتها تعود للحياه، وجروحها قد عادت فعلاً بشكل لا يرحم!.
استمعت الى صوت باب غرفتها ينفتح وصوت خطوات تقترب منها ثم شخص يجلس بالقرب منها...
استمعت الى صوته الحنون متمتماً: حبيبتي، محدش يستاهل انك تعيطي عشانه، دموعك اغلى منهم كلهم، هي باعتنا واختارت حريتها يبقى متستاهلش انك تنزلي دموعك عشانها!.
رفعت رأسها نحوه لينفطر قلبه على حالتها المزريه خصوصاً بتلك الدموع التي تغطي وجهها...
تمتمت من بين بكاءها: انا مبعيطش عشانها يا "أسيف"، انا بعيط على نفسي، كل اما اقول الحال هيتعدل والدنيا هتنصفنا بتطلعلنا حاجه جديده ترجعنا لماضينا، كل اما اقول هنسى عشان اعيش ييجي حد ويفكرني، نفسي اعرف هيرحموني امتى، بجد تعبت اوي تعبت!.
اجهشت في البكاء بمراره ليسحبها هو لأحضانه بحنو رابتاً على خصلاتها متمتماً: هششش، خلاص ياقلبي، انا هحل كل حاجه وهترتاحي، دا وعد مني، هبعدها عننا خالص!.
اجابت ببحه مؤلمه: عارفه وواثقه من دا، بس ارجوك يا "أسيف" ابعدها من غير ما تأذيها، انا بقولك مش عشان بحبها او اي حاجه تانيه، انا بقول كده عشانك، عشان عايزك تتغير بجد، ممكن؟.
ابعدها عنه برفق ليقوم بمسح دموعها بحذر وكانها شيئ ثمين يخشى جرحه...
تمتم بابتسامه صغيره: عارف ياحبيبتي، اعرف انك بتقولي كده عشاني، بس لازم تعرفي اني عمري ما هفكر أأذيها لأسباب كتير، عشان هي كانت رحيمه معانا زمان، كنت الجئ ليها وقت تعبي وزعلي وانا اصغير، مش هنسى انها كانت تأكلني في ايدها واتطبطب عليا لما اعيط، وكمان مش هنسى انها في الاول والاخر تبقى أمك، ودا كفايه عشان مأذيهاش!.
تطلعت له بحزن قبل ان تقع عيناها على الجرح الصغير بجانب شفته والذي تسببته والدتها...
تلمست مكان الجرح باناملها لتهمهم بحشرجه: ليه اخدت القلم بدالي، دا كان ليا انا؟!.
اجابها ببعض من المرح: انتي هبله يابت ولا ايه، انا مسمحش لأي حد مهما كان ان يرفع صباعه عليكي مش بس ايده وكمان يضربك، محدش يقدر يضربك غيري انا طبعاً!.
قال جملته الأخيره وهو يقرص وجنتيها بلطف حتى استطاع اضحاكها وابعادها قليلاً عن همومها!.
عاودت هي احتضانه برقه قائله بابتسامه صغيره: ربنا يخليك ليا يا "أسيف" وميحرمنيش منك ابداً!.
شدد من احتضانها اكثر متمتماً: ويخليكي ليا ياحياتي كلها!.
ضلو الأثنان هكذا يداوون جراح بعضهم ولم ينتبهو الى تلك الواقفه في عتبه الباب والتي حظرت منذ لحظات وتتابعهم بصمت مع ابتسامه حنونه على شفتيها ما لبثت ان اختفت حين احتضنو بعضهم واستمعت لآخر حديثهم...
لا تعلم لما شعرت بالضيق من اقترابهم، لا بل هي تعلم، هي تشعر بالغيره الآن، تغار على زوجها من تلك الشقراء الجميله التي كانت تحب زوجها وادعت انها لم تعد تحبه وتعتبره اخيها لا اكثر...
سيطرت على نفسها وغيرتها بصعوبه حتى لا تعكر مزاجهم جميعاً، يكفيها ان الضحكه عادت لوجوههم، هي تثق بزوجها وبحبه لها لكنها تبقى أنثى غيوره في النهايه!.
انسحبت ببطئ ودون ان يشعروا متجهه الى غرفته دون اصدار صوت لكنها لا تعلم ان "سابين" قد لمحتها فور ذهابها...
ابتعدت عن "أسيف" لتهتف: مراتك كانت هنا وراحت دلوقتي، انا خايفه تكون زعلت او اتضايقت انها شافتني حاضناك كده!.
استدار ناظراً الى الباب بحركه عفويه قبل ان يعود للأخرى قائلاً بطمئنه: لا متقلقيش هي مش هتتضايق، هي يمكن حبت تسيبنا لوحدنا مش اكتر، انا هروحلها دلوقتي اساساً!.
نهض من جانبها مستقيماً بجسده لتسارع هي بالقول: تمام، ولو لقيتها زعلانه فهمها انا حضنتك ليه، وقولها ان انا معنديش نيه مش كويسه!.
ابتسم بتعجب ليستطرد: علاقتك بيها بقت حلوه لدرجه انك تخافي على زعلها، ودا خلال يومين بس، ربنا يديمكم كده والحال ميتقلبش!.
ردت بابتسامه هادئه: ان شاءلله هيدوم، عشان "ليلى" بنت كويسه وتستاهل كل خير وانا كنت عميه وغبيه، وبجد نفسي اتغير، نفسي كلنا نتغير يا "أسيف"!.
فهم ما ترمي اليه بسهوله، فهو أيضاً يود ذلك كثيراً وسيفعل كل شيئ ليتغير فعلاً...
اقترب منها مقبلاً قمه رأسها بحنان أخوي ليتمتم بخفوت: تصبحي على خير ياحبيبتي!.
_ وانت من اهل الخير يارب!.
همست بها بابتسامه وهي تتابع رحيله من غرفتها بعد ان اغلق الباب خلفه برفق!!.
___________________________________________
استمعت لطرقات خفيفه على باب غرفتها التي حجزتها داخل افخم الفنادق الراقيه...
جرت نحوه لتفتحه فوجدت ضيفها يقف امامها بوجوم شديد قابلته بابتسامه بارده...
تمتمت بترحيب وهي تدعوه للدخول: نورت ياباشا، اتقضل!.
حدق بها لثوان متمعناً النظر بملامحها التي يرى الخبث يرتسم عليهم عكس قناع البرائه واللطافه الذي كانت ترتديه في مقابلتهم الأولى، علم منذ البدايه ان هذه المرأة تخفي شيئاً سيساعده بالتأكد لكنه كذب احاسيسه وسمح لخيبه الأمل ان تستولي عليه مجدداً!.
زفر بقوه قبل ان يخطي الى الداخل بخطوات واثقه ليستمع بعدها الى صوت اغلاق الباب من خلفه...
التفت لها حين هتفت: اتفضل اقعد عشان نتكلم!.
جلس على الكنبه الوفيره وجلست هي امامه، هتف مباشره بجديه لا تحمل نقاش: قبل اي حاجه، ليه لما سألتك لو كان عندك دليل يثبت ان "أسيف" مجنون قولتيلي معنديش!.
عادت بجدسها الى الخلف وهي تجيب ببساطه: عشان مكنتش عايزه ابيعه، مهما كان "أسيف" اتظلم كتير من زمان، وانا مكنتش واثقه فيك الصراحه ومكنتش عارفه انت هتعمل فيه ايه او ممكن تأذيه!.
تساءل باهتمام: وايه اللي اتغير دلوقتي؟.
توحشت ملامحها فجأة لتتمتم بحنق: اللي اتغير اني اكتشفت اني كنت غلطانه، وغلطانه اوي كمان بعد ما روحتلهم النهردا!.
جحضت عيناها بذهول مستنكر ليتمتم: روحتيلهم فين؟.
ردت بسرعه: روحتلهم الفيلا عشان اشوفهم!.
نهض بسرعه كمن لسعته افعى ليصيح بها بغضب: انتي اتجننتي ازاي تروحيلهم؟.
وقفت لمواجهته متساءله باستغراب: وفيها ايه لما اروحلهم يعني..
_ فيها كتير، انا مكنتش عايز حد يعرف برجوعك على مصر وخصوصاً هو، دلوقتي اكيد مش هيسكت وهيعرف انتي رجعتي ليه وبسبب مين وهتبوضي كل اللي عملته بثواني!.
قلبت عيناها بضجر لتهتف: متبقاش اوڤر اوي كده، وبعدين حتى لو دور هو مش هيوصل لحاجه عشان ببساطه انا مقولتش لحد انا جيت مصر ليه، المهم عايزني اكمل ولا هتفضل تزعق كده؟.
ضغط على اسنانه بغيض من تلك الحمقاء التي امامه والتي ود تحطيم رأسها الآن بسبب غبائها الذي سيؤدي بهم الى القبر، لكنه حافظ على انفعالاته ليعاود الجلوس بصبر وهي فعلت المثل...
تمتم بتساءل: ايه اللي حصل بينكم، واستقباله ليكي كان ازاي؟.
اجابت بغضب: زفت، انا بجد مش مصدقه انه كده فعلاً، دا بقى نسخه من ابوه وعمه، دا منعني من بنتي وكمان اتخانق معايا وهددني وفي الآخر طردني، انا مكنتش اعرف انه بقى همجي زيهم، افتكرت انه اتغير بعد اهر مقابله لينا!.
تساءل بهتمام: قصدك لما رجعتي مصر وهو عنده 18 سنه؟.
نظرت له بتردد قبل ان تحسم أمرها لتجيب: لا، انا بنتكلم عن مقابلتنا انا وهو في لندن!.
عقد حاجبيه بحذر ليتمتم: مش فاهم؟.
ردت بجمود: انا و"أسيف" اتقابانا من 6 سنين!.
صدمه اخرى تلقاها كادت جعل عينيه تخرجان من مكانهما بسبب ذلك الخبر...
تمتم بعدم تصديق: انتي بتقولي ايه، وليه مقولتيليش من الأول؟.
_ قولتلك انا مكنتش واثقه فيك ودلوقتي الوقت اتغير وقررت اقولك كل حاجه ومن غير كدب او تزييف!.
نهضت متجهه نحو حقيبه سفر موضوعه على السرير، فتحتها واخرجت منها ظرف أبيض متوسط، اغلقت الحقيبه وعادت اليه...
وقفت امامه وناولته الظرف بصمت لينهض هو بدوره ويأخذه من بين اناملها...
نظر له بعدم فهم ليتساءل: ايه دا؟.
اجابت بجديه: دا الدليل اللي انت عايزه، افتحه وانت تعرف ايه اللي جواه!.
استغرب حديثها جداً لكن فضوله سبقه ليقوم بفتح الظرف بحذر ويخرج ما بداخله...
وكانت الصدمه حين وجد بيديه مجموعه من الصور القديمه تضم رجلين وأمرأتين وطفلين، واخرى طفل وطفله، واخرى رجل وامرأه، واخرى واخرى واخرى، كانت صور كثيره لم يفقه منها شيئاً...
رفع عينيه لها متمتماً باستغراب: ايه الصور دي؟.
اعتلت شفتيها ابتسامه خبيثه لترد: دول نهايه "أسيف"!!.
___________________________________________
توقعاتكم...
دمتم سالمين احبتي...
#byan
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!